كتاب السلم الأول
النسخ المقبل عليها 1 - (ب) = نسخة برلين رقم (3144) 2 - (ت) = نسخة تازة رقم (234 & 243) 3 - (ق 4) = نسخة القرويين رقم (368) 4 - (ث) = نسخة سيدنا عثمان رقم (172)
الجزء: 6 - الصفحة: 2875
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا
كتاب السَّلَمِ الأول
باب في المداينة وسلم الحيوان بعضه في بعض
الأصل في المداينة إلى أجل قول الله سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: 282].
قال مالك: هذه الآية تجمع الدين كله 1.
والمداينة على وجهين: على وجه المعروف، وهو القرض.
وعلى وجه المبايعة، وهي ثلاثة أقسام: بيع ما ليس بعين بالعين إلى أجل، وإسلام العين فيما ليس بعين إلى أجل 2، وإسلام ما ليس بعين فيما ليس بعين، وكل ذلك جائز داخل في عموم الآية.
والأصل في القرض من السنة حديث أبي رافع قال: اسْتَسْلَفَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - بَكْرًا، فَقَضَى جَمَلًا خِيَارًا رَبَاعِيًّا 3.
الجزء: 6 - الصفحة: 2877
وفي البيع إلى أجل حديث عائشة - رضي الله عنها - قالت: اشْتَرَى النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - طَعَامًا مِنْ يَهُودِيٍّ إِلَى أَجَلٍ، فَرَهَنَهُ دِرْعَهُ (1). وفي السلم حديث ابن عباس قال: قَدِمَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - المَدِينَةَ وَهُمْ يُسْلِفُونَ فِي الثِّمَارِ العَامَ وَالعَامَيْنِ، أو قال: العَامَينِ (2) وَالثَّلاثَةَ، فقال: "مَنْ أَسْلَفَ فِي تَمْرٍ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَل مَعْلُومٍ" (3). وكل هذه أحاديث صحاح اجتمع عليها البخاري ومسلم.
فصل [في أقسام المُسْلَم فيه]
والمُسلم فيه ثلاثة: المَكيل والمَوْزُون.
والثاني: العروض وما شابهها، مما لا يجري فيه كَيل ولا وَزن.
والثالث: الحيوان والعبيد والإبل والبقر، والغنم والخيل والبغال والحمير والطير وغيرهما.
فأما المَكيل والموزون فالأصل فيه حديث ابن عباس وقد تقدَّم.
وأما العروض فلم يأتِ فيه حديث، وأجمع أهل العلم على جواز السَّلَمِ فيها على صفة يحصرها ويرفع الغرر منها، ولم يأت أيْضًا في السَّلَمِ في الحيوان456
الجزء: 6 - الصفحة: 2878
حديث صحيح، واختلف أهل العلم في جواز السلم 7 فيه: فأجاز ذلك مالك 8 والشافعي 9.
وقال به من الصحابة: علي وابن عباس وابن عمر، ومن التابعين: سعيد بن المسيب والحسن البصري والنخعي وأحمد وإسحاق، ومنع ذلك أبو حنيفة 10، ورأى أن الصفة فيه لا تنحصر.
واحتج من أجاز ذلك بحديث أبي رافع في استقراض البكر 11، وبالحديث في قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لاَ تَنْعَتُ المَرْأَةُ المَرْأَةَ لِزَوْجِهَا كأَنَّه يَنْظُرُ إِلَيْهَا" 12. وتحمل العاقلة دية الخطأ، وهي إبل وكل هذا فيه نظر؛ لأن القرض معروف فيستخف فيه ما لا يستخف فيما خرج على وجه البيع والمكايسة، ولأن الغرر فيما أحضر مثله وقيل مثل 13 هذا أخف فيما لا يحضر مثله؛ لأن القرض تقدمت له عين مرئية فيرد مثله.
وأما النهي عن نعمت المرأة، فإن ذلك لأنها إن كانت قبيحةً كان في نعتها ذمها وكشفها 14 أن تعيبها لزوجها، وإن كانت جميلة فقد تُوقع في نفس
الجزء: 6 - الصفحة: 2879
المنعوت له شيئًا، وكل هذا للمرأة مذموم، وإن لم تأتِ بحقيقة الأمر في الصفة كان كذبا (1).
وأما الدية فالأصل فيها أوسع، وهي من باب غرم المتلف، فلم تكن كابتداء البيع.
وقد قال سحنون في الشقص يؤخذ عن دية الخطأ: إنه إن كانت الدية عينًا استشفع بمثلها، وإن كانت إبلًا استشفع بقيمتها لا بمئلها (2)؛ لأن الذي تغرمه العاقلة ليس له صفة محصورة في الجودة والدناءة، غير أن الصفة تتقارب فيما سوى بني آدم، وتتباين في آدم، وهي في العلي من الجواري أشد تباينًا.
وقد يكون للرجل العبد، وهو ببلد لو كان جميعهم عبيدًا لم يجد من يوافقه في جميع صفاته في سِنِّهِ وطوله ولونه (3) وجسمه وجماله ونشاطه وقوته وفهمه وذكائه وشمائله وأمانته، وقد يقول في حليته إذا باعه أو أسلمه فيه أكحل أقرن (4) لون كذا فيجد في البلد الخلق العظيم يدخلون تحت تلك الصفة، فإذا أحضرتهم تباينوا في الثمن.
فصل [في السَّلَمِ في الإبل والبقر والغنم والخيل والبغال والحمير]
الإبل والبقر والغنم والخيل والبغال والحمير أصناف، يجوز أن يسلم كل15161718
الجزء: 6 - الصفحة: 2880
واحد من هذه الستة في الآخر ما خلا البغال والحمير 19، فإنه اختلف فيهما، هل هما صنف واحد، أو صنفان 20؟
ويجوز أن يسلم الصنف الواحد بعضه في بعض إذا اختلفت منافعه.
فالإبل صنفان: صنف يراد للحمل عليه.
وصنف يراد للركوب لا للحمل، وكل صنف منهما صنفان: جيد، وحاشي.
فيجوز أن يسلم ما يراد للحمل فيما يراد للركوب وللسير عليه، جيد أحدهما في جيد الآخر، والجيد في الرديء، والرديء في الرديء، اتفق العدد أو اختلف، وأما إذا كانت كلها تراد للحمل أو للركوب، فلا يجوز أن يسلم الجيد في الرديء، ولا الرديء في الجيد.
ويجوز أن يسلم جيد أحدهما في حاشين أو أكثر، وحاشيان أو أكثر في جيد.
ولا يجوز أن يسلم واحد في واحد أي ذلك تقدم الجيد أو الرديء؛ لأنه سلف جرَّ منفعة إن تقدم الرديء، أو ضمان بجعل إن تقدم الجيد، فإن اختلف العدد وكانت الكثرة في جنبة الرديء كانت مبايعة، فيكون فضل العدد، لمكان الجودة.
وكذلك فعل علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - باع جملًا يدعى عصيفير بعشرين بدنة 21 إلى أجل 22،. . . . . . . . . . . . .
الجزء: 6 - الصفحة: 2881
واشترى ابن عمر راحلة بأربعة أبعرة إلى أجل (1). وهذا الشأن أن يقل عدد الجيد، ويكثر عدد الرديء، وإن استوى العدد كان الفضل من صاحب الجيد خاصة، فلم يدخله مبايعة، ولو أسلم نصفًا جيدًا في كامل رديء، لجاز ودخلته المبايعة؛ لأنَّ كمال هذا في مقابلة جودة الآخر مع نقصه.
فصل [في السَّلَمِ في الخيل والبغال والحمير]
ويجوز سلم الفرس الواحد في الفرس إذا كان يرغب في أحدهما لجماله والآخر لسرعته، فتكون حينئذٍ مبايعة 24.
فإن تساويا في السبق وأحدهما أجمل أو أردأ، أو تساويا في الجمال أو السمانة أو الرداءة وأحدهما أسبق لم يجز؛ لأنه إذا كان الفضل من أحدهما لم تكن مبايعة إلا أن يختلف العدد وتكون كثرة العدد في جنبة 25 أدناهم في السبق أو الجمال أو غيره فيكون مبايعة، فيكون قد ترك هذا الجودة لمكان فضل العدد في الآخر.
واختلف في البغال والحمير: فقال ابن القاسم: كره ذلك مالك 26.23 = والبيهقي: 5/ 288، في باب بيع الحيوان وغيره مما لا ربا فيه بعضه ببعض نسيئة، من كتاب البيوع، برقم (10310).
الجزء: 6 - الصفحة: 2882
وكأنه رآهما صنفًا واحدًا، وجعلهما ابن حبيب صنفين، يجوز سلم أحدهما في الآخر 27.
والقول الأول أحسن؛ لأن منافعهما متقاربة إما أن تراد للحمل أو للركوب، وليس يفترقان إلا من باب جودة ودناءة، والبغال في معنى الجيد، والحمير في معنى الدنيء، فلا يسلم حمار في بغل؛ لأنه من باب سلف بزيادة، ولا بغل في حمار؛ لأنه ضمان بجعل، ويجوز أن يسلم بغلًا في حمارين أو أكثر، فتكون الجودة في مقابلة كثرة العدد.
ويجوز أن يسلم بغل للركوب في أقوى منه يراد للحمل، وحمارًا قويًا يراد للحمل في أقل حمل منه إذا كان يراد للركوب وللسرج، واختلف في سرعة السير، فلم ير ذلك محمد شيئًا.
وقال عبد الملك: إذا اختلفا في سيرهما كاختلاف سير الخيل جاز سلم أحدهما في الآخر، قال: لأن فضل السير هو الذي يراد من البغال والحمير 28 وهو أحسن، ولا شك أنه زيادة فضل، ويزاد في الثمن لأجله إذا كان سيرًا بَيِّنًا والآخر معه في معنى الدنيء، فيسلم المسيار في اثنين دونه.
وإسلام الصغار في الصغار على نحو ما تقدم في الكبار، فإن تساوت في السبق 29 والجودة والمنفعة، لم يجز أن يسلم أحدهما في الآخر، ولا واحد في اثنين.
الجزء: 6 - الصفحة: 2883
وإن اختلف السن 30 والجودة والمنفعة، جاز أن يسلم واحدًا في واحد إذا كان أحدهما أسن 31 والآخر أجود وأحسن منفعة، وإن رجح أحدهما بشيء واحد وتساويا فيما سوى ذلك لم يجز السلم إلا أن يختلف العدد، ويكون كثرة العدد في جنبة أصغرهما أو أدناهما.
وأما الكبار بالصغار فإن الإبل والبقر والبغال والحمير في ذلك سواء، يجوز أن يسلم كبير في صغيرين أو أكثر، وصغيران في كبير، فيكون كبير السن في مقابلة كثرة العدد 32.
ولا يجوز أن يسلم صغير واحد 33 في كبير، ولا كبير في صغير، وهو من باب سلف بزيادة 34 أو ضمان بجعل إلا أن يكون الصغير أحسن نجارًا، أو أعتق أصلًا فيجوز 35؛ لأنه ترك جودة الصغير لسن الكبير.
وقد قال ابن القاسم في كتاب محمد: لا بأس أن تسلم الخيل كبارها في صغارها ما لم يكن على وجه سلف جرَّ منفعة، وأما إذا كان على وجه البيع فلا بأس به، قال: مثل أن يسلم الصغيران في الكبير، والكبير في الصغيرين، وإذا كان صغيرًا واحدًا فلا خير أن يسلم في كبير ولا في كبيرين؛ لأنه من وجه الزيادة في السلف 36.
الجزء: 6 - الصفحة: 2884
وهذا من قوله يبين ما تقدم من هذا الأصل أن المبايعة ما كان فيه معاوضة من الجنسين، وأجاز في موضع آخر أن يسلم حوليًا في قارحين (1). وعند ابن حبيب نحوه.
ومحمل ذلك على أن الصغير أفضل في الأصل، والآخر من حاشي ذلك الجنس.
فصل [في سلم البقر]
قال ابن القاسم: ولا بأس أن تسلم البقرة الفارهة القوية على الحرث في حواشي البقر (2). ومثله: لو كانت كثيرة اللبن وذلك المقصود منها، فلا بأس أن تسلم في عدد لا يراد ذلك منها، ولا تسلم واحدة في واحدة إذا كانت إحداهما فارهة أو مما تراد للبن في واحدة من حواشي البقر، ولا بأس أن تسلم واحدة فارهة تراد للحرث في ذات لبن.
فصل [في سلم الغنم]
قال مالك: والغنم ضأنها ومعزها صغارها وكبارها صنف، وكذلك عنده ذكورها وإناثها صنف، فلا يسلم بعضها في بعض إلا أن تكون غنم غزيرة كثيرة اللبن موصوفة بالكرم، فلا بأس أن تسلم في حواشي الغنم 39. وقد اختلف في هذه الثلاثة وجوه: في سلم الصغار في الكبار، وفي الذكور3738
الجزء: 6 - الصفحة: 2885
في الإناث، والضأن والمعز.
فأجاز مالك في كتاب محمد أن تسلم ضائنة في معزتين صغيرتين 40.
