التبصرة للخميكتاب الرجم
أهل الأثرالأرشيف العلمي

النسخ المقابل عليها 1 - (ف) = نسخة فرنسا رقم (1071) 2 - (ق 6) = نسخة القرويين رقم (368) 3 - (ق 7) = نسخة القرويين رقم (367)

الجزء: 13 - الصفحة: 6157

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا

كتاب الرجم

حرم الله عز وجل الزنى في غير موضع من كتابه

، وثبتت الأخبار عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بمثل ذلك، وأجمعت الأمة على تحريمه، وأوجب الله سبحانه على الزاني الحد وهو 1 الجلد إن كان بكرًا، والرجم إن كان ثيبًا 2، فقال سبحانه: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: 2]، ورجم النبي - صلى الله عليه وسلم - ماعزًا والغامدية 3. وقال في الحديث الآخر: "لأَقْضِيَنَّ بَيْنكُمَا بِكِتَابِ الله"، ثم قال: "اغْدُ يَا أُنَيْسُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنِ اعترَفَتْ فَارْجُمْهَا، فَاعْتَرَفَتْ فَرَجَمَهَا" 4، وقال: "لاَ يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بإحدى ثَلاَثٍ: كُفْرٍ بَعْدَ إِيَمانٍ، أَوْ زِنًا بَعْدَ إِحْصَانٍ، أَوْ

الجزء: 13 - الصفحة: 6159

قَتْلِ نَفْسٍ بِغَيْرِ نَفْسٍ" (1)، ولا خلاف أن حد البكر الجلد دون الرجم، وأن حد الثيب الرجم (2).

فصل [شروط وجوب الحد على الزاني]

يجب الحد على الزاني 7 بثمانية شروط: أن يكون 8 بالغًا عاقلًا 9 مسلمًا، أصاب آدمية، حية، وهي في سن من تطيق الرجال، طائعًا عالمًا بتحريم ذلك، فهذه جملة متفق عليها.
واختلف في حد من شارف البلوغ ولم يبلغ، وفي حد النصراني 10، وفي حد من أصاب صغيرة وهي في سن من لا تطيق الرجال، أو كانت ميتة أو بهيمة، أو كان مكرهًا أو جاهلًا بتحريم الزنى، فقال مالك في المدونة 11 فيمن لم يحتلم: يحد إذا أنبت، واستحب ابن القاسم ألا يحد وإن أنبت حتى يحتلم 12، وهذا لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلاَثٍ: عَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ.." الحديث 13، والأول56

الجزء: 13 - الصفحة: 6160

لظاهر 14 حديث بني قريظة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل من ينظر إلى الذرية إلى مؤتزرهم 15، فمن أنبت أجرى عليه حكم الرجال، والإنبات لا يقطع فيه بالاحتلام، فأمره متردد بين هل احتلم أم لا؟ وقال في حديث آخر ينظر إلى 16 من جرت عليه الواسي 17. وهذا لا يختلف فيه؛ لأن المواسي لا تكون إلا بعد طول، وقال في المدونة: إذا زنى الرجل 18 بصغيرة يحد إذا كان مثلها يوطأ 19، يقول: إذا عنف على صغيرة لا يصاب مثلها لم يحد.
وفي مدونة أشهب مثل ذلك، أنه لا يحد إذا زنى بصغيرة لا يجامع مثلها 20، وقال 21 ابن عبد الحكم في الحاوي: لا يكون محصنًا حتى يتزوج من تطيق الوطء، فإن كان مثلها يطيق الوطء فعليه الرجم.
وقال ابن القاسم: يحد وإن كانت بنت خمس سنين.
= الحدود، برقم (4398)، والنسائي: 6/ 156، في باب من لا يقع طلاقه من الأزواج، من كتاب الطلاق، برقم (3432)، وابن ماجه: 1/ 658، في باب طلاق المعتوه والصغير والنائم، من كتاب الطلاق، برقم (2041)، والحديث صحيح.

الجزء: 13 - الصفحة: 6161

وقال في كتاب الرضاع: إذا زنى بميتة حدّ 22، وقال ابن شعبان: لا يحد 23. والأول أحسن؛ لأنه زنا بآدمية محرمة الوطء 24 يجد منها اللذة، ولا خلاف أنه لا صداق لها 25، وإن زنا بنائمة حُدَّ وكان 26 لها الصداق.
وقال ابن القاسم لا حد على من أتى بهيمة 27، وفي كتاب ابن شعبان: عليه الحد.
والأول أحسن؛ لأن القرآن إنما نزل في الآدميات، ولا يقاس عليهن إلا ما كان في معناهن أو أعلى رتبة.
وقال مالك وابن القاسم في النصراني يزني 28: لا حد عليه، وُيرَدُّ إلى أهل دينه 29. ويعاقب على ذلك إذا أعلنه.
وقال المغيرة في المبسوط: يحد حد البكر بكرًا كان أو ثيبًا.
وقول مالك 30 أحسن، وإنما تقام الحدود في فروع الإسلام لمن تقدم منه الإسلام، وإذا كان لم يقم عليه حكم الكفر 31 ولم يلزم بالإسلام- لم تقم 32 عليه فروعه، وإنما كان حكمه - صلى الله عليه وسلم - بين اليهوديين بما في التوراة ليس

الجزء: 13 - الصفحة: 6162

بكتابنا 33؛ لأنهما رضيا بذلك وحكَّماه في أنفسهما 34، إلا ما كان بابه الذب عن المسلمين كالحرابة والسرقة وما أشبه ذلك.
فأما الزنى وشرب الخمر 35 فإنه يتعلق بحق الله سبحانه، فلم يؤاخذوا به، لقول الله -عز وجل-: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ...﴾ ثم قال: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: 29] فأباح أخذ الجزية، وأن يبقوا على ما هم عليه، أنهم لا يحرمون ما حرم الله ورسوله، والزنى منه، ولو ألزم الحد في الزنى لألزم الصلاة والزكاة، وفي الإجماع على سقوط ذلك عنهم دليل على فساد القول بحدهم.
وإن استكرهت امرأة على الزنى لم تحد، وإن كانت هي التي 36 استكرهت رجلًا على نفسها 37 حدت، واختلف في حده 38. وإن استكرها جميعًا لم تحد هي، واختلف في حده 39 وقد احتج من أوجب حده بأن قال: إن الإكراه لا يصح؛ لأنه لا ينعظ ويصيب إلا 40 وهو مريد 41، وهذا غير صحيح، وقد يريد

الجزء: 13 - الصفحة: 6163

الرجل شرب الخمر ويعف 42 عنها خوفًا من الله سبحانه، ولا يفعل ذلك 43، فإذا أكره على 44 شربها متلذذًا بها فليس ذلك مما يرفع حكم الإكراه ويهوى المرأة وتمكنه المرأة منها ولا يفعل ذلك خشية من الله تعالى فإذا أكره فعل ذلك لأجل الإكراه، فإن كان في الإكراه لا يجوز له ذلك ابتداءً؛ لأن الإكراه يتعلق به حق الله سبحانه 45 وحق المرأة، فهو يمنع 46 من ذلك لحق المرأة، فإن قال المكره: إن لم تفعل وإلا 47 قتلتك رضي بقتله 48 ولم يفعل 49، فإن هو فعل كان آثمًا في حقها، ولها الصداق، ولا يحد؛ لأنه في حق الله -عز وجل- مكره، ولو استكرهته هي فإن لم يفعل قتلته 50 جاز ذلك له 51؛ لأنها إذا 52 أباحت نفسها وانفرد 53 الإكراه لحق الله سبحانه، فجاز له 54 فعل ذلك على الأصل في الإكراه على ما كان من حقوق 55 الله

الجزء: 13 - الصفحة: 6164

سبحانه 56، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي خَطَؤهَا وَنِسْيَانُهَا وَمَا اسْتكْرِهُوا عَلَيْهِ" 57. واختلف إذا كان أعجميًّا أو حديث عهد بالإسلام 58 ولا يعرف تحريم الزنى، فقال في كتاب محمد 59: يحد.
وقال أصبغ: لا حد عليه 60. والأول أشهر، والثاني أقيس؛ لأن الحدود إنما تقام على من قصد مخالفة النهي، وهي عقوبة للمخالفة 61. وقد اختلف فيمن أسلم بأرض الحرب، ثم خرج إلى أرض الإسلام، فقال سحنون: لا قضاء عليه فيما ترك من الصلاة قبل خروجه إذا كان غير عالم بفرض الصلاة 62.

الجزء: 13 - الصفحة: 6165

وإذا سقط عنه الخطاب بالصلاة 63 سقط عنه 64 الخطاب بموجب 65 الزنى.
وإذا زنى صبي بامرأة بالغ لم يحدا 66 وعوقبا، فإن 67 زنا بالغ 68 بصبية لم تبلغ حد الرجل وعوقبت الصبية 69. وإن زنى مجنون بعاقلة أو عاقل بمجنونة، حد العاقل منهما، وعوقب المجنون إذا لم يكن مطبقًا، وكان في حالة يرده الزجر والأدب، وإن زنى مسلم بنصرانية أو نصراني بمسلمة حد المسلم منهما.
واختلف في الرجل 70 النصراني على ثلاثة أقوال: فقيل: يعاقب.
وقيل: يحد.
وقال ربيعة: ذلك نقض للعهد 71. وقد مضى ذلك في كتاب النكاح الثالث 72. وإن زنى مسلم بحربية في أرض الإسلام، حد.
= القضاء لأنه مخاطب ترك الصلاة عمدًا، أو لا يلزمه لأنه بموضع لا يمكنه تعلم الشريعة فيه فصار كالمغلوب على الترك بإغماء أو غيره؟ فقال سحنون: عليه القضاء.

