كتاب الزكاة الثاني
النسخ المقابل عليها 1 - (ب) = نسخة برلين رقم (3144) 2 - (ر) = نسخة الحمزاوية رقم (115) 3 - (م) = نسخة مراكش رقم (112/ 1)
الجزء: 3 - الصفحة: 995
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ صلى الله على محمد وآله وسلم تسليمًا
كتاب الزكاة الثاني
باب في زكاة الإبل
الأصلُ في ذلك قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ مِنَ الإِبِلِ صَدَقَةٌ" 1، وقوله: "فِي أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ مِنَ الإِبِلِ كما دُونَهَا مِنَ الغَنَمِ مِنْ كُلِّ خَمْسٍ شَاةٌ، فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ إِلَى خَمْسٍ وَثَلاَثِينَ فَفِيهَا بِنْتُ مَخَاضٍ أُنْثَى، فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَثَلاَثِينَ إِلَى خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ فَفِيهَا بِنْتُ لَبُونٍ أُنْثَى، فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَأَرْبَعِينَ إِلَى سِتِّينَ فَفِيهَا حِقَّة طَرُوقَةُ الجَمَلِ 2، فَإِذَا بَلَغَتْ إِحْدَى وَسِتِّينَ إِلَى خَمْسٍ وَسَبْعيِنَ فَفِيهَا جَذَعَةٌ، فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَسَبْعِينَ إِلَى تِسْعِينَ فَفِيهَا بِنْتَا لَبُونٍ، فَإِذَا بَلَغَتْ إِحْدَى وَتِسْعِينَ إِلَى عِشْرِينَ وَمائَةٍ فَفِيهَا حِقَّتَانِ طَرُوقَتَا الجَمَلِ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمائَةٍ فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ، وَفِي كُلّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ" تفرَّد به البخاري دون مسلم 3.
الجزء: 3 - الصفحة: 997
وقد اشتمل هذا الحديث على اثني عشر نصابًا، وهي: خمسة، وعشرة، وخمسة عشر، وعشرون، في كل خمس شاةٌ.
والإبل صدقة ما بعد هذه الأربع 4، وخمسة وعشرون، وستة وثلاثون، وستة وأربعون، وإحدى وستون، وستة وسبعون، وإحدى وتسعون، وما بعد العشرين ومائة، ففي كل أربعين، وفي كل خمسين.
واخْتُلِفَ في ثالث عشر، وهو إحدى وعشرون ومائة، هل هو نصابٌ قائمٌ بنفسه، أم لا حُكمَ للواحدةِ 5؟
واشتمل على صنفين من الصدقة: غنمٍ وإبلٍ؛ فالغنمُ صدقةُ أربعة نصب: خمسة، وعشرة، وخمسة عشر، وعشرون.
في كل خمسٍ شاةٌ، والإبلُ صدقةٌ ما بعد هذه الأربع، وهي خمسةٌ: بنتُ مخاضٍ، وابنُ لبونٍ، وبنتُ لبونٍ 6، وحِقةٌ، وجَذَعَةٌ.
فبنتُ مخاضٍ، وابنُ لبون صدقةُ نصابٍ واحدٍ، وهو خمسة وعشرون.
وبنتُ لبونٍ صدقةُ ثلاثةٍ: ستة وثلاثون وستة وسبعونَ، ففيها ابنتَا لبونٍ، وما زاد على عشرين ومائةٍ، ففي كل أربعينَ بنتُ لبونٍ.
والحقةُ صدقةُ ثلاثة ستَّةٌ وأربعونَ، وإحدى وتسعون، ففيها حقتان.
وما زاد على عشرينَ ومائةٍ في قوله: في كلِّ خمسينَ حِقَّةٌ.
والجذَعَةُ صَدَقةُ نِصَابٍ واحدٍ، وهو إحدى وستونَ.
وفي ثلاثينَ ومائةٍ حقةٌ وبنْتَا لَبُونٍ، وفي أربعينَ ومائةٍ حِقَّتَانِ وبنتُ لَبُوْنٍ.
ثم على هذا = ومالك في الموطأ: 1/ 257، في باب صدقة الماشية، من كتاب الزكاة برقم (599).
الجزء: 3 - الصفحة: 998
الحساب إلى المائتين، فيجتمع فيها في المائتين 7 السِّنان؛ أربعُ حِقَاقٍ، أو خمسُ بناتِ لبونٍ.
واخْتُلِفَ من هذه الجملة في ثلاثةِ مواضعٍ: في خمسةٍ وعشرينَ إذا لم يكن فيها بنتُ مخاضٍ ولا ابنُ لبونٍ ذكر 8، وفي إحدى وعشرينَ ومائةٍ، وفي المائتين.
فأما الخمسة وعشرون فإنها لا تخلو من أربعةِ أحوالٍ: إمَّا أن يكون فيها السِّنان جميعًا، أو يُعْدَمَا منها جميعًا، أو يكون فيها أحدهما بنتُ مخاضٍ، أو ابنُ لبونٍ.
فإن كان فيها أحدُ السنين كان الواجبُ فيها الموجودُ لا غيره، وإن كان فيها السِّنَان جميعًا كان الواجبُ بنتَ مخاضٍ من غيرِ خيارٍ، فليس لصاحب الإبل أنْ يعطيَ ابنَ لبونٍ، ولا للسَّاعِي أنْ يجبرَه على دفعه.
واخْتُلِفَ إذا تراضَيا جميعًا بأخذه، فأجازه ابنُ القاسم في كتاب محمدٍ 9، ومنعَه أشهب 10.
والأولُ أصوبُ وقد يكون في أخذه نظر للمساكين؛ إمَّا لأنه أكثر ثمنًا، أو يكون رأيه: أن ينحره لهم يأكلونه، والثمن سواء، فهو أفضل؛ لأنه أكثر لحمًا لمَّا كان أكبر بسنة 11.
وإن عدم منها السنان جميعًا كان على صاحب الإبل أن يأتي المصَدِّق بابنة
الجزء: 3 - الصفحة: 999
مخاض، أحب أم كره، وهو قول ابن القاسم 12. وقاله أشهب في كتاب محمد 13، وجعل حكم عدم 14 السنين حكم وجودهما، فلما كان الواجب مع وجودهما بنت مخاض من غير تخيير كان كذلك إذا عُدما.
واستشهد ابن القاسم لذلك بقول مالك في المائتين أنه جعل الحكم إذا عدم منها الحقاق وبنات اللبون كالحكم إذا وجدا أنه بالخيار، يقول: فينبغي على قول مالك في الخمسة وعشرين، أن يكون الحكم إذا عدما بمنزلته 15 لو وجدا، والحكم إذا وجدا بنتُ مخاض من غير خيار، فكذلك إذا عدما.
وقد حمل محمدٌ عَلَى 16 ابنِ القاسم أنه يقول: إنه بالخيار، لاستشهاده بالمائتين 17. وليس الأمر كذلك.
وقد أبان ذلك في المدونة، وقال: عليه أن يأتي بابنة مخاضٍ أحبَّ أو كَرِه 18.
ويختلف إذا لم يُلْزِمه المصَدِّق ابنةَ مخاضٍ حتى إذا 19 أحضرَ صاحبُ الإبلِ ابنَ لبونٍ، فقول ابن القاسم يجبر المصَدِّق على قبوله، ويكون بمنزلته 20 لو كان فيها.
وعلى أصل 21 أصبغ لا يجبر.
وبيان ذلك يأتي عند ذكر المائتين.
الجزء: 3 - الصفحة: 1000
واختلف في إحدى وعشرين ومائة على ثلاثة أقوال:
فقال في المدونة: المصَدِّق بالخيار بين أن يأخذ ثلاث بنات لبون، أو حقتين 22. وقال ابن القاسم: فيها ثلاث بنات لبون، ولا خيار للمصَدِّق 23. وقال مالك في المبسوط وغيره: فيها 24 حقتان، ولا خيار للمصَدِّق 25. وبهذا أخذ المغيرة، ومحمد بن مسلمة، وأشهب، وابن الماجشون 26. وإن الواحدة هنا لا تنقلُ الحكمَ، وهو أبينها؛ لأن المفهوم من قول النبي - صلى الله عليه وسلم - فما زاد زيادة العشرات لقوله: "ففي كل أربعين وفي كل خمسين" 27. فالذي ينقل حكم الخمسين، هو الذي ينقل حكم 28 الأربعين؛ لمساواته 29 بينهما.
ولو أخذ من إحدى وعشرين ومائة ثلاث بنات لبون لأخذت من عشرين ومائة؛ لأن الواحدة الزائدةَ على العشرين ومائة 30 وقصٌ غير داخلةٍ في الزكاة.
ولا يوجد في شيء من المسائل أن الوَقَص ينقل فرضا؛ وإنما ينقل الفرض ما هو فرض 31 مزكى؛ مثال ذلك أن يقال 32 في أربع وعشرين الغنم، فإن زادت
الجزء: 3 - الصفحة: 1001
واحدة كان فيها بنتُ مخاضٍ، ثم ما زاد إلى خمسٍ وثلاثينَ وَقَصٌ معفوٌّ عنه لا يغير حكمًا، فإن زادت واحدة فكانت ستًا وثلاثين كان فيها بنتُ لبونٍ، ثم ما زادَ إلى خمس وأربعين معفوٌّ عنه.
فإن أوجبت في إحدى وعشرين ومائة ثلاث بنات لبون بقوله "ففي كل أربعين حقة 33 "، كانت الواحدة لغوًا 34؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخبر أن الزكاة تُؤخذُ عن الأربعين، وعن الخمسين، لا عن غير ذلك.
والواحدة الزائدة على العشرين كالواحدة الزائدة على الثلاثين ومائة، وما ذُكر في ذلك عن ابن شهاب، فقد اختَلَفت الرواياتُ عنه فيه.
وإذا سُلِّم أن الواحدة نقلت الحكم جاز أن يُقال له 35 أن يأخذَ ثلاثَ بناتِ لبونٍ من غير خيارٍ فيكون الوَقَصُ واحدةً أولى من أن يأخذَ حقتين فيكون الوقصُ إحدَى وعشرين.
وقد قال أشهب في مدونته: إن أخذَ ثلاثَ بناتِ لبونٍ أخذها عن عشرين ومائة 36؛ لقوله: "ففي كل أربعين"، وليس في الواحدة شيءٌ، وإن أخذَ حِقّتين أخذهما عن مائة؛ لقوله 37: "ففي كل خمسين حقة"، وليس في إحدى وعشرين شيء، وجعل المصَدِّق بالخيار.
فعلى قوله يكون بالخيار 38 في وجود السنين أو عدمهما.
فإن وجد واحدة لم يكن له غيرها.
وقال محمد: عليه أن يأتيه بما طلب منه المصَدِّق، وإن لم يكن في الإبل، ويلزمه أن يقول
الجزء: 3 - الصفحة: 1002
مثل ذلك في المائتين.
وقد كان بعضُ أهلِ العلمِ يقول: إنما قال مالكٌ: المصَدِّق بالخيار؛ لأنه أشكل عليه الأمر في ذلك، فكان للساعي أن يحكم بأي الوجهين شاء.
وهذا غير صحيح.
وليس للمصَدِّق أن يحكم في مسألة اختلاف بما رآه؛ لأنه ليس بحاكم، ولا أقيم لذلك؛ وإنما هو وكيلٌ على قبضٍ، فإذا خالفه المأخوذُ منه (1) كان الأمرُ فيه (2) إلى من يُحَكِّمَانه (3) بينهما من فقيه أو غيره.
وأيضًا فتخيير المالك إذا أشكل الأمر أولى من تخيير الساعي؛ لأنه الغارمُ فلا يلزم بشك؛ ولأنه لا يخلو أن يكون المصَدِّق عاميًّا أو مجتهدًا؛ فإن كان عاميًا لم يخير (4)، وإن كان من أهل الاجتهاد عمل على ما يتبين له من غير خيار إن وافقه على ذلك المالك، وإن خالفه ترافعا (5) إلى من يحكم بينهما.
فصل المائتان من الإبل لزكاتها طريقان
فأما المائتان فلزكاتها طريقان.
فإن زُكِّيت بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "ففي كل خمسين حقة.
. ." 44، كان فيها أربعُ حقاقٍ.
وإن زُكِّيت بقوله: "ففي كل أربعين" 45 كان فيها خمسُ بناتِ لبونٍ.3940414243
الجزء: 3 - الصفحة: 1003
واخْتُلِفَ إذا كان فيها الحقاقُ وبناتُ اللبونِ أو عُدِما على ثلاثة أقوال:
فقول مالك، وابن القاسم: الأمر في ذلك إلى المصَدِّق يأخذ بأي الطريقين أحب، وهو المقدم على صاحب الإبل 46. وفي كتاب محمد مثل ذلك إذا كان فيها السنان، فإن عدما كان الأمرُ لصاحب الإبلِ.
وقال أبو محمد عبد الوهاب: ليس للمصَدِّق أن يجبرَ 47 المالكَ 48 على أحد السنين، وإن كانا موجودين 49، وعلى قوله: يكون الأمرُ لصاحبِ الإبلِ، وإن كانا مع معدومين، وهذا أبينُ لحديث ابن مسلمة أنه كان لا يساق إليه شيء فيه وفاء من حقه إلا أخذه وقد كان الأمر إلى أصحاب المواشي، وإذا 50 كان الوجهُ الذي يوجبه 51 على نفسه حقًا لم يكن للمصدق أن يمتنع منه.
والأصل في الزكاة 52 التيسير ومثله إذا كان في الإبل أحد السنين وقال صاحبُ الإبلِ: أنا أعد على نفسي بالوجه الآخر وأحضره إذا كان معدومًا؛ أن ذلك له، هذا القياس، ولم يختلف إذا كان في الإبلِ الحقاقُ وبناتُ اللبونِ وكانت الحِقاقُ قوام الإبل وخيارها، أنه ليس للمصدق 53 أن يأخذ الحقاق؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - للمصدق: "تَوَقَّ كَرَائِمَ أَمْوَالِ النَّاسِ" 54.
الجزء: 3 - الصفحة: 1004
فصل [الخلاف في إعطاء القيمة في الزكاة]
واخْتُلِفَ فيمن وجبت عليه سِنٌّ من الإبل فدفع دونها دراهمَ بقدرِ ما بينهما أو أجود، وأخذ الفضل.
فقال مالكٌ في مختصر ما ليس في المختصر: لا بأس به 55. وقال ابن القاسم وأشهب في المجموعة: يُكرَه ذلك 56، فإن فعل أجزأه 57. وقال أصبغ في كتاب محمد: لا يجزئه؛ إلا أن يَردَّ الفضلَ إذا دفع أجود 58.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: لا تخلو المسألةُ من ثلاثةِ أوجهٍ: إما أن يكونَ ذلك بمراضاة المصدق، أو المسكين، أو بغير مراضاةٍ من أحدٍ.
فإن كان ذلك بمراضاةِ المصدق؛ لأنه يرى ذلك من حُسن النظر للمساكين كان ذلك جائزًا لحديث معاذ؛ بعثه النبي - صلى الله عليه وسلم - مصدقًا إلى أهل اليمن، فقال لهم: "ائْتُونِي بِعَرْضٍ ثِيَابٍ خَمِيصٍ أَوْ لَبِيسٍ فِي الصَّدَقَةِ، مَكَانَ الشَّعِيرِ وَالذُّرَةِ فَإِنَّهُ أَهْوَنُ عَلَيْكُمْ، وَخَيْرٌ لأَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بِالمَدِينَةِ" 59. وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ مِنَ الإِبِلِ صَدَقَةُ الجَذَعَةِ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ فَإِنَّهُ تُقْبَلُ مِنْهُ الحِقَّةُ وَيَجْعَل مَعَهَا شَاتَيْنِ- إِنِ اسْتَيْسَرَتَا لَهُ- أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا".
الحديث أخرجه البخاري 60. = الزكاة، برقم (1389)، ومسلم: 1/ 50، في باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام، من كتاب الزكاة، برقم (19)، بلفظ: "وتوق كرائم أموالهم".
الجزء: 3 - الصفحة: 1005
وإن كان ذلك بمراضاة من مسكين، وبعد تمكين من الشيء الذي يبايعه فيه، ولم يحابِهِ في الثمن، أجزأه على كراهيةٍ فيه ابتداءً؛ خوفًا أَن يكون الرِّضا من المسكين خِيفَةَ ألا يعطيه إياها إنْ لم يرضَ، أو يمنعه غيرها في المستقبل، وإن كان راغبًا في البيع ولم يستوفِ القيمة أخرج الفضل وأجزأه.
وإن كان ذلك (1) من المسكين خيفة ألا يعطيه إياها، ولم يكن البيع من حسن النظر، أو فعل ذلك بغير مراضاةٍ منْ أحدٍ، وكان من حسنِ النَّظَرِ أن يُسَلِّمَ عينها ولا يشتري منهم بحالٍ، لم يجزئه.
فإن فعل ذلك على وجه النظرِ للمساكين، ولم يحابِ نفسَه، أجزأه، وإن لم يكن ذلك بمراضاةٍ منَ المساكين، فيُكره ذلك ابتداء حماية.
ولا يشتري السن (2) التي وجبت عليه قبل أن يبرزَها (3) بدينٍ، وإن كان ذلك بمراضاةٍ من السَّاعي، فيدخله الدينُ بالدينِ والغررُ، ولا يجوزُ بالنقدِ للغررِ.
فصل الخلاف في زكاة الشنق
اخْتُلِفَ عن مالك في زكاة الشّنق، وهو ما دون خمسة وعشرين من الإبل، فكان زكاتها من الغنم.
فقال في المدونة: تُزَكَّى 64 من كَسْبِ البلد ضأنًا أو معزًا 65. وقال في كتاب ابن سحنون: يخرج عنها من كسبه دون كسب البلد، فإن كان616263 = من كتاب الزكاة، برقم (1385).
الجزء: 3 - الصفحة: 1006
كسبه المعزى أجزأته وإن كان كسب البلد ضأنًا، وإن كان كسبه ضأنًا أعطى منها وإن كان كسب البلد معزى (1). وقاله عبد الملك بن حبيب (2).
وأرى ذلك كله واسعًا يُخرِجُ من أيها أحبَّ كان ذلك كسبه أو كسب البلد؛ لأن الحديث ورد فيما يحرجه من ذلك مطلقًا.
فأي ذلك أخرج كان ممتثلًا به (3)؛ لأنه يقع عليه اسم شاة.
فصل [في ولد الناقة واعتبار سنة في تسميته]
ولد الناقة أول سنة حوار، وليس يؤخذ في الزكاة، وفي الثانية ابن مخاض، والأنثى بنت مخاض نسبت إلى أمها؛ لأن أمها في الثانية ذات مخاض.
وفي الثالثة بنت لبون؛ لأن أمها وضعت فيها، وصارت ذات لبن.
وفي الرابعة حقة، سميت بذلك؛ لأنها استحقت أن يحمل عليها الحمل ويطرقها 69 الفحل، وفي الخامسة جذعة.
وهي آخر أسنان الزكاة.
ولا يؤخذ شيء من ذلك إلا أنثى، إلا ابن لبون فإنه يؤخذ مكان بنت مخاض إذا لم توجد بنت مخاض.
ولا يجزئ شيء من هذه الأسنان في الأضاحي والهدايا.
وأول سِنِّ الهدايا والضحايا من الإبل الثَّنِي، وهو ابن ست سنين.666768
الجزء: 3 - الصفحة: 1007
باب زكاة البقر
الأصل في ذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مَا مِنْ صَاحِبِ بَقَرٍ لاَ يُؤَدِّى زَكاتَهَا، إِلاَّ جَاءَتْ يَوْمَ القِيَامَةِ، أَكْثَر مَا كَانَتْ، أُقْعِدَ لهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ، تَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا وَتَطَؤُهُ بِأَظْلاَفِهَا" 70 أخرجه مسلم.
وقوله - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: "فِي كُلِّ ثَلاَثِينَ بَقَرَةً تَبِيعٌ، وَفي كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةٌ" 71.
وللبقر نصابان: ثلاثون، وأربعون، وما دون الثلاثين وقصٌ لا زكاةَ فيه.
فإن بلغت ثلاثين كان فيها تبيعٌ، وفي أربعين مسنةٌ 72، وفي ستين تبيعانِ، وفي سبعين تبيعٌ ومسنةٌ، وفي ثمانين مسنتان، وفي تسعين ثلاثُ توابعٍ، وفي مائةٍ تبيعانِ ومسنةٌ، وفي مائةٍ وعشرةٍ تبيعٌ ومسنتانِ، وفي عشرينَ ومائةٍ تتفق الفريضتان أربعُ توابعٍ أو ثلاثُ مسناتٍ.
ويختلف إذا وجد فيها السنان جميعًا أو عُدِمَا، هل يكون الأمرُ في الوجه الذي يعد به 73 ويزكى عليه من توابعَ أو مسناتٍ إلى المصدقِ، أو إلى صاحبِ البقرِ، حسب ما تقدم في المائتين من الإبل؟
واختلفت الأحاديث في السن التي تجب في الثلاثين.
فروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -
الجزء: 3 - الصفحة: 1008
أنه قال: "في ثلاثين جذع" 74. وروي عنه أنه قال "فيه جذع أو جذعة" 75.
واختلفت الروايات على مثل ذلك في المذهب، فقال في المدونة: فيها جذعٌ 76. وقال 77 في كتاب ابن حبيب: جذع، أو جَذعَةٌ 78. ولم تختلف الأحاديث والروايات أن الذكر يجزئ.
واختلف هل يؤخذ مع وجود 79 الأنثى.
فعلى القول: إن الإعطاء لصاحب المال- يلزم الساعي قبول الجذع مع وجود الجذعة.
وعلى القول: إن الأمر للمصدق، إن أخذ جذعة لم يكن لصاحب المال أن ينتزعها منه.
وإن لم يكن في البقر إلا جذع أخذه، ولم يكن للمصدق أن يكلفه أن يأتي بأنثى.
ويختلف إذا لم يكن فيها إلا أنثى، فأراد المصدق أخذها، وقال صاحب المال: أنا آتي بذكر.
هل يكون القول قول المصدق، أو قول المالك؟
الجزء: 3 - الصفحة: 1009
واختلف في سن الجذع، فقال ابن حبيب: هو ابن سنتين 80، وهو العجل 81 الذي فطم عن أمه.
وقال ابن نافع في المجموعة: هو ابن ثلاث سنين 82. والأول أصح وهو المعروف عند أهل اللغة.
واختلفت الأحاديث أيضًا والروايات في السن الذي يؤخذ عن الأربعين، فروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "فيها ثنية"، وأنه قال: "فِيهَا مُسِنَّةٌ" 83. قال ابن حبيب وأبو محمد عبد الوهاب: المسنة بنت أربع سنين 84. هذا مع تسليمهم أن الجذع ابن سنتين، والثنية بنت ثلاث سنين 85، فإذا دخلت في الرابعة فهي رِباع.
وقال أبو إسحاق ابن شعبان: هي ابنة ثلاث سنين 86، وأخذ بقوله - صلى الله عليه وسلم -: إن الواجب فيها ثنية.
وهو الصحيح؛ لأنه حديث مفسر يقضي على المجمل في قوله: مسنة؛ ولأنه اسم شامل للثنية والرباع، ولا تؤخذ إلا أنثى.
الجزء: 3 - الصفحة: 1010
باب فى زكاة الغنم
الأصل فيها قوله - صلى الله عليه وسلم -: "وَفِي صَدَقَة الغَنَمِ فِي سَائِمَتِهَا إِذَا كَانَتْ أَرْبَعِينَ إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ شَاةٌ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ إِلَى مِائَتَيْنِ شَاتَانِ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى مِائَتَيْنِ إِلَى ثَلاَثِمِائَةٍ فَفِيهَا ثَلاَثُ شِيَاهٍ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى ثَلاَثِمِائَةٍ فَفِي كُلِّ مِائَة شَاة، فَإِذَا كَانَتْ سَائِمَةُ الرَّجُلِ نَاقِصَةً مِنْ أَرْبَعِينَ شَاةً وَاحِدَةً، فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَةٌ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا".