وأجاز ابن وهب في مختصر ما ليس في المختصر أن يسلم كبش في خروفين، وهذا هو الصواب، أن يجوز على مثل ما قالاه أن تكون الصغار أكثر عددًا، فهي مبايعة حقيقة.
وأجاز ابن القاسم أن تسلم الدجاجة البيوض أو ما فيها بيض في ديكين 41، وعلى هذا يجوز أن تسلم نعجة في كبشين، وهو الصواب؛ لأن المعلوم من أهل كسب الغنم أنهم يرغبون في كسب الإناث للنسل واللبن، ولا يرغبون في الذكور، ولا يمسكون منها إلا ما يحتاجونه للغنم.
ولا تسلم نعجة في كبش واحد؛ لأن النعجة للكسب أفضل إلا أن يكون للكبش 42 فضل على النعجة من وجه آخر، فيكون مبايعة، ويكون ذلك في مقابلة ما يراد من الأخرى من النسل والولد.
وأجاز عبد العزيز بن أبي سلمة الضأن في المعز ورآهما صنفين، وعلى هذا الناس اليوم فيرغب في الضأن قوم ويجتنبون كسب المعز، ويرغب آخرون في المعز دون الضأن؛ لأنها أكثر ولدًا وأغزر لبنًا.
الجزء: 6 - الصفحة: 2886
فصل [في سلم الجِذْع]
ولا يجوز أن يسلف جذع في مثله 43، وسواء كان الأصل فيهما واحدًا أو مختلفًا إذا كان المبتغى والذي يُعْمَل منهما واحدًا.
ولا يسلف نصف جذع في جذع 44، ولا بأس أن يُسلَّم جذع في مثله إذا كان الأصل فيهما مختلفًا، والذي يعمل منهما مختلف.
وإن كان الأصل واحدًا والذي يصنع 45 منهما مختلف، مثل أن يكون أحدهما يصلح أن يعمل في سقف أو حائط والأخرى عريضة تعمل بابًا، وما أشبه ذلك، جاز أن يسلم إحداهما في الأخرى.
قال مالك: ولا بأس أن يسلم جذع في جذوع صغار 46.
الجزء: 6 - الصفحة: 2887
باب السلم في العبيد والإماء
العبيد عند مالك صنف واحد وإن اختلفت قبائلهم وأجناسهم، البربري والنوبي والصقلبي وغيرهم لا يجوز أن يسلم أحدهم في الآخر 47؛ لأن المراد من جميعهم معنى واحد، وهو الخدمة، وتنقلهم الصنائع فتصيرهم أصنافًا، فيسلم أحدهما في الآخر إذا كانا تاجرين مختلفي التجارة، بزازًا وعطارًا، أو صانعين مختلفي الصنعة، نجارًا وخياطًا، ويسلم التاجر في الصانع ولا يسلم تاجر ولا صانع فيما يراد منه الخدمة ولا تجارة له ولا صناعة، وهو كإسلام الجيد في الدنيء إلا أن يتبين بفراهة أو جمال فتدخله المبايعة، ويجوز أن يسلم التاجر والصانع في عدد يراد منهم الخدمة.
واختلف في الحساب والكتابة هل يكون بها كالصنعة؟
وأرى إن كان يراد ليجلس لذلك، ومنه يعول على سيده أن يكون كالصنعة، وإن كان يراد للخدمة وإنما ذلك زيادة إن احتيج إليه استعمل فيه لم يكن كالصنعة.
والإماء صنف واحد لا يسلم بعضهن في بعض ما لم تكن ذات صنعة، تسلم الواحدة في الاثنتين وأكثر، مما لا صنعة عندها.
قال مالك في كتاب محمد: والطبخ والخبز صنعة، وقال ابن القاسم: والرقم صنعة 48، يريد إذا كان ذلك المقصود منها، قال: وليس الغزل وعمل
الجزء: 6 - الصفحة: 2888
الطيب صنعة، والنساء أجمع يغزلن 49.
يريد: ما لم تبن بذلك ويكون ذلك المقصود منها ولمثله تراد.
واختلف في موضعين:
أحدهما: هل يكون الجمال ومَنْ تُرَادُ للفراش صنفًا تَبِينُ بذلك عن غيرها؟
والثاني: هل الذُّكرانُ مع الإناث صنفٌ واحدٌ أو صنفان؟
وقد ذهب ابن القاسم إلى أنهن صنف واحد، ومنع أن يسلم العلي في الوخش 50.
وأجاز ذلك مالك وابن وهب وأصبغ 51.
فقال مالك في كتاب محمد: لا بأس بالجارية الرائعة بالجاريتين دونها 52، قال: وكل ما اختلف من هذا فالنسيئة فيه تحل.
وقاله ابن وهب 53.
وقال أصبغ: لا بأس أن تسلم جارية جميلة فصيحة في جاريتين إلى أجل 54، وظاهر قول مالك أنه أجاز رائعة في رائعتين دونها 55، وهذا هو الأصل كما يجوز سابق في عدد دونه، وحَمَّال في عدد دونه في الحمل، وأن أعلى الجنس الواحد وحواشيه صنفان.
الجزء: 6 - الصفحة: 2889
وقال ابن حبيب: الذكران والإناث صنف واحد 56.
وعلى قول مالك في العتق الأول يكونان صنفين؛ لأنه قال فيمن قال: كل عبد أملكه، وكل جارية أشتريها فهي حرة: ألَّا شيء عليه 57؛ لأنه عم الجواري والغلمان فلم يلزمه اليمين 58 إذا عم العبيد، وإن كان قد أبقى خدمة الإناث أو عم الإناث، وأبقى خدمة الذكران، ولو كانا عنده صنفًا واحدًا، لألزمه الحنث إذا أبقى أحد الصنفين.
وقال ابن الماجشون: يلزمه اليمين إذا حلف على أحدهما وأبقى الآخر، ورأى أنهما شيء واحد.
وقول مالك في ذلك أحسن؛ لأن الخدمة مختلفة، فخدمة الذكران بالتصرف فيما يكون من الخدمة خارج البيت والأسفار والحرث وما أشبه ذلك، وخدمة الإماء ما يتعلق بالبيت من خبز وغسل وطبخ وما أشبه ذلك 59، وذلك معلوم عند الناس، ولا يشتري أمة من احتاج إلى خدمة عبد، ولا عبدًا من احتاج إلى خدمة أمة.
وأما الكبار والصغار فينبغي أن يكونا صنفين، فيسلم كبير في صغيرين، وصغيران في كبير، ولا يسلم كبير في صغير ولا صغير في كبير إلا أن يكون الكبير من الوخش، ولا يراد إلا للخدمة، والصغير له جمال، وممن يرى أنه إن كِبِر يراد 60 للتجارة أو للصنعة فتدخله المبايعة.
الجزء: 6 - الصفحة: 2890
وقال ابن القاسم في العتبية: لا يسلم صغير في المهد في كبير 61؛ لأنه عنده من باب سلف بزيادة، ولو كان الصغير فوق هذا السن فيما يبين أن القصد المبايعة لجاز.
ومنع ابن حبيب أن يسلم الصغار في الكبار 62. يريد: إذا تساوى العدد، أو كان الكبار أكثر عددًا، وأما إن كان الصغار أكثر عددًا، جاز.
الجزء: 6 - الصفحة: 2891
باب في السلم في الثمار
السلم في الثمار على ثلاثة أوجه:
في ثمر قرية مأمونة، أو غير مأمونة، أو حائط بعينه.
فإن كانت قرية مأمونة، جاز أن يسلم في ثمارها قبل أن تزهي، ليأخذ ذلك من ثمار عامه أو بعد عامين أو ثلاثة، ويأخذ ذلك زهْوًا أو رطبًا أو تمرًا.
وإن كانت قرية غير مأمونة، أو كان حائطًا بعينه، لم يسلم فيها إلا بعد أن تزهي، ليأخذ ذلك زهْوًا أو رطبًا، ولا يسلم في تمرها، وإن كانت ثمارها قد أرطبت أسلم في رطبها، ولا يسلم في تمرها، والقرية الصغيرة والحائط بعينه في هذا سواء 63.
ويفترقان في رأس المال، فإنه يجب تعجيله إذا كان السلم في ثمار تلك القرية؛ لأنه مضمون في الذمة، ويجوز أن يسلم لمن ليس له فيها 64 ملك، وإن كان حائطًا بعينه جاز تأخير رأس المال، ولا يجوز أن يسلم إلا لمن يملك تلك الثمار.
ويفترقان أيضًا في أنه لا يسلم في القرية إلا فيما الغالب أنه يقدر على شرائه من سوق تلك القرية، أو من أصحابها إن لم يكن عندهم سوق، فإن لم يكن شأنهم البيع أو الذي يباع عندهم قليل، ولا يقدر هذا في الغالب على شراء القدر المسلم إليه فيه مع جملة المشترين، لم يجز.
الجزء: 6 - الصفحة: 2892
والسلم في الحائط المعين يجوز بشروط، وهي: أن يكون السلم بعد أن أزهى، ويشترط أخذه زهوًا أو رطبًا بحسب ما تقدم.
ويبين أخذ ذلك هل هو في يوم أو في أيام 65؟
فإذا كانت أيامًا فليسلم عددها 66، وهل هي متوالية أو متفرقة؟ ومبتدأها ومنتهاها، وإذا كانت متوالية أجزأ 67 ذكر مبتدئها عن ذكر آخرها.
ويذكر ما يأخذه كل يوم، ويكون ذلك الذي شرط أخذه لا يتعذر قبضه في كل يوم من تلك الأيام، ويبقى زهو ذلك الحائط أو رطبه إلى آخر تلك الأيام، ولا ينقطع قبل ذلك، فإن شك هل يقدر على توفية ذلك القدر 68 في كل يوم من تلك الأيام، أو هل يبقى الزهو أو الرطب إلى آخر تلك الأيام المسماة، لم يجز، ويجوز العقد بغير نقد 69.
ومعنى السلم في هذا: أن تقدم رأس المال، فهو إسلام لرأس المال، وإذا لم يقدم رأس المال، لم يُسَمَّ سلَمًا.
والسلم يطلق على ما قدم فيه رأس المال، سواء كان السلم في معين، أو فيما هو مضمون في الذمة.
واختلف إذا أسلم تمر حائط وهو زهو أو قد أرطب ويأخذ ذلك تمرًا،
الجزء: 6 - الصفحة: 2893
فقال مالك 70 في المدونة: ليس بالحرام البين وأكره أن يعمل به فإن عمل به وفات لم يرده 71، وقوله هذا محتمل، هل يفوت بالعقد أو بالقبض؟
وقال في كتاب محمد: لا يفسخ إن وقع 72.
وقال مالك 73 في كتاب ابن حبيب: يفسخ ما لم يقبض 74.
والأول أحسن، والقياس أن ذلك يجوز ابتداءً لوجهين:
أحدهما: حديث أنس وجابر - رضي الله عنهما - قالا: "نَهَى رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلاَحُهَا" 75.
وهذا نص على جواز البيع فيها بعد بدو الصلاح الجزاف والمكيل؛ لأنه لم يفرق؛ لأن محمل النهي عن البيع قبل بدو الصلاح على البقاء؛ لأن بيعها قبل ذلك على الجداد جائز.
ولو حُمل الحديث على الجزاف لقيس المكيل عليه؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أبان أن النهي عن البيع قبل بدو الصلاح على البقاء لمكان الغرر خوف الجوائح، فبان بهذا أن البيع بعد ذلك لا غرر فيه.
الجزء: 6 - الصفحة: 2894
فإذا لم يكن فيه غرر، جاز على الجزاف والمكيل، وذلك أن الضمان في الجزاف من البائع حتى يقبضه المشتري، والمكيل كذلك، ولا يعترض هذا بالجائحة في الجزاف إذا كانت أقل من الثلث؛ لأنه في معنى ما لم يقع عليه بيع.
وقد قال أبو محمد عبد الوهاب: إنما لم يرجع بما دون الثلث؛ لأن الغالب من الثمار السقوط، وإذا كان كذلك، فالمعتبر ما وقع عليه البيع بغير خلاف، وهو أن يصاب جملتها أو الثلث فصاعدًا 76.
وقال ابن القاسم: إذا أسلم في حائط بعينه ليأخذ ذلك زهوًا أو رطبًا في يوم بعينه، ثم رضي صاحب الحائط أن يقدم ذلك قبل الأجل، فلا بأس به إذا رضي الذي له السلف، وكان صفته بعينها 77.
فأجاز أن يأخذ ما طاب الآن عما يطيب بعد، وهو طعام بطعام ليس يدًا بيد، فإن كان القصد من صاحب الحائط المعروف بالتعجيل، جاز، وإن كان القصد المبايعة، ليتصرف في ثمار حائطه، فإن أجيحت الثمار بعد ذلك، لم يرجع بشيء، جاز، وإن كان ليرجع بمثل ما دفع، لم يجز، إلا أن يكون ذلك على وجه السلف، فيجوز.
ومنع ابن القاسم في كتاب الحبس إذا وهب عشرة أقساط من دهن جُلجلانه، ثم أراد أن يعطي عشرة أقساط من غيره 78، وقد مضى بيانها في كتاب الحبس.