الجزء: 13 - الصفحة: 6166

واختلف إذا زنى بها في أرض الحرب، فقال ابن القاسم: يحد (1). وقال عبد الملك بن الماجشون في كتاب محمد: لا حد عليه.
وهو أقيس؛ لأن له أن يأخذ الرقبة ويتملكها (2) وينتفع بذلك منها، فإن (3) لم يقدر إلا على أخذ تلك المنافع منها أخذها.
واختلف إذا زنى بجارية من المغنم هل يحد أم لا؟ وذلك راجع إلى هل (4) هي مملوكة بنفس الغنيمة، فيكون له فيها شرك، أم لا؟ وقد تقدم ذكر ذلك في كتاب العتق الثاني (5).

فصل [في كشف الشهود عن الشهادة في الزنى]

ومن المدونة قال مالك في الشهود على الزنى: ينبغي للإمام أن يسألهم عن شهادتهم 78، قال ابن القاسم: كيف رأوه، وكيف صنع؟ فإن كان في ذلك ما يدرأ 79 به الحد درأه 80. قال محمد: فإن غابوا قبل أن يسألهم غيبة بعيدة أو ماتوا بعد الشهادة أقام 81 الحد على المشهود عليه 82. يريدة إذا كانوا من أهل العلم بما يوجب7374757677

الجزء: 13 - الصفحة: 6167

الحد؛ لأنهم قد يرونه عليها فيشهدون بالزنى، وذلك لا يوجب الحد إلا بمعاينة الفرج في الفرج.
وقيل لابن القاسم في كتاب القذف: إذا أقر على نفسه بالزنى هل يكشف كما 83 تكشف البينة؟ فقال: الذي جاء في الحديث أنه قال: "أَبِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةِ" ولم يسأله 84. قال الشيخ -رحمه الله-: أرى أن يكشف 85 كما تكشف البينة إذا أشكل أمره هل يجهل شيئًا من ذلك؟ وفي البخاري في حديث ماعز أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كشفه، وسأله بالنون والكاف لا يكني 86. وإذا شهدت البينة بالزنى ولا يعلم هل هو ثيب أم لا، فقال: أنا بكر- صُدِّق؛ لأن الأصل البكارة وعدم الزوجية حتى يعلم أنه تزوج.
قال محمد: وقد قيل: لا يسأله الإمام حتى يسأل عنه فإن وجد علمًا وإلا سأله وإن لم يعلم هل هو حر أو عبد سأله.
وقال محمد: إن زنى فقال: أنا عبد فإن كان محصنًا، لم يصدق ورجم؛ لأنه يتهم أن يؤثر الرق على القتل، وإن كان بكرًا لم يقم عليه إلا حد العبد، وكذلك لو افترى أو سرق 87 أو شرب خمرًا؛ لأنه لا يتهم أن يرق نفسه ليوضع عنه ما

الجزء: 13 - الصفحة: 6168

بين الحدين (1). قال الشيخ - رضي الله عنه -: أما إذا لم يكن طارئًا لم يعجل برجمه إن كان ثيبًا، ولم يصدق إن كان بكرًا، ويكلف بيان ذلك وأنه مملوك (2)، فإن تبين صدقه، حُمِلَ على أحكام العبد (3)، وإن تبين كذبه، حُمِلَ على أحكام الحر، وإن كان طارئًا، والبلد الذي قدم منه قريب فكذلك، وإن كان بعيدًا أو قام (4) له دليل من تغير لون أو عجمة لسان، لم تقم عليه أحكام الحر وإن لم يكن (5) دليل، فقال: يودع في السجن حتى يكتب ليأتي ببينة (6) فإن ثبت (7) أنه عبد لم يرجم.
وعلى هذا يجري الجواب إذا شهد عليه بالزنى، فقال: هو يهودي أو نصراني، فإن كان مقيمًا كشف عن ذلك، وإن كان طارئًا بغير البلد، سُجِنَ وكتب في الكشف عنه، فإن لم يأت بشيء- أقيم عليه الحد؛ لأنه يتهم أن يظهر ذلك، وليس هو كذلك في الباطن، ليسقط عنه الحد، والتهمة فيه أبين منها في العبد.

فصل [فيمن شهدوا على رجل بالزنى فرجمه الإمام ثم رجعوا عن شهادتهم]

وإن شهد أربعة بالزنى، واثنان بالإحصان، فرجم، ثم رجع جميعهم عن88899091929394

الجزء: 13 - الصفحة: 6169

الشهادة- حُدَّ شهود الزنى دون شهود الإحصان.
واختلف في الدية على ثلاثة أقوال: فقال ابن القاسم: الدية على شهود الزنى ولا شيء على شاهدي الإحصان رجعا بانفرادهما أو رجع معهما شهود الزنى 95. قال محمد: وقال أشهب وعبد الملك: الدية عليهم أسداسًا 96. قال محمد: وقد سمعت من يقول: نصف الدية على الأربعة، ونصفها على الذين شهدا بالإحصان 97 رجعوا جملة أو مفترقين ومن 98 رجع منهم كان على هذا الحساب.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: أما إذا رجع جميعهم فالقول: إن الدية أسداس أحسن 99؛ لأن جميعهم تمالأ على قتله وإن رجع إحدى الطائفتين- كان عليهم جميع الدية؛ لأنهم هم الذين قتلوه دون الآخرين، فإن رجع شهود الزنى قيل لهم: أنتم قتلتموه؛ لأن الآخرين إنما شهدوا بتزويج 100 فإن رجع شهود الإحصان أو رجع واحد منهم، قيل لهم: أنتم قتلتموه؛ لأنَّ الآخرين إنما شهدوا بما يوجب الجلد لولا شهادتكم.

الجزء: 13 - الصفحة: 6170

باب في الإحصان

وقال ابن القاسم في رجل 101 تزوج امرأة، وتقادم مكثه معها بعد الدخول، فيشهد عليه بالزنى، فقال: ما جامعتها: إنه إذا لم يعلم أنه جامعها بولد يظهر أو بإقرار أو بأمر يسمع- لم يرجم 102. وقوله في كتاب النكاح الثالث غير هذا 103. والإحصان يصح: بالتزويج الصحيح والإصابة وأن تكون الإصابة بوجه جائز، لا حائضًا ولا صائمةً ولا محرمةً وأن يكون في حين 104 الإصابة بالغًا عاقلًا حُرًّا مسلمًا فهذه جملة متفق عليها 105. واختلف في بعضها.
ولا 106 يكون محصنًا بنفس العقد ولا بالدخول إذا كان العقد فاسدًا مما يفسخ بعد الدخول، وإن كان مما يثبت بعد الدخول- كان به محصنًا؛ لأنه يفوت بأول الملاقاة وما بعد ذلك يحصن به.
واختلف إذا كان العقد صحيحًا والإصابة فاسدة حسب ما تقدم، فقال ابن القاسم: لا يحصن ولا يحل، وقال عبد الملك ابن الماجشون: يحصن ويحل، وقال المغيرة وابن دينار: يحصن ولا يحل 107. وهذا ضعيف، ولو قيل: إنه يحل

الجزء: 13 - الصفحة: 6171

ولا يحصن، لكان أشبه 108 لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "ادْرَؤُوا الحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ" 109. وهذا وطء فيه وصم، وينبغي ألا يحد به، وليس يحتاط لإقامة الحد فيرجم بما لا يحل به.
ثم هما في الإصابة على خمسة أوجه: إما أن يتصادقا عليها، أو على نفيها، أو يختلفا فيدعي أحدهما ذلك وينكر الآخر أو يدعيها أحدهما أو ينكر عند غيبة الآخر أو موته أو يؤخذ أحدهما في زنى قبل أن يعلم منه إقرار بالإصابة أو إنكار.
فإن تصادقا على الإصابة، ثم أخذ أحدهما في زنى- رُجِمَ، ولم يقبل منه بعد ذلك إنكار، وإن تصادقا على نفي الإصابة حُدَّ حَدَّ البكر، وإن اختلفا حُدَّ المنكر حَدَّ البكرِ.
واختلف في مدعي الإصابة، فقيل: يحد حد البكر.
وقيل: حد الثيب، إلا أن يرجع عما كان أقر به، فإن كان الزوج هو المدعي للإصابة، ثم قال الآن: كنت قلت ذلك لأملك الرجعة، أو كانت الزوجة المدعية للإصابة 110 وقالت: كنت قلت ذلك لأستكمل الصداق، أو غير ذلك من العذر، حلف وحُدَّ حَدَّ البكر.
وهذا أحسن، أنه 111 يقام عليه حد الثيب حتى يرجع عن قوله، ولا يسقط عنه ذلك قبل رجوعه.

الجزء: 13 - الصفحة: 6172

واختلف أيضًا إذا أخذ أحدهما في زنى قبل أن يسمع منه إقرار أو إنكار على ثلاثة أقوال: فقال عبد الملك بن الماجشون في كتاب محمد: لا يقبل قول من أنكر منهما، والرجم قائم، ولو لم يقم معها إلا ليلة واحدة 112، وقال محمد: هو قول أصحابنا وهو قول ابن القاسم 113، وقد تقدم قول ابن القاسم: إن القول قول الزوج إن أخذ في زنى، وإن طال مكثه معها إلا أن يعلم غير ذلك، لظهور حمل أو بإقرار أو بسماع.
وقال في كتاب النكاح الثالث: إذا أخذت المرأة في زنى، وكانت أقامت عشرين سنة، لم يقبل قولها 114، وهذا خلاف 115 قوله الأول.
وذهب بعض أهل العلم إلى التفرقة بين السؤالين، فقال: إنما صدق الزوج؛ لأنه يكتم ذلك من نفسه وهذا ضعيف لوجوه: أحدها: أنه قال: "حتى يعلم بولد يظهر" وهذا يتساويان فيه، فإذا لم يظهر منها قُبِلَ قولها كما قبل قوله 116. والثاني: أنه إذا كتم ذلك لم تكتمه الزوجة، وإذا كان عنده عدم ذكرها دليلًا على أنه كان يصيب فمثله إذا كان هو الزاني ولم يعلم منها 117 إنكار؛ لأن سكوتها دليل عليها وعليه، وإنكارها شاهد لهما.