أخرجه البخاري في صحيحه 87. فوقّت - صلى الله عليه وسلم - في الغنم أربعةَ نُصُبٍ: أربعين، وإحدى وعشرين ومائة، ومائتين وواحدة، ثم العدد بالمئين في كل مائة شاةٌ، وأوجب 88 في النصاب شاةً، وفي النصابين 89 شاتين.
ولم يأتِ بيان في سنها ولا في صفتها من طريق صحيح عَلِمتُه.
واخْتُلِفَ في ذلك على ثلاثة أقوال:
فقال ابن القاسم وأشهب في المجموعة: يؤخذ الجذع والجذعة، والثني والثنية، والضأن والمعز في ذلك سواء 90. وهذا ظاهر المدونة 91.
وقال أبو الحسن ابن القصار: الواجب عندنا الإناث من الجذعة والثنية.
وهو قول الشافعي.
وقال أبو حنيفة: يجوز أن يؤخذ الجذع، كما يجوز أن تؤخذ
الجزء: 3 - الصفحة: 1011
الثني 92؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "خُذِ الجَذَعَةَ وَالثَّنِيَّةَ" 93.
وقال ابن حبيب: يؤخذ الجذع من الضأن فصاعدًا، وهو ابن سنة تامة والثنية 94، من المعز 95؛ وهما اللذان يجوزان في الأضاحي.
ولا يجوز أن يكون ذكرًا؛ لأنه تيسٌ، وقد نهي عن أخذه إلا أن يكون تيسًا من كرائم المعز، فيلحق بالفحول، فيؤخذ إن طاع 96 به ربه.
والقول: إن الواجب جذعة أو ثنية من الضأن والمعز، أحسنها؛ لوجوه ثلاثة:
أحدها: أنه مروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإن كان سنده ليس بالقوي.
والثاني: أنه قول عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، والأشبه أنه قال ذلك لما مضى عليه من العمل؛ لأن زكاة الماشية مما تقدم العمل بها في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم -.
والثالث: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أوجب في زكاة الإبل أربع أسنانٍ كلها إناثٌ: بنتُ مخاض، وبنتُ لبونٍ، وحقة، وجذعة، ولم يجز فيها ذكر إلا ابنُ لبونٍ عند عدم بنتِ مخاضٍ، فأجاز أن يؤخذ ذكرًا يزيد سنةً عن الأنثى التي تجب في تلك الفريضة، فيعلم أن المقصود من الزكاة الإناث؛ ولأن الغالب فيما 97 يكون في كسب الإنسان من الإبل والغنم الإناث.
فوجب أن يخرج من الغالب في كسبه.
الجزء: 3 - الصفحة: 1012
فأما قول ابن حبيب وقياسه الزكاة على الأضاحي فغير صحيح؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أبان أن 98 الأصلين مفترقان، وأوجب الزكاة في أربع أسنانٍ من الإبل ليس فيها شيءُ يجزئُ في الأضاحي، وأوجبها في البقر في سنين: أحدهما يجزئُ في الأضاحي، والآخر لا يجزئُ؛ فعُلِم بذلك أنهما أصلان لا يُقاس أحدُهما على الآخرِ.
وإذا كان الواجبُ جذعةً أو ثنيةً، فعلى القولِ: إنَّ الأمرَ في الأخذِ للمصدقِ، يكون له أن يأخذَ الثنيةَ ويدعَ الجذعةَ.
وعلى القول الآخرِ يكونُ فيه 99 الأمرُ إلى صاحبِ الغنمِ، فيدفع الجذعةَ ويمنع من الثنية وإنْ كَرِه المصدقُ.
وهذا إذا كانت الغنمُ مختلطةً صغارًا وكبارًا وجيدةً ورديئةً، فإنه يأخذُ الجذعةَ والثنيةَ.
قال عمر - رضي الله عنه -: وذلك عدل بين غذاء 100 الغنم 101 وخيارها.
واختلف إذا كانت جنسًا واحدًا- خيارًا كلها: رُبى 102 أو أكولة 103، أو مواخض 104، أو علوفة 105 كلها 106، أو فحولًا، أو دنية كلها عجافًا، أو ذواتِ عوارٍ، أو سخالًا، على أربعةِ أقوالٍ: فقال مالكٌ في المدونة: إنها كالمختلطة،
الجزء: 3 - الصفحة: 1013
ويأتي ربها بزكاتها من غيرها 107. ولمطرف في ثمانيةِ أبي زيدٍ مثل قولِ مالكٍ إذا كانت رُبىً، أو مواخضَ، أو أكولةً، أو سخالًا، أو فحولًا 108، أنه لا يؤخذ منها.
وخالف إذا كانت عجافًا كلها، أو كانت 109 ذاتَ 110 عوارٍ، أو تيوسًا.
فقال: يأخذ 111 منها عجفاءَ، أو ذاتَ عوارٍ، أو تيسًا.
وقال ابن الماجشون في الثمانية: يؤخذ منها وإن كانت رُبىً أو مواخضَ، أو أكولةً أو عجافًا أو ذاتَ عوارٍ؛ إلا أن تكون فيها جذعةٌ أو ثنيةٌ، ووافق إذا كانت سخالًا أنه لا يأخذ منها.
وقال محمد بن عبد الحكم في جميع هذه الأصناف التي تقدم ذكرها، وفي السخالِ: لولا خلافُ أصحابِنا لكان بينًا أن تؤخذ منها واحدةٌ منْ أوسطها، ولا يكون عليه ثنيةٌ ولا جذعةٌ.
قال: وقول عمر تؤخذ الجذعةُ والثنيةُ؛ لأنه العدلُ بين غذاء المالِ 112 والخيار 113.
يريد: أن قولَ عمرَ خرج على ما يكون عليه الغنمُ في الغالبِ أنها خيارٌ وشرارٌ، وكبارٌ وصغارٌ.
فإن كانت غنمًا على خلافِ المعتادِ فكانت جنسًا واحدًا أخذَ منها، وأُجريت على الأصلِ في زكاةِ الأموالِ أنَّها منها، إلا ما وردَ النَّصُّ أنه من غيرِه، وكانت كالتمورِ في أحدِ الأقوالِ: إن كانت جنسًا واحدًا أخذت زكاته منه، وإن كانت أجناسًا كانت من الوسط.
الجزء: 3 - الصفحة: 1014
واخْتُلِفَ عن مالكٍ إذا كانت أغنامُ الناسِ كلها عجافًا لجدبٍ 114 نزلَ بهم.
فروى ابنُ وهبٍ عنه أنه قال: يؤخذ منها 115. وروى عنه أشهب أنه قال: لا يؤخذ، ولا يُبْعَثُ السعاةُ سنةَ الجدبِ 116. وقال 117: لأنه يأخذ ما ليس له هناك ثمن، وإن جلبه لم ينجلب 118. قال: وإنما ذلك 119 نظر للمساكين 120، وليس لأهل المواشي 121.
وأرى إذا كانت الغنم قريبة من العمران، أو بعيدة ولها بالمكان الذي هي به ثمن، جلبت هذه، وبيعت هذه.
وإن كانت على بعد ولا ثمن لها إن بيعت هناك تركت لقابل.
وتكون الزكاة على تعليله معلقة بأعيان 122 الماشية المزكاة، لا في الذمة.
فإن هلكت الغنمُ 123 أو غُصِبت لم يكن على صاحبِ الغنمِ شيءٌ.
فإن هلك بعضها كان المساكينُ شركاءَ في الباقي بقدرِ الشاةِ.
واختلف إذا كانت الغنم مختلطة جيادًا ورديئة، فأرادَ المصدق أن يأخذَ ذاتَ عوارٍ؛ لأنه أفضلُ للمساكين بغير رضا صاحبِ الماشيةِ، فأجاز ذلك ابن
الجزء: 3 - الصفحة: 1015
القاسم، ومنعه محمد إلا برضاه والأولُ أبينُ؛ لأن الأصل في تركِ ذواتِ العوارِ لم يكن لحقِّ صاحبِ الماشيةِ.
واختلف إذا ضربت فحولُ الظباءِ إناث الغنم فتوالدت، هل تزكى سِخَالهُا؟ وهل يتم بها النصابُ.
فأوجب ذلك أبو الحسن ابن القصار، ومنعه محمد بن عبد الحكم، وسواء كان الولدُ شبيهًا بالأمِّ أو بالفحلِ، والأول أبين، إذا كان الولدُ شبيهًا بالأمِّ.
ولا أعلمهم يختلفون لو ضربت فحول الغنم إناث الظباء، أنَّ سخالها لا تُضافُ إلى الفحولِ، ولا يتم بها نصابها؛ لأن الولد إنما يضاف في الزكاة إلى الأمهات، وعلى حولها يجري.
الجزء: 3 - الصفحة: 1016
باب إذا اجتمع جنسان من صنفٍ واحدِ في ملكٍ واحدٍ، ضأنٌ ومعزٌ وبقرٌ وجواميسُ، أو إبلٌ وبختٌ
الضأنُ والمعزُ في الزكاةِ صِنْفٌ واحدٌ يُجمع بعضُه إلى بعضٍ، وكذلك البقرُ والجواميسُ صنفٌ 124، والإبلُ العرابُ والبختُ صنفٌ.
فإذا كانت الغنمُ أربعين شاة، وهي ضأنٌ ومعز، أخذت الشاة من أكثرها.
وقال ابن القاسم: إذا كانت متساويةً يأخذ المصدق من أيها شاء 125، 126. والقياس أن يكون فيها نصفُ ضائنةٍ ونصفُ ماعزة 127، من غيرِ خيارِ المصدقِ 128. وليس قولُ المصدقِ: آخذُ ضائنةً بأولى من قول ربِّ الماشيةِ: أنا أدفعُ مَعزة.
وإذا لم يكن قولُ أحدِهما أولى من الآخر كان نصفًا ونصفًا.
فإن كانت الغنمُ ثمانين، أربعين ضأنًا، وأربعين معزًا، كان الساعي بالخيار، يأخذ من أيهما شاء.
وإن كانت مائة وعشرينَ، وكان أحدُ الصنفين دونَ النصابِ: تسعةً وثلاثينَ إلى ما دون ذلك، كانت الصدقةُ من النصابِ دون غيره.
وإن كان في كل واحدٍ منهما نصاب، وهي متساوية، ستونَ وستون، كان المصدقُ بالخيارِ
الجزء: 3 - الصفحة: 1017
يأخذ شاةً منْ أيهما شاء، إذا كان أفضل للمساكين.
واختلف إذا كانت ثمانين وأربعين 129؛ فقال ابن القاسم: يأخذُ من الأكثرِ 130. وقال محمد بن مسلمة: المصدق بالخيار يأخذ من أيهما شاء؛ لأن كلَّ واحدةٍ منهما لو كانت وحدَها أخذ منها شاة، فله أن يأخذَ من هذه، ويطرحَ الأخرى 131.
وهو أحسن؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أوجب في أربعين شاة، وعفا عما زاد عليها إلى العشرين ومائة، فلم يجعل فيها شيئًا، وكان للمصدق أن يأخذ الشاة من الضأن وإن كانت أربعين، ويترك ما سواها.
واختلف عن مالكٍ في هذا الأصلِ؛ فرأى مرةً أنَّ الزكاةَ إنما تؤخذُ عن الأربعين 132، ومرةً عن العشرين ومائة 133. فعلى قوله: إنها تؤخذ عن الأربعين يصح أن يكون المصدق بالخيار.
وعلى قوله: إنها تؤخذ عن العشرين ومائة يصح القول: إنها تؤخذ من الأكثر، إلا أن تكون الضأنُ لم يَحُلْ عليها الحولُ، فلا يؤخذ منها على قول ابن مسلمة؛ لأنه علل بزكاتها على الانفراد.
فإذا أراد أن يأخذ منها على الانفراد، ويسقط الباقي، قال المالك: لم يَحْلْ عليها الحولُ، فليس لك أن تأخذ منها.
وإن كان جميعها مائة وإحدى وعشرين، وكان أحد الصنفين إحدى
الجزء: 3 - الصفحة: 1018
وثمانين، والآخر أربعين، أخذ من كل واحدة منهما شاة.
فإن كانت اثنتين وثمانين، وتسعة وثلاثين أخذ الساعي 134 الشاتين من الأكثر.
وقد قال في مثلها: إنه يأخذ من كل واحدةٍ منهما شاةً 135. فقال في أربعين بقرة وعشرين جاموسًا: إنه يأخذ تبيعًا من البقر، وتبيعًا من الجواميس 136. فعلى هذا يأخذ من الضأن شاةً عن ستين ونصف، ثم يُضاف بقيتها إلى المعز، فتوجد المعز أكثر، فيأخذ منها؛ لأنها أكثر من الفاضل عن الستين ونصف.
وقال ابن القاسم: إذا كان جميعُها 137 مائة وستين: عشرين ومائة ضائنة، وأربعين معزة، أخذ منها ضائنة ومعزة 138؛ لأن المعز أوجبت الشاة الثانية، وفيها نصابٌ.
وعلى القول: إنَّ الوقصَ داخلٌ في الزكاةِ، وإن الزكاةَ تُؤخذُ عن ستين ومائة، يأخذُ الضائنة عن ثمانين من الضأنِ، ويكون بالخيارِ في الأخرى.
وعلى قولِ سحنون، يأخذ شاتينِ مِنَ الضأنِ؛ لأنه نَقَصَ الأربعين عن العشرين ومائة، فتكون ستين ضائنة وعشرين معزة فيها شاةٌ من الأكثرِ، وكذلك الصنفُ 139 الآخرِ.
وإن كانت الضأنُ مائةً وإحدى وعشرين، والمعز أربعين، أخذ الشاتينِ من الضأنِ.
وهذا قول ابنِ القاسم.
وقال محمد بن مسلمة: الساعي بالخيار بين أن يأخذ ضائنتين؛ لأن ذلك مما يجب فيها لو لم
الجزء: 3 - الصفحة: 1019
يكن فيها معز، أو يأخذ ضائنة ومعزة؛ لأنه قد كانت تكون في الضأن شاةٌ، وفي المعز شاةٌ 140. يريد: إذا كانت المعزُ حَالَ عليها الحولُ، وإن حالَ الحولُ على المعزِ وحدها زكَّى جميعها زكاة الاجتماع.
الجزء: 3 - الصفحة: 1020
باب (1) [في ما يؤخذ من النصاب من صنفي البقر]
وإن كانت بقرًا وجواميس، والواجب فيها سن واحدة كالثلاثين أو كالأربعين 142، أخذت الزكاة من أكثرها، وإن تساوت كان المصدق بالخيار عند ابن القاسم.
وإن كان الواجبُ فيها أسنان كالستين، وأحدها أكثر، فقال ابن القاسم: إذا كانت أربعين من البقر، وعشرين من الجواميس أخذ من كل واحدة تبيعًا 143؛ لأنه يأخذ تبيعًا عن ثلاثين منَ البقرِ، وتبقى عشرة تُضاف إلى عشرين من الجواميس، وهي أكثر.
وقال سحنون: يأخذ تبيعين من البقر؛ لأنه يفُضُّ الجواميسَ على 144 البقرِ، فيكون عشرون من البقرِ، وعشرة من الجواميس.
والأول أصوب، ولا أعلم للفَضِّ 145 وجْهًا.
وإن كانت سبعين، فيها من الجواميسِ عشرون؛ أخذَ من البقرِ مسنةً، ومنَ الجواميسِ تبيعًا 146.141
الجزء: 3 - الصفحة: 1021
باب (1) [في ما يؤخذ من النصاب من صنفي الإبل]
وكذلك الإبلُ، إذا كان الواجبُ فيها سنًا واحدًا، بنت مخاضٍ، أو بنت لبونٍ، أو حقة، أو جذعة: أخذت من الأكثر، وإن كان فيها صنفان، وكانت ستة وسبعين 148، منها 149 العراب خمسون، أَخذ من كل واحدة منها بنتَ لبونٍ، وإن كانت العرابُ ستين أخذ بنتي لبون منها، ولم يأخذ من البخت شيئًا؛ لأنه إذا أخذ بنت لبون من العراب عن نصف الجميع، وهي ثمانية وثلاثون، كان الباقي منها اثنين وعشرين من العراب 150، ومن البخت ستة عشر، فالعراب أكثر.
وهو قول ابن مسلمة في الإبل البخت والعراب 151.147
الجزء: 3 - الصفحة: 1022
باب في زكاة ماشية المدير
152
وإذا كان الرجلُ يديرُ مالَه في التجار، وله ماشيةٌ يُديرُها أيضًا، فإن كانت دون نصابٍ قومها مع ماله.
وإن كان لا يديرها وهي للتجارة يرجو فيها حوالة الأسواق، وإن كانت أقل 153 مما في يديه للإدارة كان في تقويمها قولان: هل تكون تبعًا للكثير، وهو الذي يُدارُ، أم لا؟ والصوابُ ألا تُقوَّم، وأن يكونَ كلُّ مالٍ مراعى في نفسه، وله حكمُ نفسه لا حكم غيره.
وإن كانت للقنية ليشرب لبنها، ويستعمل صوفها، لم تُقَوَّم، ولم يزكِّ ثمنها إن باعها.
وإن كانت للغلة ليبيع لبنها وصوفها كان فيها قولان: هل ذلك قنية، أو تجارة؟
فمن قال: إن ذلك تجارة، يختلف هل يقومها المدير أم لا 154؟ وإن كانت نصابًا وحالَ عليها الحولُ من يوم اشتراها لم يُقَوِّمْهَا وإن كان مديرًا؛ لأنها تُزَكَّى زكاةَ الماشيةِ.
فإنْ باعها قبل أن يأتيه الساعي، فقال ابن القاسم في كتاب ابن سحنون: تزكى وترد إلى المال الأول 155.
يريد: مال 156 الإدارة.
وينبغي على قوله أن يزكى على الأقل 157 من القيمة
الجزء: 3 - الصفحة: 1023
يوم قوم للإدارة، أو ما باع به.
فإن كانت القيمةُ يومَ قوم أقل لم يزكِّ الزائد؛ لأنه نما في الحول الثاني، وإن كانت القيمةُ أكثرَ من الثمنِ لم يلزمه أن يزكي عما حطت القيمة؛ لأنَّ كلَّ مالٍ تأخرت زكاته بوجه جائز لا يضمن تلك الزكاة إذا ضاع ذلك المال، وكذلك إذا نقص.
ويجري فيها 158 قول آخر: أنه يزكي عن الثمن الذي باع به قليلًا كان أو كثيرًا؛ لأنها خرجت من الإدارة لما أقامت حولًا، فيزكي الثمن إذا باع قبل مجيء السَّاعي، أو زكاة الغنم ما لم تنقص عن النصاب إذا كان ممن لا ساعي له.
وإذا كانت الغنمُ في وقتِ تقويمِها 159 للإدارةِ نِصابًا، وهي مما يُدار، ومعلومٌ أنها لا تبقى عنده حتى يحول عليها الحولُ، فإنه يُقَوِّمُها الآن.
وإن كانت دون النصاب فقومها، ثم بارت عليه، وأقامت حتى حالَ عليها الحولُ، وتمت بولادتها نصابًا، لم يلزمه أنْ يزكي زكاةَ الماشيةِ حتى يحولَ الحولُ عليها 160 من يوم قوم؛ لأنه أدَّى زكاتَها بأمرٍ واجبٍ عليه، وتصير بمنزلة من أفادها يوم قوم، فلا يلزمه أنْ يزكي الآن زكاةَ الماشيةِ حتى يحولَ الحولُ منْ يومِ قوم 161، فيكون قد زكى مالًا واحدًا في عامٍ واحدٍ مرتين.
الجزء: 3 - الصفحة: 1024
باب فيمن اشترى ماشيةً بدنانيرَ، أو كانت له ماشيةٌ فباعَها بدنانيرَ. هل يُزَكِّي الثاني على حولِ الأوَّلِ؟ وفي تحويلِ الماشيةِ في الماشيةِ
اختلف فيمن كانت بيده دنانيرُ فأقامت ستةَ أشهرٍ، ثم ابتاعَ بها نصاب غنم، أو كان بيده نصابُ غنمٍ فَزَكَّاه، ثم باعَه بدنانيرَ بعد ستة أشهرٍ 162 من يوم زكَّاها، هل يستأنف بالمال 163 الثاني حولًا، أو يزكي على الحولِ الأولِ؟ فقال مالك فيمن كانت بيده دنانيرُ ابتاعَ بها غنمًا: إنه يستأنف حولًا 164 من يوم اشترى الغنم 165. وإن كانت بيده غنمٌ فزكاها، ثم باعها بدنانيرَ، زكى الثمنَ من يوم 166 زَكَّى الغنمَ، ولم يستأنف الحولَ من يوم باعَ الغنمَ.
وقال محمد بن مسلمة: إذا اشترى بالعين غنمًا زكّى الغنمَ على حولِ العينِ، ولم يستأنفِ الحولَ 167. وقال محمد بن عبد الحكم: إذا باعَ الغنمَ 168 بعينٍ استأنفَ الحول من يوم باعَ 169. قال: وذلك 170 مثل الذي يشتري الغنم بدنانير
الجزء: 3 - الصفحة: 1025
قد مضى لها ستة أشهر فلا يكون عليه أن يحتسبَ من حولِ الدنانيرِ.
واخْتُلِفَ أيضًا إذا اشترى غنمًا بدنانيرَ، ثم باع الغنم قبل مجيء الساعي، وقبل أن تجريَ فيها زكاةٌ، فقال مالك وابن القاسم في المدونة: يرجع في زكاته إلى زكاة العين، فيزكي ثمنها من يوم أفادَ الذهبَ الذي اشْتُرِيَتْ به 171. وقال أيضًا في غير المدونة: يزكي من يوم اشترى الغنم 172.
قال الشيخ -رحمه الله-: بناء 173 الحول في المالين على وجهين: فإن كان المالان مما يجمعان 174 في الزكاة جمعهما 175 في الحول.
فمثال ذلك: الذهب والفضة وهما مما يجمعان في الزكاة.
فإذا كان له عشرةُ دنانيرَ ومائة درهم وجبت عليه الزكاة.
وكذلك في بناء الحول، إذا أقامت بيده 176 ستة أشهر ثم باعها بمائتي درهم، فأقامت بيده ستة أشهر، وجبت عليه الزكاة.
وإذا كان المالان مما لا يجمعان في الزكاة، كالعين والماشية، فكذلك لا يجمعان في الحول.
فلو كانت لرجل عشرة دنانير وعشرون شاة لم يجمعا في الزكاة، فكذلك إذا أقامت الدنانير في يده ستة أشهر، ثم ابتاع بها 177 أربعين شاة، لم يزكِّها إلا لحول من يوم الشراء 178، ولم يبنِ على حول العين، كما لا
الجزء: 3 - الصفحة: 1026
يجمعان في النصاب؛ لأن الأصل ألا يُزكى مالٌ إلا باجتماع وجهين (1): أن يكون نصابًا، ويقيم بيده حولًا.
فإن انخرم أحدهما لم تجب زكاة.
وكذلك إذا أقامتِ الغنمُ في يديه ستةَ أشهرٍ، وهو تمام حولِ العينِ، وأقام (2) ثمن الغنم في يديه ستة أشهر، وهو تمام حول الغنم، لم تجب فيه (3) زكاةٌ.
فصل الخلاف فيمن له ماشية فباعها بنصاب ماشية من جنسها أو من غير جنسها
واخْتُلِفَ فيمن له ماشية فباعها بنصاب ماشية من جنسها، أو من غير جنسها، على أربعةِ أقوالٍ: فقال مالكٌ 182 في المدونةِ فيمن باعَ غنمًا بغنمٍ: إنه يبني الثانيةَ على حولِ الأولى.