الجزء: 6 - الصفحة: 2895
فصل [في بيع الثمار قبل بدو صلاحها على الجداد]
بيع الثمار قبل بدو صلاحها على الجداد جائز وذلك بثلاثة شروط:
إذا كانت حينئذٍ مما ينتفع بها وكانت هناك حاجة إلى بيعها، ولم يتمالأ على مثل ذلك أهل ذلك الموضع أو الكثير منهم.
فإن لم يكن فيها حينئذٍ منفعة أو كانت ولا حاجة إلى جدادها، أو تمالأ عليه أكثر أهل ذلك الموضع لم يجز؛ لأن ذلك من الفساد.
وقد منع مالك من بيع القصيل، والقضب على الجداد إذا لم يبلغ أن يرعى، ورآه من الفساد (1).
وقد يمر بالبلح وقت لا ينتفع به لأكل ولا لعلف، فقطعه حينئذ من الفساد، وكذلك إذا صار بلحًا يؤكل، وهو مما يصير تمرًا، ولم يكن هناك حاجة إلى قطعه، فهو من الفساد، والله تعالى لا يحب الفساد، وفعل العدد الكثير أو الجميع أشد فيما يؤدي إلى الضرر بالناس.
فصل [في بيع الثمار قبل بدو صلاحها بشرط البقاء]
وبيعها قبل الصلاح على البقاء 80 على ثلاثة أوجه: يمنع في وجهين، ويجوز في وجه، فيمنع إذا شرطا أن المصيبة من المشتري، وسواء كان البيع79
الجزء: 6 - الصفحة: 2896
بالنقد أم لا، ويمنع إذا شرطا أن المصيبة من البائع، وكان البيع بالنقد؛ لأنه تارة سلف، وتارة بيع.
ويجوز إذا كانت المصيبة من البائع، والبيع بغير نقد.
والأصل في الأول حديث أنس - رضي الله عنه - قال: "نَهَى رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ قَبْلَ أَنْ تُزْهِيَ" 81، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أَرَأَيْتَ إِنْ مَنَعَ اللهُ الثَمرة، بِمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ؟ " 82 يريد: إذا بيعت على أن المصيبة على المشتري، فأحب البائع أن يأخذ الثمن بعد أن أجيحت.
وهذا الحديث أصلٌ في كل مبيع لا يتوصل إلى قبضه إلا إلى وقت لا يدرى هل يسلم المبيع إلى ذلك الوقت أم لا؟ لأن البيع على أن المصيبة من المشتري فاسدٌ، ولا يمنع إذا كان بغير نقدٍ، وكانت المصيبة من البائع، لحديث زيد بن ثابت قال: كان الناس في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - يتبايعون الثمار، فإذا جدّ الناس وحضر تقاضيهم قال المبتاع: أصاب الثمر الدمان 83، أصابه مراض، أصابه قُشام -عاهات يحتجون بها- فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما كثرت عنده الخصومة في ذلك: "فَإِمَّا لاَ، فَلاَ يَتبَايَعُوا حَتَّى يَبْدُوَ صَلاَحُ الثَّمَرِ" كَالمَشُورَةِ
الجزء: 6 - الصفحة: 2897
يُشِيرُ بِهَا عَلَيْهِمْ لمَّا كَثُرَتِ الخُصُومَةُ، ذكر هذا الحديث البخاري (1).
وقد تضمن هذا الحديث ثلاث فوائد:
جواز البيع على البقاء بغير نقد إذا كانت المصيبة من البائع، بقول زيد: فإذا جدّ الناس وحضر تقاضيهم.
فيه دليل أن البيع كان بغير نقد، وأن امتناعهم من النقد عند الجوائح؛ لأنهم كانوا يدخلون على أن المصيبة من البائع ولولا ذلك لم يكن لاحتجاجهم بالجوائح (2) وجه.
وأن البيع كان قبل بدو الصلاح، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لاَ تَتبَايَعُوا حَتَّى يَبْدُوَ صَلاَحُهَا" (3). وقال زيد: كان ذلك كالمشورة عليهم.
فصل [في بيع الثمار قبل بدو صلاحها بدون اشتراط التبقية ولا القطع]
واختلف أيضًا إذا أطلق البيع ولم يشترط جدادًا ولا بقاءً، هل يحمل البيع على الجداد، ويكون جائزًا، أو على البقاء فيكون فاسدًا؟ فقال ابن القاسم في كتاب البيوع الفاسدة إذا اشترى ثمرة فجدَّها قبل بدو صلاحها: إن البيع جائز، إذا لم يشترط أنه يتركها حتى يبدو صلاحها 87.848586
الجزء: 6 - الصفحة: 2898
وقال أبو محمد عبد الوهاب (1): البيع فاسد، واحتج بنهيه - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها (2). والقول الأول أحسن عند عدم العادة؛ لأن محمول البياعات على التقابض في الثمن والمثمون، ولا يعترض هذا بالعادة أنها تجد بعد الصلاح؛ لأن تلك العادة إذا لم يقع البيع، وإذا كان البيع حملوا على أصل البياعات، وأما نهيه - صلى الله عليه وسلم - فقد كان عن عادة جرت بينهم أن البيع على البقاء.
فصل [في بيع الثمار بعد بدو الصلاح بدون اشتراط التبقية ولا القطع]
واختلف أيضًا في إطلاق البيع بعد بدو الصلاح.
فالمعروف من المذهب أنه على البقاء حتى ييبس 90، وجعله ابن حبيب على الجداد، فقال: ومن اشترى ثمرة بعد طيبها لم يكن له أن يقرها حتى تيبس إن لم يكن اشترط ذلك على البائع، وذلك لمكان السقي؛ لأن سقيها على البائع، وإن اشزى ذلك مبهمًا فهو على تعجيل جناها حتى يشترط تأخيرها 91. انتهى قوله.
وهذا هو الأصل في البياعات أنها على التعجيل في الثمن والمثمون، إلا أن8889
الجزء: 6 - الصفحة: 2899
يشترط التأخير أو تكون تلك العادة.
وإذا اشترطا التأخر حتى ييبس، أو كانت تلك العادة، وكان العقد فيها على الكيل لبُعد اليُبس، لم يلزم المشتري دفع الثمن حتى يقبض الثمرة.
فصل [في اشتراط بدو الصلاح في الثمار ومعناه وكيفيته]
بيع الثمار والزروع والزيتون والتين والعنب والفواكه والبقول وما أشبه ذلك لا يجوز إلا بعد بدو صلاحها 92.
والصلاح في النخل: أن تزهي، ويصفر ما شأنه أن يصفر، ويحمر ما شأنه أن يحمر 93، وهو وقت الانتفاع به، وبدو الصلاح للزرع عند مالك أن يبيض 94.
وقال ابن شهاب في كتاب محمد: كان العلماء يقولون: بدو صلاح الزرع إذا أفرك 95 والأول أحسن، لحديث ابن عمر قال: "نَهَى النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - عَنْ بَيْعِ السُّنْبُلِ حَتَّى يَبْيَضَّ وَيَأْمَنَ مِنَ العَاهَة".
أخرجه مسلم 96.
الجزء: 6 - الصفحة: 2900
واختلف إذا وقع البيع بعد أن أفرك، واشترط المشتري أخذه يابسًا، فقال مالك: إذا أخذ ذلك وفات، فلا يرد 97.
وقال في كتاب ابن حبيب: يفسخ ما لم يقبض، فإذا قبض، لم يفسخ 98.
وقال ابن القاسم في العتبية: إذا فات باليبس، لم يفسخ للاختلاف فيه 99.
وقال ابن عبد الحكم: يفسخ وإن يبس 100.
وكل هذا الاختلاف، فإنه سواء اشترى جزافًا أو على الكيل.
وكذلك الفول والحمص يباع وهو أخضر وقد امتلأ حبه، فقال ابن القاسم: إن عثر عليه قبل أن ييبس فسخ، وإن يبس لم يفسخ للاختلاف فيه 101.
وقال ابن عبد الحكم: يفسخ وإن يبس 102.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: إذا كان الزرع والفول وما أشبه ذلك يشرب بالعيون، أو بالدالية فأرى أن يمضي وعقده حينئذ جائز؛ لأنه مأمون، وإن كان يشرب بالسماء، وعدم الماء يضره، ويكون ناقصًا لم يعقد فيه حينئذ بيع، ويفسخ ما لم يفت.
وقال محمد في الزيتون: يباع إذا اسودَّ أو نحا ناحية الاسوداد 103.
الجزء: 6 - الصفحة: 2901
وقال في التين: لا يباع حتى يطيب أوله، فيؤكل منه.
وكذلك الفواكه كلها لا تباع حتى يطيب أوائلها ويؤكل منها 104.
وإذا كان في الدالية الحبات في العنقود والعنقودين فلا بأس ببيعه إذا كان طيب ذلك متتابعًا 105. قال مالك: والتين كذلك 106.
وكذلك الحائط يزهي بعضه، قال: فإذا لم يزه الحائط نفسه وأزهى ما حوله، جاز بيعه، قال ابن القاسم: وأحبُّ إليّ حتى يزهي الحائط بعينه 107؛ للحديث، وإذا كان الذي أزهى باكورًا لم يبع إلا ذلك الباكور وحده، وكذلك التين والعنب الصيفي والشتوي إذا بدا صلاح الصيفي بيع وحده دون الشتوي 108.
وإذا كان في الحائط أصناف ثمار نخل ورمان وخوخ وما أشبه ذلك لم يبع منه إلا ما طاب وحده 109.
قال مالك: وإن كان الصنف الذي لم يطب الثلث فأدنى، لم يبع إلا ما طاب من ذلك، ولو كان زرْعا قد يبس وفيه ما لم ييبس ولا خطب له فباعه كله فلا بأس به 110.
قال محمد: لأن هذا الصنف واحد 111.
الجزء: 6 - الصفحة: 2902
وقال في الفجل واللفت والجزر والبصل والثوم المغيبة في الأرض: إذا استقل ورقه وتم وأمن عليه وانتفع به ولم يكن ما يقطع منه فسادًا فبيعه حينئذ جائز، إذا نظر إلى شيء منه، يريد: كشف عنه، أو قلعه (1). قال: وإن وجد منه شيئًا مخالفًا لما رأى رد بحسابه من الثمن (2).
فصل [في الجائحة تصيب الثمار]
وإذا أسلم في رطب حائط بعينه فأجيح ذلك الثمر، انفسخ ذلك السلم قولًا واحدًا 114؛ لأن البيع وقع على شيء بعينه، فإذا أجيح لم يلزم البائع خُلفه، ولم يلزم المشتري قبول غير ما اشتراه.
وإن أسلم في ثمر قرية صغيرة فأجيح ذلك الثمر انفسخ ذلك السلم أيْضًا، ولا يبقى في ذمة البائع إلى قابل؛ لأنها غير مأمونة، فإذا مُنع أن يسلم فيها في هذا العام إلا بعد بدو صلاحها؛ لأنه غرر كان في الصبر إلى ثمرة قابل أشد
غررًا.
واختلف إذا كان السلم مضمونًا في رطب قرية مأمونة فأصيب ثمرها على أربعة أقوال:
فقال مالك في المدونة: يتأخر إلى ثمرة قابل 115.
وقال ابن القاسم: ومن طلب التأخير منهما كان ذلك له إلا أن يجتمعا112113
الجزء: 6 - الصفحة: 2903
على المحاسبة 116.
وقال ابن القاسم في كتاب محمد: ذلك لمن له السلم إن شاء أخره، وإن شاء أخذه ببقية 117 رأس المال نقدًا، وقال: فسخ ذلك أحب إليّ 118.
وقال أشهب: يتعجل بقية رأس ماله، ولا يجوز له أن يحول ذلك في ثمرة قابل 119.
وقال أصبغ في كتاب ابن حبيب: لا يكون التأخير إلا باجتماع منهما على الرضا بالتأخير 120؛ لأنهما إنما عمدا لهذه السنة بعينها، ولم يرد بائع ذلك أن يكون مخلدًا في ذمته من سنة إلى سنة، قال: وسواء كان ذلك بمطل منه أو غيره.
فرأى مالك وابن القاسم أن السلم لما كان مضمونًا كان ذكر هذه السنة عبارة عن التعجيل، وإلا فإن الغرض من هذه الثمرة، وثمرة قابل سواء، بمنزلة لو أسلم في قمح، فمطل به البائع بعد محل الأجل، فليس للمشتري إلا مثل ذلك القمح، إلا أن ابن القاسم رأى أن في الصبر إلى قابل ضررًا على من له السلم، وذلك كالعيب، فإن قام بحقه، لم يلزمه الصبر، وإن لم يقم بحقه 121 بقي إلى قابل.
ورأى أشهب أن البيعَ وقع على زهو يخلق في هذا العام لا على غيره، فكان
الجزء: 6 - الصفحة: 2904
فسخ السلم حكما عليهما.
وقول أشهب أحسن إذا كان ذهاب الثمار بجوائح من السماء، فإن كان عدم القبض للدد المطلوب حتى خرج الإبان كان للطالب الخيار، فإن شاء أخره إلى قابل، وإن شاء استرجع منه بقية رأس ماله، وليس للمسلم إليه أن يعمد إلى ما يضر به المشتري ولا إلى فسخ السلم.