الجزء: 13 - الصفحة: 6173

والثالث قوله: "أو بأمر يسمع" والسماع عن 118 ذلك يعلم من الرجال والنساء والجيران والأقارب، وهما في ذلك سواء، وأرى إذا طال مكثه أن يحمل على الإصابة، إلا أن يكون هناك سماع بعجز أو اعتراض ولا يحملان على ذلك في مبيت ليلة، لإمكان 119 أن يكون كان أمر منع من الإصابة، وقد اتفقوا على أن من غصب امرأة فبات بها ليلة، ثم أصبح وقال: لم أصب- أنه لا 120 يقام عليه حد الزنى، ولم يحمل على أنه أصاب، ويلزم على القول الأول أن يقام عليه الحد؛ لأن كل ذلك من باب القضاء بالدليل، بل هو في الغاصب أولى، ولأن من بلغ من فضيحة نفسه وفضيحة المرأة وغلبة 121 الشهوة بمثل ذلك أقوى دليلًا ممن أتى ذلك على الوجه الآخر.
وإذا غاب أحدهما أو مات قبل أن يسمع منه إقرار ولا إنكار، ثم أخذ الآخر يزني 122 كان الجواب فيه 123 على ما تقدم لو 124 كان حاضرًا، ولم يسمع منه شيء.
وأما حالة الزوجين، فإن كان الزوج وحده 125 غير بالغ- لم يكن إحصانًا لواحد 126 منهما، فإن كانت هي غير بالغة وحدها كان إحصانًا له دونها، وإن

الجزء: 13 - الصفحة: 6174

كان أحدهما عبدًا- كان إحصانًا للحر منهما، الزوج كان أو الزوجة.
وإن كان أحدهما مجنونًا- كان إحصانًا للعاقل منهما 127 خاصة، وهذا قول مالك وابن القاسم 128. وذهب أشهب إلى أن المراعى الزوج فإن كان عاقلًا كان إحصانًا له ولها إذا زنت هي في إفاقتها، وإن كان مجنونًا لم يكن إحصانًا له ولا لها 129. وقال عبد الملك: إذا صح العقد منهما أو ممن يلي عليهما 130 - كان إحصانًا لهما ولو كانا مجنونين في حال 131 البناء إذا كان الزنى في حال الصحة 132. والقول الأول أحسن أنه يراعى العاقل منهما في نفسه وألا يكون أحدهما محصنًا بما يكون من الإصابة في حال الجنون 133؛ لأنه كالعدم.
وإن كان الزوج مسلمًا وهي نصرانية- كان إحصانًا له دونها 134، وإن كانت مسلمة وهو نصراني لم يكن إحصانًا لها؛ لأنه إن كان نكاحه وهي مسلمة، كان فاسدًا، وإن كان وهي نصرانية- لم تحتسب هي بذلك؛ لأنها حينئذ غير مخاطبة بفروع الإسلام 135.

الجزء: 13 - الصفحة: 6175

باب في حد البكر وصفته

حد الزاني البكر ثلاثة: فحد الرجل الحر جلد مائة وتغريب عام.
وحد المرأة الحرة 136 جلد مائة بغير تغريب.
وحد العبد خمسون جلدة بغير تغريب، وكذلك الأمة هما في ذلك سواء، وكذلك كل من فيه عقد حرية لم تتم، كالمدبر والمكاتب وأم الولد والمعتق بعضه والمعتق إلى أجل- حَدُّهُم حَدُّ من لا عقد له في الحرية.
فأما الحران فالأصل فيهما قول الله -عز وجل-: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: 2] وفي تغريب الرجل قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لأَقْضِيَنَّ بَيْنكُمَا بِكِتَابِ الله.." فجَلَدَ الرجل مائة وغربه عامًا... الحديث 137. وفي هذا الحديث دليل عَلى أن التغريب فرض وأنه بعض الحد 138، لقوله "لأَقْضَينَّ بَيْنكُمَا بِكِتَابِ الله" 139 أي بفرض الله سبحانه، قال الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: 183] أي فرض عليكم 140، وهذا يَرُدُّ على من قال: إن التغريب غير واجب، وأن بابه باب التعزير 141 فإن رأى ذلك الإمام فعله.

الجزء: 13 - الصفحة: 6176

وأما النساء فقال مالك في كتاب محمد: لا تغريب عليهن 142، للحديث: "لاَ تُسَافِرُ المَرْأَةُ إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ" 143، والضيعة تصيبها.
وقال القاضي أبو محمد عبد الوهاب: ولأن تغريب الرجل عقوبة له؛ لينقطع عن أهله وولده ومعاشه 144، وتلحق الذلة بنفيه إلى غير بلده، والمرأة محتاجة إلى الحفظ والصيانة، فكان في تغريبها هتك لحرمتها 145. وفي كتاب محمد عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه غرب امرأة إلى مصر 146. وفي الموطأ: أنه غرب عبدًا 147. وفي كتاب مسلم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "البِكْرُ بِالبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ" 148. فجعل على المرأة النفي ولا وجه للاعتراض بالولي فإن كانت العلة في ترك النفي عدم الولي فتنفى إذا كان لها ولي أو تسافر مع جماعة رجال ونساء كما تعمل 149 في خروجها إلى الحج، فإن عدم جميع ذلك سجنت في موضعها عامًا؛ لأن العقوبة بشيئين: تغريب وسجن، فإذا تعذر التغريب لم يسقط السجن، وقد يقال: في سقوط التغريب عن العبد إن

الجزء: 13 - الصفحة: 6177

التغريب (1) عقوبة على (2) الإنسان عن وطنه، والعبد لا وطن له، وشأنه البيع من بلد إلى بلد، ويسجن في موضعه.

فصل [في هيئة ضرب الحدود]

الجلد بالسوط لا بالدرة ويكون سوطًا بين السوطين لا جديدًا ولا باليًا.
وفي الموطأ عن زيد بن أسلم "أَنَّ رَجُلًا اعْتَرَفَ بِالزِّنَى عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَدَعَا رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بِسَوْطٍ فَأُتِيَ بِسَوْطٍ مَكْسُورٍ، فَقَالَ: فَوْقَ هَذَا.
فَأُتِيَ بِسَوْطٍ جَدِيدٍ لَمْ تُقْطَعْ ثمَرَتُهُ، فَقَالَ: دُونَ هَذَا، بينَ هَذَيْنِ، فَأُتِيَ بِسَوْطٍ قَدْ رُكِبَ بِهِ وَلاَنَ، فَأَمَرَ بِهِ فَجُلِدَ" 152. ويتولى الضرب رجل بين الرجلين لا بالشديد ولا بالضعيف، ويضرب ضربًا بين الضربين لا بغاية قوة ولا بأقلها، ويخص بالضرب الظهر.

وقال ابن القاسم: حد الزنى وشرب الخمر والفرية على الظهر ولا يعرف مالك الأعضاء 153. وقال ابن شعبان: لا يكون الجلد في الحدود إلا عدلًا.
ولمالك في المبسوط مثله.
ولا يضع سوطًا فوق سوط ويعطى كل عضو حقه من الجلد إلا الوجه والفرج.150151

الجزء: 13 - الصفحة: 6178

والأول أحسن، لحديث هلال بن أمية حين 154 قذف زوجته بشريك بن سحماء، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أَرْبَعَة وَإِلَّا حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ" أخرجه البخاري ومسلم 155. ويجرد ظهر الرجل ويقعد ولا يقام ولا يمد.
والمرأة كذلك تقعد ولا تقام ولا تمد، ولا تجرد، ويترك عليها من الثياب ما يسترها ولا يقيها الضرب، وتقعد في قفة، ويجعل فيها تراب وماء فإن حدث منها ماءٌ، خفي أن يكون حدثًا 156. ويجرد الرجل في شرب الخمر، قال ابن القاسم في كتاب محمد: ويجرد في العقوبات إذا بلغت تلك 157 عقوبته، ومن العقوبات ما يكون ذنبه خفيفًا 158 فيعاقب على ثيابه، وفوق رأسه، وربما كان بالحبس 159.

الجزء: 13 - الصفحة: 6179

باب في صفة الرجم

ويرجم الثيب بالحجارة، قال محمد: ترجم بالحجارة التي ترمى بمثلها، وأما الصخور العظام فلا يستطاع الرمي بتلك 160. قال الشيخ - رضي الله عنه -: ولا يرمى بالصخور وإن كانت مما يستطاع الرمي بها؛ لأنها تشوه به 161، وإنما الرمي بالحجارة، ولا تكون صغارًا مما تؤدي للعذاب ولا تجمر، ولا يختص الظَّهْرُ بالرجمِ، ويختص به 162 المواضع التي هي مقاتل 163: الظهر وغيره، ومن السرة إلى ما فوق، ويجتنب الوجه، ولا يضرب في رجليه إذا لم يحفر له ولا في ساقيه ولا يديه؛ لأن ذلك تعذيب، وليس ذلك 164 بمقتل، ويجرد أعلى الرجل، ولا تجرد المرأة.
واختلف في الحفر، فقال مالك في المدونة: لا يحفر له، واستشهد بالحديث: فرأيت الرجل يحني على المرأة يقيها الحجارة 165، فلو كان في حفرة ما حنى عليها 166. قال: ولا يربط 167.