وإن باعها بإبلٍ، أو بقرٍ، استأنف بالثانية حولًا، ولم يزكِّها على حولِ الأولى 183. وقال في كتاب ابن سحنون فيمن باعَ غنمًا بغنم: إنه يستأنف للثانية حولًا 184. وقال أيضًا: يزكي للثانية 185 على حولِ الأولى، مثل قوله الأول 186. وقال في المدونة فيمن باع غنمًا بإبل أو بقر: إنه يستأنف بالثانية179180181
الجزء: 3 - الصفحة: 1027
حولًا 187. وقال في كتاب محمد: يزكيها على حول الأولى، إذا كانت الأولى نصابًا، فإن كانت دون نصاب استأنف بالثانية حولًا 188. وقال محمد بن مسلمة: يبني على حول الأولى.
وإن كانتِ الأولى أقل من نصابٍ، فقال فيمن له بعير أقام في يديه ستة أشهر، ثم باعه بأربعين شاة، ثم جاءه المصدق بعد ستة أشهر أخرى: زكَّى زكاة الغنم؛ لأنها ماشية حال على أصلها الحول 189.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: لا خلاف في زكاة العين؛ الذهب والفضة، أنه ليس من شرط وجوب الزكاة فيه أن يقيمَ ذلك العين حولًا.
وإنه إذا تجر فيه ثم عاد عينًا، أنه يزكي هذا العين الثاني على حولِ الأول؛ بل ذلك أوجب في الزكاة إذا تجر فيه؛ لأن تنمية 190 العين لا تصح إلا بانتقال الأول.
فإن بقيت العينُ على حالها، وغلب على التنمية، كان فيها قولان: هل تسقطُ الزكاةُ، أم لا؟ والماشية بعكس ذلك، فتجب الزكاةُ إذا بقيتِ الغنمُ أو الإبل أو البقر في يده حولًا؛ لأن النماء موجودٌ مع بقاء عينها، وبقيت على الأصل، أنه لا تجب الزكاة إلا مع بقاء تلك العين حولًا.
ورأى مرة أنَّ الزكاةَ واجبةٌ، إذا باعها من جنسها 191، بمنزلة من باع ذهبًا بذهبٍ.
ورأى مرة أنه يستأنف الحول، لما كان النماء موجودًا مع بقاء عينها من غير نقلِ ملكٍ.
وإذا باعَ الغنمَ الأولى 192 لم تجبْ في الثانيةِ زكاةٌ إلا بعد حولٍ.
الجزء: 3 - الصفحة: 1028
واخْتُلِفَ بعد تسليم القول فيمن باع غنمًا بغنم، أنه يزكي الثانية على حول الأولى.
واختلف إذا تخللهما عينٌ، فباعَ الغنمَ بدنانيرَ، ثم اشترى بالدنانيرِ التي أخذ عن الغنم 193 غنمًا، فقال محمد بن المواز: يستأنف بالثانية حولًا 194. قال: وصارت كذهب فيها زكاة، فابتاع بها غنمًا، أنه يستأنف بها حولًا 195. يريد: يسقط حكم الأولى.
قال: وكذلك لو باع غنمه بذهب، ثم استقاله منها، فرجعت إليه، فإنه يستأنف بها حولًا.
قال: وسواءٌ قبضَ الثمنَ أو لم يقبضه.
وقال عبد الملك بن الماجشون: يزكي الآخرة مع حولِ غنمه التي باعَ.
قال: وكذلك لو أخذ بذلك الثمن 196 إبلًا أو بقرًا؛ لأنه لم يخرجها إلا لما فيه الزكاة ثانية، ما لم يكن البدل ذهبًا أو وَرِقًا، اشترى بها ماشية لقنية أو لتجارة، فإنه يستأنف بها حولًا.
وإلى هذا يرجع قول ابن القاسم في المدونة، فيمن استهلكت له غنم، فأخذ في قيمتها غنمًا.
فقال ابن القاسم مرة: يزكي الثانية على حول الأولى 197، وقال أيضًا 198: إنه يستأنف بالثانية حولًا 199. فرآه في القول الأول بمنزلة من كانت عنده ذهب، ثم أولجها في عروض، ثم باعها بذهب.
والقول الآخر 200 أحسن، والغنم
الجزء: 3 - الصفحة: 1029
في هذا بخلاف العين؛ لأن الذهب ليس من شرطه بقاء العين الواحدة حولًا، ومن شرط الغنم على الصحيح من المذهب ألا تزكى حتى تقيم العين الواحدة حولًا، وإذا كان ذلك استأنف بالماشية الثانية حولًا، وإن كانتِ الغنمُ الأولى دون نصابٍ كان ذلك أبين؛ لأنه لا يزكي الآخرة على حول الأولى وكذلك إذا كانت الأولى لقنية فاشترى الثانية ينوي بها التجارة.
الجزء: 3 - الصفحة: 1030
باب فيمن ابتاع غنمًا للقنية أو ورثها
وإذا اشترى غنمًا للقنية أو ورثها، وحالَ عليها الحولُ وهي نصاب؛ زكاها، والقنية والتجارة في ذلك سواء؛ لأن النماء فيها في الحالين سواء، الولد واللبن والصوف.
ولم تفترق القنية من غيرها.
واخْتُلِفَ إذا باعها قبل أن يزكيها أو بعد أن زكاها.
فقال مالكٌ في المدونة: إذا باعها بعد ستة أشهر من يوم اشتراها أو ورثها فإنه يستأنف حولًا، ثم رجع فقال: يحتسب بما مضى من الشهور من يوم اشترى ثم يزكي 201. وقال محمد: إن كان زكاها قبل البيع زكى الثمن إذا تم حول الغنم.
قال: ولم يختلف في ذلك قول مالك ولا أصحابه 202. وقال أشهب في مدونته: يستأنف بالثمن حولًا من يوم يقبضه 203.
والقول: إن الزكاةَ في جميع ذلك واجبةٌ؛ زُكِّيت الغنمُ أو لم تزكَّ- أحسن؛ لأن النماءَ موجودٌ فيها، ونية القنية في ذلك غير مؤثرة، ولو كان للنية في ذلك تأثيرٌ لم تزكَّ وهي غنم.
وقد يُحمل قولُ مالك في استئناف الحول على القول: إذا كانت للتجارة، أنه لا يبنى 204 الثمن على حول الغنم، كما قال محمد بن عبد الحكم.
وكذلك قوله: إنه يحسب الحول من يوم ابتاعها، ليس من يوم ملك الدنانير 205. وهو على ما تقدم إذا ابتاعها للتجارة فإنه يستأنف بالغنم حولًا،
الجزء: 3 - الصفحة: 1031
فإن باع قبل أن يزكي زكاة الغنم زكى على أصل العين الذي اشتريت به.
وإنما خالف في ذلك ابن مسلمة، فقال: يبني الغنم على حول العين.
واختُلف أيضًا إذا اشتراها للقنية، وهي دون نصاب، فقال في المدونة: إذا كانت أربعة من الإبل، لا زكاة عليه في الثمن الآن 206، وهي مخالفة للتي كانت نصابًا.
وقال محمد بن مسلمة فيمن باع بعيرًا بأربعين شاة بعد ستة أشهر ثم جاءه المصدق بعد ستة أشهر أخرى: إنه يزكي الغنم 207.
وهو أقيس على تسليم القول: إن الإبل تبنى على حول الدنانير؛ لأن الإبلَ تجبُ في عينها الزكاة.
وكون الأصل دون نصاب بمنزلة من كان له عشرة دنانير فباعها بمائتي درهم.
وقد قال مالك فيمن ابتاع أربعة أبعرة يعمل عليها بثمن تجب فيه الزكاة، أو لا تجب فيه الزكاة، ثم باعها بعد عام أو عامين بنصاب من العين: زكّى ثمنها ساعتئذٍ 208. وقد قيل في هذه المسألة: هو كمبتاع المساكن 209 للغلة فاختلف هل تكون تجارة أو قنية؟ وقد تقدم ذكر ماشية المديان في الكتاب الأول.
الجزء: 3 - الصفحة: 1032
باب في زكاة فائدة المواشي، وما هلك من الماشية بعد أن نزل به الساعي
ومن كانت في يده ماشية ثم أفاد ماشية أخرى؛ فإن كانت الأولى دون نصاب أضافها إلى الثانية وزكاهما على حول الثانية، وإن كانت الأولى نصابًا أضاف إليها الثانية 210 وزكاهما على حول الأولى.
وهذا إذا كانت جنسًا واحدًا: إبلًا كلها أو بقرًا أو غنمًا.
فإن كانت الأولى نصابًا فلم يأته المصدق حتى نقصت عن النصاب زكّاهما على حول الثانية، فإن كانت الأولى دون النصاب فلم يأته الصدق حتى صارت نصابًا زكّاهما على حول الأولى، والمواشي في الفائدة 211 خلاف العين أنها 212 تزكّى على حول الأولى.
واخْتُلِفَ في تعليل ذلك، فقيل: ذلك للضرورة في خروج السعاةِ؛ لأنَّ خروجهم في الحول مرةً واحدةً، فلما كان ينتفع تارة إذا جاءه قبل تمام حوله بشهر فلم يزكِّ إلى قابل، فكذلك يُنظر الآن ويزكي الفائدة 213 قبل الحول، وهذا غير صحيح.
وفي العتبية خلاف ذلك: أن 214 الجوابَ فيمن لا سعاة لهم على
الجزء: 3 - الصفحة: 1033
مثل هذا 215. وقيل: ذلك؛ لأن زكاةَ الماشيةِ على النصابِ.
فما زاد عليه كان وَقَصًا لا يزكيه حتى يدخلَ في النصاب الثاني.
وإنما يزكي على الجمع ليس على الانفراد.
فلو كان بيد رجل أربعون شاة، ثم أفاد بعد أربعة أشهر أربعين شاة، ثم أفاد 216 بعد أربعة أشهر أربعين شاة أيضًا؛ لم يزك عن كل أربعين على الانفراد، ولو كان ذلك لزكى عن مائة وعشرين ثلاث شياه.
ومثله لو كان بيده مائة وواحدة، ثم أفاد مائة، فإنه يزكي عن الجميع ثلاث شياه.
ولو زكّى كل مال بانفراده على حوله لزكى شاتين 217، وهذا خلاف ما سنه النبي - صلى الله عليه وسلم -. وهذا التعليل أشبه من الأول.
والأصل المجتمع عليه أنه لا تجب في مال زكاة حتى يحول عليه الحول.
وإذا كان ذلك كان من حق هذا أن يزكي الآن على 218 المائة الواحدة، ثم يزكّي زكاةَ الجميع في العام المقبل، وإلى هذا ذهب الشافعيُّ.
وكذلك إن كانت مائة وعشرين 219 أفادها على ثلاث مرات، فإنه إذا حالَ الحولُ زكى الجميعَ على مذهبِ مالكٍ على حولِ الأولى.
وقد تُزَكَّى الماشيةُ في العامِ الواحدِ مرتينِ، وفي العامين زكاةً واحدةً.
فالأولى أن يزكيها رجل، ثم يبيعها من ساعته، فيشتريها من له نصابُ ماشيةٍ ويأتيه الساعي في ذلك اليوم، فإن له أن يزكيها أيضًا، أو يموت الأول 220 بعد
الجزء: 3 - الصفحة: 1034
أن زكاها وللوارث نصاب من جنسها، فإنه يزكيها أيضًا.
والوجه الثاني أن تقيم بيد الأول حولًا ثم يبيعها أو يموت قبل مجيء الساعي بيوم، والمشتري أو الوارث لا ماشية له، فإنه يستأنف بها حولًا.
فصل [فيمن جاءه الساعي وقد نفق من نصاب ما يزكي شاة]
ومن المدونة قال مالكٌ فيمن نزل به الساعي، وله مائتا شاة وشاة فهلكت منها واحدةٌ بعد أن نزل به الساعي وقبل أن يسعى عليه: إنه يزكي عن ما بقي، ولا شيء عليه فيما مات 221. وقال في كتاب محمد: إذا نزل به الساعي فسأله عن غنمه، فأخبره أنها مائتا شاة فقال له: نصبح فنأخذ منها شاتين، فولدت واحدة قبل الصبح، أو كانت مائتين وواحدة فماتت منها واحدة قبل الصبح، فإنه يزكي على ما يجد من عددها حين يصدق، ولا ينظر إلى ما كان قبل ذلك 222. فأسقط عنه زكاة ما هلك، وإن كان قد صدقه في العدد؛ لأن كل ما هلك من المال بعد الحول وقبل الأخذ منه من غير تفريط تسقط زكاته.
وكذلك لو عد عليه ولم يأخذ منها شيئًا حتى هلك بعضها سقطت زكاته، وزكى عن الباقي.
وتصديقه وعَدُّهُ سواء، وهذا إذا كانت الزكاة من عين تلك الماشية، ولو كانت إبلًا، فسأله عن عددها، فقال: عشرون.
فصدّقه، فقال: يصبح ويأخذ أربع شياه، فهلك بعضها قبل أن يصبح، أو سرق جميعها، لم تسقط عنه زكاته؛
الجزء: 3 - الصفحة: 1035
لأنه سلم ذلك إليه ليأخذ الزكاة من الذمة.
وقال محمد: إذا لم يجد فيها نصابًا، يريد: كانت دون أربعين شاة، فذهب عنه المصدق، ثم رجع إليه، فوجدها قد بلغت نصابًا بولادة 223، أنه لا يأخذ منها شيئًا.
قال: ولا ينبغي للمصدق أن يرجع فيها، ولا يمر في العام الواحد مرتين.
وفرق ما بين ما توالد قبل أن يذهب عنه، أو بعد ما ذهب عنه، ثم رجع إليه فزكى الأول ولم يزك الثاني.
وقال محمد بن عبد الحكم في المسألة الآخرة: عليه أن يزكيها، ولا أدري ما وجه قول مالك، وقوله هذا أحسن؛ لأنه نصاب حال عليه الحول، وما كانت هذه صفته، فقد وجبت فيه 224 الزكاة، وإنما سقط عنه الرجوع لمشقة ذلك عليه، فإذا تكلف ذلك وفعل أخذ الزكاة.
وينبغي إذا نزل الساعي، وهي مائتان، فقال له: نأخذ منها شاتين، فأصبح وقد ولدت؛ ألا يزكي إلا ما قال له أنه يزكي عليه أولا؛ لأن الولادة صارت 225 في العام الثاني.
الجزء: 3 - الصفحة: 1036
باب فيمن له نصاب ماشية فحال عليها الحول، ثم مات قبل مجيء الساعي
ومن المدونة، قال ابن القاسم فيمن حال الحول على ماشيته، ثم مات قبل مجيء الساعي، فأوصى أن يخرج زكاتها: إن وصيته تنفذ من الثلث في الوجه الذي تصرف فيه الزكاة الذي سمى الله -عز وجل- في كتابه.
ولا شيء للساعي عليها 226. فجعلها في الثلث؛ لأنه مات قبل وجوبها.
ووجوبها معلق بمجيء الساعي.
ولو لم يوصِ بها لم يكن على ورثته شيء.
وجعلها في أصناف الزكاة؛ لأن ذلك قصد الميت.
ولم يكن للساعي عليها سبيل؛ لأنها ليست بزكاة.
ولو علم أن الوصية كانت من الميت؛ لأنه ظن أن الزكاة وجبت عليه، مثل أن يقول: وجبت علي زكاة ماشيتي؛ لأن الحول حال علي، أو ما أشبه ذلك مما يعلم 227 أنه لم يقصد التطوع، لم يجب على الورثة أن ينفذوا وصيته على أصل المذهب؛ أن وجوبها معلق بمجيء الساعي.
وهذا الجواب فيمن لهم سعاة.
وأما من لا سعاة لهم، فإنه يجري الجواب فيها على زكاة الزرع والثمار، فيخرج الزكاة منها إذا مات بعد أن حال الحول؛ أوصى بإخراج الزكاة، أو لم يوص.
الجزء: 3 - الصفحة: 1037
باب في إخراج الولاة الزكاة، ومن أخرح زكاة ماله دون الإمام
تفرقة زكاة العين والحرث والماشية إلى أئمة العدل وإلى من أقاموه لها دون أصحاب الأموال.
والأصل في ذلك قول الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: 103]. فعمَّ ولم يخص، وقوله في آية الصدقات 228: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ [التوبة: 61]، وهم جُبَاتُها.
وثبتت الأخبارُ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنَّه كان يبعثُ السعاةَ والمصدقينَ لزكاةِ الحبوبِ والمواشي.
وبَعثَ معاذًا وأبا موسى إلى اليمن، فقال معاذٌ لأهل اليمن: "ائْتُونِي بِخَمِيصٍ أَوْ لَبِيسٍ، مَكَانَ الذُّرَةِ وَالشَّعِيرِ فَإِنَّهُ أَهْوَنُ عَلَيْكُمْ، وَأَنْفَعُ لأَصْحَابِ رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - بِالمَدِينَةِ" 229. وبعث ابنَ اللُّتْبِيَّة 230 على الصدقةِ.
وأما العين فالشأن فيها أن يدفع الرجل صدقته إلى الإمام، ولا يبعث فيها؛ لأنَّ الوقت الذي تحلّ فيه زكاة العين مختلف، وليس كزكاة الماشية.
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "عَفَوْتُ لَكُمْ عَنْ صَدَقَةِ الخَيْلِ وَالرَّقِيقِ، فَهَاتُوا صَدَقَةَ الرِّقَةِ" 231 الحديث.
الجزء: 3 - الصفحة: 1038
وهذا حديث صحيح ذكره الترمذي.
فاقتضى قوله: "هاتوا" دَفْعَها إليه.
فإن كان قوم ليس لهم والٍ 232، أو كان غيرَ عدلٍ، كان إنفاذها إلى أصحاب الأموال ويقومون فيها مقام الإمام.
فإن مكنوا منها الإمام إذا كان غير عدل مع القدرة على إخفائها عنه لم تجزئ 233، ووجب إعادتها.
واختلف إذا أراد أصحابها إنفاذها مع وجود أئمة العدل، أو مكّنوا منها الإمام إذا كان غير عدل من غير إكراه مع القدرة على إخفائها عنه، هل يجزئ أم لا؟ فإن كان لهم إمام عدل وشغل عن البعثة فيها وعن النظر في إخراجها كان لأصحاب الأموال أن يخرجوا زكاةَ العينِ والحرث، وينفذوها إلى مستحقيها، ولا يحبسوها عنهم، ولا يخرجوا زكاة الماشية وينتظروا بها الإمام.
فإن هم أنفذوها ولم ينتظروه أجزأت 234، وفيها اختلاف فقال القاضي أبو الحسن ابن القصار فيمن أخرج زكاته مع القدرة ووجود الإمام العدل: أجزأت في الأموال الباطنة، ولم تجزئهم في الأموال الظاهرة، يريد بالباطنة: العين، وبالظاهرة: الحرث والماشية.
وقال محمد: لا أحب ذلك له، فإن فعل وخفي له ذلك عن الإمام فإنها تجزئ أي صنف كانت.
واختلف إذا لم يعلم ذلك إلا من قوله.
فقال ابن القاسم: لا يقبل قوله.
وقال أشهب 235: يقبل قوله إذا كان من أهل الصلاح والعدل 236، ولا يقبل قوله = 1/ 570، في باب زكاة الوَرِق والذهب، من كتاب الزكاة برقم (1790).
الجزء: 3 - الصفحة: 1039
إذا كان من أهل التهم 237.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: أما إذا كان من أهل التُّهم، ولم يُعلم ذلك إلا بقوله، لم يُصدَّق.
ولا يُختلف في ذلك، وإنما الخلاف إذا كان مخرجها عدلًا أو غير عدل، فأخرجها ببينة.
فوجه منع الإجزاء ورود النص بجعل ذلك إلى الأئمة، ولأن فيه حماية وحفظًا للزكوات، وحسمًا لدخول التأويل، ولئلا يلحق من ليس بعدل بالعدل، ووجه الإجزاء: لأنَّ جعل ذلك للأئمة لم يكن لحق لهم فيها، وإنما هم فيها كالوكلاء يوصلونها إلى من يستحقها.
فمن وصلها إليهم أجزأتهم؛ لأنَّ من له حق قد 238 أخذه.
والباطنة والظاهرة في ذلك سواء.
وإذا تخلف السُّعاةُ لشغل أو لأمر لم يقصدوا فيه إلى تضييع الزكاة، فأخرج رجل زكاة ماشيته أجزأت.
وقال عبد الملك بن الماجشون في كتاب محمد: لا تجزئ.
والأول أحسن.
فإذا أجزأت على ما قاله ابن القصار إذا لم يتخلف؛ لأنها من الأموال الظاهرة، كان إذا تخلف أحرى في الإجزاء.
والقياس أن يخرجها ابتداء من غير كراهية قياسًا على زكاة الحرث، فكلتا الزكاتين كان يخرج إليها العمال.
وأيضًا فإن الزكاة يتعلق بها حق الأصناف الذين 239 سماهم الله -عز وجل- في كتابه، والإمام وكيل لهم، فليس شغلُ الوكيلِ مما يمنع من له حق من 240 قبض حقه؛ لأن في ذلك ضررًا لهم.
الجزء: 3 - الصفحة: 1040
وأما إذا كان الإمامُ غيرَ عدلٍ، فدفعت إليه الزكاة كرهًا، ولم يقدر على إخفائها، فإنها تجزئه على قوله في المدونة؛ لأنه قال: يؤخرها حتى يدفعَها إليه 241. وقال مالك في كتاب محمد وفي المستخرجة: تجزئه، ثم رجع فقال: لا تجزئه 242، وقال أشهب: تجزئه 243، وإن كان الآخذ لها يأكلها.
والأحوط أن يعيد.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: إذا كانت الزكاة غير متعلقة بالذمة كالعين، والحرث، وما إليه تمييزه، فميز زكاته ثم أخذت، أجزأت عنه 244؛ لأنه بنفس تمييزها برئ منها، وهي وديعة.
ولو ضاعت لم يضمنها، وإن أُخِذَت منْ جملة مالِه قبل أن يُمَيِّزَها لم تجزئه وزكى عن الباقي، إلا أن يكون الباقي دون نصابٍ؛ لأن الظلمَ على جميعه.
وكذلك الماشية تجب فيها جذعة أو ثنية وهي في الغنم، فإن ميزها كانت كالعين وأجزأت، وإن أخذت من الجملة قبل التمييز لم تجزئه وزكى عن الباقي، إلا أن يكون الباقي دون نصاب، وإن كانت في الذمة، كالشاة عن خمس من الإبل وابنة مخاضٍ عن خمسٍ وعشرين، وليس فيها بنتُ مخاضٍ، فأجبر على أن أخذت من ذمته، لم تجزئه؛ لأن الغصبَ على الذمةِ ليس على الزكاة.
الجزء: 3 - الصفحة: 1041
باب في زكاة ماشية الخلطاء
ومن البخاري قال أنس: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "وَلاَ يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ، وَلاَ يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ" 245، "وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُما يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ" 246.
ومحمل النهي عن التفرقة والجمع إذا قرب الحول وكان ذلك أضرَّ بالزكاة.
قال مالكُ: وذلك أن يكون ثلاثة نفر لكل واحدٍ منهم أربعون شاةً، فإذا أظلهم الساعي جمعوها؛ لتكون فيها شاةٌ، أو يكون لرجلين، لكل واحدٍ منهما مائةُ شاةٍ وشاةٌ، ففيها على الاجتماع ثلاثُ شياهٍ، فيفرقانها ليكون عليهما شاتان 247.
وإذا كان الافتراقُ أو الجمعُ غيرَ مضرٍّ بالزكاة، وهو خير للمساكين، زكيت على ما توجد عليه من جمع أو افتراق.
واختلف في الحديث في أربعة مواضع: أحدها هل محمله على الوجوب، أو الندب؟ والثاني: هل هو في الخليطين من غير شركة، أو في الشريكين؟ والثالث: الوقت الذي يحملان فيه في التفرقة والاجتماع على الفرار من الزكاة.