وإن كان عدم القبض لهرب الطالب كان المسلم إليه بالخيار بين أن يرد رأس المال أو يؤخره إلى قابل، وإلى مثل هذا ذهب ابن حبيب إذا هرب المسلم إليه برأس المال، أو أسلم إليه فلم يقبض رأس المال حتى حلّ الأجل، ورأى أن يرفع المسلم إليه ذلك إلى الحاكم، ويحضره بذلك الزهو أو الرطب ويحكم له ببراءته منه، ويبيعه على الغائب إذا خشي فساده إلى أن يحضر الغائب.
وقال مالك في كتاب محمد: كل ما أسلفت فيه إلى أجل يحتاج فيه إلى ذلك الشيء وأخلفك عن وقته، فليس لك فسخ البيع، قال: وكذلك الضحايا يخلفك حتى تزول أيام النحر، وكذلك الكراء كله إلا كراء الحاج وحده، إذا زالت أيام الحج ولم يأت المكتري إلى السلطان ليكري له، فسخ ما بينهما 122. وجعل الغير في كتاب الرواحل: ما أخلفه من غير كراء الحاج أنَّ له الفسخَ 123.
وقول مالك في هذا كله أنه لا يفسخ، وعلى أحد قولي ابن القاسم المقال في ذلك للطالب وحده.
وعلى قول أشهب يفسخ ذلك إذا كان المنع من غير سبب واحد منهما، فإن كان من سبب أحدهما كان المقال للآخر، إلا أن يكون الكراء في راحلة بعينها،
الجزء: 6 - الصفحة: 2905
فلا يجوز الصبر لقابل كالحائط بعينه، ولأن على المكتري في منعه من بيعها إلى قابل ضررًا، وإن أتى بالأضحية فلم يجد الطالب لم يكن عليه غيرها، وإن كان التغيب منه حتى ذهبت أيام النحر كان للآخر أن يفسخ ذلك، ولو مطل بالأضحية إلى عيد قابل أو بالفاكهة حتى عاد إبانها من قابل، لم يجبر على قبولها على قول أشهب وأصبغ، ويختلف في هذا على قول ابن القاسم هل يجبر على قبولها؟ لأنه بمنزلة عيب ذهب.
وقد اختلف فيمن اكترى سفينة فدخل عليها الشتاء، فلم يتفاسخا حتى عاد إبان السفر، وهذا مثله.
فصل [في انقطاع وتأخير بعض المسلم فيه، وكيفية المحاسبة]
وإذا أخذ بعض الرطب أو الزهو ثم انقطع الباقي ووجب الرجوع ببقية رأس المال، فإن كان شرطًا أخذ ذلك في يوم أو يومين، أو ما أشبه ذلك كانت المحاسبة على الكيل، فإن قبض النصف رجع بنصف الثمن، كما قال ابن مزين.
فإن بعُد ما بين أول القبض وآخره، كالذي يشترط الابتداء في أول الإبان، ويتأخر آخر القبض إلى وسط الإبان أو آخره، وكان ذلك مما لا يدخر، أو يدخر والقصد به البيع في الأسواق حينئذٍ كانت المحاسبة على القيم، وسواء كان السلم في حائط بعينه، أو في قرية صغيرة أو كبيرة.
وهذا هو أصل مالك وابن القاسم فيمن أسلم في لبن 124 عشر شياه، فاحتلبها شهرًا، ثم مات منها خمس أن الرجوع على سعر ذلك في تلك
الجزء: 6 - الصفحة: 2906
الشهور (1). وكذلك المقاثي، فإنها تكون فقوسة في أول الإبان ثمن غير آخره إلا أن يكون ذلك مما يدخر والقصد رفعه حتى ييبس، ولا يراد بيعه حين قبضه، فيكون القبض على قدر الكيل، لا على القيم.
فصل [فيمن أحب أن يأخذ عن حقه فيما أجيح من بعض الثمرة طعامًا]
وإذا أحب المسلم أن يأخذ عما استرجعه 126 من الثمن طعامًا، جاز ذلك، إذا كان السلم في حائط بعينه، أو في قرية صغيرة؛ لأن السلمَ الأولَ قد انفسخ بغير خلاف.
ويختلف فيه إذا كانت القريةُ كبيرةً، فيمنع من ذلك 127 على قول مالك؛ لأنَّ السلم عنده منعقد، فيصير إقالة على غير رأس المال، وكذلك على قول ابن القاسم؛ لأنه ملك التأخير، ويجوز على قول أشهب؛ لأن السلم عنده منفسخٌ، ويكره ذلك لهما ابتداءً، للاختلاف فيه، فإن فعل مضى.
وقال عبد الملك 128 ابن حبيب: لا أحب له أن يأخذ طعامًا إذا أحب المحاسبة، ويدخله طعام معجل بطعام مؤخر 129. يريد: لما كان له أن يؤخر السلم إلى قابل.125
الجزء: 6 - الصفحة: 2907
وإذا أحب أن يأخذ وَرِقًا، وكان رأس المال ذهبًا، جاز ذلك إذا كان الرجوع لجائحة أتت على الثمار؛ لأن ذلك يرفع التهمة، ولا يُظن بهما أنهما عملا على صرفٍ مستأخرٍ، وهو في هذا بخلاف ما تعمدا فيه الإقالة.
وقال مالك في كتاب محمد فيمن أعطى صاحب مائدة على رطب أو عنب فنفد ذلك وذهب زمانه: فلا بأس أن يأخذ بما بقي من ديناره ورقًا، أو طعامًا، أو غيره قبل أن يفارقه.
الجزء: 6 - الصفحة: 2908
باب في السلم في الفاكهة والتمر والحنطة والزيت
وقال ابن القاسم في السلم 130 في القصب الحلو والموز والأترج: لا بأس به إذا اشترط شيئًا معلومًا 131.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: السلم في ذلك على العادة في البيع، فإن كانت العادة بيع ذلك على الوزن، كان السلم على مثل ذلك، وإن كانت العادة البيع عددًا، أسلم على مثل ذلك عددًا، ويسلم في الرمان عددًا، ويذكر الصنف والقدر.
وقال ابن القاسم في التفاح والسفرجل: يسلم فيه عددًا، وليس الشأن في التفاح العدد، وقد يكون ذلك عادة عندهم، فإن كان قوم شأنهم فيه الكيل أو الوزن، لم يجز عددًا، وإن كانت عادتهم الكيل، لم يسلم فيه وزنًا، أو كانت عادتهم الوزن، لم يسلم فيه كيلًا 132، وإذا أسلم على ما هو العادة عندهم فيه الكيل أو الوزن، فإنه يذكر قدر ذلك، ونحوه من الصغر والكبر؛ لأنه يختلف ثمنه لأجل ذلك، وإن كان محصورًا بالكيل أو الوزن 133.
وقال في الجوز: يسلم فيه عددًا 134.
والشأن إذا كثر كالأحمال، أن يباع كيلًا، وفيما قلّ وبيع في الحوانيت عددًا.
ولا يجوز لأصحاب الحوائط ومن شأنهم يتبايعونه كيلًا أن يسلموا فيه
الجزء: 6 - الصفحة: 2909
عددًا، ولا لمن شأنهم أن يتبايعوه عددًا أن يسلموا فيه كيلًا؛ لأنه لا يدرى كم يدخل في ذلك الكيل من العدد، وإن كان شأنهم يتبايعونه على الوجهين جميعًا -الكيل والعدد- أسلم على أيّ ذلك أحب.
وقال مالك فيمن أسلم في تمر، ولم يذكر برنيًا من صيحاني أو ذكر برنيًا أو صيحانيًا ولم يقل: جيدًا ولا رديئًا: إنه فاسد حتى يصف 135.
ورأى أنه إذا قال: جيدًا أو رديئًا، جاز، ويحملان على الوسط من الجيد أو الرديء، ولو قال: وسطًا كان لهم الوسط من وسط ذلك الصنف.
وقال ابن القاسم في المدونة فيمن أسلم في حنطة: فإن كان بمصر، ولم يذكر أي الجنس، فذلك عندنا 136 على المحمولة، ولا يكون إلا على صفة، وإن كان بالشام، فذلك على السمراء، ولا يصلح إلا على صفة 137.
يريد: أنه إذا أسلم بمصر، وقال: في حنطة جيدة أو رديئة أجزأه، وكان له الوسط من جيد المحمولة أو الوسط من رديئها 138.
وقال في كتاب محمد: إذا أسلم بمصر، ولم يذكر السمراء من البيضاء من المحمولة، فإنه فاسدٌ عند ابن القاسم، وابن وهب 139.
وقال ابن عبد الحكم: يفسخ إن نزل 140.
الجزء: 6 - الصفحة: 2910
وقال أصبغ: لا يفسخ إن نزل 141؛ لأن الغالب المحمولة إلا ما أصابته عاهة 142.
وقول ابن القاسم في المدونة أحسن؛ لأنه إن كان أراد بالسمراء ما يجلب من الشام، فإن ذلك قليلٌ، أو ما أصابته عاهة فكذلك؛ لأنه نادر، ويحملان على الغالب، وهو السالمُ من قمح مصر.
وإن أسلم في زيت، فإنه يصف موضعه من الجودة أو الدناءة، ولا يحتاج إلى ذكر الصنف من الزيتون 143؛ لأن أثمان هذه الأصناف التي بالساحل لا تختلف إذا تساوت في الطراوة والدناءة.
والعادة اليوم أن القضاءَ من الذي يجمع في الأندر، وهو الوسط من الزيت، والطري والأخضر ليس مما يقضى في الغالب، وما دخله خمج 144، فهو في جملة ما دخله العيب، فمن أسلم اليوم ولم يذكر صفة، جاز، وله الوسط من الزيت؛ لأنه العادة، ولا يحتاج أيضًا إلى ضرب أجل؛ لأنَّ العادةَ القضاء في إبانه، وهو معظم العصير.
الجزء: 6 - الصفحة: 2911
باب في السلم في نسل الحيوان وألبانها ولحومها وأصوافها وجلودها
السلم في نسل الحيوان بأعيانها غير جائز (1)؛ لأنه لا يدرى أذكر هو أو أنثى، جيد أو رديء، حي أو ميت.
ولا يجوز أيضًا أن يسلم فيها على صفة معلومة إن وجدت، وإلا رجع برأس المال؛ لأنه تارة سلف، وتارة بيع (2). ويجوز إذا لم يقدم رأس المال، وكان الوضع قريبًا، فإن خرج على ما وصف أخذ، ودفع الثمن، وإن لم يكن، فلا بيع بينهما.
ويختلف فيه إذا كان الموضع بعيدا لموضع التحجير (3)، فأصل ابن القاسم الجوازُ، وأصلُ غيرِهِ المنعُ (4).
وإن كان السلم في صفة مضمونة في الذمة، جاز.
فصل [في السلم في لبن أو زبد أو سمن أو جبن أو أقط غنم بأعيانها]
السلم في لبن غنم بأعيانها جائزٌ إذا كان في إبان اللبن 149.145146147148
الجزء: 6 - الصفحة: 2912
فإن كانت ألبان غنم ذلك الموضع لا تختلف في الجودة والدناءة، جاز وإن لم يختبر اللبن، وإن كانت تختلف في الجودة والدناءة، لم يجز إلا بعد اختباره، ومعرفة صفته.
فإن كانت الغنم كثيرة، جاز أن يسلم فيه، وأن يشتريه جزافًا، فيسلم فيه في كيل معلوم لا يتعذر وجوده من تلك الغنم، ويضرب من الأجل ما يرى أن اللبن لا ينقطع قبله، ويجوز أن يشتري جملته من غير كيل إذا اختبرها وعلم قدر حلابها.
وإن كانت قليلةً كالشاةِ والشاتين افترق السلم فيه من شرائه جزافًا، فيجوز السلم في مثل ربع لبنها أو نصفه 150، وما الغالب حصوله بعد نقص لبنها، واختلف في شرائه جملةً من غير كيلٍ:
فكرهه مالكٌ مرة؛ لأنه يختلف، فيقِلّ مرة، ويزيد أخرى، وهو بخلاف الجماعة؛ لأنها يحمل بعضها عن بعض، إن نقصت هذه زادت الأخرى، ولا يتحسس إلى ذلك في الجملة 151.
وأجاز ذلك في كتاب محمد، وقال: ما زال الناس ها هنا يشتري الرجل لبن الشاة شهرًا، فلا بأس به 152.
ورأى أن الغالب استصحاب الحال فيها، وأنها على ما يعرف منها، وهو أحسن.
فإن نقص 153 بعضها عن المعتاد حطّ من الثمق بقدره إلا أن يقع جدبٌ
الجزء: 6 - الصفحة: 2913
فيضر بها الحلاب، فيكون لصاحبها الفسخ.
وكذلك الغنم الكثيرة إذا أسلم في لبنها، أو اشتراه جزافًا فأجدبت الأرض وأضر بها الحلاب كان له أن يفسخ ذلك.
والسلم في الزبد والسمن والجبن والأقط جائزٌ على الصفة إذا كان مضمونًا، ولم يكن في أعيان غنم، وإذا كان على ما يكون من غنم بأعيانها، جاز ذلك في الزبد والجبن؛ لأنه تعلم صفته (1).