الجزء: 13 - الصفحة: 6180

وقال مالك 168 في كتاب محمد: لا يحفر للمرجوم ولا للمرجومة 169. وقال أشهب: وإن حفر له فأحب إليَّ أن تُخَلَّى يداه، وإن لم يحفر له لم أر به بأسًا، قال: والأحسن عندي ألا يحفر له 170. فرأى ذلك واسعًا واستحب ألا يحفر.
وقال ابن وهب: يفعل الإمام من ذلك ما أحب.
وقال أصبغ في كتاب ابن مزين: أستحب الحفر وترسل 171 يداه يتقي 172 بهما عن وجهه.
وكذلك اللص والمحارب إذا صلب 173 حيًا ليطعن ترسل يداه، وقال ابن شعبان قال بعض أصحابنا: لا يحفر للمقر؛ لأنه إن هرب ترك، ويحفر للمشهود عليه؛ لأنه إن هرب لم يترك.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: قول ابن وهب في ذلك حسن؛ أن للإمام أن يفعل من ذلك ما أحب، لما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه رجم ماعزًا ولم يحفر له وحفر للغامدية وكانت اعترفت بالزنى، فأخرج مسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بها فحفر لها إلى صدرها ثم رجمت 174. وفي حديث آخر أنه شكت عليها ثيابها 175. يريد: ستر ما ظهر عن الحفرة.
وقيل لابن القاسم: هل يَبدَأُ الإمامُ بالرجمِ

الجزء: 13 - الصفحة: 6181

إذا كان إقرار أو حمل، أو إذا كانت بينة فبالشهود؟ فقال: الرجم حد مثل القتل والقطع- يأمر بذلك الإمام 176. قال الشيخ -رحمه الله-: لو فعل ذلك، وقدم إلى البينة أنهم يبتدئون بالرجم وبإراقة دمه لكان حسنًا؛ لأن ذلك يؤدي إلى التثبت في الشهادة، وأدائها على حقيقتها.
وأما الإقرار فإنما يحتاج فيه إلى 177 أن يبدأ الإمام على مذهب عبد الملك وسحنون، أنه إذا اعترف عند الحاكم ثم رجع عن إقراره أنه يأخذه بعلمه.
وأما على قول مالك وابن القاسم فلا؛ لأنه إن كان متماديًا على إقراره لم يحتج إلى بداءة 178 الإمام، فإن رجع لم يؤخذ إلا بالبينة أنه كان أقر بشهادة اثنين أو أربعة على الاختلاف في ذلك، وإذا عاد الأمر إلى الشهادة استحب بداءة البينة، وتصح بداءة الإمام في الحمل؛ لأنها مسألة اختلاف: إذا ادعت أن ذلك كان بوجه شبهة فلم تصدق، فيبتدئ الإمام الذي يقلد ألا تصدق 179، ولم يخف في اجتهاده ذلك، وكل هذا استحباب.
وقال ابن القاسم في الإمام يدعو إنسانًا إلى الرجم أو القطع: إنه 180 إذا كان الإمام عدلًا فليقطعه 181، ولا يكشف عن صحة ذلك، قال: ألا ترى أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وعمر بن عبد العزيز لو قالا اقطع يد هذا فإنا قضينا عليه

الجزء: 13 - الصفحة: 6182

بالسرقة لكان يسعه 182 أن يفعل، وإن كان الإمام غير عدل لم يقطعه إلا أن يتضح له أنه حكم بحق 183. ومن المدونة 184 قال ابن القاسم فيمن قذف رجلًا فأراد أن يقيم عليه البينة بذلك، فمات المقذوف قبل أن يقيم البينة: إن لورثته أن يقيموا عليه البينة، ويضرب الحد 185. قال الشيخ - رضي الله عنه -: إذا كان القيام على القاذف بقرب قذفه أقيم عليه الحد، سواء قام بذلك المقذوف أو ورثته ولا يمين على واحد منهم في ذلك، وكذلك إذا أشهد المقذوف أنه على حقه في ذلك ليقوم به متى أحب، كان 186 له ولورثته القيام في ذلك وإن طالت المدة، ولا يمين في ذلك على واحد منهم، فإن طالت المدة 187 ولم يتقدم إشهاد، افترق الجواب، فيكون للمقذوف نفسه القيام بعد يمينه أنه لم يسكت تلك المدة على الترك، وأن ذلك كان 188 منه على أن يقوم إن أحب، ولا قيام لورثته، وهم في ذلك بخلاف ديون ميتهم؛ لأن شأن الديون ألا تترك، والأعراض كثير من الناس لا يطلبها، ولا يستحسن ذكرها، ولا يحب أن يتحدث عنه أنه شُتِمَ، فإذا لم يذكر ذلك حتى مات حمل فيه على العادة الجارية من كثير من الناس.

الجزء: 13 - الصفحة: 6183

وقال أشهب: لورثته أن يقوموا وإن طالت المدة 189، وهذا يصح على القول إن ذلك حق لله سبحانه فلا يسقط بطول المدة.
وقال مالك فيمن قال لرجل: يا ابن الزانية، وفي أمهاته من جداته مِنْ قِبَلِ أُمِّهِ امرأة زنت، وقال: إنما أردت جدتك التي زنت، قال: إن كان ذلك أمرًا معروفًا أُحلف ما أراد غيرها، ولا حد عليه، وعليه العقوبة 190. قال الشيخ - رضي الله عنه -: وكذلك لو كانت الجدة مِنْ قِبَلِ أبيه لَقُبِلَ قوله أنه أرادها.
ومثله لو قال: يا ابن الزاني، وفي أجداده من غير أبيه أو أمه من قد زنى، وقال: ذلك أردت، أو قال: يا أبا الزاني، وفي ولد ولده أو ولد ابنته من قد زنى، وقال: ذلك أردت، لَقُبِلَ قوله في ذلك كله، إذا حلف أنه ما أراد إلا ذلك؛ لأن كل ذلك أمومة وأبوة وبنوة، وكُلٌّ مما يقع به التعيير.

الجزء: 13 - الصفحة: 6184

باب في الرجوع عن الشهادة في الزنى والقتل والسرقة، وكيف إن وجد أحد البينة عبدًا أو نصرانيًا أو مولى عليه أو ولد زنا أو مسخوطًا؟ وهل على الشاهد أن يخبر بجرحة من شهد معه أو أنه عبد وإن وجد المشهود عليه مجبوبًا

191 وإذا شهد أربعة بالزنى ثم رجع جميعهم عن الشهادة 192، فإنه لا يخلو رجوعهم أن يكون: قبل الحكم، أو بعد الحكم وقبل إقامة الحد، أو بعد الحد من رجم أو جلد أو قطع.
فإن رجعوا قبل الحكم- لم يحكم.
واختلف إذا رجعوا بعد الحكم وقبل إقامة الحد 193 على ثلاثة أقوال: فقال ابن القاسم في كتاب محمد: يقام الحد فيرجم إن كان محصنًا ويغرمون الدية في 194 أموالهم.
وقال أيضًا: لا يرجم لحرمة القتل وكذلك في كل ما كان مثله من القطع وفيه العقل 195. واختلف فيه أيضًا قول أشهب 196 فقال: يرجم، وقال: لا يرجم، ويقام

الجزء: 13 - الصفحة: 6185

عليه أدنى الحدين 197. يريد: أنه يضرب مائة، ويغرب عامًا، ولا يقطع في سرقة ولا في قصاص، ويغرم العقل في القصاص.
وقال محمد: وإن كان غير محصن أقيم عليه الحد 198. قال الشيخ - رضي الله عنه -: والقول أنه لا يرجم أحسن؛ لأن رجوعهم شبهة ولا يدري 199 هل صدقوا فيما رجعوا عنه أم لا؟ وكذلك أرى إذا كان غير محصن أنه يعاقب، ولا يقام عليه الحد ويدرأ عنه اسم الحد.
وإن رجعوا بعد الحد كان المقال مع البينة في الدية والقصاص، وإن أقروا بالعمد حدوا قولًا واحدًا، واختلف في الدية والقصاص.
وإن أقروا بالخطأ كان الخلاف في الحد والدية، فقال ابن القاسم في المدونة: إذا رجعت البينة بعد الرجم يضمنون ديته 200. ولم يفرق بين عمد ولا خطأ.
وقال في كتاب محمد: عليهم الدية في العمد، ولا شيء عليهم في الخطأ 201. وقال أشهب: عليهم الدية في أموالهم في الخطأ والعمد 202. وقال في مدونته: إذا أقروا بالعمد حدوا ثم قتلوا.
وفي كتاب ابن سحنون مثل ذلك أنهم يحدون ثم يقتلون 203، وأما حدهم وعقوبتهم فقال ابن القاسم: يحدون إذا رجعوا 204، ولم