والرابع: صفة الخلطة التي بوجودها 248 يزكيان زكاة المالك الواحد.
فالمعروفُ من قولِ مالكٍ وأصحابِه: أنَّ محملَ الحديثِ على الوجوبِ.
فإنْ فَرَّقا أو جَمَعَا قصدًا للفرارِ زَكَّيَا على ما كانا عليه قبل الافتراق والاجتماع.
الجزء: 3 - الصفحة: 1042
ورُوِي عنه في "مختصر ما ليس في المختصر" فيمن باع إبلًا بعد الحولِ بذهبٍ فرارًا من الزكاة 249: أنه يزكي زكاةَ الذهبِ.
فعلى هذا يكون محملُ الحديثِ عنده على الندبِ؛ لأنه فرَّ قبل الوجوبِ.
ولو تصدق رجلٌ من ماله بقدر ما يسقط عنه الحج وعلم ذلك، أو سافر في رمضان إرادة لسقوط الصوم عنه الآن، أو أَخَّر صلاةَ حضرٍ حضرَ وقْتُها 250 ليصليها في السفر ركعتين، أو أخرت امرأةٌ صلاةً بعد دخولِ وقتِها رجاءَ أن تحيضَ، فحاضت قبل خروج الوقت، فجميع ذلك مكروهٌ.
ولا يجب على هذا في السفر صيامٌ، ولا أن يصليَ أربعًا، ولا على الحائضِ قضاءٌ، ويدخل في عموم نهيه عن الافتراق والاجتماع الشريكان والخليطان من غير شركة.
واختلف في معنى قوله: "وما كان من خليطين" 251، فقيل: المراد الخُلطة من غيرِ شركةٍ؛ لقوله: "فإنهما يتراجَعانِ" 252.
قال: والشريكان لا يتراجعان.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: ويصحُّ التراجع من الشريكين على أحد قولي مالك: أن الأوقاصَ غيرُ مزكاةٍ 253، فلو كانت الشركةُ في مائةٍ وعشرينَ من الغنمِ:
الجزء: 3 - الصفحة: 1043
لأحدهما ثمانون، وللآخر أربعون، فأُخِذت منها شاةٌ، لرجع صاحبُ الثمانين بقيمةِ سدس الشاة؛ لأن الشاة أُخِذَت عن أربعين، وهو أولُ نصابِ الغنمِ، والزائدُ عفوٌ لم يؤخذ عنه شيء.
فلو كانت ثمانين بانفرادها كانت الشاةُ عن الأربعين، واجتماعهما كذلك الشاة عن أربعين (1). فانتفع بسقوط نصف شاةٍ عن كلِّ واحدٍ فالشركة في الشاة المأخوذة أثلاث.
ولأشهب في كتاب محمد فيمن مات وترك زرعًا، قال (2): إلا ما جاء من ترادد الشركاءِ والخلطاءِ في المواشي.
فأثبت التراجع بين الشركاء، وإلى هذا ذهب بعضُ أهلِ العلمِ في الحديث: أنه على الشريكين؛ لأن الأصلَ المجتمعَ عليه في غيرِ الماشيةِ أنه لا يُزَكِّي أحدٌ عن ملكِ غيرِه.
فصل المراعى في الخلطة آخر السَّنَة دون أولها
المراعى في الخلطةِ آخر السنةِ دونَ أولها، فإن اجتمعا في أول السنة وافترقا في آخرها، أو افترقا في أولها واجتمعا في آخرها، زَكَّيَا على مَا هُمَا عليه من آخرها ما لم يقرب ذلك.
واختلف في حد القرب الذي إذا صارا إليه حملا على التهمة.
فقال ابن القاسم: إذا كان ذلك قبل الحول بشهرين فأقل فهما خلطاء 256. وقال عبد الملك بن حبيب: أدنى ذلك الشهرُ فما فوقه، وما كان دون الشهر لم يجز لهما 257 افتراقٌ ولا اجتماعٌ.
وقال محمد بن المواز: إن اجتمعا أو254255
الجزء: 3 - الصفحة: 1044
افترقا قبل الشهر فجائزٌ ما لم يقرب جدًا، أو يكون الساعي قد أظلهما.
وقال أبو محمد عبد الوهاب: إذا لم يقصدا الفرار، زكاها الساعي على ما يجدها عليه من اجتماع أو افتراق.
ويقبلُ قولَ أربابِها؛ لأن الظاهرَ أنهم يفعلون ذلك للارتفاق بالافتراق (1) والاجتماع، فيجبُ ألا يخالفَ ما ظهر ويُصارُ إلى خلافه؛ إلا بأمارة تُقَوِّي التُّهمةَ (2).
قال الشيخ - رضي الله عنه -: قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "وَلاَ يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ، وَلاَ يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ" (3) خطابٌ للمالِكِينَ أنْ لا يفعلوا ذلك خشيةَ الصدقةِ (4) وليس يُفهم منه وقتٌ يحملون فيه على التهمة في الفرار.
والأصل في الزكوات أنها إلى أمانات أربابها، فيجب أن يوعظوا حسب ما ورد في الحديث ألا يقصدوا لذلك، ويحملون فيما فعلوه أن ذلك لغير الفرار.
وإن كانا من أهل العدالة فهو أبين، إلا أن يعلمَ أنهم رجعوا بعد مُضِيِّ الساعي بالأمرِ القريبِ إلى ما كانوا عليه قبل أن يأتيهم فذلك تهمةٌ، ويؤخذون بما عادوا إليه على قول من حمل الحديث على الوجوبِ، إلا أنْ يعلمَ أنَّ ذلك لأمرٍ حدثَ.
فصل [شروط الخلطة]
الخلطةُ تصحُّ بخمسة: الراعي، والفحل، والدلو، والمراح، والحلاب.
فإذا اجتمعت هذه الخمسة أو أكثرها كانوا خلطاء.
واختلف هل تصح الخلطةُ258259260261
الجزء: 3 - الصفحة: 1045
بأقلها: باثنين، أو بواحد.
فقال ابن القاسم وأشهب: لا يكونان خُلَطاء إلا أن يجتمعا في جل ذلك.
وقال عبد الملك بن حبيب: أصل ما يوجب الخلطة أن يكون الراعي واحدًا؛ لأنه إذا جمعها الراعي جمعها (1) المرعى والفحل.
وقال أبو محمد عبد الوهاب: صفة الخلطة المؤثرة: الراعي، والفحل، والدلو، والمسرح، والمبيت، قال: وقد اخْتَلَفَ أصحابُنا في المراعي منها.
فمنهم من قال: إذا اجتمعا في وصفين فما زاد كانت خلطة.
ومنهم من يقول: الاعتبار الراعي والمرعى، ومنهم من يقول: الراعي وحده، ومنهم من يقول: في أكثرها (2). وقولُ ابن حبيب أحسن؛ لأنَّ معظم الانتفاع الراعي (3) فهي منفعة تطول، وهي المقصودة؛ لأنها تجتمع سائر يومها فيما تحيا (4) به أو تزيد وتنمَّى به.
ولا يراعى الفحل؛ لأنَّ حاجةَ الغنمِ إليه في بعضِ الأزمنة، وقد يكون لأحد الخليطين ضأن وللآخر معز، فلا يكون فحلها واحدًا ولا يؤثر ذلك في الخلطةِ.
والدلو أيضًا غير مقصود، وإنما يحتاج إليه (5) في بعض الأزمنة في بعض اليوم ساعة من نهار.
فصل
الخُلْطَةُ تَصِحُّ 267 إذا كان كلُّ واحدٍ منَ الخليطين مخاطبًا بالزكاة، حُرًّا، مسلمًا، له نصابٌ، وحالَ عليه الحولُ.
واختلف إذا كان أحدُهما نصرانيًا، أو262263264265266
الجزء: 3 - الصفحة: 1046
عبدًا، فقال محمدٌ: يزكي الحرُّ المسلمُ وحدَه مِلْكَه وحده، كالانفرادِ لو لم يخالط أحدًا.
وقال ابن الماجشون في كتاب ابن حبيب: يزكي على الخلطة، فما نابه أدَّاه، ويسقط ما ينوب النصراني والعبد 268 ويختلف على هذا إذا كان لأحدهما نصابٌ قد حالَ عليه الحولُ، والآخرُ له دون نصابٍ أو نصاب 269 ولم يحل عليه الحول، فعلى قولِ محمد: يزكي من له نصابٌ وحالَ عليه الحولُ زكاة الانفراد.
وعلى قول عبد الملك: يزكِّي زكاةَ الخلطاءِ، فما نابه على وجه الخلطة أدَّاه، ويسقط ما ينوب من له دون نصاب، أو لم يحلْ عليه الحولُ، وهو أحسن؛ لأن الارتفاقَ بالخلطة قد وجدَ فلا يزكّي زكاةَ الانفرادِ، ومثله إذا كانت الغنم شركة وأحدهما نصرانيًا أو عبدًا وينوبه من الشركة دون نصابٍ، أو كانت الشركة بأغنامهما وأحدهما مُحْدَث الكسب فتمّ حول أحدهما، فيختلف: هل يزكي من توجه عليه الخطابُ في نصيبه بمنزلة من لا شريك له أم لا؟
ومن المدونة قال مالكٌ: إذا كان جميع الأغنام تجب فيها الزكاة، وليس في نصيب كل واحد منهما ما تجب فيه الزكاة، فتعدى المصدق فأخذ منها شاة، أنها لا تكون على من أخذت من غنمه خاصة، وهي على عدد الأغنام يترادان فيها على عدد غنمهم 270.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: وإذا كان جميعُ الغنمِ أربعين شاة بين أربعةِ نفرٍ، فأخذ منها الساعي شاة، فإنه لا يخلو من أربعة أوجه:
الجزء: 3 - الصفحة: 1047
إما أن يكون ذلك مذهبه، فإنهم يتراجعون فيها.
وسواء كان عالمًا أنها بين أربعة، أو يظن أنها لواحد، وإن كان مذهبه: ألا زكاة فيها لما كان لكلِّ واحدٍ منهم دون نصابٍ، وأخذها وهو عالمٌ أنها بين أربعة، كانت الشاةُ مظلمة ممن أخذت من غنمه.
وإن كان يظن أنها لواحد تراجعوا فيها؛ لأن اجتماعها أوجب الخطأ عليها، ثم يختلف إذا كانت مختلفةَ العددِ، هل يتراجعون فيها على عدد الغنم، أو على عدد المالكين؟ وإن كان جميعها دون الأربعين كانت مظلمة ممن أخذت منه قولًا واحدًا.
وإن كان لأحدهما تسعة وثلاثون ولآخر ثلاثون، فأخذ منها شاة، عاد الجواب إلى ما تقدم في الأربعين.
وينظر هل أخذ ذلك لأنه مذهب له، أو على وجه الخطأ أو التعدي؟ وإن كان جميعها سبعين: لأحدهما أربعون، وللآخر ثلاثون 271، فأخذ منها شاة، كانت على صاحب الأربعين، فإن أخذت من غنمه لم يكن على صاحبه شيء، وإن أخذت من غنم صاحب الثلاثين رجع عليه بقيمتها، وإن أخذ شاتين نظرت؛ فإن أخذها من الأربعين لم يرجع على صاحبه بشيء، وإن أخذها من الثلاثين رجع بواحدة، وإن أخذ من غنم كل واحد واحدة؛ فإن كانت التي أخذت من الأربعين مما يجزئ في الزكاة لم يرجع عليه 272 صاحبه بشيء.
وإن كانت مما لا تجزئ والأخرى مما تجزئ رجع صاحب الثلاثين عليه بقيمتها.
وهذا إذا ابتدأ بالأخذ من الثلاثين، وإن ابتدأ بالأخذ من الأربعين لم
الجزء: 3 - الصفحة: 1048
يكن عليه غيرها، وسواء كانت مما تجزىء أم لا؛ لأنه لما أخذها من الأربعين عاد 273 إلى ما لا زكاة فيه فسقطت منها الزكاة، ثم أخذ الثانية بعد سقوط الزكاة من الأولى، فهي مظلمة منه.
ومثله إذا لم يكن منها شيء يجزئ فإنه لا تراجع بينهما، ولا زكاة على صاحب الأربعين؛ لأنه لم يفرط في زكاته حتى غصبت منه.
وإن كان لواحدٍ مائةٌ وعشرةٌ من الغنمِ، وللآخر إحدى عشرة شاة، كانت فيها شاةٌ على صاحبِ المائةِ وعشرةِ 274، فإن أخذ منها شاتين عاد الجواب إلى ما تقدم، فإن كان ذلك مذهبه تراجعا فيهما، وسواء كان عالمًا أن فيها شركة أم لا، وسواء أخذهما من غنم أحدهما أو من غنم كل واحد منهما شاة فإنهما يتراجعان.
فإن كان مذهبه: أن لا شيء على صاحب الأحد عشر، وعلم صفة الشركة، وأخذها من غنم صاحب المائة وعشرة، لم يرجع على صاحبه بشيء، وإن كان أخذها من صاحب 275 الأحد عشر رجع بواحدة، وكانت الأخرى مظلمة منه، وإن أخذ من كل واحد واحدة، وكانت التي أخذت من الكثيرة تجزئ في الزكاة، لم يرجع أحدهما على الآخر بشيء، وإن كانت لا تجزئ، والتي أخذت من القليلة تجزئ، كانت التي أخذت من الكثيرة مظلمة ويرجع عليه الآخر بقيمة شاته.
وإن لم تكن فيها شاة تجزئ 276 لم يرجع أحدهما على صاحبه بشيء، وأخرج صاحب الكثيرة شاة أخرى مما تجزئ.
الجزء: 3 - الصفحة: 1049
وإن أخذهما الساعي وهو يرى أنهما لواحد، ولو علم بصفة الشركة أخذ شاة، كان فيها قولان: فقال محمد: يتَحَاصَّانِ في الشاتين على عدد أغنامهما.
قال: لأنه رأي من ذهب إلى هذا، وهو كحكم نفذ فلا يرد 277. وحُكِي عن ابن عبد الحكم أنه جعل واحدة من صاحب الكثيرة ويتراجعان في الأخرى على مائة جزء وأحد وعشرين جزءا 278، يريد: لأن اجتماعهما أوجب الخطأ في الأخرى.
ويجري فيها قولٌ ثالث: أن الثانية تكون عليهما نصفان قياسًا على القول: إذا شهد أربعة بالزنى واثنان بالإحصان فرُجم، ثم رجع جميعهم بعد الحكم.
فقيل: تكون ديته عليهم أسداسًا.
وقيل: نصفين؛ لأنَّ كلَّ فريقٍ يقول: لولا أنتم لم يرجم.
فالقول: "إنها 279 أسداسٌ" موافقٌ لقول ابن عبد الحكم: إنها تكون على العدد.
ومن المدونة، قال مالكٌ إذا كان لواحدٍ تسعةٌ من الإبلِ وللآخر خمسة كان 280 على كل واحد منهما شاة، ثم رجع فقال: يتراجعان في الشاتين على عدد إبلهما 281. ورأى أنَّ الوَقَصَ داخلٌ في الزكاةِ.
والأولُ أحسنُ؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - "أوجب في خمس من الإبل شاة" 282 ثم لم يجعل في الزائد شيئًا، فهو معفو عنه
الجزء: 3 - الصفحة: 1050
ساقط الحكم.
ولو كان لأحدهما تسعٌ وللآخر ستٌّ لكان فيها ثلاثُ شياهٍ، ويتراجعان في الثالثةِ قولًا واحدًا، ويصح أن تنقل الخلطة الزكاة من الغنم إلى الإبل، وذلك أن يكون لأحدهما خمس عشرة من الإبل وللآخر عشرة، ففيها على الانفراد الغنم، وعلى الخلطةِ بنتُ مخاضٍ.
ويصح أن تنقل أحدهما دون الآخر، وذلك أن يكون لأحدهما خمسٌ وعشرون من الإبل، وللآخر عشرة، فيزكيان على الخلطة بنتَ مخاضٍ في خمسٍ وثلاثينَ، وعلى الانفراد صاحبُ العشرةِ شاتين، وصاحبُ الخمسِ وعشرين بنتَ مخاضٍ 283. والعشرة ها هنا لم تنقل عن السن الأول، وتنقل عن سن إلى غيره.
ويصحُّ أن تنقل الخلطةُ من عدد ما يجب على الانفراد، وتنقل من سن إلى غيره 284. وذلك أن يكون لكل واحد خمس وعشرون من الإبل 285، ففيها على الانفراد بنت مخاض، وعلى الخلطة حقة.
وإذا كان لرجل خمسة وعشرون من الإبل فخالط بخمسة عشر رجلًا له عشرة، وبعشرة رجلًا له عشرة، فعليه فيها خمسة أتساع بنت لبون، وهو معهما كخليط واحد.
واختلف في خليطيه على ثلاثة أقوال: فقيل: يزكي كل منهما على مثل ذلك، فعلى كل واحد منهما تسعا بنت لبون، ويصير ثلاثتهم في حكم رجل
الجزء: 3 - الصفحة: 1051
واحد.
وقيل: يزكي كل واحد منهم على جميع ملك خليطه دون خليط خليطه، فيكون على كل واحد منهما سبعا 286 بنت مخاض؛ لأن له عشرة ولخليطه خمسة وعشرون فذلك خمس وثلاثون.
وقيل: يزكي كل واحد منهما على ما خالط به خليطه دون جميع ملكه، فيزكي من خولط بخمسة عشر خُمُسَي بنت مخاضٍ، ومن خولط بعشرة من الغنم عليه شاتان 287. وفي المبسوط قول رابع: إن صاحب الخمس وعشرين يزكي مع كل واحد على ما خالطه به خاصة، ولا يجمع ملكه بعضه إلى بعض.
ولو كان له عشرة أخرى لم يخالط بها أحدًا كانت زكاته عنده على ثلاثة أوجه: فيزكي الخمسة عشر مع صاحب العشرة بثلاثة أخماس بنت مخاض، والعشرة التي مع صاحب العشرة بشاتين، ثم يزكي العشرة المنفردة بسبعي بنتِ مخاضٍ؛ لأن جميع ملكه خمس وثلاثون، فيها بنتُ مخاضٍ تنوب العشرة المنفردة سُبُعَاها، ويمضي ما سوى هذه العشرة على ما زكاه مع 288 الخليطين.
الجزء: 3 - الصفحة: 1052
باب (1) [في خليط الخليط]
واختلف إذا كان لرجل ثمانون شاة، فخالط بأربعين رجلًا له أربعون.
فقيل: فيها شاةٌ، على صاحبِ الثمانين ثُلُثَاها وعلى صاحب الأربعين ثُلُثُها.
وقيل فيها شاةٌ 290 وسدسٌ: فيكون 291 على صاحب الثمانين ثُلُثَا شاة، وعلى صاحب الأربعين نصفٌ.
فصاحبُ الثمانين يُزكّي جميع ملكه مع خليطه، فعليه ثُلُثَا شاةٍ، وخليطه يزكي على ما خالطه صاحبه 292 به فقط.
وعلى ما قاله عبد الملك في المبسوط يكون فيها شاةٌ ونصفٌ 293.
واختلف أيضًا إذا خالطَ صاحبُ الثمانين بأربعين رجلًا له أربعون، وبالأربعين رجلًا له أربعون، هل يكون جميعهم في ذلك كرَجُلٍ واحدٍ، أو يكون هو خليط لهما، وكلُّ واحدٍ منهما خليط له في جميع ماله 294، أو فيما خالطه به فقط 295؟289
الجزء: 3 - الصفحة: 1053
فصل [زكاة النعم المصدق بها]
وإذا تزوجت امرأةٌ على إبلٍ أو غنمٍ مضمونةٍ كان حولها من يوم تقبضها، وإن كانت معينةً كان حولها من يوم تزوجت ليس من يوم تقبضها.
واختلف إذا طلقها قبل الدخول بها 296، ورجع إليه نصف ذلك، هل يكون فائدة، ويستأنف بها حولًا من يوم الطلاق، أو يزكيه على أصل ملكه قبل أن يتزوج به؟ 297 فإن تزوجت على ثمانين شاة فأقامتْ بيدها حولًا، ثم أتاهما السَّاعي بعد أن اقتسماها وصار لكل واحد منهما أربعون شاة، أخذ من الزوجة شاة.
واختلف في الزوج، هل يَأخذ منه شاة، أم لا؟ فقال أشهب: يستأنف به 298 حولًا، وإن عادت إليه على أصل الملك الأول، لما كانت الغلة للمرأة، ولا يرجع الزوج بها، وأجراه على حكم العين إذا غلب على تنميته، فإن أقامتِ الغنمُ بيد الزوجِ قبل النكاح حولًا، وبيد الزوجةِ بعد النكاح حولًا، أخذ على القول الأول شاةً عن العام الأول، ولا شيءَ عليه في العام الثاني؛ لأنها صارت دون نصابٍ.
وإن صارت إليه إحدى وأربعون شاة أخذ منه شاتين عن العامين جميعًا 299.
واختلف إن وجدها ولم يقتسماها، هل يجب فيها نصفُ شاةٍ على المرأة، أو يكون عليها فيها شاةٌ دون الزوج، أو تكون الشاة عليهما جميعًا؟ فعلى القول: إن نصيب الزوج فائدة، تكون على الزوجة على قول عبد الملك في كتاب ابن
الجزء: 3 - الصفحة: 1054
حبيب 300 نصف شاة؛ لأنها تعاد بخليطها، فيسقط عنها ما ينوبه.
وعلى قول محمد: لا تعاد به 301 وتكون عليها شاةٌ كاملةٌ.
وعلى القول الأول: إن نصيب الزوج يعود إليه على الملك الأول، تكون الشاةُ عليهما جميعًا.
ويختلف إذا أقامت الغنم بيد الزوج حولًا، ثم بيد الزوجة حولًا، ثم أتاهما الساعي ولم يقتسماها، واختلف هل يجب فيها نصف شاة، أو شاة ونصف، أو شاتان؟ فعلى القول: إن ما يأخذه الزوج فائدة.
لا زكاة 302، وإنَّ للمرأة أن تحاسبَ بالخليط، وإن لم يحلْ عليه الحولُ يكون عليها نصفُ شاةٍ، ولا شيءَ على الزوجِ.
وعلى قول محمد: إنها لا تعاد بالخليط، يكون عليها شاة 303؛ لأن الزوج يستأنف بنصيبه حولًا.
وعلى القول: إن نصيب الزوج يعود على أصل ملكه.
تكون فيها شاتان على الزوج: شاةٌ عن أول عام، وعلى المرأة شاةٌ؛ لأنه إذا أخذ من الزوج شاة عن أول عام عاد نصيبه إلى أقل من نصاب، فكان على المرأة على قول محمدٍ شاةٌ؛ لأن خليطَها له دونَ نِصَاب، وعلى قول عبد الملك يكون لها أن تعاد به، فيكون عليها نصفُ شاةٍ،، ويزاد عليها بقدر ما نقصت الواحدة من نصيب زوجها.
وهذا إذا كانت جملة الغنم ثمانين، فإن كانت اثنتين وثمانين كان نصيبُ الزوجِ إحدى وأربعين، فيؤخذ منه عن أول عام شاةٌ، ويكون خليطًا فيما بعد الشاة، وتكون الشاةُ الثانية عليهما جميعًا.
الجزء: 3 - الصفحة: 1055
فصل [يراعى متى وقع الطلاق والقسمة]
ويراعى متى وقع الطلاق والقسمة.
ولا يخلو أن يكون الطلاق والمقاسمة بقرب مجيء الساعي، أو قبل 304 ذلك بأمد بَيِّنٍ، أو بعد أن بعد أمد الطلاق وقربت المقاسمة من مجيء الساعي، فإن وقع الطلاق والمقاسمة ومجيء الساعي في فور واحد 305 متقارب زكيت على ما وجدها عليه من الافتراق؛ لأنه لا تهمة عليهما 306 في المقاسمة؛ لأن المقاسمة كانت عندما وقعت الشركة، وهما في هذا الوجه بخلاف من تقدمت له مخالطة.