واختلف في السمن والأقط: فأجازه ابن القاسم، وكرهه أشهب، ورأى أن الصفة فيهما تختلف (2).
وأرى أن يجوز إذا أسلم في بعض ما يكون منها من سمن أو أقط، وما يرى أنه لا بد أن يحصل منها بعد احتلاب ذلك القدر على تلك الصفة.
وإن أسلم في القدر الذي يكون منها من السمن والأقط، لم يجز؛ لأنه إن خرج على غير الصفة التي شرطت، لم يلزمه قبوله، ورد رأس المال، فكان تارة سلفًا، وتارة بيعًا.
فصل [في السلم في اللحم]
السلم في اللحم يجوز بأربعة شروط:
تسمية الجنس، ضأن أو معز، أو غير ذلك.
والسن، جذْع أو ثني أو رباعي، ذكرًا أو أنثًى، فحلًا 156 أو خصيًا.154155
الجزء: 6 - الصفحة: 2914
وموضعه من السمانة.
ووزنًا معلومًا.
وأجاز في الكتاب أن يسلم تحريًا من غير وزن 157، والوزن أحسن إلا عند عدم الموازين.
قال ابن القاسم: قال مالك: إذا اشترط تحريًا معلومًا، فإن ذلك جائز، ألا ترى أن اللحم يباع بعضه ببعض بالتحري، والخبز أيْضًا يباع بعضه ببعض بالتحري 158.
وقال ابن القصار: اختلفت الروايات عن مالك في جواز بيع اللحم باللحم، والخبز بالخبز على التحري بغير وزن، فأجازه في البوادي والقوافل، وحيث يتعذر الوزن استحسانًا، قال: وروي عنه المنع منه 159.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: وهو أحسن ألا يجوز ذلك بحال، بخلاف السلم؛ لأن المماثلة لا يقطع بها في تحري بعضه ببعض، والتفاضل اليسير ربا وحرام، والسلم يراد منه رفعُ الغرر، وإذا كان التحري يأتي على المقاربة فيما يتحرى من ذلك أن يقع الغرر فافترقا، والصواب أنه لا يسلم إلا على وزن معلوم؛ لأنه أسلم من الغرر.
وأجاز ابن القاسم في كتاب محمد إذا أسلم في اللحم ألا يسمى الموضع الذي يؤخذ منه، قيل له: فإن قضاه مع ذلك بطونا فأبى عليه، قال: أفيكون لحم بغير بطون؟ 160.
الجزء: 6 - الصفحة: 2915
ومحمل قوله على أن تلك عادة لهم، فأما اليوم فلا يقضى بذلك؛ لأنَّ الشأنَ بيعُ البطون بانفرادها.
وأرى إن سميا الناحية التي يقضى منها، فهو أحسن، وإن لم يسم قضى من المقدم والمؤخر، ولم يخص ناحية دون غيرها.
وإن أسلم في الرؤوس سمى الجنس ضأنًا أو معزًا أو بقرًا، والسن حملانًا (1)، أو ثنيانا (2)، أو غير ذلك.
والتسمية في الرؤوس آكد منها في اللحم؛ لأنه لا يسلم فيها بوزن، فكانت تسمية الصغير من الكبير آكد منها في غيرها (3)، ويسمي موضعه من الجودة والدناءة.
فصل [في السلم في صوف الغنم]
السلم في صوف غنم بأعيانها جائزٌ إذا كان يأخذ في جزازها 164، أو كان تأخره الأيام العشرة والخمسة عشر 165، إذا كان القصد بتأخيرها أن يتعسل 166 لا ليتزيد.161162163
الجزء: 6 - الصفحة: 2916
وإن كانت بغير أعيانها أسلم في وزن معلوم، ولا يسلم في جزز فحول أو غير ذلك؛ لأن وزن ذلك يختلف (1)، ولا بأس أن يسلم في عدد جزز إذا كان تحري كل جزة كذا وكذا، قياسًا على قوله في اللحم.
فصل [في السلم في الجلود]
السلمُ في الجلود جائزٌ 168، فإن أسلم في جلود المعز، جاز إذا وصف سعتها وسمنها، وهل هي ذكور أو خصيان، أو إناث؛ لأنَّ الأثمانَ تختلف لاختلاف ذلك، وإن كانت ضأنًا أو غيرها وصف بصفة ترفع الغرر منها.
واختلف فيمن اشترى جلود غنم أو بقر بأعيانها قبل ذبحها:
فقال مالك في كتاب محمد: إن كان ذلك لا يختلف وكان 169 متقاربًا فلا بأس، قيل: فإن جعله بالخيار حتى يفرغ منها وينظر إليها؟ قال: إن لم ينقد الثمن فلا بأس 170.
وقال أيْضًا: ما هو بالحرام البين وما يعجبني 171، وعسى أن يكون خفيفًا، وقد كان ناس يفعلون ذلك.
وقال أيْضًا: لا يعجبني مثل بيع لحمها.
وقال ابن القاسم: يفسخ، وإن فات جاز بيعها 172.167
الجزء: 6 - الصفحة: 2917
وأرى إذا كان يختلف خروجها أن يكون فاسدًا إذا كان الخيار للمشتري وحده، وإن كان كل واحد منهما بالخيار، ولم ينقد، جاز، وإن اشتراها على أنها إن كانت على صفة كذا وكذا أخذها وإلا فلا بيع بينهما جاز إذا لم ينقد.
فصل السلم في الحيتان
173
وقال ابن القاسم: إذا أسلم في الحيتان، فإنه يسمى الجنس ويسلم وزنًا أو قدْرًا 174. يريد بالقدر التحري بغير وزن.
ويسمي قدر السمك من الكبر والصغر؛ لأنه وإن كان بوزن فإن الكبار أثمن، فإن كانت النواحي التي يجلب منها ذلك الجنس يختلف في السن أو الطيب أو الثمن، فإنه يسمي الناحية التي يأخذ منها.
وكذلك السلم في الطير، فإنه يسمي 175 الجنس وموضعه من الصغر والكبر والسمانة 176، فإن أراد أن يأخذ بعد الأجل طيرًا غير جنس الذي أسلم فيه مما يحيى أو لا يحيى مذكور في كتاب السلم الثالث 177.
الجزء: 6 - الصفحة: 2918
باب في ذكر السلم في المصنوعات
وقال ابن القاسم فيمن استصنع طستًا، أو قمقمًا، أو استنحت سرجًا: إن ذلك جائز إذا كان مضمونًا، وضرب الأجل، وقدم رأس المال ولم يكن يعمل من شيء بعينه 178.
ويفترق الجواب في المعين يشتريه ليعمله بائعه على ثلاثة أوجه:
فإن كان لا تختلف الصفة التي يكون عليها إذا صنع، جاز، كالذي يشتري القمح على أن يطحنه بائعه، والزيتون على أن يعصره فيأخذ منه كيلًا معلومًا، والثوب منه 179 على أن يخيطه.
وإن كان يختلف خروجه إلا أنه يعاد إلى حاله الأول، فتعاد صنعته، حتى يأتي على الصفة التي يشترط، جاز أيضًا، وذلك كالحديد، والنحاس، والرصاص، يقول: أشتريه منك على أن تعمل منه كذا وكذا، فهذا يجوز؛ لأنه إن خرج على غير الصفة التي شرط أعاده مرة أخرى، حتى يصنعه على الصفة التي شرط، إلا أن يكون شراؤه جملة ذلك الرصاص، فلا يجوز؛ لأنه كلما أعيد نقص، فلا يقدر أن يعمل بالثاني إلا دون الأول.
وإن كان ذلك مما لا 180 يختلف خروجه، ولا يعاد لهيئته الأولى لم يجز، كالثوب يشترط صبغه، والغزل يشترط نسجه، والعود على أن 181 يعمله
الجزء: 6 - الصفحة: 2919
تابوتًا أو بابًا.
ولو كثر الغزل فاشترط أن يعمل منه ثوبًا وكان إن أتى من بعضه على غير الصفة، عُمل من نفسه 182 حتى يأتي على الصفة، لجاز.
واختلف فيمن استأجر أجيرًا ليأتيه بالغلة: فأجيز 183، ومُنع 184.
ويلزم على قوله في الأجير يأتيه بالغلة أن يجوز أن يشتري الثوب على أن يصبغه؛ لأن الأجير باع منافعه على أن يبيعها، والمشتري لا يدري ما يأتيه به.
وقد قيل أيضًا فيمن اشترى سلعة على أن يبيعها بائعها: إنَّ ذلك غير جائز، وكأنه اشترى الثمن الذي تباع به، وكل هذا جائز على قوله في الأجير يستأجره ليأتي بالغلة: إنَّه جائز، وإذا جاز البيع؛ لأنَّ ذلك مما لا يختلف خروجه، أو كان يختلف ويعاد لهيئته فإنه يجوز إذا شرع في العمل، ويجوز تأخير رأس المال، ثم يجري حكمه فيما بعد ذلك على الجواب في بيع وإجارة.
فإن هلك ذلك القمح قبل طحنه، أو الثوب قبل خياطته، أو الحديد والنحاس قبل صنعته، وكان هلاكه ببينة، أو لم تكن بينة، ولم يكن البائع ممن انتصب لتلك الصنعة، وحلف على ضياعه، كانت مصيبته من مشتريه، وحط عن المشتري قدر الصنعة، الطحن 185 أو الخياطة، أو غير ذلك.
وإن كان ممن انتصب لتلك الصنعة ضمنه بالقيمة لا بالثمن الذي بيع به؛ لأن التمكين في المبيع قد تقدم، وإنما بقي لموضع الصنعة، ويكون على المشتري
الجزء: 6 - الصفحة: 2920
ما ينوبه من الثمن، ويحط عنه ما ينوب الصنعة حسبما تقدم.
وأما الزيتون إذا كان على البائع عصره ليأخذ منه مكيله، فإن مصيبته من بائعه، وإن قامت البينة على ضياعه؛ لأن كل مبيع على الكيل مصيبته من بائعه حتى يكال.
ولو لم يسلم في الغزل على أن ينسج واشتراه على أنه إن خرج على ما وصفا 186 أخذه ونقد، وإن خرج على غير ذلك كان لبائعه جاز.
الجزء: 6 - الصفحة: 2921
باب ما لا يجوز السلم فيه كالديار والأرضين والشجر والجزاف وتراب المعدن والصواغين
ولا يجوز السلم فيما لا يقدر على الوفاء به وإن كان معلوم الصفة، ولا فيما لا تحصره صفة وإن كان مقدورًا على الوفاء به.
فالأول: الديار والأرضون: لا يجوز السلم فيها؛ لأنهما إذا وصفا صفة معلومة ولم يذكر الموضع كان فاسدًا، لاختلاف أغراض الناس (1) في المواضع، وإن عين الموضع والمحلة لم يجز؛ لأن من شرط السلم أن يكون مثل ذلك المسلم فيه بذلك الموضع كثيرًا يُعرَضُ للبيع، ومتى كان قليلًا أو كثيرًا وإنما هو لغير البيع لم يجز، وكذلك البساتين.
وإن أسلم في عدد شجر تقبض بغير أرض، وكان ذلك الجنس يوجد شراؤه، ولا يتعذر الوفاء به عند محل الأجل جاز، وإلا لم يجز، وكذلك السلم في البناء بغير أرض: لا بأس به إذا وصفه وكان لا يتعذر الوفاء به، وبناؤه عند محل الأجل، وكان عند الذي يسلم موضع يضعه فيه، أو لا يتعذر بيعه حينئذ بذلك البلد ممن يبنيه عنده.
فصل [في السلم في تراب المعادن]
ولا يجوز السلم في تراب المعادن 188، ولا أن يُقرَض، ولا بيع المعين منه187
الجزء: 6 - الصفحة: 2922
على الصفة، إذا كان غائبًا؛ لأنه لا تحصره صفة، ويجوز بيعه إذا كان حاضرًا مرئيًّا، قيل لمالك: إنه غرر ولا يعرف ما فيه؛ لأنه مختلط بالحجارة، قال.
قد عرف ناحيته وحزره 189.
واختلف في قسمته: فروى ابن القاسم عن مالك جوازه 190.
وقال يحيى بن عمر: لا يجوز؛ لأنه لا بد من أن يكون أحد النصيبين أكثر، ولو جاز ذلك، لجاز سلفه.
وقال محمد بن عبد الحكم: قسمته أخف من قرضه؛ لأن التبر الواحد الغالب تساويه.
ولا يجوز السلم في تراب الصواغين 191 ولا في سحيرة الذهب ولا كنك الفضة، ولا بيعه بالنقد بغير جنسه وإن كان حاضرًا؛ لأنه لا يدري ما فيه، فإن بيع رُد البيع إذا كان قائمًا، فإدْ فات عند مشتريه بأن خلطه بما لا يعرف قدره، أو بعثه لبلد آخر، أو باعه ممن خرج به، كان عليه قيمته على حاله لو كان يجوز بيعه؛ لأنه لا يقدر على أكثر من ذلك، فإن عمله وصفّاه، فقد قيل: يكون ما خرج منه لبائعه، ويكون عليه أجرة المثل ما لم تجاوز الأجرة ما خرج منه، والقياس: أن يكون ذلك فوتًا، ويكون عليه قيمته كالأول.