الجزء: 13 - الصفحة: 6186

يفرق بين عمد ولا خطأ.
وقال سحنون: إذا رجعت البينة وقد شهدوا بحق أو حد لله تعالى من زنى أو سرقة أو شرب خمر أو في حق للعباد من 205 قصاص أو غيره- لا شيء عليهم ولا عقوبة، اتهموا في شهادتهم أو رجعوا عنها لشك خالطهم 206. لأنه يخاف إذا رجعوا وعوقبوا 207 ألا يرجع أحد عن شهادة شهد فيها بباطل أو بشك 208 إذا أراد 209 التوبة.
وقال بعض أصحابنا: لو عوقب المتهم لكان لذلك أهلًا، وأما إذا أقروا بالزور فإنهم يحدون 210. وقول أشهب في إثبات الدية في الخطأ أحسن؛ لأن الله عز وجل إنما أوجب 211 الدية في الخطأ، ولا فرق في ذلك بين الشاهد وغيره، ولا تحملها العاقلة؛ لأنهم غير عدول، وإنما تحمل العاقلة 212 الاعتراف، إذا كان المعترف عدلًا ويقسم معه وقول سحنون في سقوط الحد صواب، وقد أبان الوجه في ذلك.
وأما العمد فالقول إنهم 213 يقتلون به أشبه؛ لأنهم كالجابرين 214 للإمام

الجزء: 13 - الصفحة: 6187

بشهادتهم فلا فرق بين أن (1) يلوا ذلك بأيديهم وبين ذلك (2). ويختلف إذا كان بكرًا، فضرب مائة وغرب عامًا، ثم اعترفت البينة بالعمد، هل يقتص منهم، فيضرب كل واحد منهم (3) خمسة وعشرين سوطًا مكان الضرب، أم لا؟ فعلى القول أن في العمد القصاص -القتل- (4) يضرب هؤلاء، قياسًا على القول أن في السوط (5) القصاص، ويزاد في عقوبتهم لمكان التغريب، إلا أن يكون رجوعهم قبل أن يغرب، ويضرب كل واحد منهم للقذف ثمانين؛ لأن للمقذوف حقين: حق من ناحية القذف، وحق من ناحية الضرب والقصاص (6).

فصل [فيما إذا رجع أحد الشهود عند شهادته]

وإن رجع أحد منهم قبل الحكم- لم يحكم، وحد جميعهم، وإن رجع بعد الرجم كان المقال فيما يغرمه وفي حده، وإن رجع بعد الحكم وقبل إقامة الحد- كان على الاختلاف 221 المتقدم، هل ينفذ الحكم أو يسقط؟ وألا يحكم أحسن.
وقال ابن القاسم في أربعة شهدوا على رجل بالزنى ثم رجع أحدهم بعد إقامة الحد: أرى أن يجلد الراجع وحده، ولا يجلد الثلاثة الذين بقوا 222.215216217218219220

الجزء: 13 - الصفحة: 6188

وقال في كتاب محمد: يجلد جميعهم، ثم رجع فقال: لا يجلد إلا الراجع وحده 223. وإن رجع بعد الحكم وقبل أن ينفذ- أقيم الحد على المشهود عليه وعلى الراجع، وعلى القول الآخر أنه لا ينفذ، وإن كانت شهادتهم بمال يحد ها هنا ويحد جميعهم.
واختلف قوله أيضًا في كتاب محمد إذا شهد خمسة فرجع واحد منهم بعد رجم المشهود عليه، فقال مرة: يحد هذا الراجع.
وقال مرة: لا يحد، ولم ير عليه غرم شيء من الدية 224. وأرى إذا قال: أخطأت أو تعمدت ولا علم عندي مما شهد به الآخرون؛ لأني لم أكن معهم- ألا شيء عليه من حد ولا دية.
وإن قال: شهادتنا واحدة، وقد أخطأنا جميعًا لو تعمدنا- كان الجواب على ما تقدم لو كان أربعة فرجع أحدهم، فإنه يحد إذا قال: تعمدنا.
واختلف في حَدِّهِ وفي عقوبته إذا قال: أخطأنا، ويغرم خمس الدية في الخطأ ويقتل 225 في العمد.
وقال ابن القاسم وأشهب في كتاب محمد: إذا رجع واحد من الخمسة لم يكن عليه شيء فإن رجع آخر كان عليه ربع الدية، ويشركه فيه 226 الأول، وإن رجع ثالث كان عليهم نصف الدية، وإن رجع رابع كان عليهم 227 ثلاثة أرباع

الجزء: 13 - الصفحة: 6189

الدية (1)؛ لأنَّ الباقي يقابله ربع دمه (2). قال الشيخ - رضي الله عنه - (3): ولا أرى على الذي رجع أولًا شيئًا إذا لم تكن شهادتهم في مجلس واحد.
وقال محمد: لو كانوا ستة فلما أخذ في رجمه رجع أحدهم بعد أن فقئت عينه وآخر بعد أن أوضح موضحة، ورجع الثالث بعد أن قتل كان على الأول سدس دية العين وعلى الثاني خمس دية الموضحة وسدس دية العين وعلى الثالث ربع دية النفس فقط؛ لأن القتل يأتي على ما قبل ذلك (4). ويلزم على قوله في الراجع أولًا أن عليه سدس دية العين أن يقول إذا رجع بعد القتل: عليه سدس دية النفس وإن لم يرجع أحد سواه.

فصل إذا شهد أربعة برجم المشهود عليه ثم علم أن أحدهم مسخوط

واختلف إذا شهد أربعة برجم المشهود عليه ثم علم أن أحدهم مسخوط هل يمضي الحكم أو ينقض؟ وتغرم البينة فقال أشهب وعبد الملك يمضي الحكم 232. وقال محمد: إذا كان القاضي غير الأول، وإن كان هو القاضي- نقضه ما لم يفت القطع والقتل والرجم 233، وإن وجد أحدهم عبدًا أو نصرانيًّا228229230231

الجزء: 13 - الصفحة: 6190

نقض الحكم 234. واختلف إذا كان مولى عليه أو ولد زنى فقال ابن القاسم 235 في المولى عليه: ينقض الحكم، وجَمَعَهُ مع العبد والذمي 236. وليس بالبين، وأن يمضي الحكم أحسن إذا كان عدلًا، للاختلاف في جواز شهادته، وقد أجازها مالك في كتاب محمد، قال: وإن كان أحدهم ولد زنى نقض الحكم 237؛ لأن كونه ولد زنى من باب القطع، فأشبه لو تبين أن أحدهما عبد.
وفي كتاب ابن حبيب أنه يمضى 238 ولا ينقض؛ لأنه عدل وإنما تعترض شهادتهم من باب التهمة فأشبه المسخوط.
واختلف إذا تبين أن أحدهم عبد بعد ما رجم المشهود عليه، فقال ابن القاسم: إن لم يعلموا أنه عبد كان من خطأ الإمام، وهو على عاقلته 239، وإن علموا 240 أن الذي شهد معهم عبد كانت الدية عليهم ولا شيء على العبد في الوجهين جميعًا 241. وقال محمد بن سحنون: وقد قيل: لا شيء على الحاكم ولا على الشهود إذا

الجزء: 13 - الصفحة: 6191

لم يعلموا أن معهم 242 عبدًا أو ذميًا أو علموا وكانوا يجهلون رد 243 شهادتهم مع العبد وإن تعمدوا وهم عالمون أن معهم عبدًا وأن شهادتهم معه لا تجوز كانت عليهم الدية 244. يريد: 245 لأن الكشف في ذلك والنظر فيمن تجوز شهادته أو لا تجوز إنما هو للحاكم 246، فلا شيء عليهم إلا أن يعلموا بالوجهين جميعًا أنه عبد وأن شهادته 247 لا تجوز، فتكون الدية عليهم، وإن علم العبد وحده أن شهادته لا تجوز وجهل ذلك البينة، كانت الدية كلها 248 جناية في رقبته، وإن علم بذلك 249 جميعهم هو والبينة- كانت الدية عليهم أرباعًا، وهو قول أبي مصعب أن على العبد ربع الدية.
واختلف أيضًا إذا كانت الشهادة بقطع أو قتل، ثم تبين أن أحدهم عبد، فقال ابن القاسم في المدونة: إذا شهد شاهدان على رجل بقطع يد رجل 250 عمدًا، فاقتص من المشهود عليه، ثم تبين أن أحدهم عبد أو ممن 251 لا تجوز

الجزء: 13 - الصفحة: 6192

شهادته- أرى 252 ألا شيء على المقتص له 253. يريد: إذا لم يعلم الحر أن الذي معه عبد.
وقال محمد بن سحنون 254: إذا تبين أن أحدهم عبد أو ذمي أو مولى عليه فإنه إن حلف المحكوم له بالقصاص في اليد مع الشاهد الباقي أو حلف المقضي له بالقتل مع رجل من عصبته خمسين يمينًا -تم ما حكم به ونفذ، وإن نكل عن اليمين في اليد، ولم يعلم أن شاهده عبد، وكانت الحرية فيه الظاهرة، وحلف المقتص 255 منه في اليد أن ما شهد عليه 256 به الشاهد باطل ونكل المحكوم له بالقتل عن القسامة، فإن الأحكام تنقض حتى تصير كأنها لم تكن 257. وقال بعض أصحابنا: لا ضمان على الحاكم؛ لأنه لم يخطئ ولا ضمان على المحكوم له بالقصاص؛ لأنه أخذ ما أعطته البينة والحاكم 258 باجتهاده ولم يأخذ مالا يرده 259، وغرم ذلك على الشاهدين إذا كانا جهلا رد 260 شهادة العبد أو الذمي 261. وقال بعض أصحابنا: ذلك على عاقلة الإمام، وقيل إنه هدر، ولا شيء

الجزء: 13 - الصفحة: 6193

على الحاكم ولا على البينة ولا على المحكوم له، وإنما يلزم الإمام إذا أخطأ فقتل من لا يجوز قتله أو قطع من لا يجوز قطعه أو أجاز شهادة من لا تجوز شهادته مثل أن يجيز (1) شهادة العبد والذمي وهو يرى أن ذلك يجوز، فقال سحنون في الرجل يشهد عند القاضي وهو عدل ويشهد معه رجل غير عدل هل يجوز للشاهد العدل أن يخبر بجرحته (2)، وهو يعلم أنه شهد بحق؟ قال: لا يجوز له ذلك ولعله يرى حقًا وقف على الهلاك إن جرح (3). قال محمد: قال لي ذلك (4) غير مرة، ثم قال بعد ذلك: يخبر بجرحته (5). ألا ترى لو شهد معه عبد أو نصراني والقاضي به (6) جاهل أن على العدل أن يخبر به.