ولو وجدها الساعي ولم يقسما لم يزكها إلا على حكم 307 الافتراق؛ لأن الوجه الذي من أجله يزكي 308 على الاجتماع، وهو الارتفاق بالمسرح والراعي وغير ذلك، لم يكن.
وإن طال أمرهما على الشركة بعد الطلاق أجريا في الافتراق والاجتماع على حكم الخلطاء.
وإن وقعت المقاسمة عندما أظلهما الساعي لم يزكَّ على الافتراق، وإن وجدها لم تقسم زكيت على حكم الشركة.
الجزء: 3 - الصفحة: 1056
باب فيمن هرب بماشية عن الزكاة
واختلف فيمن هرب بماشيته خمس 309 سنين وهي أربعون شاة، ثم جاء الساعي وهي بحالها لم تزد ولم تنقص.
فقال ابن القاسم: تؤخذ منها شاة؛ لأنه يبتدئ بأول عام، والباقي تسعة وثلاثون، فلا زكاة عليه 310 فيها.
وقال أشهب وعبد الملك: يؤخذ منها خمس شياه؛ لأنه يبتدئ بآخر عام وهي أربعون فيأخذ منها شاة، وأربعة في ذمته، والدين لا يسقط زكاة الماشية 311.
والقول الأول أحسن؛ لأن الشاة التي كان الحكم أن تؤخذ أول عام موجودة، وهي التي غصبت، ولا تكون في الذمة إلا بإتلاف أو بعد التغير بنقص، وإن تغيرت بزيادة أخذت بزيادتها؛ ولو كان ذلك دنانير وهي عشرون دينارًا منع زكاتها خمس سنين، فإن لم يكن له عرض يجعل فيه قدر زكاة الأعوام الفارطة زكاها عن عام واحد؛ لأن الدين يُسْقِطُ زكاةَ العينِ بخلافِ الماشيةِ.
واختلف إذا كان له عرض لم يحل عليه الحول، فقال ابن القاسم: يزكى عن أول عام نصفَ دينار 312، وقاله ابن وهب.
وعلى القول الآخر: يزكي عن الأعوام 313 كلها إذا كانت قيمة العرض دينارين.
واختلف أيضًا 314 إذا صارت الأربعون شاة في العام الخامس ألف شاة
الجزء: 3 - الصفحة: 1057
بفائدة أفادها 315. فقال ابن القاسم: إنه يزكي شاة واحدة 316؛ لأنه يبتدئ بأول عام فيحط الأولى 317 عن النصاب، وتكون الفائدة إلى دون نصاب ولم يَحُل الحولُ على الفائدة فيستأنف بها حولًا.
وقال عبد الملك وأصبغ: يزكي أربع عشرة شاة يأخذ عشرًا 318 عن آخرِ عامٍ وبه يبتدئ، وأربع في الذمة.
وقال أشهب: يزكي عن الألف للسنين الماضية، بمنزلة من تخلف عنه الساعي، وليس هذا بحسن، وليس على هذا أن يؤدي عن كل عام إلا ما تعدى فيه وغصبه، لا أكثر من ذلك.
وأما من تخلف عنه الساعي، فقد قيل: إن ذلك سنة تتبع على حالها، وليس ذلك لأنه بقياس.
وقد خالف عبد الملك فيمن غاب عنه الساعي وقال: لا يزكي الألف إذا أفادها في العام الخامس إلا عن عام واحد 319.
ولو هرب بماشيته وهي ألف ووجدها في العام الخامس أربعين، وقال: لم تزل على ذلك منذ هربت، وحينئذٍ كان الهلاك، لم يقبل قوله وزكيت على ما كانت عليه، إلا هذا العام فإنه يزكي عنه شاة واحدة؛ لأنه متهم في قوله لما هرب بها، والظالم أحق أن يحمل عليه 320.
الجزء: 3 - الصفحة: 1058
وإن غاب بها وهي أربعون، ثم وجدها في العام الخامس ألفًا، فقال: أفدت الزائد على ما كانت عليه في هذا العام، قبل قوله عند ابن القاسم 321، ولم يقبل قوله 322 عند ابن حبيب.
والأولُ أحسنُ، ومحمله على ما كانت عليه إلا هذا العام، ولا يؤخذ بغيرِ ما أقرَّ به.
الجزء: 3 - الصفحة: 1059
باب فيمن غاب عنه الساعي أعوامًا، وقد زادت غنمه فيما بين ذلك أو نقصت
وإذا لم يأتِ السُّعاةُ 323 لأخذ زكاة الماشية، وعلم أنهم لا يأتون لفتنة عرضت أو لغير ذلك، جاز عند مالك 324 لأصحاب الماشية تأخيرها، وإن أقامت أعوامًا حتى يأتوا لقبضها، وقد تقدم ذلك 325 وأن القياس أن تنفذ تلك الزكاة لمن سَمَّى الله تعالى، وجعل له فيها حقًّا، قياسًا على زكاة الحبوب والعين أنها تنفذ ولا يؤخر إخراجها لعدم المصدق؛ ولأن الساعي وكيل عليها ليوصلها إلى الفقراء والمساكين، وليس ذلك لحق له فيها وإنما هو واسطة لغيره، فإذا عدم كان لمن له فيها حق أن يقوم بحقه، ولا يمنع من حقه لعدم وكيله، وعدم من يأخذها ليوصلها إليه 326.
وقد قال عبد الملك في كتاب محمد: إنه إذا أنفذها، ثم أتى السعاة: إنها لا تجزئه، وهذا ضعيف، وقد اختلف إذا أخرجها قبل مجيء الساعي ولم يتخلف عنه، ثم أتى وعلم أنه أخرجها، هل تجزئه؟ فهو إذا تخلف عنه أحرى أن تجزئه، ولا خلاف فيمن لا سعاةَ لهم أنهم يقومون مقامهم فيها، وينفذونها لأصحابها.
وإذا كانت لرجل أربعون شاة، وتخلف عنه الساعي خمس سنين ثم أتاه وهي بحالها، زكاها للعام الأول شاةً، ولا شيء عليه فيما بعد ذلك، ولا خلاف
الجزء: 3 - الصفحة: 1060
فيمن غاب عنه الساعي أنه يبتدئ بالعام الأول، بخلاف من هرب بماشيته فارًا من الزكاة 327، فإنه قد اختلف فيه، هل يبتدئ بأول عام فيزكيها شاة، أو بآخر عام فيزكيها خمس شياه 328؟ وإن كانت خمسًا من الإبل كان فيها خمس شياه للأعوام الخمسة؛ لأن زكاتها من غيرها، فلم يتغير الفرض.
وإن كان فقيرًا ولا يجد ما يزكي عنها إلا أنْ يبيعَ بعيرًا منها، فإنه يزكيها بخمسِ شياهٍ.
واختلف إذا كانت خمسًا وعشرين من الإبل، فقال ابن القاسم: فيها بنتُ مخاضٍ عن العام الأول، وست عشرة شاة عن الأربعة أعوام 329. وقال عبد الملك في المبسوط: إن لم يكن فيها بنتُ مخاضٍ زَكَّى عن خمسة أعوام خمس بنات مخاض 330، وروي 331 أنه إن كان فيها في العام الأول بنتُ مخاضٍ وعزلها للمساكين ألا يكون عليه في 332 الأعوام الأربعة إلا غنم، ويكون فيها بنتُ مخاضٍ إذا أتى الساعي وهي جذعةٌ للمساكين وإن هلكت على المساكين 333، فإن أبقى بنتَ المخاضِ لنفسه زكى عن خمس سنين خمسَ بناتِ مخاضٍ، فإن صار فيها بنتُ مخاضٍ في الرابعة زكى أربعَ بناتِ مخاضٍ، وعن الخامسة أربع شياه؛ إلا أن يكونَ أبقى بنت مخاض لنفسه 334. وكذلك إن كانت
الجزء: 3 - الصفحة: 1061
خمس من الإبل، وغاب عنه (1) خمس سنين، فالقياس أن يضمن الغنم وإن ضاعت الإبل؛ لأن كل عام مضت (2) زكاته في الذمة.
واخْتُلِفَ إذا باعَ غنمه قبل أن يأتيه الساعي، فقال محمد: إذا تخلف الساعي خمس سنين وهي أربعون، ثم باعها وهي أربعة وأربعون، فإنه يزكي من (3) الثمن إذا باع بأكثر من عشرين دينارًا عن خمس سنين، عن كل سنة ربع عشر الثمن.
وإن كانت ثلاثًا وأربعين زكى الثمن ربع عشره لأربع سنين، وإن كانت اثنين وأربعين زكى عن ثلاث سنين؛ إلا أن ينقص في ذلك كله من العشرين دينارًا نصفَ دينار (4)، وقيل: يزكي الثمن لعام واحد.
وقال ابن القاسم في كتاب محمد: ولو أكلها لم تكن عليه زكاةٌ.
وقياس القول: أنه إذا أخرج زكاتها ولم يكن يتخلف الساعي أنها تجزئه، أن تقول (5): عليه الزكاة لبعض السنين وإن أكلها.
فصل الخلاف فيمن له أربعون شاة وفي العام الخامس صارت ألفًا
واخْتُلِفَ فيمن له أربعون شاة، ثم صارت في الخامس من الأعوام 340 ألفًا.
فقال مالك وابن القاسم: يزكي الألف عن خمس سنين إلا ما انتقصتها335336337338339
الجزء: 3 - الصفحة: 1062
الزكاة 341. وقال عبد الملك بن الماجشون في كتاب ابن سحنون: لا يزكي الفائدة إلا عن العام الخامس 342، فيبتدئ على قوله بالزكاة عن العام الأول عن الأربعين شاة، وعن العام 343 الخامس خاصة إذا حال الحول على الفائدة بتسع؛ لأن زكاة العام الأول تُنقِصها عن الألف، وإن لم يحل الحول على الفائدة لم يزكِّ إلا عن الأربعين شاة؛ لأنه إذا ابتدأ بأول عام كانت الفائدة مضافة إلى غير نصاب.
وهذا القول أحسن، وإلزامه الزكاة عن أعوام تقدمت لم يكن ملك فيها ذلك المزكى ظلم عليه.
واخْتُلِفَ بعد تسليم القول: أنه يزكي الفائدة عن الأعوام الماضية إذا كان الأصل في العام الأول أربعين شاة 344، ثم هلك بعضها، ثم عادت أربعين شاة 345 في العام الخامس بولادة أو بمبادلة، فإذا كان الأصل دون نصاب ثم صار في العام الخامس نصابًا بولادة، ثم أفاد إليها فصارت ألفًا.
فقال في كتاب محمد: إذا كان الأصل نصابًا ثم هلك بعضها ثم عادت نصابًا بولادةٍ أو بمبادلةٍ أو بمناقلة 346، ثم أفاد إليها فصارت ألفًا: أنه يزكي الألف لجميع تلك الأعوام 347. وقال محمد: لا يزكيها عن الأعوام الماضية إلا أن تبقى تلك الأربعون، ثم يفيد إليها 348. وقال أشهب: يزكيها
الجزء: 3 - الصفحة: 1063
لجميع الأعوام (1)، وإن كان الأصلُ دونَ نصابٍ، ثم صارت في العام الخامس نصابًا، وهذا زيادة عرق، وإن كانت في تلك الأعوام ألفًا، ثم هلكت فأتى الساعي وهي أربعون، كان عليه شاة؛ لأن كل ما لم يفرط في زكاته حتى هلك لا تضمن زكاته.
فصل [الزمن الذي يخرج فيه السعاة]
ومن المدونة، قال مالك: يبعث السعاة قبل الصيف، وحين تطلع الثريا ويسير الناس بمواشيهم إلى مياههم، وعلى ذلك العمل عندنا 350؛ لأن في ذلك رفقًا بالناس لاجتماعهم على الماء، وعلى السعاة لاجتماع الناس 351. قال في كتاب محمد: ولا يبعث السعاةُ في عام الجدبِ حتى يحيا الناس؛ لأنه يأخذ منهم ما ليس له ثمن، وإن جلبت لم ينجلب 352. قال: وإنما ذلك نظر للمساكين وليس لأهل المواشي، فإذا حَيِى الناسُ في العام المقبلِ أُرسل السعاةُ، وأخذوا زكاة العامين 353. وروى عنه ابن وهب أنه قال: لا تؤخر الصدقة عند أهلها 354 وإن كانت349
الجزء: 3 - الصفحة: 1064
عجافًا كلُّها، وليأخذ 355 منها 356. وهذا أحسن إن كانت تنجلب، أو يكون لها ثمنٌ ما وإن قلَّ، وإلا أخر ذلك للعام المقبل.
فإن هلكت قبل ذلك لم يكن على صاحب الماشية شيء.
قيل لمالك: فمن لا يرد عليهم السعاة لبعد المياه التي تجتمع 357 إليها المواشي.
فقال: أرى على هؤلاء أن يجلبوا ما وجب عليهم إلى المدينة 358. فقيل له: إنها ضعاف ويخاف عليها.
قال: لا بد من جلبها، أو يصطلحوا على قيمتها 359، ثم قال: لا يسوقونها ولكن يشترون.
وما كنت أرى الناس ها هنا إلا يبتاعون ذلك 360، وذلك حين ذكر له أنهم 361 يشق عليهم أن يجلبوا ذلك إلى مسيرة عشرين يومًا.
قال: وأما الحوائط فلا يكلفوا حمل ما عليهم، ولا يُكلف أحدٌ حملَ زكاةِ ثمرته إلى من يلي أخذها؛ إنما يأتونهم في حوائطهم، وكذلك الزرع والماشية 362.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: وهذا أصوب، والأصل أن الناس يزكون أموالهم في مواضعها، وهناك تؤخذ منهم؛ وقد كانت السعاة والمصدقون يخرجون في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - لمثل ذلك، وهو الذي يقتضيه قول الله -عز وجل-: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ [التوبة: 61]،
الجزء: 3 - الصفحة: 1065
فهم الذين يخرجون لأخذها، فيعطَوْن الأجر لخروجهم لذلك، فمن بعد عن السعاة ولم يكن بحضرته فقراء يعطيهم إياها استأجر عليها من يجلبها إلى المدينة، والإجارة منها.
وقال مالك: لا أحب لصاحب الماشية أن تنزل السعاة عنده ولا يعيرهم دوابه؛ يريد: 363 خيفة التهمة أن يخففوا عنه.
قال: وشرب السعاة الماء من منازل أرباب الماشية خفيف.
الجزء: 3 - الصفحة: 1066
باب في زكاة الماشية المغصوبة وهي بيد الغاصب أو بعد ردها، وفيمن باع غنمًا فردت بعيب أو لفلس، بعد أن زُكِّيَت أو قبل أن تزكى
واخْتُلِفَ في الماشية تغصب ثم ترد إلى صاحبها بعد ثلاثة أعوام.
فقال ابن القاسم في المدونة: يزكيها لعام واحد 364، وقال أيضًا: يزكيها للأعوام الثلاثة.
وقاله أشهب، قال: لأنها لم تَزُلْ عن ملكه، وما أخذت السعاة منها أجزأ عنه بخلاف العين تغصب، وهي بمنزلة الحائط يغصب فيثمر سنين ثم يرد إلى من صار له 365، أن عليه صدقة ثمرته 366. والخلاف في هذا راجع إلى الاختلاف في رد الغلات.
فعلى القول: "إن الغلات ترد" يزكي عن السنين الثلاثة، وهذا الذي قصد إليه 367 أشهب في التفرقة بين غصب العين والماشية والثمرة؛ لأن العين إذا غصب كان ربحه للغاصب، والماشية والنخل ترد غلاتها فتجب فيها الزكاة؛ لأن النماء موجود فيها.
وعلى القول: "إن غلات الماشية لا ترد" تصير كالعين، تغلب على تنميته بتلفه، أو يكون قد ورثه ولم يعلم به، فاختلف فيه على ثلاثة أقوال: هل يستأنف به حولًا من يوم يصير إليه، أو يزكيه لعام واحد، أو للأعوام كلها؟ وقد يرجح القول في الماشية، فيقال: على ربها أن يزكيها لتلك الأعوام، وإن لم تُرد الغلات بخلاف العين؛ لأن
الجزء: 3 - الصفحة: 1067
الولد يرد معها وهو نماءٌ له قدرٌ وبالٌ، وهو أعظم نفعًا من غلات الصوف واللبن، ففارق بهذا العينَ.
ومحمل قول ابن القاسم في هذه المسألة: "أنه يزكي الماشية لعام واحد" على أنه لم يرَ على الغاصب ردَّ غلة الماشية، ولو جعل عليه رد الغلات كلها (1) لزكاها عن تلك الأعوام من غير خلاف.
ويختلف إذا زكيت عند الغاصب ثم ردها، هل يحاسب صاحبها بما أخذ منه الساعي (2) من الزكاة؟ على القول: إن الغلات للغاصب؛ لأن صاحبها يقول: لو ردت علي قبل أن يأتيك المصدق لم أزكها، ولم يكن له أن يأخذها منك لو علم أنها غصب على هذا القول.
فصل [في الساعي يأتي وقد قامت الغرماءُ]
وقال سحنون في كتاب ابنه فيمن اشترى أربعين شاة فأقامت في يده حولًا، فأخذ منه المصدق شاة ثم ردها بعيب: إنه يرجع بالثمن كله؛ لأن الرد بالعيب نقض بيع، فالزكاة على البائع، ولو ردت قبل أن يأتيه المصدق 370، ثم جاء وهي عند البائع، زكاها على حولها الأول 371؛ لأن الرَّد بالعيب نقضُ بيعٍ.
ولو زكيت عند المشتري ثم فلس فأخذها البائع، فكذلك الزكاة على البائع، وكأن الشاةَ أُخِذت عن البائع؛ لأنا نقضنا البيع ورددناها على الملك الأول.
ولو جاء الساعي وقام الغرماء لأخذها ربها؛ لأنه أدرك ماله فهو أحق به،368369
الجزء: 3 - الصفحة: 1068
ويأخذ منه الساعي شاة عن البائع 372. ولو هرب بها المشتري عن الساعي، ثم أتى بعد حولين وفلس فإن أخذها صاحبها زكاها الساعي شاة واحدة عن البائع، ولو أسلمها البائع زكاها الساعي بشاتين عن العامين جميعًا 373؛ لأن الدين لا يرد زكاة الماشية.
ولو تماوتت إلا شاة واحدة، كان البائعُ أحقَّ بها، ولا سبيل للساعي عليها 374. قال محمد: فذكرت له ما قال بعض أصحابنا: إن الساعي أحق بهذه الشاة إذا كان الغريمُ غيرَ بائع الغنم، فأجازه 375. قلت له: قال بعد ذلك: إن الساعي أحق بها وإن كان الغريمُ هو بائع الشاة إذا كانت من الأربعين، قال: ليس كما قال.
قلت: فلو ماتت كلها واشترى هذه الشاة أن الساعي أحق بها، قال: أصاب.
قلت: فإن كان عليهم عين 376 دين يحيط بماله تحاصَّ الغريم والساعي، قال: ليس كما قال، والساعي أحق.
قلت 377 قال: فإن كان الغريمُ هو بائع الشاة كان أولى بها من الساعي إذا لم تكن من الأربعين التي هرب بها، قال: أصاب 378.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: أما ما اختلفا فية إذا كانت الشاة من غنم البائع، هل يكون البائع أحق بها، أو الساعي؟ فإنَّ 379 ذلك راجعٌ إلى الاختلاف، هل أخذ
الجزء: 3 - الصفحة: 1069
البائع لما باعه به 380 في الفلس نقض بيع، أو ابتداء بيع؟ فجعله سحنون نقض بيع وأنها إنما تزكى على ملك البائع إذا كان نِصَابًا، وجعله الغير كابتداء البيع، فيكون الساعي أحق بها؛ لأنه يزكيها على ملك المشتري.
وأما إذا ماتت الأولى واشترى هذه الشاة بعينها 381، فينبغي أن يكون الغريم أحق بها؛ لأن كل ما فرط في زكاته حتى صارت الزكاة في ذمته لا يبدأ بالزكاة على الغرماء، ولا يحاصّ بها، وهذا قد هرب بماشيته سنين فصارت الزكاة في الذمة، وهذه الشاة ليست من التي هرب بها.
ويؤخذ من قول الغير ها هنا: أن الزكاةَ إذا كانت في الذمة يحاصُّ بها الغرماء.
الجزء: 3 - الصفحة: 1070
باب في زكاة الحرث، والأصناف التي تجب فيها الزكاة، ونصابها، والقَدْر الذي يجب للمساكين فيها
الزكاةُ تجبُ فيما أَخرجت الأرض إذا كان مقتاتًا مدخرًا أصلًا للعيش غالبًا 382، وكان خمسة أوسق فصاعدًا- العشرُ إذا كان بَعْلًا، أو يشرب بالعيون، وما أشبه ذلك مما لا تتكلف فيه مؤنة.
وإن كان مما يتكلف سقيه بالغرب، أو بدالية، أو سانية، فنصف العشر.
والأصل في ذلك قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ الآية [البقرة: 267]، وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ﴾ ثم قال: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: 141]، وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنَ التَّمْرِ صَدَقَةٌ" اجتمع عليه الموطأ والبخاري ومسلم 383. وقال: "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنْ تَمْرٍ وَلا حَبٍّ صَدَقَةٌ" أخرجه مسلم 384، وقال: "فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالعُيُونُ أَوْ كَانَ عَثَرِيًّا العُشْرُ، وَمَا سُقِيَ بالنَّضْح نِصْفُ العُشْرِ" أخرجه البخاري ومسلم 385.
الجزء: 3 - الصفحة: 1071
فأفادت هذه الآيات والأحاديث أربعة أشياء: وجوب الزكاة فيما أخرجت الأرض، ومعرفة الجنس المزكى 386، والنصاب، والقدر المأخوذ للمساكين.
فأفادت الآيةُ الأولى تعلق الزكاةِ بما أخرجتِ الأرضُ خاصةً دونَ معرفةِ الجنسِ والنصابِ 387، وهو من بابِ المجملِ.
وأفادتِ الآيةُ الثانيةُ معرفةَ الجنسِ من تمرٍ وزرعٍ وغيرهما مما ذكر في الآية.
وأفاد الحديثُ الأولُ معرفة النصاب، وأحد 388 الأصناف المزكاة وهو التمر.
وأفاد الحديثُ الثاني معرفةَ وجوبِ الزكاةِ في الحبِّ.
وأفاد الحديثُ الثالثُ معرفةَ ما يُعْطَى المساكين وهو العشرُ تارةً، ونصفُ العشرِ تارةً.
فأوجبَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - الزكاةَ في شيئين: التمرِ والحبِّ مبهمًا 389، ولم يبين ذلك الحَبَّ ما هو؟
واخْتَلَفَ قولُ مالكٍ في ذلك على ثلاثةِ أقوالٍ، فقال مرةً: الزكاةُ تجبُ 390 في القمحِ، والشعيرِ، والسُّلْتِ، والعَلَس، والأُرْز، والذُّرة، والدخن، والقِطْنِيَّةِ 391، وقال في كتاب محمد: كل ما كان من الحبوبِ يُؤْكَلُ ويُدَّخَرُ ويُخْبَزُ ففيه الزكاةُ.
= كتاب الزكاة، برقم (1412)؛ ولم أقف عليه في صحيح مسلم.
الجزء: 3 - الصفحة: 1072
وقال في مختصر ابن عبد الحكم: كلُّ حَبٍّ يأكله الناسُ ويدخرونه 392 ففيه الزكاةُ 393. وقال أبو محمد عبد الله بن أبي زيد: يريد 394 إذا كان أصلًا للعيش 395. وقال أبو محمد عبد الوهاب: كل مقتات من الحبوب يدخر وما جرى مجراه ففيه الزكاةُ 396.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: ورد الحديثُ بزكاةِ التَّمْرِ، وهو أصلُ القوتِ وغالبُ العيشِ بالمدينةِ وسائر مدن النخيل.