الجزء: 6 - الصفحة: 2923
فصل [في السلم جزافا]
ولا يسلم في الجزاف وإن كان مما يكال أو يوزن، لجهل ما يقضى.
وأجاز مالك أن يسلم في اللحم بغير وزن على التحري 192.
وأجازه ابن القاسم في الحوت أن يسلم فيه بالقدر بغير وزن، ومنع ذلك كله ابتداء أحسن إلا عند تعذر الموازين 193.
الجزء: 6 - الصفحة: 2924
باب في سلم الحديد والكتان والصوف في جنسه والثياب بعضها ببعض
سلم الموزون من الحديد والصوف والكتان على ثلاثة أوجه: فإما أن يكونا غير مصنوعين أو مصنوعين، أو أحدهما مصنوعًا والآخر غير مصنوع، فإن كانا غير مصنوعين، لم يسلم أحدهما في الآخر وإن تباينا في الجودة.
وقال ابن القاسم: وإن كان أحد الحديدين يعمل منه السيوف، والآخر لا يعمل ذلك منه، أو كان أحد الصوفين يعمل منه السيجان العراقية والأسوانية، والآخر لا يعمل منه ذلك أبدًا، والكتان كذلك، وهذا حماية، لئلا يتذرع بما يتباين إلى ما يتقارب 194.
والقياس أن يجوز، وأصل المذهب أن كل ما يتباين اختلافه من الجنس الواحد، ويُقصد من أحدهما خلاف ما يقصد من الآخر: أن يجوز سلم بعضها في بعض، وليس كون ذلك مما يكال أو يوزن علة في المنع.
والحيوان والثياب يكون أصلُها واحدًا، ويجوز سلم أحدهما في الآخر، إذا اختلفت منافعهما، وقد قيل: إن 195 المنع؛ لأنه يمكن أن يعمل من الدنيء جيدًا إذا بولغ في عمله.
وقد نص ابن القاسم على خلاف ذلك، ومنع من أن يسلم الصوف في الصوف، وإن كان لا يعمل من أحدهما ما يعمل من الآخر أبدًا، فإذا صارا
الجزء: 6 - الصفحة: 2925
مصنوعين، أو صنع أحدهما افترق الجواب 196.
فأما الحديد والنحاس وما يصح أن يعاد بعد الصنعة لهيئته فاختلف فيه على ثلاثة أقوال:
فأجاز مالك وابن القاسم إذا كانا مصنوعين أن يسلم سيفًا جيدًا في اثنين دونه، قال: بمنزلة فرس في فرسين 197.
ومنع إن كان أحدهما مصنوعًا والآخر غير مصنوع أن يسلم أحدهما في الآخر 198.
وأجازه في كتاب الثالث، وجعل الحكم فيه كالحكم في ثوب الكتان بالكتان، وقال: لا بأس بالثوب الكتان بالكتان نقدًا، ولا بأس بالتور النحاس بالنحاس نقدًا، ولا خير في الفلوس بالنحاس، إلا أن يتباين الفضل إذا كان عددًا 199.
فرأى أن الصنعة نقلته إذا عمل تورًا، فجاز من غير مراعاة لفضل، بخلاف الفلوس.
وحكى فضل عن يحيى أنه قال: لا بأس أن يسلف سيوفًا في حديد لا يخرج منه السيوف.
قال: مثل قوله في ثوب كتان في كتان، قال: ووافقني عليه أبو إسحاق البرقي.
الجزء: 6 - الصفحة: 2926
ومنع ذلك سحنون فإن صنعا، وقال: وليس ضرب السيف صنعة تخرجه من الحديد؛ لأنه يعاد حديدًا.
والأول أحسن، وليس هذا مما يفعله ذو عقل أن يعيد السيف حديدًا، ولو فعله أحد عوقب؛ لأن ذلك من الفساد وإضاعة المال، وإن كان ذلك مبلغ عقله وتمييزه حُجر عليه.
وقد تقدم ذكر سلم الكتان في الكتان، فإن غزلا جاز أن يسلم أحدهما في الآخر إذا اختلفا، فيسلم قليلًا جيدًا في كثير رديء؛ لأنه لما غُزلا فات أن يُعمل من أحدهما ما يُعمل من الآخر، ولو عُملا ثيابًا جاز أن يسلم أحدهما في الآخر.
ويسلم ثوب كتان في كتان 200 وفي غزل، وإن بعد الأجل، ولا بأس أن يسلم الكتان والغزل في ثوب كتان إذا قرب الأجل، ولم يكن بينهما ما يعمل منه ذلك الثوب، ولا يجوز إذا بعُد وكان 201 بينهما من الأجل ما يعمل منه مثل 202 ذلك الثوب إلا أن يكون ذلك الغزل مما لا يعمل منه مثل 203 ذلك، فيجوز وإن بعُد الأجل.
فإن كان الغزلُ أجودَ جاز، قلَّ وزنه أو كثر؛ لأنها مبايعة، فإن كان وزنه أقل، كان فضل وزن الثوب وصنعته لمكان جودة الغزل، وإن كان مثل وزنه كانت صنعة الثوب لمكان جودة الغزل، وإن كان الغزل أدنى، لم يجز، إلا أن يكون أكثر وزنًا، فإن كان مثل وزنه أو أدنى دخله سلف بزيادة، والزيادة فضل
الجزء: 6 - الصفحة: 2927
جودة غزل الثاني وصنعته، وعلى هذا يجري الصوف في ثوب الصوف، والقطن في ثوب القطن.
واختلف في المصنوع يباع بجنسه من الكتان والقطن والصوف والجلد بالأحذية نقدًا.
فأجاز ذلك مالك في الكتان جملة من غير أن يعتبر فيعلم مبلغ أحدهما من الآخر 204.
وقال محمد: كره مالك الصوف بالثوب الصوف يدًا بيد، والجلد بعشرة أحذية وإن كان يدا بيد، وإن كان من غير جلده، قال: وجعله من المزابنة 205.
يريد: أن صاحب الأحذية يقول: لعلي أكون الذي أغبن، وآخذ الجلد فأعمل منه أكثر، ويقول الآخر: قد لا يخرج الجلد مثل تلك الأحذية التي آخذ، فأكون أنا الذي أغبن.
وقال أبو الفرج: لا يباع اللبن الحليب باللبن الحليب 206، لما فيهما من الزبد المجهول وجعله من المزابنة.
وقال ابن القاسم في منع بيع اللحم بالحيوان: إن ذلك لموضع الفضل والمزابنة 207.
والأصلُ في جميع ذلك حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: "نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن
الجزء: 6 - الصفحة: 2928
المزابنة، والمزابنة بيع الثمر بالتمر كيلًا (1)، وبيع الكرم بالزبيب كيلًا"، اجتمع عليه الموطأ والبخاري ومسلم (2). وموضع المزابنة: أنَّ بائع الرطب يقول: قد لا يصح فيه إذا يبس مثل التمر الذي آخذه، والآخر يقول: قد يكون في الرطب فضل فأكون أنا الذي أغبن، وهذا الوجه يستوي فيه الطعام والعروض، فنصَّ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - على منع هذا الوجه، ونص في غيره على تحريم الربا، فالفساد يدخل في هذه المبايعة من وجهين: الربا والمزابنة.
فصل [في سلم الثياب]
فأما سلم الثياب بعضها في بعض فإن اختلفت، وكان الفضل من أحد الجنبتين جودة أو كثرة، لم يجز ذلك، وهو سلف بزيادة إذا كان المتأخر أفضل، أو ضمان بجعل إن تقدم.
فإن كان لكل واحد منهما 210 فضل على الآخر، أحدهما أجود، والآخر أطول أو أعرض جاز ذلك، وهذه مبايعة، وهذا إذا كان السلم واحدًا في واحد، وإن اختلف العدد، جاز أن يسلم واحدًا جيدًا في اثنين، فأكثر دونه.
ولا بأس أن يسلم نصفًا جيدًا في كامل رديء، وكاملًا رديئًا في نصف208209
الجزء: 6 - الصفحة: 2929
جيد، فيكون قد ترك فضل الجيد، لمكان كمال الرديء.
واختلف إذا اختلفت أصول الثياب واستوت المنفعة، كرقيق الكتان، ورقيق القطن، فأجازه ابن القاسم ورآهما صنفين، ومنعه أشهب.
وأجاز ابن القاسم في السلم الثالث الفُرْقُبيّ 211، وهو من رقيق الكتان في الهروي، والمروي 212 وهو من رقيق القطن.
ومنعه أشهب في مدونته، ورآهما صنفًا واحدًا، وهو أحسن.
والمراعى المنفعة ليس الأصول، فكما يجوز أن يسلم ما أصله واحد إذا اختلفت منفعته، فيسلم بعضه في بعض، فكذلك يمنع ما اختلف أصله إذا استوت المنفعة، كخل العنب بخل التمر، وأما ثياب الكتان والصوف والحرير، فيسلم بعضها في بعض؛ لأن منافعها مختلفة.
ولا بأس أن يسلم ما استوت جودته بعضه في بعض 213، لاختلاف منافعها، كالعمائم والأردية تسلم فيما يراد للقطع، ويعمل منه أقمصة، وما أشبه ذلك فهذه منافعها مختلفة، فلم يُراعَ استواؤها في الجودة.
وإن أسلم ثوبا فسطاطيًّا في فسطاطي إلى أجل، ومروي نقدًا أو إلى أجل، لم يجز، وهو سلف بزيادة، وإن تعجَّل الفسطاطي وتأخر المروي جاز 214. واختلف إذا أسلم فسطاطيًا في فسطاطيين مثله أحدهما نقدًا والآخر إلى أجل، فأجازه ابن القاسم ومنعه سحنون.
الجزء: 6 - الصفحة: 2930
وقال محمد: ولقد اضطر المخزومي طرد القياس فيه لأشهب حتى قال: لو كان فيها 215 دينار بدينارين أحدهما معجل لصاحبه والآخر إلى أجل لجاز.
يريد: أن القصد بذلك المعروف، وهو بمنزلة الدينار بأوزن منه، ويجوز على قوله أن يكون الأوزن نقدًا، والآخر إلى أجل، وجوازه في الثياب أحسن، وإنما يمنع من ذلك ما كان القصد فيه إلى ما يؤدي إلى الفساد.
وإن اختلفوا في الجودة، وكان المنفرد مثل المعجل من الثوبين أو أدنى، جاز، وإن كان المنفرد أجود من المعجل ومثل المؤجل أو دونه، لم يجز، وهو سلف بزيادة، والزيادة المعجل مع فضل المؤخر إن كان المؤخر أجود، وإن كان المنفرد أجود من الاثنين وأوزن وهو حينئذ مبايعة؛ لأنه لا بأس أن يسلم نصفًا جيدًا في كامل رديء.
وأجاز قي مختصر 216 الوقار أن يسلم ثوبًا في مثله إلى أجل، ورأى أنه لما لم يكن هناك زيادة من أحدهما لم يدخله فساد، ووافق في أنه لا يجوز أن يسلم واحدًا في اثنين مثله.
الجزء: 6 - الصفحة: 2931
باب في القرض وما يجوز منه وما يمنع
قال ابن القاسم: القرض عند مالك جائز في الثياب والرقيق والحيوان، وفي جميع الأشياء إلا الجواري وحدهن 217.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: القرض جائز في سائر المتملكات اللواتي يجوز بيعهن، ويمنع في أربع:
ما لا تحصره الصفة، كتراب المعادن، والصواغين.
وما لا يقدر على الوفاء به، وإن حصرته الصفة، كالديار والأرضين والبساتين.
والجزاف إلا فيما قل من الموزون، كما يجوز السلم في اللحم بالتحري، وهو في القرض أخف.
والجواري، لا يجوز فيهن القرض؛ لأنه من باب عارية الفروج 218 إلا أن تكون الجارية في سن من لا توطأ، أو يكون المقرَض ممن لم يبلغ الالتذاذ إذا أقرضها له وليه، أو يقرض لامرأة أو لأحد من ذوي محارمها، أو ممن لا يجوز له وطؤها من ذوي محارم الأول، إذا كان الأول أصابها، أو لمن عليه دين فيقبضها فيه.
وقال محمد بن عبد الحكم في مختصر حمديس: لا بأس بقرض الجواري إذا كان يرد مثلهن.
الجزء: 6 - الصفحة: 2932
وقال أبو محمد عبد الوهاب 219 في المعونة: إن اقترض أمة ردها ما لم يطأها؛ لأن قبول ردها حق للمستقرض 220، فيلزم المقرض قبولها، فإن وطئها لم يجز ردها 221.
يريد: أن غرض المستقرض أن يرد مثلها، لا ليرد عينها، فإذا كان ذلك كان قرضًا جائزًا، وقيل له: حقك في الرد ما لم تطأ، فإذا وطئتها سقط حقك في الرد.
وإنما مُنع قرض الديار؛ لأنه لا يتأتى وجود المثل في تلك المحلة، يكون مثلها في الذرع وعدد البيوت وصفة البناء وارتفاع سمكها وصفة علوها إن كان لها علو، وأيضًا، فإنه يزاد إن كان مثلها كثيرًا في تلك المحلة للبيع متى أراد شراء ذلك وجده.