فصل [فيمن شهدوا على رجل بالزنى، فرجمه الإمام ثم أصابوه مجبوبًا هل يحدهم الإمام؟]

وقال ابن القاسم: إذا شهد أربعة على رجل بالزنى فرجم، ثم تبين أنه مجبوب كانت الدية عليهم في أموالهم مع الأدب الموجع والسجن الطويل ولا حد 268 عليهم؛ لأنه لا حد على من قال لمجبوب يا زاني 269. إلا أن يُجَبَّ بعد262263264265266267

الجزء: 13 - الصفحة: 6194

بلوغه، فيكون على قاذفه الحد 270. وقال أشهب في كتاب محمد: الدية على عاقلة الإمام إلا أن يقولوا: رأيناه يزني قَبْلَ أَن يُجَبَّ، فتكون شهادتهم ماضية، ولا حدّ عليهم بحال؛ لأنهم إن قالوا: رأيناه قَبْلَ أَن يُجَبَّ كانت شهادتهم ماضية، وإن قالوا بعد جبابه- لم يكن عليهم حدّ 271. قال الشيخ - رضي الله عنه - 272: العقوبة والسجن في ذلك صوابًا، وأما الدية فلا أراها على الشهود، ولا على الإمام؛ لأنه قاصر 273 على أن يظهر ذلك من نفسه، وذلك له 274 كالبينة العادلة ترد بها شهادة من شهد عليه.
وأما سقوط الحد إذا شهدوا عليه أنه زنى الآن وكان جبابه بعد البلوغ فصواب؛ لأنهم أتوا 275 على وجه الشهادة، ولا يحمل عليهم أنهم أرادوا غير ما شهدوا عليه به، ولو كان ذلك في القذف أو المشاتمة فقال للمجبوب: يا زاني- عليه الحد 276؛ لأنه يحمل قوله أن ذلك قبل جبابه، وكذلك إن قال له: زنيت وأنت مجبوب فإنه يحد عند ابن القاسم 277؛ لأنه يحمل عليه 278 أنه أراد ما كان

الجزء: 13 - الصفحة: 6195

قبل واستتر (1) بقوله: وأنت مجبوب، كالذي قال لامرأته: (2) زنيت وأنت نصرانية أو (3) زنيت وأنت صبية، وقد كان ذلك منها في حال الصبا والكفر أنه يحد، وحمل عليه أنه أراد غير ذلك وكنى عنه بقوله: وأنت صبية أو نصرانية.

فصل [في أربعة شهدوا على أربعة بالزنى، فقال لهم القاضي: صفوا لنا الزنى]

ومن المدونة 282 قال ابن القاسم في أربعة شهدوا على أربعة بالزنى، فقال لهم القاضي: صفوا لنا 283 الزنى، فوصفه ثلاثة منهم، وقال الرابع: رأيته بين فخذيها، فقال: يحد الثلاثة، ويعاقب الرابع 284، وقال غيره: لا عقوبة عليه.
وقال أشهب في مدونته: يحدّ الرابع؛ لأنه قال قبل ذلك: زنَى.
يريد: أنه كان لا 285 يجهل وجه الزنى، فيعد راجعًا، فإن كان ممن يجهل لم يحد.
قال: وإن أبوا أن يكشفوا 286 عن شهادتهم لم يحد المشهود عليه وحدوا حد الفرية.
وقال محمد: لو قال اثنان منهم رأيناه يطؤها، وشهد الآخران على الخلوة والملاصقة والنفس العالي -لَحُدَّ الشاهدان 287 وعوقب الرجل والمرأة، جلد279280281

الجزء: 13 - الصفحة: 6196

مائة أو نحوها.
وقال مالك في الرجل يوجد مع المرأة وبات معها في لحاف واحد 288 أنه يجلد نكالًا، قيل: له دون الحد؟ قال: على قدر ما يراه 289 الإمام وربما كان أكثر من الحد 290. وقال أصبغ في النصراني يزني بالمسلمة ينكل 291. والنكال في هذا يجاوز الحد ويضعف ضعفين أو أكثر في العدد.

الجزء: 13 - الصفحة: 6197

باب في إقامة الحد في الزنى بالشهادة والاعتراف والحمل في المرأة

وإذا شهد أربعة على الزنى وجاءوا معًا، وأخبروا عن فعل واحد، وأنهم عاينوا الفرج في الفرج- حُدَّ المشهود عليه.
واختلف إذا أتوا مفترقين وأخبروا عن فعل واحد، أو أتوا معًا وأخبروا عن فعلين وموطنين، فقال ابن القاسم: لا تثبت الشهادة في المسألتين جميعًا، ويحد الشهود، ولا يحد المشهود عليه 292. وإن أتى شاهد واحد، وقال: أنا آتي بمن يشهد معي أنه إن كان أمرًا قريبًا، أُخِّرَ، 293 ويحبس هو والمشهود عليه، ويقال له: ابعث إلى من تزعم أنه يشهد معك 294، ولا يخرجه من الحد إلا أن يأتي بأربعة شهداء 295 سواه 296؛ لأنه صار خصمًا 297، ويحد الثلاثة أيضًا.
يريد: إذا لم يأت إلا بثلاثة.
وقال أشهب 298 في كتاب محمد: تجمع شهادة الأربعة وإن أتوا مفترقين، ويحد المشهود عليه، إلا أنه قال: ولا ينبغي للإمام أن يؤخر حد من شهد قبل أن تتم الشهادة، فإن هو فعل، ولم يَحد الأولين حتى ثبتت الشهادة حد

الجزء: 13 - الصفحة: 6198

المشهود عليه 299. وقال أبو الفرج: لو سأل الثلاثة أن ينظرهم حتى يأتوا برابع كان معهم لوجب عليه إنظارهم، وتجمع الشهادة، ويحد المشهود عليه.
وهذا أحسنها 300، ولا وجه للمبادرة بحدهم، وهذا من الظلم لهم، والأصل في ذلك 301 أن كُلَّ مَنِ ادَّعى منفعة قريبة يدرأ بها عن نفسه أو ماله، أن ذلك له، وتأخير ذلك على من 302 أتى على وجه الشهادة أبين.
وقال ابن الماجشون في كتاب ابن حبيب: إذا اتفقوا في صفة الرؤية، واختلفوا في الأيام والمواطن لم تبطل الشهادة 303. وروى ابن وهب عن مالك في كتاب محمد فيمن شهد عليه شاهد أنه رآه أمس سكران، وشهد آخر أنه رآه اليوم سكران أن شهادتهما جائزة 304، وكذلك في شعبان ورمضان.
وقال محمد: إذا شهد اثنان أنه زنى بها، وشهد اثنان أنه اغتصبها- حُدَّتِ البينة ولم يحد المشهود عليه 305.

الجزء: 13 - الصفحة: 6199

فصل [لو شهد أربعة على شهادة أربعة بالزنى]

وقال ابن القاسم: لو شهد أربعة على شهادة أربعة بالزنى لحد المشهود عليه، وسواء شهد جميع هؤلاء على شهادة كل واحد من شهود الزنى، أو شهد اثنان على شهادة اثنين واثنان على شهادة اثنين، أو شهد اثنان على شهادة ثلاثة واثنان على شهادة واحد 306. وقد تقدم ذكر الاختلاف في ذلك في كتاب 307 الشهادات 308. وإن شهد اثنان بالمعاينة، ونقل اثنان عن اثنين، أو شهد واحد بالمعاينة، ونقل ثلاثة عن ثلاثة بالمعاينة، حد المشهود عليه 309، وكل هذا إذا أتى جميعهم معًا: من شهد بالمعاينة 310 ومن نقل عن غيره.
فإن أتوا مفترقين حدوا على قول ابن القاسم 311 ولم يحدوا على قول أشهب 312، وحد المشهود عليهما، ولو شهد واحد بالمعاينة ونقل اثنان عن ثلاثة - لم يحد المشهود عليهما، وحد الشاهد بالمعاينة.
واختلف في حد الاثنين الناقلين، فقال ابن القاسم: يحدان 313. وقال محمد:

الجزء: 13 - الصفحة: 6200

إذا لم يكن في شهادتهما أنه زان، وإنما قالا 314 أشهدونا على فلان أنه زان رأيناه، وفلان معنا، يعنون: الذي شهد على رؤية نفسه- لم يكن على الناقلين حد، وإن قالا هو زان أشهدنا فلان وفلان، حدًّا 315. وهذا هو الصحيح ألا حد عليهما إذا نقلا ولم يقولا هو زان؛ لأنهما يقولان: نحن 316 لا نتقلد من أمره شيئًا، ولا نعلم هل صدق الذين نقلنا عنهم أم لا؟ فأما إن صدقا من نقلا عنهم 317 فقالا هو زان؛ لأن فلانًا وفلانًا وفلانًا 318 أشهدونا عليه بوجه كذا وكذا 319، وقالا: أشهدنا فلان وفلان وفلان أنه زان، فهو زان، فيكونان 320 قد قذفاه، وسواء قدما قولهما: هو زان، أشهدونا، أو أخرا ذلك فقالا: أشهدونا، فهو زان.
واختلف فيمن قال لرجل: سمعت فلانًا يشهد أنك زان، فقال ابن القاسم: يضرب الحد إلا أن يقيم البينة أن فلانًا قال ذلك 321. وقال أشهب في مدونته: لا حد عليه إلا أن يكون ذلك في مشاتمة.
وإن شهد اثنان على شهادة أربعة فلم 322 يحدا على قول ابن القاسم حتى قدم الأربعة المنقول عنهم، فإن ثبتوا على شهادتهم- حُدَّ المشهود عليهما 323.