وقد أخرج مسلم عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أنَهُ كَانَ يَأْخُذُ لأهْلِهِ مِنْ خَيبرَ قُوتَ سَنَةٍ عِشْرِينَ وَسْقًا مِنْ شَعِيرٍ وَثَمَانيِنَ وَسْقًا مِنْ تَمْرٍ" 397. وأتى الحديثُ في الحَبِّ غيرَ مفسرٍ، فَرَدَّه مالكٌ مرةً إلى ما يكونُ منَ العيشِ غالبًا قياسًا على التَّمرِة وإنما يكون ذلك فيما يختبز، ولا يجب على هذا زكاة القطنية 398؛ لأنها لا تُختبز إلا في الشدائد وعند الضرورات، وليس ذلك الشأنُ فيها.
وممن ذهب إلى أن لا زكاةَ في القِطْنِيَّةِ: الحسنُ، وابنُ سيرين، والشَّعْبيُّ،
الجزء: 3 - الصفحة: 1073
وابنُ أبي ليلى، والحسنُ بن صالح، والثوريُّ، وابنُ المبارك، ويحيى بن آدم 399، وأبو عبيدة، وعلى رواية ابن عبد الحكم لا تقتصرُ الزكاة على ما ذكره عنه ابن القاسم، بل تجب على كل بلد فيما يكون عندهم من ذلك مقتاتًا أصلًا للعيش 400؛ فمن ذلك: التين.
قال أبو الحسن ابن القصار: يرجح فيه قول مالك 401، قال: وإنما تكلم على بلده ولم يكن التين عندهم، وإنما كان يجلب إليهم، وأما بالشام وغيرها ففيه الزكاة؛ لأنه مقتات عندهم غالبًا كما يقتات السمسم والتمر بالعراق 402. انتهى قوله.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: وكذلك كثيرٌ من أريافِ الأندلسِ، هو عندهم أصل للعيش، ويعوِّلون عليه لأنفسهم ولعيالهم كما يعول أهلُ اليمن على التمرِ أو قريب منه، فمن كان ذلك شأنهم وجبت عليهم فيه الزكاة.
ومعلوم أن الاستعمال له والاقتيات به أكثر من الزبيب؛ ولم يختلف المذهب أن الزكاةَ تجبُ في الزبيبِ، وهو في التينِ عند من ذكرنا أبينُ.
والقول بوجوب الزكاة في القَطَاني 403 أحسن؛ لأنها تراد للاقتيات وإن كان غيرها أكثر ما 404 يراد لذلك.
وقول أبي محمد عبد الوهاب: "إنها تجب في
الجزء: 3 - الصفحة: 1074
كلِّ مقتاتٍ مدخرٍ 405 ليس بحسن، إلا أن يكون أصلًا للعيش، وهذا هو الفرق بين ما تجب فيه الزكاة، وبين ما يحرم فيه التفاضل ولا تجب فيه الزكاة، كالجوز واللوز وما أشبه ذلك؛ لأنه وإن كان مقتاتًا مدخرًا فإنه لا تجب فيه الزكاة؛ لأنه ليس أصلًا للعيش.
واخْتُلِفَ فيما كان يدخر ويراد للتفكه.
فقال مالك وابن القاسم: لا زكاة في ذلك 406. وقال عبد الملك بن الماجشون في كتاب ابن حبيب: تجب الزكاة في الثمار كلها ذوات الأصول، ما ادُّخر منها وما لم يدخر 407؛ لقول الله -عز وجل-: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ﴾.
وقال: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: 141]، قال 408: فَعَمَّ الثمارَ كلها 409.
قال الشيخ - رضي الله عنه - 410: فيلزمه أن يقول: إنها تجب في غير ذوات الأصول؛ لقول الله سبحانه: ﴿وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ﴾، والمذهب على أن الزكاة تجب فيما لا يدخر ويتفكه، إذا كان عامة ذلك الجنس الادخار: كالبلح وهو مما يتفكه 411 وليس بمقتات ولا مدخر، فجعل فيه الزكاة؛ لأن الغالب من ثمر النخل الادخار، فألحق القليل
الجزء: 3 - الصفحة: 1075
بحكمه.
وعلى القول أن الأتباع مراعاة في نفسها لا يزكى؛ لأنه ليس مما في الحديث ولا أصلًا للعيش، وكذلك العنب الشتوي هو تفكهٌ.
وتجب الزكاة فيما يزهي من النخل، وإن كان لا يتمر (1)؛ لأنه مما هو أصل للعيش (2). والاختلاف، هل تجب الزكاة بنفس الزهو وقبل أن يصير تمرًا؟
فصل [زكاة ذوات الزيت]
الزكاةُ تجبُ فيما يُراد منه زيته، وذلك في خمسة: الزيتون، والجُلْجُلان، وحب الفجل وبزر 414 الكَتَّان والقُرْطُم، على اختلاف في هذه الثلاثة.
فقال مالك في المدونة: في حب الفجل الزكاة إذا بلغ خمسة أوسق 415. وقال في المجموعة: في بزر الكتان وحب القرطم لا زكاة فيهما 416. قيل له: إن بعض الناس يعصر منه الزيت الكثير، فقال: فيزكى إذا كثر.
417 قال سحنون.
وقد قال: لا زكاة فيه، قال 418: وهو أحب إليَّ 419. وقال ابن القاسم في كتاب محمد: لا زكاة في بِزْرِ الكتان، ولا في زيته؛ إذ ليس بعيش 420. وقيل في بزر الفجل412413
الجزء: 3 - الصفحة: 1076
أيضًا: لا زكاة فيه 421. ويلحق بهذه بزر السَّلْجَم إذا عمل بمصر، والجوز إذا عمل 422 بخراسان، وقد ذكر أنهم يعوِّلون على زيتها للأكل.
فأمَّا الزيتون فالأصل فيه قول الله سبحانه: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ﴾ [الأنعام: 141]؛ ولأنه في البلدان التي هو بها مقتات وأصل للعيش.
وكذلك الجلجلان باليمن والشام هو عندهم عمدة في الاستعمال للأكل، ولا تجب فيه الزكاة عندنا بالمغرب على أصل المذهب: أن الزكاة إنما تجب فيما كان مقتاتًا أصلًا للعيش؛ لأنه 423 إنما يراد للعلاج ويقام منه الادهان كالبنفسج 424 والورد والياسمين وما أشبه ذلك، وقد تقدم من 425 قول أبي الحسن ابن القصار في التين: أنه لا يزكى في المدينة، ويزكى بالشام 426، ولأن هذه الأشياء لم يأتِ في زكاتها نص عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإنما تُرَدُّ إلى غيرها مما تجب فيه الزكاة إذا وجدت فيها الشروط التي تجب بها الزكاة.
وأما بزر الكَتَّان فالصواب أن لا زكاة فيه؛ لأنه لا يراد للأكل، ولا في حب القرطم؛ لأنه ليس مما يعيش 427، ولأن النصاب في الحبوب خمسةُ أوسقٍ،
الجزء: 3 - الصفحة: 1077
فإذا كانت هذه الأوسق لا تُخرج من الزيت إلا يسيرًا علم أنها ليست من الأموال التي قصد وجوب الزكاة فيها بذلك النصاب؛ لأن الزكاةَ مواساةٌ من الأغنياءِ إلى الفقراءِ، ولا يصح أن يجعل نصاب أكثر من خمسة أوسق.
ولو قَحَطَت السماء عن الزيتون فحط زيته عن المعتاد بالشيء البين، فصار إلى النصف أو ما أشبه ذلك، لم تجب الزكاة في خمسة أوسق منه، والعادة 428 أنه يعصر من قفيز زيتون ما يزيد على العشرين قفيزًا زيتًا، ربما الخمسة والستة ونحو ذلك.
وقد قحطت السماء عندنا في بعض السنين فكان يخرج من القفيز الزيتون خمسة أقفزة زيتًا ونحوها، وهذا شبيه بالجوائح، فإن وجد من الزيتون فوق خمسة أوسق مما يخرج قريبًا 429 من الخمسة الأوسق على الوجه المعتاد كانت فيه الزكاة.
وهذا 430 بخلاف القرطم لورود النص بوجوب الزكاة في الزيتون دون الآخر.
وتجب الزكاة في حب الفجل بمصر؛ لأنه يراد للأكل وهو مما يكثر زيته.
الجزء: 3 - الصفحة: 1078
باب في نصاب ما أخرجت الأرض، وما يُضَمُّ بعضه إلى بعض إذا اختلف حصاده أو اختلفت أجناسه
النِّصَابُ في ذلك خمسةُ أوسقٍ.
والوَسْقُ ستون صاعًا بصاعِ النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهو بقفيزنا قفيزٌ وربع، فذلك ستة أقفزة وربع.
فإذا كان ذلك وجبت الزكاة إذا كان صنفًا واحدًا، وسواء كان حصاده معًا أو مختلفًا إذا كان حصاد الأول بعد زراعة الثاني، فإن كانت زراعة الثاني بعد حصاد الأول 431 لم يُضَمَّ بعضه إلى بعض، فإن كان كل واحد منهما بانفراده دون خمسة أوسق لم تجب فيهما زكاة.
وإن زرع ثالثًا بعد حصاد الأولِ وقبل حصادِ الثاني لم يُضَمَّ الأول إلى الثالث وضُمَّ الأوسط إلى الأول والثالث، فإن كان في الأول 432 وسقان والثالث 433 كذلك والأوسط ثلاثة أوسق زكى عن الجميع؛ لأنك إن أضفت الأوسط إلى الأول كانا خمسة أوسق.
وإن أضفته إلى الثالث كانا خمسة أوسق، وهذا قول ابن مسلمة.
وإن كان الأوسط وسقًا أو وسقين لم تجب في شيء من ذلك الزكاة، وإن كان الأوسط وسقين والآخر وسقين 434 والأول ثلاثة زكى الأول والأوسط دون الآخر، وإن كان الأول وسقين والأوسط وسقين والآخر ثلاثة زكى الأوسط والآخر دون الأول.
الجزء: 3 - الصفحة: 1079
واخْتُلِفَ عن مالك في ذلك، فقال في كتاب ابن سحنون: ما زرع في الصيف في أوله ضُمَّ إلى ما زرع في آخره، وما زرع في الشتاء في أوله ضُمَّ إلى ما زرع في آخره، ولا يُضَمُّ ما زرع في الصيف إلى ما زرع في الشتاء (1). وروى عنه ابن نافع أنه قال: لا زكاة عليه حتى يرفع من كل ما حصد ما تجب فيه الزكاة (2)، وهذا أحسن.
ولا يضاف إلا (3) ما اجتمع نباته، وإن افترق حصاده.
وأرى إذا كانت زراعة الثاني عندما قرُب حصاد الأول ألا يضافا؛ لأن الأول في معنى المحصود، وإن يَبِسَ ولم يبق إلا حصاده كان ذلك أبين.
فصل [في الحائطِ فيه أصنافٌ أو صِنْفٌ وفيما يُضَمُّ بعضه إلى بعض]
واخْتُلِفَ فيما يضاف بعضه إلى بعض من الحبوب، فقال مالك: القمح والشعير والسُّلْت صنف واحد يُضَمُّ بعضه إلى بعض في الزكاة 438. فإذا اجتمع من ذلك خمسة أوسق وجبت في ذلك الزكاة.
واخْتُلِفَ في العَلَس، فقيل: هو صنف رابع لا يضم بعضه إلى بعض 439.
وقال ابن كنانة: هو صنف من الحنطة يكون في اليمن مستطيل مصوف ويجمع مع الحنطة.
قال: وهي الإشْقَالِيَّة 440. وقيل: هو بين الحنطة والشعير.435436437
الجزء: 3 - الصفحة: 1080
قال مالك: والأرز والذرة والدُّخْن أصناف، ولا يضم بعضها إلى بعض، وأضاف ربيعة الذرة إلى القمح (1). وقال الليث: القمح (2) والشعير والسُّلْت والأرز والذرة والدُّخْن صنف يجمع في الزكاة (3)؛ وهذا أقيس لاتفاق المذهب على أن أخباز جميع هذه الستة صنف يحرم التفاضل فيه.
وإذا كانت هذه الحبوب لا تستعمل على حالها، والمقصود منها أن تعمل خبزا، وكان خبزُها صنفًا واحدًا، وجب أن يكون حبها صنفًا واحدًا.
ولا خلاف في القِطْنِيَّة أنها غير مضافة إلى ما تقدم.
واخْتُلِفَ هل هي في نفسها صنف واحد في الزكاة والبيع، أو أصناف (4)؟ فذكر أبو محمد عبد الوهاب فيها قولين: هل تجمع في الزكاة والبيع أم لا؟ (5) وقال مالك في العتبية: الكِرْسِنَّةُ (6) من القِطْنِيَّة.
فصل [في الحائط فيه أصنافٌ، وفيما يُجمع منها من الزكاة]
التمور كلها 447 صنف واحد تجمع في الزكاة، وكذلك ما يزهى ولا يكون تمرًا، أو لا يزهي د نما يكون بَلَحًا على القولِ بزكاتِه، وكذلك العنب الشتوي441442443444445446 = والبيان والتحصيل: 2/ 513.
الجزء: 3 - الصفحة: 1081
والصيفي على تسليم القول بزكاة الشتوي، والتين (1) الصيفي والشتوي على قول من أوجب الزكاة فيه، فجميعه صنف.
والزيوتُ أصنافٌ لا يُضَمُّ بعضُها إلى بعضٍ، فإن أصابَ منَ الزيتونِ ثلاثة أوسق، ومن الجلجلان وسقين، لم تجب في ذلك زكاة؛ لأن منافعها غير متشابهة (2)، والتفاضل بينهما جائز.
ولا زكاة فيما يؤخذ من الجبال أو غيرها من زيتون وتمر وكرم مما لا مالك له، فإن تملكه بعد ذلك بالإحياء زكاه.
فصل [في زكاة النخل والثمار]
وإذا كان القمح مختلفًا جيدًا ورديئًا أُخِذَ من كل شيء منه بقدره، ولم يؤخذ من الوسط.
وكذلك إذا اجتمع القمحُ والشعيرُ والسُّلْتُ، أو اجتمع أصنافُ القَطَانيِّ، أخذ من كل شيء بقدره ولم يؤخذ من الوسط 450. وكذلك أصنافُ الزبيبِ.
واخْتُلِفَ في التمر، فقال مالك في المدونة: إذا كان ذلك جنسًا واحدًا -جعرورًا كله 451 أو غيره- أُخذ منه، ولم يكن عليه أن يأتي بأفضلَ منه، وإن كانت أجناسًا أُخِذَ من الوسط 452.
وقال في كتاب محمد: يُؤخذُ من كلِّ صنفٍ منها بقدره، قيل له: فإن كان جُلُّ448449
الجزء: 3 - الصفحة: 1082
ذلك الجيد، 453 والقليل من الخبيث 454، فقال: يُؤخذ من كل صنفٍ ما يصيبه من حصته من الصدقة 455، وقال في المجموعة: إذا كان جيدًا كله أو رديئًا كله فليتبع الوسط، وقاله عبد الملك بن الماجشون 456 وابن نافع- قال: بمنزلة الغنم تُعَدُّ سِخَالهُا ولا تؤخذ 457، يريد: لو كانت سِخَالًا كلها أنه يأتي بالزكاة من غيرها.
وقوله في كتاب محمد أصوب، وهو الحق.
وأصل الزكوات في 458 العين الذهب والفضة والحبوب أنها من عين المزكى، لا من غيره.
ويصرف إلى المساكين ما وجب لهم من ذلك إذا كان مما يدخر: كالتمر والزبيب والقمح 459 وغيرها، ولا يُباعُ عليهم 460 شيءٌ مما وجب لهم من ذلك؛ إلا أن يكون في بيعه حسن نظر لهم، فإن باع ذلك من وجبت عليه زكاته لنفسه فأدرك فسخ البيع، وإن فات ذلك، جاز بيعه وغرم مثله للمساكين، فإن باعه لهم نظر في ذلك، فإن كان إجازة البيع حسن نظر لهم مضى 461، وإلا رُدَّ إن كان قائمًا، أو أُغْرِم المثلَ إنْ ذهب به المشتري.
وأما البلح، والزهو، والرُّطَب الذي لا يتمر، والعنب الذي لا يتزبب،
الجزء: 3 - الصفحة: 1083
الشأن أن أربابه يبيعونه 462 لما كان لا يدخر؛ فيباع ذلك جملة وتخرج الزكاة من الثمن؛ لأن فيه حُسن نظرٍ للمساكين، ولا كلفة على المالك في بيعه جملة، وإن أخرج عين ذلك وصرفه في المساكين ولم يبعه أجزأه.
وقال مالك في الجُلْجلانِ: إن كان يعصرُ أخذ من زيته، وإن كان يبيعونه حبًّا أخذ من ثمنه 463.
وقال أشهب في مدونته في الزيتونِ يبيعه صاحبه قبل عصره: إن المصدق فيه بالخيار، إن شاء أخذ منه زكاة ثمنه، وإن شاء أخذ مكيلة زكاته ويعصره له 464. وقال محمد بن عبد الحكم: تجب الزكاة فيه حبًّا وليس عليهم عصره 465، وهو أقيس لقول الله -عز وجل-: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: 141]. قال محمد بن مسلمة: جعل الله وقتها ذلك لا تؤخر عنه ولا تقدم قبله، وهذا يتضمن إخراج الزكاةِ منه على هيئة ما هو عليه وقت حصادِه، وهو مفهوم الحديثِ أنَّ الزكاةَ جزءٌ من المكيلة التي هي خمسة أوسق، وقياسًا على سائرِ الحبوبِ أنها تخرج زكاتها إذا صارت حبًّا.
وكذلك الجُلْجلان ليس عليه عصره وإن كان ممن يعصر نصيبه منه.
وقال مالك في كتاب محمد في العنب: تخرج مكيلة ذلك زبيبًا.
قيل له: فإن كان أهله 466 إنما يبيعونه عنبًا في السوق كل يوم، ولا يعرف خرصه، ولا يجد
الجزء: 3 - الصفحة: 1084
من يخرصه له، قال: وأرى أن يؤدي من ثمنه 467. وقال مالك 468 فيمن باع الفول أخضر: أحب إليّ 469 أن يتوخى خرص ذلك يابسًا وإن زاد قليلًا 470. وقال مالك: لا بأس أن يبيع الرجل زرعه عند حصاده، ويكون المبتاعُ أمينًا عليه يخبره بكيله، ويخرج الزكاة على ذلك 471. قال: ولا بأس أن يشترط بائع الحائط الزكاة على مشتريه 472، يريد: إذا كان المشتري أمينًا وممن يوثق بقوله، وإلا فعليه أن يخرصه ولا يقتدي بقوله لأنه 473 لا يدري أصدقه أم كذبه؟ وكذلك إذا اشترط الزكاة على المشتري، يجوز له 474 إذا كان المشتري ثقة ممن لا يتهم في إمساكها، ولا في القدر الذي يخرجه، وإن كان ربها يقبض ذلك فيخرجه بنفسه فقد يخونه فيما يدفعه إليه إذا كان غير مأمون، وهذا إذا كان البيع بعد الخرص، أو قبل وعلم أن فيه ما تجب فيه الزكاة بأمر لا يشك فيه، فإن شكَّ فيه لم يجز البيع إلا أن يشترطَ ذلك الجزء على كل حال، فإن وجبت فيه الزكاةُ صرف ذلك للمساكين، وإن لم تجب فيه 475 الزكاة أخذ البائع ذلك
الجزء: 3 - الصفحة: 1085
الجزء 476 لنفسه، وبعد أن يعلم المشتري هل هو بالنضح فيكون المستثنى نصف العشر، أو بَعْلًا أو سيحًا فيكون العشر 477.
وإذا كان معلومًا أن فيه خمسة أوسق فأكثر فسرقت الثمرة قبل الجداد، أو بعد الجداد، ولم يتراخ 478 عن الإخراج، لم يضمن المشتري الزكاة، وإن سُرِقَ البعض وبقي ما لا زكاة فيه كان للبائع جزءُ الزكاةِ، وإن لم يشترط البائعُ على المشتري الزكاةَ فأصابَ الثمرةَ بعد البيعِ جائحةٌ لم تسقطِ الزكاةُ عن البائعِ؛ لأنَّ الثمنَ له لا يرجع عليه المشتري فيه بشيء إذا كانت الجائحةُ بعد اليُبْسِ، ولأن المالك لما باع رضي أن تكون الزكاةُ مضمونةً عليه يدفعها من ذمته.
واخْتُلِفَ إذا سلمت الثمرة أو الزرع، وأعسر البائع قبل دفع الزكاة، فقال ابن القاسم: يرجع على المشتري بقدر الزكاةِ إذا كان قائمًا، ويرجع هو على البائع متى أيسر 479، وقال أشهب: لا شيءَ على المشتري 480، وهو أحسن إذا كان البيع ليخرج الزكاة، ثم حدث ما منع من 481 ذلك، فإن كان ممن يعلم أنه لا يخرج زكاته أخذ ذلك من المشتري قائمًا كان أو فائتًا؛ لأن الأول متعدٍّ في بيع جزء المساكين.
قال مالك: وإن وهب الثمرة قبل طيبها كان زكاتها على الموهوب له، وإن كان 482 وهبها بعد طيبها كانت الزكاةُ على الواهب 483، وقيل:
الجزء: 3 - الصفحة: 1086
زكاتها منها، وهذا أبين إذا كان سقيها على الموهوب له، وإن كان ربها يسقيها (1) كانت زكاتها عليه؛ لأن الهبة تتضمن جميعها، بمنزلة ما لو باعها، فإن البيعَ يتضمن جميعها جزءَ الزكاةِ وغيرَه.
فإن قال: "إنما قصدت أن تكون زكاتها منها" أُحْلِف على ذلك وزكيت منها.
فصل [في قدر ما يخرح في زكاة الحرث]
والزكاة فيما كان يشرب من عروقه، أو سيحًا، أو بالعيون، والأنهار، أو بعلًا بالسماء، وما 485 أشبه ذلك مما لا يتكلف فيه 486 مؤنة العشر، فإن كان يسقى بالغرب، أو بالدالية فنصف العشر، فحط 487 نصف العشر لمكان ما يتكلف في ذلك من المؤنة بنفسه أو بماله.
والأصل في ذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم - "فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالعُيُونُ أَوْ كَانَ عَثَرِيًّا العُشْرُ، وَمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ العُشْرِ".
أخرجه البخاري ومسلم.
وقال ابن فارس: العَثَرِيُّ الذي يشرب سيحًا، قال: وقيل هو العِذْي والعِذْي عنده ما سقته السماء، وكلا القولين مخالفٌ للحديثِ؛ لأنه قد ذكر في الحديث ما تسقيه السماء والعيون، والعثري غيرهما: وهو ما يشرب بعروقه.
واخْتُلِفَ إذا كان الشرب بالوجهين جميعًا: بالسماء والنضح.
فقال مالك في كتاب محمد: إن سقى نصف السنة بالعيون، ثم انقطع عنه وسقى بالنضح،484
الجزء: 3 - الصفحة: 1087
أخرج نصف زكاته 488 عُشْرًا، والنصف الآخر نصفُ العشرِ، فإن سقى ثلثي السنة بالعين، والثلث بالنضح، جُعِل القليل تبعًا للكثير، وسواء كان المبدأ القليل أو الكثير.
وقال أبو محمد عبد الوهاب: يتخرج فيها قول آخر؛ أنه يؤخذ من كل واحد منهما بحسابه 489. قال: وقال ابن القاسم: إنما ينظر إلى الذي يحيا به الزرع (3)، يريد: الآخر الذي به تم، كان قليلًا أو كثيرًا، وأرى أن ينظر إلى ما كان يرى أنه في ذلك النخل أو الزيتون أو الزرع أولًا قبل الثاني، فإن قيل: عشرة أوسق، فأصاب بعد ذلك خمسة عشر وسقًا، زكى ثلثيه على الأول، والثلث على الثاني، فإن كان الأول هالكًا، ولولا الثاني لم يؤخذ من تلك الثمار شيء صح أن يزكي على الآخر.