ولا يجوز قرض منافع الديار لهذه الوجوه، وكذلك البساتين والأشجار لا يجوز قرضهن، لتعذر وجود 222 مثله في ذلك الموضع، أو ما قاربه في كرم أرضه وأعداد شجره، وكونها مثلها في الشباب والجنس، ولو كان ذلك في أصول بغير أرض، لجاز إذا كان بيع مثل 223 ذلك في ذلك الموضع موجودًا.
وقال محمد بن المواز: لا بأس بالتمر بالنخل يدًا بيد، وإلى أجل قريب أو بعيد إذا وصفت النخل، ولم يكن فيها ثمر يوم يأخذها ثمر طلع أو بلح 224.
الجزء: 6 - الصفحة: 2933
ومحمل قوله على أن السلم في ذلك بغير أرض يأخذها المسلم فيغرسها حيث أحب، ويختلف في قرض المبقلة، فلا يجوز ذلك عند ابن القاسم، ويجوز عند أشهب، وهذا على اختلافهما في السلم في مثل ذلك، ويجوز قرض جلود الميتة بعد الدباغ، وليس القرض بيعًا 225، وأجاز سحنون إجارتها؛ لأنه يبيع ما يجوز له الانتفاع به منها، ولا يشبه بيع المنافع بيع الرقاب 226. = إذا وصف النخل، ولم يكن فيها تمرة يوم يأخذها لا طلع ولا غيره).
الجزء: 6 - الصفحة: 2934
باب إذا أسلم طعامًا في طعام نقدًا وثوبًا إلى أجل
ولا يجوز عند مالك أن يسلم حنطة في تمر نقدًا وثوب إلى أجل، وأجاز إذا كان ذلك كله نقْدًا 227، وهذا خلاف ما تقدم له في بيع وصرف، وألا يجوز ذلك في طعامين، وإن كان كل ذلك نقدًا؛ لأن حكم الطعام بالطعام حكم الصرف، فإذا لم يجز أن يضم إلى الصرف بيع لم يجز ذلك في الطعامين.
وقد كان بعض شيوخنا يقول: القياس إذا تناجزا في الطعامين أن يجوز تأخير الثوب، وإنما يؤمر أن يتناجزا فيما حكمه المناجزة، وهو الذهب والفضة، وكذلك الطعام بالطعام، ويبقى البيع على أصله في جواز التأخير.
وإن كان أحد الطعامين كثيرًا والآخر يسيرًا، كالمد وما أشبهه جاز أن يتراخى الطعامان، وأن يعجل الثوب، قياسا على قوله إذا باع سلعة ودرهما أو درهمين بدينار.
ولا يجوز أن يسلم في سلعة بعينها ليقبضها إلى أجل؛ لأنه غرر لا يدري هل يسلم إلى ذلك الأجل أم لا؟ فإن سلمت كان بيعًا، وإن هلكت كان سلفًا؛ ولأنه يزيده في الثمن، لمكان الضمان إلى ذلك الأجل، وهو في معنى ضمان بجعل، ولا يجوز أيْضًا إذا لم ينقد؛ لأنه إن أسقط الفساد لمكان السلف لم يسقط لمكان الضمان 228.
واختلف إذا أسقط الأجل وعجلت هل يمضي البيع أم لا؟ وأراه جائزًا إذا رضيا جميعًا؛ لأنه كعقد مبتدأ، وإن رضي أحدهما دون الآخر، لم يجز؛ لأن
الجزء: 6 - الصفحة: 2935
الآخر يقول: العقد فاسد ومردود، وإذا كان لي ردها، لم يجز لك أن تلزمنيها.
قال مالك: إن شرطا 229 أن تقبض السلعة إلى يوم أو يومين جاز إن اشترط ذلك البائع على المشتري، أو المشتري على البائع 230.
وقال ابن القاسم في كتاب الرواحل: لا يعجبني ذلك إلا أن يكون ذلك لمنفعة تركب الدابة في ذلك اليوم و 231 اليومين وتستخدم الجارية، وإن لم يكن ذلك لركوب ولا لا استخدام ولا للبس، ولكن حتى يتوثق ويشهد فلا بأس، وإن كان قد أشهد وحبسه لا لمنفعة لم يعجبني ولا أفسخ به البيع 232.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: أشد ذلك أن يكون الشرط من المشتري على البائع يقول: لا أقبضه إلى يومين أو ثلاثة وتبقى في ضمانك 233 وليس يؤخره إلا لذلك، وإن قال: هو في ضماني، ويبقى في يديك 234 هذه الأيام، جاز من غير كراهة.
الجزء: 6 - الصفحة: 2936
باب في أجل السلم
وقال مالك في السلم في الطعام والثياب والحيوان إلى يوم أو يومين: لا خير فيه إلا إلى أجل ترتفع فيه الأسواق وتنخفض 235.
قال ابن القاسم: ولم يحد لنا فيه حدًا، وإني لأرى الخمسة عشر والعشرين يومًا 236.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: السلم على الحلول أو إلى يوم أو يومين أو شبه ذلك على ثلاثة أوجه:
يجوز في وجهين، واختلف في الثالث.
فالأول: السلم لمن شأنه بيع ذلك الصنف المسلم فيه، كالسلم في اللحم لِلَّحَّام، وفي الفاكهة للفكَّاه، وفي الرطب للرطّاب، وفي الثياب للحائك الذي يعمل مثل تلك الثياب، فجميع ذلك جائز على الحلول أو إلى أجل قريب يومًا أو يومين.
والثاني: السلم ليقبض ذلك خارجًا عن البلد الذي أسلم فيه، فذلك جائز، وإن قرب ما بين الموضعين، وكأن الأميال اليسيرة على الحلول أو الأيام اليسيرة.
والثالث: السلم لمن ليس شأنه بيع ذلك الشيء ليقبضه في البلد المسلم فيه، فاختلف فيه:
الجزء: 6 - الصفحة: 2937
فقال مالك في المدونة: لا خير فيه 237.
وأجازه في كتاب محمد في الثياب والطعام والحيوان إلى يومين، وروى عنه ابن عبد الحكم أنه أجازه إلى يوم بعد أن كان كرهه 238.
وقال ابن وهب في مختصر ما ليس في المختصر: السلم إلى يومين وإلى ثلاثة في الثياب والدواب أحب إليّ من بعيد الأجل 239.
وقال أصبغ: إن وقع ذلك لم يفسخ 240، للاختلاف فيه 241.
قال محمد: والقياس فسخه، ولم أصرح فيه بالفسخ للاختلاف في ذلك 242 ورآه فاسدًا.
واختلف في تعليل البيع 243: فقال أشهب في كتاب محمد: لا يصلح؛ لأنه غرر، كأنه أخذ منه الثمن ليشتري له به، فإن كان فيه فضل كان له، وإن كان نقصان كان عليه، يريد أنهما يتهمان أن يكونا عملا على ذلك.
وقيل: المنع؛ لأنه من باب 244 بيع ما ليس عنده، فأجيز ما بعد أجله، لما ورد في ذلك من الأحاديث والعمل وبقي ما قرب أجله أو كان حالًا على المنع لأنه بيع ما ليس عنده.
الجزء: 6 - الصفحة: 2938
وقيل في الجواز: إنه سلم قرب أجله فجاز، لعموم الحديث لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ أَسْلَمَ فِي شَيءٍ، فَلْيُسْلِمْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ" (1) فلم يفرق بين قرب الأجل وبعده.
وقيل: هو بيع نقد.
ومحمل الحديث في بيع ما ليس عند البائع على المعين من ملك غيره، وهذا هو الصواب؛ لأنهم لم يختلفوا في اللحَّام والفكَّاه أنه يجوز على الحلول، وهذا يرد على من منع ذلك من غيرهم؛ لأنه لا فرق بين الموضعين، ومحمل الحديث في النهي على ما كان معينًا من ملك غيره أولى ليجمع بين الحديثين.
وأيضا فإنه القياس في المعين لو لم يرد حديث؛ لأنه غرر ينقد في شيء لا يدري هل يباع منه أو لا؟ وهو تارة سلف وتارة بيع.
واختلف إذا لم ينقد وقال: إن صار في ملكي فهو لك بكذا وكذا، وأن يجوز أحسن؛ لأنه لا غرر فيه.
فصل [في تسمية الأجل في السلم]
السلم في تسمية الأجل على ثلاثة أوجه: واجب، وساقط، ومختلف فيه.
فإن شرط القبض في البلد الذي عقدا فيه السلم، ولم يكن لمثل ذلك المسلم فيه عادة في وقت القبض، وجب تسمية الأجل، وإلا كان فاسدًا.
وإن كان لمثله عادة في وقت 246 قبضه، أجزأت العادة عن تسمية الأجل،245
الجزء: 6 - الصفحة: 2939
وقد جرت العادة اليوم في الزيت إذا كان السلم في بدو الثمرة أنه يقبض في وقت العصير، وذلك في زمانه.
وفي السلم في الحبوب والقمح والشعير أنه يقبض وقت الحصاد، وكذلك السلم في التمر في بلدان النخيل، كالجزائر يجوز وإن لم يسميا الأجل، والقبض وقت الجداد، وسواء في هذا شرطا القبض في القرية التي يجني منها، أو في بلد من تلك القرى التي يجنى إليها.
واختلف إذا لم يكن لمثل ذلك المسلم فيه عادة في وقت قبضه، وشرطا القبض بغير البلد الذي وقع فيه السلم، ولم يسميا أجلًا: فقيل: ذلك جائز، والمسافة التي بين البلدين كالأجل، فيجبر المسلم إليه على الخروج بفور العقد، أو التوكيل على الوفاء، فإذا وصلا أجبر على القضاء ويستحق القبض حينئذٍ من غير تأخير.
وقيل: السلم فاسد، وهو أحسن؛ لأن السلم يتضمن موضعًا يقبض فيه، ومدة يُقبض إليها، فذكر الموضع لا يفهم منه الأجل، كما أن ذكر الأجل لا يفهم منه الموضع، فإذا لم يسم الوقت الذي يقبض فيه بعد الوصول كان فاسدًا.
وفي سماع ابن القاسم قال: سئل مالك عن رجال يقدمون من أرياف مصر على قدر مسيرة اليومين أو أكثر فيبيعون من رجال بالفسطاط طعامًا مضمونًا عليهم يوفونهم إياه بريفهم ولا يضربون لذلك أجلًا، فقال: أليس ذلك حالا؟ فقلت: بلى، فقال: لا بأس بذلك 247، ولم يجعله على الجواز، ولا على الحلول بمجرد العقد، وإلى هذا ذهب فضل إلى أن الدنانير والعروض سواء فهو فاسد.
الجزء: 6 - الصفحة: 2940
باب في رأس المال يوجد زيوفًا أو يهلكـ عند المسلم قبل تسليمه
وإذا وجد المسلم إليه رأس المال زيوفًا أو رصاصًا أبدلها، ولم ينتقض السلم 248.
وقال مالك في مختصر ما ليس في المختصر: إذا جاء المسلم إليه بدرهم ناقص، واعترض الآخر أنه من دراهمه، انتقض من السلم بقدره.
ورأى أن النهي عن الكالئ بالكالئ شَرْعٌ غير مُعَلَّلٍ، فإذا تأخر رأس مال السلم فَسَدَ، وإن لم يعملا على التأخير، وكانا قد غلبا على المناجزة.
وقد اختلف في الغلبة في الصرف، واختلف إذا شرط تعيين الدنانير على ثلاثة أقوال:
فقيل: الشرط ساقط، وقيل: لازم، وقيل: إن شرط ذلك بائع الدنانير كان له شرطه، وإن شرطه مشتريها بطل الشرط.
فمن أبطل الشرط وجعلها بمنزلة غير المعينة يعود الجواب فيها عند العيب إلى ما تقدم، فيختلف هل يلزم بدلها ويكون السلم منعقدًا، أو ينفسخ حكمًا واحدًا 249؟ ومن ألزم الشرط أجاز الحلف إذا رضيا جميعًا ولا يدخله الكالئ بالكالئ؛ لأنه إذا صح التعيين صار بمنزلة لو كان رأس المال ثوبًا أو عبْدًا، فإذا ردها، انتقض السلم، وما تراضيا عليه سلم مبتدأ.
الجزء: 6 - الصفحة: 2941
وعلى القول الثالث: إن شرط ذلك المسلم لها، جاز الحلف إذا رضي وحده، وإلا فسخ، وإن شرطه المسلم إليه عاد الجواب إلى ما تقدم إذا لم يعين 250.
وقد اختلف فيمن اشترط شرطًا ليس بفاسد ولا يتعلق بالوفاء به منفعة، هل يلزم الوفاء به؟
فوجه القول بسقوطه: أن الأصل في تعليق حقوق الآدميين بعضهم على بعض ما يتعلق بها من المنافع، وهذا هو الغالب والموجود، وفي مثلها 251 ورد تعلق الأحكام، فمتى عري من ذلك لم يتعلق به حكم.