الجزء: 13 - الصفحة: 6201

واختلف إن أنكروا أن يكونوا أمروهما بالنقل، فقال محمد: يحد القادمون؛ لأنهما صارا شاهدين عليهم بأنهم قذفوا هذا الرجل 324. وجعلهم كالراجعين عن شهادتهم.
واختلف في حد البينة إذا لم يثبتوا، وإن نقل اثنان عن ثلاثة وواحد عن 325 المعاينة، فلم يحدا حتى قدم الثلاثة 326، فإن ثبتوا على ما نقل عنهم حدوا هم والرابع الذي شهد على المعاينة 327 على قول ابن القاسم 328، ولم يحدوا على قول أشهب وحد المشهود عليه 329؛ لأنه يضم 330 الشهادتين، وإن أنكروا وقالوا: ما أشهدناهما بشيء- لم يحد المشهود عليه.
ويختلف في حد المنقول عنهم فعلى قول محمد يحدون، ولا يحدون على قول مالك في كتاب ابن حبيب؛ لأنه قال في شاهدين شهدا على شهادة رجل بمال فقضي 331 بشهادتهما، ثم قدم المنقول عنه فأنكر الشهادة- قال 332: يرد الحكم ولا يمضي 333. وقال مطرف وابن القاسم وأصبغ: الحكم ماض ولا شيء على المنقول عنهم، ولا على الناقلين 334.

الجزء: 13 - الصفحة: 6202

فرد مالك الحكم، ولم يره كالراجع عن شهادته، وجعل للمحكوم عليه أن يسترجع المال، ويلزم على قوله هذا ألا يكون على القادمين حد، ورأى (1) مطرف وابن القاسم أن الأمر مشكل، أيهم صدق، فأمضيا الحكم ولم يجعلا على أحد غرمًا، وعلى هذا لا يحد المنقول عنهم، وتسقط دية المرجوم إذا نقل أربعة عن أربعة ورجم، ثم أنكر المنقول عنهم، وعلى قول محمد يغرم القادمون الدية والمال إذا كان الحكم بمال.
وذكر ابن سحنون القولين جميعًا إذا أنكر المنقول عنهم بعد الحكم هل ينقض الحكم أم لا؟ (2).

فصل [في الإقرار بالزنى وكيف إن رجع]

حد الزنى يقام بأربعة: بالشهادة 337 وقد تقدم، وبإقرار الفاعل على نفسه، وبالحمل 338 في المرأة.
فأما الاعتراف فيجزئ منه مرة واحدة إذا صرح بما أقر به ولم يرجع عنه، وقيل لمالك في كتاب محمد: أترى للإمام إذا اعترف عنده رجل بالزنى أن يعرض عنه 339 أربع مرات قبل أن يقيم عليه الحد؟ فقال: ما أعرف هذا، إذا 340 اعترف مرة335336

الجزء: 13 - الصفحة: 6203

واحدة وأقام على ذلك- أقيم عليه الحد 341. قال الشيخ - رضي الله عنه - 342: ولو أجرى الإقرار مجرى الشهادات 343 وألا يحد حتى يقر أربع مرات- لم يُقَمْ حد بإقرار 344 أبدًا؛ لأنه يحتاج أن يكون المقر عدلًا والزاني غير عدل، ومحمل إعراض النبي - صلى الله عليه وسلم - عن المقر، أنه أراد سترًا؛ لأن إقراره كان محتملًا، فلما سأله في الرابعة عن تحقيق إقراره وسأله بالنون والكاف فقال: نعم 345 أقام عليه الحد ولم يلزمه بأن يقر أربع 346 مرات بعد تحقيق الإقرار، وقال "وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا فَاعْتَرَفَتْ فَرَجَمَهَا" 347 ولم يقل: فإن اعترفت أربع مرات.
وإن رجع المقر عن إقراره، وأتى بعذر تعرف به الشبهة التي دخلت عليه، فأقر لأجلها قبل رجوعه ولم يحد.
واختلف إذا لم يأت بعذر أو لم يرجع وجحد الإقرار جملة فقال مالك 348 مرة يقبل رجوعه، وقال 349 مرة: لا يقبل 350. وقال في كتاب القطع في السرقة: إذا جحد الإقرار أصلًا يُقال، وجعله

الجزء: 13 - الصفحة: 6204

بمنزلة من رجع 351. وليس بالبين؛ لأن هذا لم يرجع عن أن يكون زنى وإنما رجع عن القول 352، وليس الرجوع عن 353 القول رجوعًا عن الفعل، وعلى القول الآخر يحد إذا أنكر؛ لأنه لا يقبل رجوعه إلا أن يأتي بعذر.
ومن أنكر الإقرار لم يأت بعذر، وكذلك كل من أقر بحق لله تعالى من سرقة أو شرب خمر أو حرابة أو ما أشبه ذلك، ثم رجع، فإنه يقبل رجوعه إذا أتى بعذر يعرف.
واختلف فيه إذا لم يأت بعذر، وكذلك إذا اجتمع في الإقرار الواحد حق لله سبحانه وحق لآدمي، مثل أن يقر أنه سرق من فلان مائة درهم أو سلعة كذا أو اغتصبت فلانة أو حاربت فلانًا فأخذ ماله، ثم رجع عن ذلك، فإنه يؤخذ 354 بما يتعلق من إقراره 355 ذلك لآدمي، ثم ينظر فيما يكون من حق 356 الله سبحانه، فإن أتى بعذر -تُرِكَ، وإن لم يأت به- حُدَّ.
وقيل في السرقة: إن لم يعينها قبل رجوعه، وإن عينها لم يُقْبَلْ.
واختلف فيمن أقر بالزنى، ثم رجع عن ذلك، ثم قذفه رجل هل يحد قاذفه؟ وقال ابن القاسم فيمن قذف رجلًا ثم أقام عليه شاهدين أنه اعترف

الجزء: 13 - الصفحة: 6205

بالزنى: أن الحد سقط.
وقال أشهب الحد ثابت عليه (1). والقول الأول أحسن، وإنما يسقط عنه إذا رجع فيما بينه وبين الله سبحانه ولا يسقط عنه (2) فيما كان يتضمن ذلك من حقوق العباد، وهو مأخوذ (3) بها على الأصل في الإقرارات.
ولو أقر رجل باغتصاب امرأة، ثم رجع، لسقط عنه الحد، ولم يسقط عنه الصداق، ولم يحد لقذفها إن أنكرت؛ لأنه لم يقذفها، وأنه إن (4) قال: اغتصبت ولم تطع (5)، يكن لها صداق (6)، أو أقر بسرقة من رجل؛ لسقط عنه القطع، ولم يسقط عنه الغرم، وأيضًا فإن الحد في القذف حماية لعرض المؤمن.
ومن اعترف بالزنى ثم رجع عنه مُنْتَهَكُ العرض عند الناس.

فصل [في ثبوت حد المرأة]

يقام الحد على المرأة بالحمل إذا لم يكن زوج ولا سيد ولا شبهة ولم تكن طارئة، فإن قالت: هو من زوج طلقني أو غاب عني، فإن كانت طارئة- صدقت، ولم تحد.
وإن كانت مقيمة ولم يأت لذلك 363 شاهد ولا شبهة، حدت 364، وإن ادَّعَتْ أنه من غصب وكان تقدم لها ذكر ذلك، وأتت متعلقة357358359360361362

الجزء: 13 - الصفحة: 6206

برجل أو كان سماعًا واشتكت ولم تأت متعلقة به لم تحد إذا ادعت ذلك على من يشبهه 365، وإذا ادعت ذلك 366 على من لا يشبه، على رجل صالح حُدَّتْ، ولم تصدق، وهذا إذا تقدمت الدعوى أو الشكوى قبل ظهور الحمل، فإن لم تذكر ذلك إلا بعد ظهور الحمل-حدت، إلا أن تكون المرأة معروفة بالخير ولا يطعن 367 عليها بشيء، فقالت: كنت 368 كتمت ذلك، رجاء ألا يكون حمل، ولا أكشف نفسي، أو رجاء أن يسقط؛ فتعذر بذلك، ومثله لو لم تسم من استكرهها، وقالت: رجوت ستر ذلك، وهي معروفة بالخير، فلا أرى أن تحد، وهذا الذي آخذ به في ذلك، وقد روي مثل ذلك عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في امرأة ظهر بها حمل فادعت أنها استكرهت، وقالت: كنت نائمة فبها أيقظني إلا الرجل، وقد ركبني، فأمر أن ترفع إليه إلى الموسم هي وناس معها من قومها، فسألهم عنها فأثنوا عليها خيرًا، فلم ير عليها حدًّا، وكساها وأوصى بها أهلها 369. وقد اختلف في هذا فقال ابن وهب في كتاب محمد: إن ادَّعت ذلك على رجل صالح معروف بالخير- حدت للقذف، كانت تدمى أو لا تدمى، ولا