والقياس أن يراعي الأول؛ لأن به تم الثاني.
ولو انفرد به الثاني ولم يتقدم الأول لم ينتفع بالثاني، وإن كان لا يعرف قدر ما كان في الثمار قبل الثاني رجع إلى قدر السقي 490.
وسأل قومٌ لهم أراضي إلى جنبها وادٍ مستقل عنها، فأنفقوا فيه نفقة كثيرة حتى طلع الماء وصار يسقي تلك الأرض؛ فرأيت أن يُزَكُّوا عن أول عام نصف العشر، وكذلك ما يكون من النخيلِ لا ماء له فاكترى له ماء أن 491 يزكي نصف العشر؛ لأن أكثرَ الماءِ ربما يتكلف 492 فيه أكثر مما يتكلف من اكتراء الماء أو استخراجه أو اشتراه فأحيا به زرعه أو ثمرة نخلة في الغرب والدالية، وإن اشترى الماء ولم يكترِ زكى العشر؛ لأن السقيَ من بابِ الغلةِ، وقد يبيعه بعد ذلك.
الجزء: 3 - الصفحة: 1088
باب فيما يخرص من الثمار، وهل يحط من الخرص لمكان ما يأكله من الثمار أصحابها، أو يُعْرُونَهُ (1)، وكيف إذا أخطأ الخارصُ في خَرْصِه
الذي يُخرص شيئان؛ النخلُ والعنبُ، ولا يخرص الزيتون، ولا الزرع، ولا ما أشبه ذلك مما ليس بشجر؛ لأن العادةَ تقدمت بخرص النخل والعنب، ولا يكاد يعرف الخرص فيما سواهما؛ ولأن الشأن في الزهو 494 والرطب والأعناب أن أصحابها يأكلون منها حينئذٍ.
وقال مالك في كتاب محمد: يخرص ليأكلوه كيف شاءوا رطبًا أو غيره 495.
واخْتُلِفَ في الزيتون والزرع يحتاج أهله إلى الأكل منه، أو كانوا غير مأمونين يخشى أن يكتموا منه، هل يخرص، أو يجعل عليه أمين؟ فقال عبد الملك بن الماجشون: إذا احتاج أهل الزيتون أن ينتفعوا ببعضه وهو أخضر، وخافوا أن لا يخرصوا 496 كيل ما أخذوا منه مقطعًا، فإنه يخرص عليهم 497 كما تخرص الثمار كلها، ثم يخرجون زكاته من الزيت.
وقال محمد بن عبد الحكم: إذا اتهم الإمام قومًا بالتقصير فيما يجب عليهم من493
الجزء: 3 - الصفحة: 1089
زكاة الزيتون والزرع، فإنه يوكل من يتحفظ بذلك 498. والقول الأول أحسن: أن يخرص عليهم إذا وجد من يعرف الخرص في مثل ذلك، فإن لم يوجد جُعِل أمين، فإن احتاجوا إلى شيء لم يمنع أهله من الانتفاع به، وأحصى عليهم.
واخْتُلِفَ هل يترك الخارص 499 لأصحاب الثمار لمكان ما يأكلون، أو يعرون، أو يفسد، أو يسقط، فقال مالك في المدونة: لا يُترك لهم لمكان الأكل والفسادِ شيءٌ 500.
وقال عبد الملك بن حبيب: يخفف لانتفاعهم وما ينالون 501 منه في رءوس النخل 502، قال: وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأمر بالتخفيف للواطئة، والساقطة، واللاقطة، وما ينال العيال.
وقال أبو محمد عبد الوهاب: وعن مالك في تخفيف الخرص وترك العرايا والثنايا روايتان؛ إحداهما: أنه يترك لهم ما يأكلون وما يُعْرون 503، والصواب أن يُترك لهم لمكان ما يفسد وما يذهب 504 من غير سببهم، وما يلتقطه غيرهم، وما يأكله المارة، وأما ما يأكلونه أو يعرونه فلا يترك لهم على القول: إن الزكاة تجب بالطيب.
وأما من قال: لا تجب إلا باليبس أو الجداد فيترك لهم ذلك؛ لأنهم الآن لم يجب عليهم شيء، وأكلهم الآن وهباتهم إنما تقع فيما لم تجب فيه الزكاة.
الجزء: 3 - الصفحة: 1090
فصل [المراعى في خرص التمر والزيتون]
المراعى في التمر إذا خرص وهو زهو ما يكون منه خمسة أوسق تمرًا، إذا كان ذلك النخل مما يتمر.
واخْتُلِفَ فيما يكون بلحًا ولا يزهي، أو يزهي ولا يصير تمراَّ، أو ما لا يتزبب من العنب، فقيل: يخرص 505 كالأول لو كان يكون فيه تمر، فما بلغ خمسة أوسق وجبت فيه الزكاة وقيل: يخرص على حاله.
وقال عبد الملك بن الماجشون في المبسوط في العنب الذي لا يصلح زبيبًا قال: إذا بلغ خرص عنبه خمسة أوسق أخذ منه 506، وكذلك الثمار التي تكون بمنزلة العنب، والأول أصوب؛ لأنَّ غالبَ الأموالِ التي جاء الشرعُ بوجوبِ الزكاةِ فيها هي ما يكون تمرًا، وهو القدر الذي تجب الزكاة فيه، وهي الأصل؛ وإنما قيست عليها هذه فلا يحط عنها.
وأما الزيتون فالمراعى فيه كيله حين خرصه، ولا ينظر إلى نقصه بعد ذلك بخلاف التمر؛ لأنه إنما يخرص بعد كماله، وطحينه حينئذٍ أحسن وأطيب؛ وليس يؤخر ذلك إلا لمكان الاشتغال 507 بجمع غيره، ليس لمصلحة في كمال ولا طيب.
وقال محمد بن سحنون: إذا خَرَصَ ثلاثةٌ حائطًا، فقال أحدهم: خَرْصُهُ ثمانون 508، وقال الثاني: تسعون 509 والثالث: مائة، أُخذ من قول كل خارص
الجزء: 3 - الصفحة: 1091
ثُلُثُ خَرْصِه (1).
فصل [في خرصِ العنب والنخل، وكيف إن نقص أو زاد أو أُجيحَ]
واخْتُلِفَ إذا خرص الخارص ثم تبين أنه أخطأ، وأن في ذلك أكثر أو أقل، هل يكون ذلك كحكم مضى، أو يرجع فيه إلى ما تبين؟ فقال مالك في المدونة: إذا خرص الخارص أربعة أوسق فجدَّ منه خمسة، أحب إليَّ أن يؤدي زكاته 511؛ لأنَّ الخراصَ اليوم لا يصيبون 512. وقال في كتاب محمد: فإن وجد نُقصانًا فلا يعطيهم 513. فرأى ذلك عليهم؛ لأنهم يتهمون، قال: وإذا زاد على ما خرص، وكان الخارصُ من أهل الأمانة والبصر، لم يكن عليه إلا ما خرص 514. وعلى قوله هذا 515 إذا وجد نقصانًا، وكان الخارصُ من أهل الأمانة والبصر 516، لم يسعه أن يخرج على ما وجد من النقصان؛ بل يخرج على ما خرص عليه الخارص 517.510
الجزء: 3 - الصفحة: 1092
وقال أشهب: إن كان في زمن العدل أخرج على ما خرص عليه زاد أو نقص، وإن كان في زمن الجور أخرج على ما وجد 518. وقال ابن نافع: يؤدي زكاة الزائد خرَّصَه عالم أو غير عالم 519. وعلى قوله لا يؤدي عن زكاة النقص إذا ثبت ذلك، وهذا أصوب.
والأصل الذي فرضه الله سبحانه: أن يخرج زكاة ما يُجدُّ، وإنما جعل الخرص لئلا يحال بينهم وبين الانتفاع بأموالهم، وليس يوجب أمرًا غير ما كان قبل الخرص.
فإن سرقت الثمار بعد الخرص أو أجيحت لم يكن عليه شيء، وإن أجيح بعضها زكى عن الباقي إن كان فيه 520 خمسة أوسق فأكثر، فإن كان أقل لم يكن عليه شيء.
وإن تأخر المصدق عنه فعزل ذلك في الجرين فهلك، فلا شيء عليه، وإن أدخله بيته ضمن.
وقال أشهب في كتاب محمد: إن كان هو الذي يلي إخراج ذلك للمساكين، ولم يفرط، فذلك مجزئ عنه من زكاته.
وإن لم يكن هو يلي إخراج ذلك للمساكين لم يجزئه، ولم يكن عليه فيه ضمان، وعليه زكاة ما بقي إن بقي ما فيه زكاة 521. قال محمد: قول أشهب هو الذي نحن عليه 522؛ قال: ولكن لو حمل ذلك كله إلى منزله بعد انتظار منه، حين خاف الضيعة لطول انتظاره، لم يكن عليه 523 ضمان 524.
الجزء: 3 - الصفحة: 1093
قال الشيخ - رضي الله عنه -: وكذلك إذا كان الجرين غير مأمون فنقله ولم ينتظر المصدق لم يضمن.
والقياس إذا نقله ليوقفه 525 حتى يأتي المصدق أن لا ضمان عليه، وإن كان الجرين مأمونًا، وإنما ضَمَّنه مالكٌ حماية لئلا تضيع الزكاة بإدخال التأويلات فيها؛ ولأن كثيرًا ممن تجب عليهم غير مأمون.
الجزء: 3 - الصفحة: 1094
باب هل تجب زكاة الثمار بالطيب، أو باليبس أو بالجداد؟
الزكاة تجب عند مالك بالطيب، فإذا أزهى النخل وطاب الكرم وحل بيعه، أو أفرك الزرع واستغنى عن الماء، وأسودَّ الزيتون أو قارب الاسوداد، وجبت الزكاة فيه 526. وقال المغيرة: تجب بالخرص، ورأى أن المصدق في ذلك كالساعي في الغنم.
وقال محمد بن مسلمة: تجب بالجداد.
وفائدة ذلك إذا مات المالك فعلى قول مالك: إذا مات بعد الطيب تزكى على ملكه؛ لأنه مات بعد ما وجبت فيها الزكاة، فإن كان في جميعها خمسة أوسق ولم يصر 527 لكل وارث إلا وسق أخرجت منها 528 الزكاة.
وقال المغيرة: تجب بالخرص 529، فإن خرص عليه قبل موته فذلك ثابت على ورثته، يخرجون ذلك ثم يرثون ما بعده.
وإن مات قبل أن يخرص عليه، فإنما يخرص على ورثته، فمن صار له خمسة أوسق زكَّاه 530.
وقال محمد بن مسلمة في المبسوط: إنما تجب بعد الجذاذ، وبعد الحصاد 531، وإنما قدم الخرص توسعة على أصحاب الثمار، ولو قدم رجل زكاته بعد
الجزء: 3 - الصفحة: 1095
الخرص قبل الجداد لم يجزئه؛ لأنه أخرجها قبل وجوبها؛ كزكاة الفطر إذا أخرجها قبل طلوع الفجر.
انتهى قوله.
وقد قال مالك مرة: يترك الخارص لأصحاب الثمار لمكان ما يأكلون ويعرون (1)، وهذا مثل قول المغيرة: إنها لا تجب بالطيب، فلا يحسب عليهم ما خرج منها قبل اليبس بأكل أو بعارية (2). وتكون فائدة الخرص على هذا خيفة أن يكتم منها بعد اليبس أو بعد الجذاذ؛ لقول الله سبحانه: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: 141]، فالوقت الذي يجب فيه هو الوقت الذي يجب فيه إخراجه.
قال: وجعل وقتها ذلك لا تؤخر عنه ولا تقدم قبله (3).
فصل [في زكاة الزرع الأخضر يموت صاحبه ويوصي بزكاته]
وقال مالك فيمن مات عن زرع وأوصى بزكاته قال 535: إن كان أخضر أنفذت وصيته في ثلثه 536، ولا تبدَّى على الوصايا؛ لأنها ليست بزكاة 537، ولا يضع ذلك الزكاة مما وصى به إذا كان في الموصى به خمسة أوسق، وإن لم يصر لكل مسكين إلا مدٌّ واحدٌ؛ لأنه إنما أبقاه على ملكه.
ولا يضع ذلك الزكاة عن ورثته، فمن صار له في حظه ما تجب فيه الزكاة زكَّاه، ومن صار له دون ذلك532533534
الجزء: 3 - الصفحة: 1096
لم يكن عليه شيء 538.
وإن أوصى زكاته بعد أن أفرك واستغنى عن الماء زكي على ملك الميت، وأخرجت الزكاة من رأس المال، ولا زكاة على الورثة، وإن صار لكل وارث من نصيبه خمسة أوسق 539. وإن أوصى بذلك لمعينين وهو أخضر، وكانوا يسقونه ويلون عمله 540، زكي ذلك 541 على أملاكهم، فمن صار له في نصيبه خمسة أوسق زكَّاه 542. قال محمد: وكذلك النخل المحبسة على قوم بأعيانهم لا زكاة فيه إلا على من يصير له في حظه ما تجب فيه الزكاة؛ لأن المؤنة فيه عليهم كالوارث، ويلزم على هذا إذا صار له دون نصاب، وله مال سوى الحبس إذا أضاف إليه الحبس صار نصابًا 543، أن يزكي جميع ذلك 544.
وعلى أحد 545 القولين في المحبس عليه يموت بعد الإبار وقبل الطيب: أن لا شيء لورثته فيها.
تُزكَّى هذه على ملك المحبس إذا كان في جميعها خمسة أوسق، وإن كان المحبس عليهم جماعة.
الجزء: 3 - الصفحة: 1097
باب في زكاة الثمار المحبسة والماشية والعين
قال مالك: تؤدى الزكاة عن الحوائط المحبسة في سبيل الله، وعلى قوم بأعيانهم، أو بغير أعيانهم، وعن الإبل المحبسة في سبيل الله يحمل عليها أو على نسلها، وعن الدنانير المحبسة في سبيل الله 546 لتسلف 547، وما كان ليفرق من الدنانير والإبل والبقر والغنم، فحال عليها الحول قبل أن تفرق، لم تؤخذ منها زكاة 548.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: أما الحوائط فتؤخذ منها الزكاة.
ويفترق الجواب في النصاب، فإن كان الحبس على قوم بأعيانهم، وكانوا هم يسقون ويلون ذلك 549، نظر إلى ما ينوب كل واحد منهم، فمن بلغ نصيبه خمسة أوسق زَكَّاه، ومن كان نصيبه دون ذلك لم يزكه؛ لأنها طابت على أملاكهم، وسواء كان الحبس شائعًا أو لكل واحد منهم نخل بعينها.
فإن كان ربها يسقي ويلي النظر لها 550، ويقسم الثمرة، زكيت إذا كان في جملتها خمسة أوسق، وإن كانت دون ذلك وكان لصاحب الحبس نخل لم يحبسها؛ فإذا أضافها إلى الحبس بلغت خمسة أوسق زكيت بجميعها، وإن كانت حبسًا على غير معينين 551، أو في سبيل الله زكيت إذا كان في جميعها خمسة أوسق.
الجزء: 3 - الصفحة: 1098
وإن كان الحبس على مسجد أو مساجد زكيت على ملك المحبس، فإن كان في جملتها خمسة أوسق زكيت، وإن لم ينب كل مسجد إلا وسق وإن مات المحبس زكيت على ملكه لو كان حيًا، وعلى هذا المذهب: أنها تزكى على ملك المحبس.
وقال طاوس ومكحول فيما حبس على المساكن: لا زكاة فيه، وهذا هو القياس؛ لأنه إن قدر أنه باقٍ على ملك المحبس لم تجب فيه زكاة؛ لأن الميتَ غيرُ مخاطب بزكاة، وإن حمل على أن ملكه سقط عنه لم تجب فيه زكاة أيضًا؛ لأن المساجد غيرُ مخاطبةٍ بالزكاة، وحوزها للمسجد كحوزها للعبد إذا كان صغيرًا، أو حوز العبد لنفسه إذا كان كبيرًا؛ وإنما استسلم مالك في هذا 552 للعمل، ليس لأنه القياس.
وأما الدراهم تحبس لتسلف، فإنها لا تزكى إذا أسلفت وصارت دينًا حتى تقبض؛ فإذا قبض منها نصاب زكي، وسواء كان الحبس على معينين أو مجهولين، وإذا كانت في ذمة المتسلف زكى عنها 553 من هي في ذمته، إذا كان له ما يوفي بها كسائر الديون، وإن قبضت زكيت على ملك المحبس لعام واحد.
وإن كان الحبس إبلًا أو غنمًا لينتفع بألبانها وأصوافها زُكي جميعها على ملك المحبس إذا كان في جميعها نصاب، وسواء كان الحبس على مجهولين أو معينين، فإن حبس أربعين شاة على أربعة نفر، لكل واحد منهم عشرة بأعيانها، زكيت لأنه إنما أعطى المنافع، والرقاب باقية على ملكه، وهذا بخلاف حبس النخل؛ لأن النخل لا زكاة في رقابها، وإنما الزكاة في الثمار وهي المعطاة؛ فيصح أن تزكى على ملكهم، والغنم غير معطاة فزكيت على ملك المحبس، وإن
الجزء: 3 - الصفحة: 1099
حبسها ليؤخذ نسلها كانت الزكاة في الأمهات على المحبس، ثم ينظر في الأولاد فإن كان الحبس على معينين لم تزكَّ الأولاد مع الأمهات؛ لأن الولادةَ على ثلاثة وجوه:
إما أن يكون قبل تمام الحول، فقد خرجت عن ملك صاحبها قبل الحول، فلم يصح أن تضم إلى الأمهات، أو بعد تمام الحول وقبل مجيء الساعي، فهي 554 في معنى ما لم يحل عليه الحول؛ لأنه لو باعها حينئذٍ لم تجب فيها زكاة الماشية، وإن أتى الساعي وهي حوامل فولدت بعد ذلك فهي محسوبة 555 من العام الثاني، وقد خرجت عن ملكه بالعطية، فلا زكاة فيها إلا على من صار له من المعينين نصاب، وحال عليه الحول من يوم الولادة.
وإن كان الحبس على مجهولين لم تجب فيها زكاة على قول ابن القاسم 556، فإن جعل شيئًا من ذلك في سبيل الله ليفرق وليس حبسًا فلم يفرق حتى حال عليه الحول، فإن كانت دنانير لم تجب فيها زكاة 557، واخْتُلِفَ في الماشية فقال ابن القاسم: لا زكاة فيها 558. وقال محمد: فيها الزكاة 559، قال: وكذلك النخل 560، وفرق بينها وبين العين؛ لأن النماء في هذه موجود في حال الوقف بخلاف الدنانير.
الجزء: 3 - الصفحة: 1100
باب في زكاة الفطر
الأصل في ذلك حديث ابن عمر - رضي الله عنه - قال: "فَرَضَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - زَكَاةَ الفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ عَلَى المُسْلِمِينَ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، عَلَى كُلِّ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ، ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ 561 مِنَ المُسْلِمِينَ" 562.
وقال مالك: زكاة الفطر سُنَّةٌ 563؛ يريد: لأنها أخذت عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولم ينزل فيها قرآنٌ.
وقال في المجموعة: هي فرض بقول الله سبحانه: ﴿وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾ [التوبة: 5]، فرأى أنها داخلةٌ في عمومِ الآية 564 لتسمية النبي - صلى الله عليه وسلم - إياها زكاة؛ ولأن الزكاةَ وردتْ 565 في القرآنِ مجملةً فأبانتِ السنةُ المرادَ بها.
واخْتُلِفَ في تأويل قول ابن عمر: "فَرَض.
. .". فقيل معناه: قدّر قدرها، وأنها صاعٌ.
وقال محمد بن عبد الحكم: المعنى: أَوْجَبَ، وهو المفهوم من كتاب مسلم؛ لأنه قال: "فرض على الناس".
وفي كتاب الترمذي قال عبد الله بن 566 عمرو
الجزء: 3 - الصفحة: 1101
ابن العاص: "بَعَثَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مُنَادِيًا فِي فِجَاجِ مَكَّةَ: أَلاَ إِنَّ صَدَقَةَ الفِطْرِ وَاجِبَةٌ عَلَى كلِّ مُسْلِمٍ" (1)، ثم ذَكر باقي الحديث على مثل حديث ابن عمر.
واخْتُلِفَ في تأويل قول الله -عز وجل-: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (14) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: 14، 15]، فقيل: تزكَّى (2) بزكاة الفطر، وصلى صلاة العيد (3). وقيل: تَزكَّى بالإسلام وصلى الخمس؛ وهذا هو الأشبه بقوله: ﴿تَزَكَّى﴾ وإنما يقال فيمن أدى الزكاة: زَكَّى؛ وعلى أنه ليس في التلاوة أمرٌ، وإنما تضمنت مدحَ من فعل ذلك.
ويصح المدحُ على فعلِ المندوبِ.
فصل من تجب عليهم زكاة الفطر
أوجب النبي - صلى الله عليه وسلم - زكاةَ الفطرِ على الحرِّ، والعبدِ، والذكرِ، والأنثى، والصغيرِ، والكبيرِ.
وروي عنه أنه قال: "عَمَّنْ تُمَوِّنُونَ" 570 وليس إسناده بذلك.
وإخراج الرجل زكاته عن يمُونه على ثلاثة وجوه: واجبة، وساقطة، ومختلف فيها.
فتجب عليه عمن تلزمه نفقته من الأحرار، وهم خمسة: الابن، والبنت، والأم، والأب، والزوجة 571. ولو استأجر حرًا بطعامه 572 لم يلزمه567568569
الجزء: 3 - الصفحة: 1102
إخراجها عنه، ولم يدخل في عموم الحديث؛ لأن هذه مبايعةٌ 573، باع منافعه بطعامه، فليس عليه سوى ما تبايع به.
واخْتُلِفَ في الزوجة، فقال مالكٌ وابنُ القاسم: على الزوج أن يؤدي عنها زكاة الفطر 574، وقال ابن أشرس: تؤدي من مالها عن نفسها وعن رقيقها، ورأى أن نفقته عليها من باب المعاوضة 575، وهي عوض عن الاستمتاع.
ويفترق الجواب في إخراجها عن عَبِيدِه على نحو ما تقدم فيمن تلزمه نفقته من الأحرار، فيخرجها عن كل عبد في يديه وتحت قهره، ولم يتعلق به حق لغير سيده، وسواء كان العبدُ ليس فيه عقدُ حريةٍ، أو كان مدبرًا، أو أم ولد، أو معتقًا إلى أجلٍ 576.
واخْتُلِفَ في المكاتَب، والمعتق بعضه 577، والمخدم، ومن جَنَى جنايةً فمرَّ يومُ الفطرِ قبل تسليمه، وتسقط عمن أبق فأيس منه، أو أُسِرَ أو غُصِبَ ويحتج في الغصب، فلا يرجو انتزاعه، ويلزم 578 إخراجها عمن هو في ملك غيره كعبد الأب، والأم إذا كانا فقيرين ولا غنى بهما عنه.
واخْتُلِفَ في عبد الابن، والابنة، والزوجة قبل الدخول، والمخدم ولا يلزم إخراجها عن عبده الكافر، ولا عن عبد عبده وإن كان مسلمًا 579.
وقال مالك في المدونة: يخرج السيد عن عبده المكاتب زكاة الفطر، وقيل: لا شيء على السيد، ولا على العبد 580. وهو أبين؛ لأنَّ السيدَ قد باعه نفسه، وإنما
الجزء: 3 - الصفحة: 1103
له الآن عليه مال ولم يعجز.
وقال مالك في المدونة في المعتق بعضه: يؤدي السيدُ عنه 581 بقدرِ ما له فيه، ويسقط ما ناب العتق 582.