ووجه القول بإلزامه قوله - صلى الله عليه وسلم -: "المؤمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ" 252، ولم يفرق، والدنانير والدراهم لا تختلف الأغراض فيها، فالدنانير القائمة والأفراد وما أشبه ذلك الغرض في أحدها كالغرض في الآخر، إلا أن يعلم أن ذلك الشرط كان لمعنى كان الشرط لأجله، وقد يشترط ذلك بائعها؛ لأنه لا شيء عنده 253 سواها، أو يكون له شيء يشق عليه بيعه لخلفها، أو يشترط ذلك مشتريها لحلها أو 254 لطيب أصلها، فيكون لكل واحد منهما شرطه؛ لأنه حينئذٍ شرط يتعلق به منفعة.
الجزء: 6 - الصفحة: 2942
فصل [في حكم السلم إذا كان رأس المال فيه معينًا أو موصوفًا فوجده معيبًا]
وإن كان رأس مال السلم عرضًا أو شيئًا مما يكال أو يوزن فرده بعيب، انتقض السلم (1)، وهذا إذا كان انعقاد السلم على شيء بعينه، وإن لم يكن رأس مال السلم معينًا، وكان موصوفًا على قول من أجاز الموصوف على الحلول، لم ينتقض السلم برده بالعيب، وكان الحكم بينهما الرجوع بمثله.
فصل [في العمل إذا انتقض السلم بسبب رد رأس المال المعيب]
وإذا وجب انتقاض السلم لرد رأس المال؛ لأنه كان معيبًا، وكان ذلك بعد أن قبض المسلم فيه، فإن كان قائمًا بيد المسلم ردَّه.
وإن حالت سوقه، أو حدث به عيب، أو خرج من يد قابضه نظرت، فإن كان المسلم فيه عروضًا، أو عبيدًا، أو حيوانًا، ردّ قيمته يوم قبضه، وإن كان موجودًا بيده، وإن كان مما يوزن أو يكال، كالطعام والحديد والنحاس، كان لبائعه أن يأخذ عينه إن كان موجودًا بيده، أو مثله إن لم يكن موجودًا، ولا تفيته حوالة الأسواق.
وروي عن ابن وهب في البيع الفاسد في المكيل والموزون أن حوالة الأسواق تفيته، فعلى هذا لا يكون للمسلم إليه أن يرجع فيما سلمه إذا فات255
الجزء: 6 - الصفحة: 2943
بحوالة الأسواق، ويرجع بقيمته.
فصل [في حكم السلم إذا كان المسلم فيه معيبًا]
وإن كان العيب بالمسلم فيه فظهر على ذلك العيب بعد قبضه لم ينتقض السلم بحال، وسواء كان السلم في ثوب، أو عبد، أو فيما يكال، أو يوزن، ولقابض ذلك وهو المسلم أن يرده بالعيب ويرجع بالمثل في الذمة بمنزلة لو لم يقبض ذلك 256.
وكذلك إن كان ظهوره على العيب بعد أن حال سوقه، فإن له أن يرده؛ لأن حوالة الأسواق لا تمنع 257 الرد بالعيب.
وإن حدث به عنده عيب كان له أن يرد ويغرم ما نقصه ذلك العيب، ويرجع بمثل الصفة التي أسلم فيها، وإن أحب أن يمسك أو كان خرج من يده بهبة، ثم اطلع على العيب كان في ذلك ثلاثة أقوال:
فقيل: يغرم قيمة ما قبض معيبًا ويرجع بالصفة، وقيل: يرجع بقدر ذلك العيب شريكًا في الصفة التي كان أسلم فيها، فإن كانت قيمة ذلك العيب الربع، رجع بمثل ربع الصفة شريكًا للمسلم إليه.
وقيل: يرجع بقيمة العيب من الثمن الذي كان أسلم؛ لأن بقاءه شريكًا عيب عليه، وأرى أن يكون المسلم بالخيار بين أن يرد القيمة ويرجع بالمثل، أو ينتقض من السلم بقدر العيب؛ لأن رجوعه شريكًا عيب عليهما.
الجزء: 6 - الصفحة: 2944
فصل [في حكم هلاك رأس المال بيد بائعه قبل أن يسلمه]
وإذا هلك رأس مال السلم بيد بائعه قبل أن يسلمه، أو ادعى ذلك فإنه لا يخلو بقاؤه في يده من أربعة أوجه:
إما أن يكون ذلك بعد أن أمكنه من قبضه، أو لم يمكنه منه وكان محبوسًا للإشهاد، أو لأنه استثنى بعض منافعه، أو لم يمكنه ولم يمنعه وكان حين العقد حاضرًا بين أيديهما أو غائبًا عنهما.
فإن كان حاضرًا ومكنه منه ثم تركه مشتريه عنده، كان على أحكام الوديعة، فإن ادعى بائعه تلفه أو أن أحدًا غصبه إياه أو استهلكه كان القول قوله، ويحلف إن كان ممن يتهم أنه كذب في قوله ذلك والسلم على حاله 258.
وإن منعه منه حتى يشهد وهو مما يغاب عليه لم يصدق، وإن أمكنه من الرقاب وبقي لمنافع استثناها منه صُدق.
وإن لم يمنعه ولا مكنه وكان حاضرًا بين أيديهما ومضى وتركه كان على حكم الإيداع؛ لأنه لم يكن له 259 حبسه لا كان الثمن إلى أجل بخلاف البيع على النقد.
وإن كان غائبًا عنهما لم يصدق إلا أن تقوم البينة على تلافه.
ثم يختلف فيه إذا كان غائبًا أو حاضرًا محبوسًا في الإشهاد هل تكون مصيبته من بائعه أو مشتريه؟ وذلك مبين في كتاب العيوب.
الجزء: 6 - الصفحة: 2945
ويفترق الجواب إذا لم تقم البينة على هلاكه، أو علم أن ذلك من سبب البائع؛ لأنه باعه من غيره أو وهبه أو أحرقه.
فقال ابن القاسم: إن ادعى ضياعه انفسخ السلم 260.
وقال محمد: المسلم إليه بابخيار إن شاء فسخ عن نفسه السلم، وإن شاء ألزمه قيمته 261، أحب أو كره، وكان الفسخ 262 على حاله؛ لأنه يتهم في حبسه.
قال: وإن تعدى وباعه من غيره وغاب به مشتريه كان المسلم إليه بالخيار في وجهين: إن شاء أخذ 263 الثمن الذي باعه به، وإن شاء أغرمه القيمة ما بلغت، ويكون عليه الفسخ 264 في الوجهين جميعًا، ولا ينفسخ السلم، ولو تراضيا جميعًا لم يجز، قال: وإن أحرقه كانت عليه قيمته لا يصلح فيه غير ذلك 265، فلم ير للمسلم إليه أن يفسخ السلم عن نفسه إذا أحرقه، خيفة أن يكون قد اختار أخذ القيمة، فلا يجوز له أن ينتقل إلى الفسخ، فتكون إقالة على غير رأس المال.
وكذلك إذا باعه لم ير له أن يفسخ السلم، خيفة أن يكون قد اختار إجازة البيع أو التضمين وأخذ القيمة، فيكون إقالة على غير رأس المال.
ويلزم مثل ذلك إذا ادَّعى ضياعه، لإمكان أن يكون قد اختار أخذ
الجزء: 6 - الصفحة: 2946
القيمة، فتكون إقالة على غير رأس المال؛ لأنه حمل عليه أنه حبسه وحال بينه وبين قبضه، فصار كالغاصب له، فلهذا جعل له أن يأخذه بالقيمة، وإذا كان كذلك صارت إقالة على غير رأس المال منهما 266، وإن كان موجودًا عند المسلم إليه لما 267 لَمْ يمكنه منه، وإنما تكون إقالة على رأس المال لو مكنه منه، ولم يوجب 268 له أخذ القيمة، ولا يلزم ذلك ابن القاسم؛ لأنه لم يجعل له أخذ القيمة، وإنما رأى له أن يفسخ السلم من غير خيار، لإمكان أن يكون قد ضاع وأنه الصادق في قوله.
الجزء: 6 - الصفحة: 2947
باب فيمن باع طعامًا فأخذ عن ثمنه طعامًا أو أقرض طعامًا أو أسلم فيه فأخذ غيره
ومن باع طعامًا، ثم أخذ عن ثمنه طعامًا، فإن كان المبيع سمراء فأخذ عن ثمنها سمراء مثلها في الكيل والجودة، جاز ذلك، وتكون إقالة، وإن كان الثاني أكثر كيلًا أو أفضل صفةً، لم يجز 269؛ لأنهما يتهمان أن يكونا عملا على ذلك، فيدخله سلف بزيادة.
وإن كان الثاني أدنى صفة وأكثر كيلًا لم يجز أيضًا؛ لأنه ربا ترك فضل الأول لمكان كثرة كيل الثاني.
وإن كان الثاني أدنى في الكيل أو في الصفة أو فيهما جميعًا في الكيل والصفة كان فيهما قولان: المنع، والإجازة والجواز أحسن.
وليس يتهم الناس في الغالب فيما يجر إلى وضيعة، وإنما التهمة فيما يجر إلى زيادة، إلا أن يكون هناك دليل على التهمة، مثل أن يكون زمن 270 خوف، أو كان يخاف عليه الفساد، وهو في وقت ليس بيعه فيه من حسن النظر، لما يرجى من نَفَاقِه في المستقبل، فيتهمان على ضمانٍ بجعل، إلا أن يكون الآخر تافهًا يسيرًا، وإن أخذ محمولة، وكان المبيع الأول سمراء، وكان الثاني أكثر كيلًا لم يجز، واختلف إذا كانت مثل كيل الأول فأدنى:
فرأى ابن القاسم مرة في كتاب الصرف أنهما مما تختلف فيه الأغراض،
الجزء: 6 - الصفحة: 2948
فيمنع التفاضل إن أخذ أدنى، وإن أخذ مثل الكيل دخله بيع الطعام بالطعام ليس يدًا بيدٍ، ورأى مرة أن المحمولة أدنى 271، فعلى هذا يختلف هل يتهمان على ضمان بجعل؟ وأن يجوز أحسن.
وقد تقدم أن التهمة إنما تكون فيما جر إلى منفعة ليس إلى خسارة، وإن أخذ تمرًا أو قطنية لم يجز، هذا هو المعروف من قوله، والجواب فيها يجري على القول في بيوع الآجال:
فأجاز ابن القاسم في المدونة لمن باع ثوبًا بدراهم إلى أجل أن يشتريه بدنانير نقدًا إذا كانت الدنانير أقل 272 من الأولى بالشيء البين 273.
وأجاز ابن القاسم وعبد الملك في المجموعة إذا كانت الدنانير مثل صرف الدراهم بالنقد يوم البيع الأول؛ لأنه يحسن الصبر، وجعل التهمة فيما يعود بزيادة 274.
فعلى أصل قوله في المدونة ينظر إلى ثمن الذي أخذ أخيرًا فإن كان أقل من الثمن 275 الأول بالشيء البين 276 جاز؛ لأنه لا يتهم أن يبيع ما قيمته يوم البيع دينار ليأخذ مثل نصف قيمته إلى أجل.
وعلى قوله في المجموعة يجوز إذا كانت قيمة الطعام الثاني مثل قيمة
الجزء: 6 - الصفحة: 2949
الطعام الأول يوم وقع البيع، والمراعاة (1) في قيمة الطعامين يوم البيع الأول، فإن كان في قيمة الثاني ذلك اليوم فضلٌ مُنِعَ، وإن نزلت سوقه الآن، وإن اقتضى بعض الثمن ثم أخذ عن البقية طعامًا مُنِعَ، كان الطعام المأخوذ الآن سمراء أو محمولة أو تمَرًا، أو غير ذلك، ويدخله إذا كان الآخر مثل الأول بَيعٌ وسلفٌ، وإن كان أجودَ أو أدنى - التفاضلُ، وإن كان من غير صنف الطعام بالطعام إلى أجل، إلا أن يكون الذي اقتضى من الثمن الشيء اليسير، فيجري الجواب فيه على ما تقدم إذا لم يقبض شيئًا، وكذلك إذا كان الباقي من الثمن الشيء اليسير (2)، وتضعف التهمة حينئذ في بيع وسلف.
فصل [في قضاء السمراء أو القطنية أو التمر بعضها من بعض]
وإن أقرض سمراء جاز أن يأخذ سمراء أفضل منها جودة، ويختلف إذا كانت أكثر كيلًا.
وقد تقدم ذلك في كتاب الصرف 279 فإنه لا فرق بين الفضل في الجودة وفي الكيل؛ لأن الأول كان على وجه المعروف فلم يحملا في ذلك على التهمة.
ولا بأس أن يأخذ قطنية أو تمرًا بعد محل الأجل، كما يأخذ عن 280 الدنانير القرض دراهم، ولم يتهما على صرف مستأخر.277278
الجزء: 6 - الصفحة: 2950
واختلف إذا أخذ التمر أو غيره من الطعام قبل محل الأجل:
فقيل: لا يجوز ذلك؛ لأنه يقدر أن الطعام الأول باق في الذمة يقتضيه من ذمته (1) إذا حلّ الأجل، ويدخله الطعام بالطعام إلى أجل.
وقيل: ذلك جائز؛ لأن الذمم تبرأ الآن وتخلو من الدينين.
وفي كتاب الصرف إذا أخذ عن القرض وهو سمراء دقيقًا (2)، وفي