وقال أشهب: على السيد بقدر ما له فيه، وعلى العبد بقدر ما عتق منه 583؛ وقال مالك في المبسوط مثل ذلك، وقال عبد الملك في كتاب محمد: على المتمسك بالرق جميع ذلك، وقال محمد بن مسلمة في المبسوط: يؤدي السيد بقدر ما له فيه 584 والعبد بقدر ما عتق منه، بمنزلة إذا جرح فإن لم يكن للعبد مالٌ زَكَّى السيدُ جميعَ ذلك؛ قال 585: لأنه لا يخرج نصفَ صاعٍ.
فأسقط في القول الأول 586 عن العبد ما ينوب العتيق؛ لأنه في ذلك الجزء على أحكام العبيد في الجراح وفي الميراث، وألزم في القول الثاني أن يخرج عن نفسه عن الجزء العتيق؛ لأن مؤنته في ذلك الجزء على نفسه، وقد جُعلت 587 زكاةُ الفطرِ تابعةً للنفقةِ في غيرِ موضعٍ، ولأن له في ذلك الجزء حكم نفسه يتجر لنفسه ويصون ماله 588، والجناية عليه: يؤخذ ما يخص ذلك الجزء دون من له الرق، والجناية منه: يؤدي من ماله ما يخص ذلك الجزء العتيق، والجناية والموت 589 والموتُ أمرٌ طارئٌ، وألزم السيد في القول الثالث جميع الزكاة قياسًا على الميراثِ؛ لأنه لو مات كان له جميعُ ميراثِه.
وقول أشهب أقيس.
الجزء: 3 - الصفحة: 1104
واخْتُلِفَ في المُخْدَمِ على ثلاثةِ أقوالٍ: فقال ابنُ القاسم في المدونة: زكاته على من له الرقبة 590، وقال في كتاب محمد: على من له الخدمة.
وقال عبد الملك ابن الماجشون: إن قلت الخدمة فعلى السيد.
واخْتُلِفَ في نفقته هل هي على السيد، أو على المخدم؟ فمن جعلها على السيد جعل الزكاة عليه؛ لأنه اجتمع فيه وجهان: الملك والنفقة، ولا يختلف في ذلك؛ وإنما يدخل الاختلاف على القول: إن النفقة على من له الخدمة، فجعلت مرة على من عليه النفقة، وإن كان الملك لغيره؛ لظاهر الحديث: "عَمَّنْ تُمَوِّنُونَ" 591.
وكونها على المالك أحسن.
وقال أشهب في كتاب محمد: هو بمنزلة عبد يستأجر بنفقته، وعلى هذا يجري الجواب: إذا أوصى بخدمة عبده لرجل، وأبقى الرقبة لورثته، وكذلك إذا أوصى بالخدمة لرجل والمرجع لآخر، وجعل له المرجع من الآن، فقيل: النفقة على من له المرجع؛ وعلى هذا تكون الزكاة عليه؛ لأنه قد اجتمع فيه وجهان: الرقبة والنفقة لواحد 592 وقيل: تكون النفقة على من له الخدمة 593، وعلى هذا يختلف هل تكون الزكاة على المخدم تابعة للنفقة، أو على من له المرجع؟
وإن جعل المرجع للموصى له بعد انقضاء الخدمة، وأبقى الرقبة ما بينه وبين انقضاء الخدمة على ملك الورثة، عاد الخلاف المتقدم في النفقة والزكاة
الجزء: 3 - الصفحة: 1105
بين الورثة والمخدم، ولا شيء على الموصى له برقبة؛ لأنه لا شيء له فيه من الآن وميراثه إن مات، وقيمته إن قتل للورثة، ولو جعل له رقبته من الآن لكان ميراثه وقيمته للموصى له به.
والزكاة على العبد المرهون على سيده 594؛ لأنه على ملكه وفي نفقته.
وإذا كان لكل واحد من الأبوين خادم، ولا غنى بهما عنهما وهما فقيران، كان على الابن الإنفاق عليهما والزكاة عنهما إذا لم تكن الأم في عصمة الأب 595، وإن كانت في عصمته وكانا يستغنيان بخادم الأب عن خادم 596 الأم، كان على الابن الإنفاق على الأبوين وعلى خادم الأب دون خادم الأم، والزكاة عنهم دون خادم الأم، وإن كانا يستغنيان بخادم الأم عن خادم الأب لم يكن عليه الإنفاق على الأبوين ولا على خادميهما؛ لأن الأب موسرٌ بالخادم وعليه أن يبيعها وينفق ثمنها على نفسه وعلى زوجته وخادمها؛ فإذا نفد ثمنها عادت النفقة على الأبوين والخادم على الولد.
والولد يكون له الخادم على مثل ذلك، فإن كان الولد في غنى عن تلك الخادم لكونه في جملة الأب وفي عياله لم يلزم الأب النفقة على الولد ولا على خادمه؛ لأنه موسرٌ بثمنِ الخادم 597، إلا بعد نفاد ثمنه، وإن لم تكن له مندوحةٌ عنه كان على الأب الإنفاق عليهما والزكاة عنهما.
وقد اضطرب في هذه المسألة.
وإن تزوجت البكرُ على خادمٍ بعينها وقبضتها، فإن لم تكن لها مندوحةٌ
الجزء: 3 - الصفحة: 1106
عنها كانت كخادمها التي لم تتزوج ما، فإن كانت في غنى عنها كانت زكاة الابنة على الأب، وكانت زكاة الجارية على الابنة، فلا تسقط عن الأب النفقة لمكان الخادم؛ لأن من حق الزوج أن لا تباع للإنفاق على الابنة لما كانت صداقها 598، وكذلك سائرُ الصداقِ لا يسقطُ به الإنفاقُ عن الأب، وإن كانت الابنةُ فقيرةً ليس لها ما تُزَكِّي منه عنها كان في المسألة قولان: أحدهما أن الزكاةَ ساقطةٌ عنها، والآخر: إنها واجبةٌ، ويباع من الأمةِ بقدر ذلك، إلا أن يشاءَ الزوج أن يزكي عنها.
واخْتُلِفَ إذا دعي الزوج إلى الدخول فامتنع ولزمه الإنفاق على زوجته، فقال ابن القاسم في المدونة: يزكي عن خادمها 599. وقال ابن الماجشون في مختصر ما ليس في المختصر: ليس ذلك عليه إلا بعد الدخول؛ لأنَّ الخادمَ بعد الدخول تخدمهما جميعًا، ولم يختلف في المدخول ما فيما أعلمه 600 أن عليه أن يزكي عن خادمها إذا كانت ممن يجب عليه أن يُخْدِمَها، لما كان عليه أن يأتي بخادم 601 تخدمها ويزكي عنها.
وقد خفف عنه الشراء، ولعله لو لم تكن لها خادم لاشتراها ولم يستأجر.
الجزء: 3 - الصفحة: 1107
باب في الفقير، هل تلزمه زكاة الفطر؟
اخْتُلِفَ في ذلك على ثلاثة أقوال: فقال مالك في المدونة فيمن تحل له زكاة الفطر: إنه يؤديها، قال: وإن كان محتاجًا ووجد من يُسَلِّفُه فَلْيَتَسَلَّف 602. وقال ابن حبيب: إذا كان عنده فضلٌ عن قوتِ يومِه أخرجها.
يريد: فضلًا عن قوتِه وقوتِ عيالِه.
وهذا راجع إلى ما في المدونة.
وقال أبو محمد عبد الوهاب: يخرجها إذا كان لا يلحقه ضرر بإخراجها من فساد معاشه، أو جوعه، أو جوع عياله 603. وقال ابن الماجشون في المبسوط: الحدُّ الذي تجبُ به وتسقط من حال اليسرِ والفقر 604 أنه من كانت تحلُّ له سقطت عنه.
وقاله مالك في كتابِ محمدٍ، قيل له: إن كانت له عشرةُ دراهم فأخرجَ زكاةَ الفطرِ أيأخذُ منها؟ فقال: أَيُخْرِجُ ويأخذُ؟! لا، إذا كان هكذا فلا يأخذ، قيل له: إذا كانت له عشرةُ دراهم، فلا يأخذ، قال: ليس لهذا حدٌّ معلوم 605.
فأوجبها في القولِ الأولِ على الفقيرِ لظاهرِ الحديثِ، ولاتفاقِ المذهبِ على وجوبها عمن ينفق عليه من صغيرٍ أو كبير 606 أو عبدٍ، وإن كانا فقيرين.
وألزمها في القول الثاني مع الفقرِ ما لم يؤدِّ ذلك إلى حرجٍ؛ لأنَّ الدينَ يُسْر، فإن كان رأسُ مالِه الشيءَ اللطيفَ، وله عيالٌ، كان إخراجُها مما يجحف
الجزء: 3 - الصفحة: 1108
به، وقد يؤدي ذلك إلى أن يتكففَ من لم يكن ذلك من شأنه، وأُسقِطت في القول الثالث عن الفقيرِ لقولِ النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أَغْنُوهُمْ عَنْ طَوَافِ هَذَا اليَوْم" 607 فمفهوم هذا: أنها مواساةٌ ممن هو غنيٌّ لمن هو يتكففُ.
ولم يختلف المذهب في أنه ليس من شرطِ الغنيِّ أن يملكَ نصابًا، واخْتُلِفَ في صفةِ الفقيرِ الذي تحل له، فقيل: هو الذي تحلُّ له زكاةُ العينِ 608. وقال أبو مصعب: لا يُعْطَاها مَنْ أخرجها 609، ولا يُعطى فقيرٌ أكثرَ منْ زكاةِ إنسانٍ؛ وهو الصَّاعُ.
وهذا الظاهرُ منْ قوله: "أَغْنُوهُمْ عَنْ طَوَافِ هَذَا اليَوْم"، فكان القصدُ: غِنَاهُم ذلك اليوم، والقصدُ بما سواها من الزكواتِ ما يغنيه 610 عما يحتاج من النفقةِ والكسوةِ في المستقبلِ، وقد قيل: يُعْطَى ما يكونُ فيه كفافٌ لسنته؛ ولهذا قيل: إنه لا بأسَ أن يُعطى الزكاةَ منْ له نِصَابٌ لا كِفَايةَ فيه؛ ولا أعلمُهم يختلفونَ أنه لا يُعْطَى زكاةَ الفطرِ من يَمْلِكُ نِصَابًا.
واختلف هل تجب على من له عبدٌ، ولا شيءَ له سواه، أو يعطاها؟ فقال مالكٌ في المبسوطِ فيمن له عبد لا يملك غيره: عليه زكاةُ الفطرِ.
فرآه موسرًا بالعبد، وقال في موضعٍ آخر: لا شيءَ عليه، وقاله أشهب في مدونته، ورأى أنها مواساةٌ.
وسبيلُ المواساةِ: ألا يُكَلَّفها من هذه صفته ولا يُعْطَاها من له عبدٌ على قولِ أبي مصعب، ويُعطاها على القولِ الآخر.
الجزء: 3 - الصفحة: 1109
واختلف هل تجب على من عليه دينٌ.
فقال أشهب في مدونته: عليه أن يؤدِّيها، ورآها كزكاةِ الحرث والماشية: أن الدين لا يسقطها، وقال: ليس يمنع الدينُ من الزكاةِ إلا زكاةَ العينِ.
وقال أبو محمد عبد الوهاب: يبدأ بأداء الدين، فإن فضلَ شيءٌ أدى منه الزكاة، وإن لم يفضل شيء سقطت عنه 611.
الجزء: 3 - الصفحة: 1110
باب في الوقت الذي تجب به زكاة الفطر
اختلف في ذلك على أربعة أقوال: فقيل: تجبُ بغروبِ الشمسِ من آخرِ يومٍ من رمضانَ، وقيل: بطلوعِ الفجرِ من تلك الليلةِ، وقيل: بطلوع الشمس من يوم الفطر 612، وقيل: الأمرُ فيها مترقبٌ 613 في جميع ذلك اليوم، وبغروب الشمس من ذلك اليوم ينختم وجوبها.
وفائدة ذلك في ستة أسئلة: في الولادة، والموت، والإسلام، والبيع، والطلاق، والعتق.
فعلى القول: إنها تجب بغروب الشمس من آخر رمضان، تجب على من مات بعد الغروب، وتسقط عمن توالد، أو أسلم ذلك الوقت، وتكون في البيع على البائع دون المشتري، وفي الطلاق على الزوج دون الزوجة، وفي العتق على السيد دون العبد؛ إذا كان البيع والطلاق والعتق بعد غروب الشمس.
وعلى القول: إن المراعى: طلوع الفجر، تجب على من كان حيًا، أو باعَ أو طلَّقَ أو أعتقَ بعد طلوعِ الفجرِ، أو توالد أو أسلم قبل طلوع الفجر 614، وتسقط
الجزء: 3 - الصفحة: 1111
عمن مات، أو طلق أو أعتق أو باع قبل، أو توالد أو أسلم بعد.
وتكون الزكاة على المشتري والزوجة والعبد، وكذلك على من قال: تجب بطلوع الشمس، يراعى فيمن كان قبل أو بعد حسب ما تقدم.
فأمَّا من 615 قال: إنها مترقبة في سائر ذلك اليوم، يراعى مثل ذلك في سائر ذلك اليوم 616، وجميع هذه الأقوال 617 مروية عن مالك؛ إلا القول بطلوع الشمس، فإنه عن بعض أصحابه 618.
وأخذ أشهب وأصبغ بالقول الأول، وأخذ ابن القاسم ومطرف وابن الماجشون بالقول الثاني، أنها تجبُ بطلوعِ الفجرِ 619، وأما 620 إيجابها بغروب الشمس من آخر يوم من 621 رمضان فلقول ابن عمر: "فَرَضَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - زَكَاةَ الفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ" 622 فأول الفطر: ذلك الوقت، ولأنه لا يخلو أن يكونَ المرادُ بها الشكر منا لإكمال عدة رمضان، أو لتعقب قربة الصوم
الجزء: 3 - الصفحة: 1112
بقربة الصدقة.
وأي ذلك كان، فإن ذلك يجب 623 بغروب الشمس، وأما مراعاةُ طلوع الفجر فلأنه الوقت الذي يفطر فيه، وهو الذي كان بالأمسِ ممنوعًا من الأكلِ فيه، فيكون معنى الفطر من رمضان: أن يدخلَ في زمنٍ لم يكن يفطر فيه، وليس المرادُ غروب الشمس من تلك الليلة؛ لأن جملةَ ليالي رمضان موضع الفطر، وقد لزم هذا الاسم ذلك اليوم، فقيل: يوم الفطر، وإن كان يوم النحر مثله يُفطر ولا يُصام، وأما الاعتبار بطلوع الشمس فلقوله - صلى الله عليه وسلم -: "أَغْنُوهُمْ عَنْ طَوَافِ هَذَا اليَوْم"، وهو أبينها.
ولو كان الوجه الشكر بإكمال الصوم أو بالدخول في الفطر لم يجب على من لم يتقدم له صوم من صغير أو مولود أو من أسلم قبل أن يصح منه صوم 624 أو مريض أو مسافر، وفي الإجماع على وجوبها على هؤلاء دليل على بطلان ما سواه، ووجه اعتبار جملة ذلك اليوم إلى الغروب فلأن وقتها موسع، ومتى أعطى فيه كان مؤديًا، ولا يكون قاضيًا إلا بغروبِ الشمسِ.
واخْتُلِفَ فيمن أسلم، فقال مالك في المدونة: إن أسلم بعد طلوع الفجر من يوم الفطر استحب له أن يؤدي زكاة الفطر.
وقال في كتاب ابن حبيب: إن أسلم قبل طلوع الفجر من يوم الفطر وجبت عليه زكاة الفطر.
وقال
الجزء: 3 - الصفحة: 1113
أشهب: إن أسلم بعد طلوع الفجر من يوم آخر 625 من رمضان فلا أرى ذلك لازمًا له؛ لأنه لم يصم من رمضان شيئًا، ولم يكن من أهله، وإني لأستحب ذلك له 626. وهذا ينتقض عليه بالصغير والمريض 627 والمسافر.
الجزء: 3 - الصفحة: 1114
باب (1) [زكاة فطر العبد المشترى]
واخْتُلِفَ فيمن اشترى عبدًا شراءً فاسدًا، فقبضه فمر يوم الفطر وهو عنده، ثم رده بعد ذلك.
فقال ابن القاسم: زكاته على المشتري؛ لأنَّ ضمانه منه ونفقته عليه 629. وقال أشهب عند ابن حبيب 630: إنْ مَضَى يومُ الفطرِ بعد أن فاتَ 631 العبد كانت زكاة الفطر 632 عنه على المشتري، وإن لم يفت بشيء فالفطرة على البائع 633. وقال ابن الماجشون: إن فسخ بيعه ورد العبد إلى سيده قبل فوته كانت فطرته على سيده، وإن مضى يوم الفطر وهو عند المشتري؛ لأنه لم يكن بيعًا، وإن فات ولم يفسخ ففطرته على مشتريه، وإن لم يفت إلا بعد الفطر.
قال ابن حبيب: وكذلك لو بيع وبه عيب فَرُدَّ به أو لم يُرَدَّ فسبيله سبيل البيع الفاسد.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: وما بيع على خيار فمضى يوم الفطر وهو عند المشتري، ففطرته على البائع قولًا واحدًا، بخلاف البيع الفاسد، وإن قبله المشتري قبل غروب الشمس من آخر رمضان كانت فطرته عليه؛ ويختلف إن قبله بعد غروب الشمس، أو بعد طلوع الفجر، أو بعد طلوع الشمس حسب ما تقدم.628
الجزء: 3 - الصفحة: 1115
باب في الوقت الذي تخرج فيه زكاة الفطر، والصنف الذي تخرج منه، ومن يتولى إخراجها إلى المساكين، وإن أخرجها ثم ضاعت قبل وصولها إليهم
قال مالك: تخرج قبل الغدو إلى المصلى، ورأيت أهل العلم يستحبون أن تخرج إذا طلع الفجر قبل الغدو إلى المصلى، قال: وذلك واسعٌ قبل الصلاة وبعدها 634.
وقوله الأول أحسن 635. وقد أخرج البخاري ومسلم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أمر بإخراجها قبل الخروج إلى الصلاة 636.
واخْتُلِفَ إذا قدمها قبل وجوبها، فقال مالك في المدونة: إن أخرجها قبل ذلك بيوم أو يومين فلا بأس به 637. وقال محمد بن مسلمة: لا تجزئه.
وقاله عبد الملك بن الماجشون في كتاب محمد.
والأول أشبه، وإن علم أنها قائمة بيد من أخذها إلى الوقت الذي تجب فيه أجزأت قولًا واحدًا؛ لأن لدافعها إذا كانت لا تجزئ أن ينتزعها منه، فإذا
الجزء: 3 - الصفحة: 1116
تركها كان كمن ابتدأ دفعها حينئذٍ، ولأنه مستغنٍ ببقائها في يديه عن طوافِ ذلك اليوم.
فصل [الصنف الذي تخرح منه زكاة الفطر]
واخْتَلَفَتِ الأحاديثُ في الصنفِ الذي تخرج منه ففي حديث ابن عمر أنها تخرج من صنفين: التمر والشعير 638. وقال أبو سعيد الخدري: "كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ" 639. وقال هذا البخاري: فلما جاء معاوية، وجاءت السمراء، قال: "أُرَى مُدًّا مِنْ هَذه يعدل مُدَّيْنِ" 640. واخْتَلَفَ المذهبُ في ذلك، فقال ابن القاسم في المدونة: يخرج من القمح والشعير، والسُّلْت، والأرز، والذرة، والدخن، والتمر، والزبيب، والأقط 641. وقال أشهب في كتاب محمد: يؤدي مما فرضه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: الشعير، والتمر، والزبيب، والأقط، يدخل 642 مع الشعير القمح والسلت؛ لأنهما منه.
وقال مالك في كتاب محمد في القِطْنِيَّة والتين: لا يؤدي منه، وإن كان عيشَ قومٍ 643. قال محمد: ولا تخرج من السويق،
الجزء: 3 - الصفحة: 1117
وإن كان عيشَ قوم، واستشهد بحديث أبي سعيد.
وقال ابن القاسم: تخرج من ذلك إذا كان عيشًا لهم (1).
واخْتُلِفَ هل يراعى عيشه (2)، أو عيش البلد؟ فقال مالك في المدونة: يخرج من عيش البلد (3). وقال أشهب في كتاب محمد: المُراعَى ما يقوتُ به نفسه وعِياله (4).
قال الشيخ - رضي الله عنه -: وظاهر الحديث: التوسعةُ في ذلك، وأرى أن يخرجَ كلُّ قومٍ من عَيشِهم أيَّ صِنْفٍ كان، وهو بالخيار بين أن يخرجَ من قوتِه، أو قوتِ البلدِ الذي هو به.
ومن كان في سفر أخرجَ عن نفسه من الصنفِ الذي يأكلُه، أو يأكله أهلُ ذلك البلد، وأخرج أهله مما يأكلونه أو يأكله أهل بلدهم، وإن أخرج عن أهله أخرج من المصنف الذي يأكلونه، وإن أخرجوا عنه فمن الصنف الذي يأكله على الاختلاف في إخراجِ كلِّ واحدٍ منهم عن الآخر؛ لأنه نقلُ الزكاةِ.
فصل [في الإمام الذي تدفع له الزكاة]
ومن المدونة قال مالك: إذا كان الإمام يعدل لم يسع أحدا أن يفرق شيئًا من الزكاة، ولكن يدفع إلى الإمام زكاته 648. وهذا للحديث في زكاة الفطر أنها كانت تدفع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - 649.644645646647
الجزء: 3 - الصفحة: 1118
وإن كان غير عدل، أو عدلًا وكان يفرط في إخراجها، لم تدفع إليه وقال أيضًا: إن كان الإمامُ يقسمها من غيرِ ضيعةٍ 650 كان الأمرُ إلى المزكي؛ إن شاء قسمها، وإن شاء دفعها إليه، قال: وأحب إليَّ أن يدفعها إلى المسجد مع طعام المسلمين.
وقال أيضًا: أَحَبُّ إليَّ أن يُفَرِّقَها أربَابُها.
وقال في المدونة: لا بأسَ أن يعطي الرجلُ صدقةَ الفطرِ عنه وعن عياله مسكينًا واحدًا 651. وقال أبو مصعب: لا يعطى مسكين أكثر من زكاة إنسان واحد 652، وهو صاع، ولا يعطى من أخذ.
وأرى ذلك؛ لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "أَغْنُوهُمْ عَنْ طَوَافِ هَذَا اليَوْم" 653؛ فالصاع يغنيه عن ذلك.
وقال ابن القاسم فيمن أخرجها فضاعت قبل وصولها إلى المساكين: إنها تجزئه 654.
وليس بالبين، وليس هو مخاطبا بالإخراج وإنما خوطب بالإطعام، فلا يبرأ إلا بوصول ذلك إلى من وجبت مواساته.
ولو دفع ذلك إلى الإمام = أموالي؟ قال: منها ما أدفعها إلى السلطان، ومنها ما أتصدق بها.
فقال: مالك وما لذلك، قال: إنهم يشترون بها البزوز ويتزوجون بها النساء ويشترون بها الأرضين.
قال: فادفعها إليهم؛ فكان النبي - صلى الله عليه وسلم - أمرنا أن ندفعها إليهم وعليهم حسابهم) أخرجه في سننه: 4/ 115، في باب الاختيار في دفعها إلى الوالي، من كتاب الزكاة، برقم (7172).
الجزء: 3 - الصفحة: 1119
فضاعت لم يكن عليه شيء؛ لأنه وكيل له.
ولو قدمها قبل وجوبها فضاعت عنده، أو عند الإمام، لم يجزئه.
ولو أسلمها إلى الفقيرِ فضاعت عنده قبل يوم الفطر لأجزأه.
تمَّ كتابُ الزكاة الثاني بحمد الله وحسن عونه
وصلى الله على محمد نبيه وعبده 655.
الجزء: 3 - الصفحة: 1120