الجزء: 13 - الصفحة: 6207

تحد للزنى إلا أن يكون دعواها لذلك 370 بعد أن ظهر 371 الحمل، فلا تصدق، وتحد حد الزنى وحد القذف 372. وقال ربيعة: إذا جاءت تدعي ذلك على رجل بغير شبهة من خلوة ولا استغاثة عندما غُلِبَتْ، فإنها تحد للقذف، وإن استمرت حاملَّا حَدت للزنى 373. فجعل لها في القول الأول شبهة بالدعوى، وقد جاءت في هذا الأصل 374 مسائل متقاربة المعنى، حمل في بعضها على الوطء 375، وفي بعضها على عدمه، فقالوا: إذا شهد أربعة على رجل أنهم رأوه على امرأة بين فخذيها، أنه لا يحمل على الوطء ولو وجد الماء لإمكان أن يكون أصابها بين فخذيها.
وإن ظهر بها حمل، حمل على أنه 376 الوطء في الفرج، ويقام عليها الحد مع إمكان أن يكون ذلك خارج الفرج ثم وصل الماء، إلا أن يقال: إنما حدت لأنها سلمت أنه كان في الفرج، وادعت الاستكراه، وأنها لو 377 ادعت أن الإصابة كانت خارج الفرج فوصل الماء فحملت؛ لصدقت، كما يصدق من شهد عليه أنه كان بين فخذيها.
وفي حديث عويمر أنه لاعن وادعى عليها الزنى، ولم يقل: رأيت فرجًا في

الجزء: 13 - الصفحة: 6208

فرج فلاعن النبي - صلى الله عليه وسلم - 378 بينهما على ذلك، ولا أمره أن يثبت ذلك في لعانه 379، وقد أخذ مالك بهذا مرة في الزوج خاصة دون الشهادة، فقال: إذا قذف امرأته أو نفى حملًا لاعن ولم يسأل عن شيء 380، اتباعًا للحديث.
وكذلك 381 الرجل يغتصب المرأة ويحتملها، ويبيت معها ثم يصبح ويقول: لم أصبها، أنه يصدق ولا يحد.
أو يتزوج المرأة فيبيت معها، ثم تشهد عليه البينة من الغد بالزنى، فإنه يرجم، ويحمل على أنه أصابها البارحة.
والأمر فيهما سواء؛ لأن كل 382 ذلك من باب القضاء بالدليل وليس 383 بالبينة، فإذا حمل عليه في ليلة البناء أنه أصاب 384، حمل مثل ذلك على من اغتصب امرأة وهو في الاغتصاب أولى؛ لأنه حملته الشهوة على أن أتى إلى مثل هذه الشهوة، ويثبت 385 الآن وقد أصاب.
وإن ظهر بامرأة حمل 386 تجن وتفيق، فقالت: أصابني ذلك في حال أجن فيه، صدقت، ولم تحد.
وإن ظهر حمل بامرأة، فإن كانت ملكًا لامرأة أو لصبي أو ما أشبه ذلك-

الجزء: 13 - الصفحة: 6209

حدت، وإن كانت لرجل وأنكره ولم تدع أنه منه، حُدَّتْ، وإن ادَّعَتْ أنه منه، حلف أنه ما أصابها إن أنكر الإصابة أو لقد استبرأ، وإن اعترف بالإصابة وادعى الاستبراء، ثم 387 لا حد عليه 388؛ لأن دعواها على السيد شبهة، ويمينه مظنونة ليس مما يقطع بصدقها، وله أن يعاقبها؛ لأنه أمين على عقوبتها، وذلك من صلاح 389 المال، وله أن يحدها على القول أن له أن يقيم عليها الحد 390 بعلمه، وليس ذلك للإمام إذا اختلفت مع السيد؛ لأن السيد يقول: أقطع أني 391 لم أصبها، والإمام لا يقطع بكذبها.
ومن المبسوط في امرأة معها ولد، وقالت: لم ألده، وشهد عليها شاهدان أنها أقرت أنه ولدها، قال: لا تؤخذ بشهادتهما، وهي مثل ما لو شهد أنها أقرت بالزنى وحدت، لا تؤخذ في ذلك بأقل 392 من أربعة.

الجزء: 13 - الصفحة: 6210

باب في القاذف يقذف وهو يحد

وقال ابن القاسم فيمن قذف رجلًا، فلما ضرب أسواطًا قذف الذي يجلد له أو قذف غيره: إنه يبتدأ ضربه ثمانين، ولا يعتد بما مضى من الضرب 393. وقال مالك في كتاب محمد: إن لم يمض من الضرب إلا أيسره 394 أجزأه تمام هذا الحد للقذفين، ولا يستأنف الضرب 395، وإن كان إنما بقي أيسر الحد السوطان والثلاثة، أتم هذا، واستؤنف للقذف الثاني حد آخر 396. وكذلك إذا مضى منه 397 مثل 398 ذلك، أعني: السوطين والثلاثة- أنه يكون في حَيِّز اللغو يبني عليه.
وقال أشهب: العشرة أسواط قليل، وإذا ضرب الحد لقذفه رجلًا، ثم قذفه ثانية بغير الذي جلد له 399 حد له 400 ثانية 401. واختلف إذا قذفه بما حد فيه فقال محمد: إذا قال له بعد الضرب صدقت عليك أو ما كذبت عليك 402 يجلد ثمانين؛ لأنه قذف مؤتنف 403، وقيل: لا

الجزء: 13 - الصفحة: 6211

شيء عليه إلا العقوبة في تماديه على ذلك.
وقد كان أبو بكرة بعد الجلد متماديًا على قوله 404، فقال له 405 عمر: ارجع عن قولك وأقبل شهادتك، فلم يفعل 406. وهو أحسن 407، وليس بقذف مؤتنف.
وأما قوله: إذا قذف آخر وهو يضرب 408، فإنه يستأنف ضربه فهو على أصله فيمن قذف جماعة أنه يحد حدًّا واحدًا، وأما على القول إنه يحد بعدد من قذف، فإنه يتم الحد لمن ضرب له، ثم يستأنف الحد للآخر 409.

الجزء: 13 - الصفحة: 6212

باب في اجتماع الحدود

وإذا شرب الخمر مرارًا حد لجميع ذلك حدًّا واحدًا، وكذلك إذا زنى، ثم زنى، فإنه يحدُّ حدًّا واحدًا كان ذلك بامرأة واحدة أو بجماعة نساء 410، وكذلك إذا افترى ثم افترى، وكُلُّ 411 ذلك لرجلٍ واحدٍ، فحَدٌّ واحد يجزئه عن ذلك.
واختلف إذا قذف جماعة هل يحد حدًّا واحدًا، أو لكل واحد منهم حد؟ ومثله إذا قذف وشرب خمرًا، فإنه يختلف فيه هل يحد حدًّا واحدًا، أو لكل صنف حَدٌّ؟ وقد تقدم ذكر 412 ذلك في كتاب القذف.
واختلف إذا قذف وزنى، أو شرب وزنى، فقال مالك وابن القاسم: يحد حدين مائة للزنى، وثمانين للقذف 413. وقال عبد الملك بن الماجشون: يحد مائة للزنى 414، والفرية والشرب يدخلان 415 في حد الزنى.
والأول أحسن؛ لأنهما حَقَّانِ وجِنسانِ، فيجب أن يقاما جميعًا، وإن سرق وقطع يمين رجل- قطع للسرقة، تقدمت السرقة أو تأخرت؛ لأنه قد اجتمع في اليد القطع من وجهين، والقطع عن السرقة يسقط حق الآخر، وهو بمنزلة

الجزء: 13 - الصفحة: 6213

من قطع 416 ثم قتل، فإن القتل يجزئ عن جميع ذلك، ولا يكون لأحد الأولياء مقال 417 ولا دية، ولأنه لو 418 قطع يمين رجل ثم ذهبت يمين 419 القاطع بأمر من الله عز وجل -لم يكن للمقطوعة يده 420 شيء، وإن قطع يمين رجل من دون الرسغ، ثم سرق قطع للسرقة من الرسغ، وسقط مقال الآخر، وإن قطع حين رجل من 421 المرفق وسرق- قطع من الرفق، ودخل فيه القطع للسرقة؛ لأن المراد في القطع 422 للسرقة أن يكون بين الناس ممثلًا به، نكالًا، ذاهب العضو، وليس المراد أن يألم بالقطع، وإن سرق وحارب ورأى الإمام قطعه في الحرابة- دخل قطع السرقة في قطع الحرابة، وإن رأى نفيه- أقام عليه الحدين جميعًا، فقطعه للسرقة، وضربه ونفاه للحرابة، وإن رأى قتله- لم يقطع للسرقة، وإن سرق وقتل لعداوة أو لحرابة -قتل، ولم يقطع للسرقة 423. قال محمد: وإن اجتمع زنىً وحرابة، فإن كان ثيبًا رجم وكان ذلك للحدين جميعًا، وإن كان بكرًا قتل بالسيف 424.

الجزء: 13 - الصفحة: 6214

يريد: إذا رأى الإمام قتله للحرابة، وإن رأى قطعه أو نفيه- أقام عليه الحدين 425 جميعًا، فيجلد مائة للزنى، ويقطع أو ينفى 426 للحرابة.
قال الشيخ - رضي الله عنه - 427: ولو قتل رجلًا وزنى وهو محصن، رُجِمَ، ويسقط مقال أولياء المقتول، وإن كان غير محصن- قتل للقصاص، ولم يجلد 428 للزنى.
ولو قتل رجلًا لعداوة وآخر في حرابة أو غيلة، قُتِلَ للحرابة وللغيلة، ولم يكن لأولياء المقتول مقالٌ في عفو ولا دية.
وإن زنى وهو محصن أو قَتَلَ في حرابة وافترى على رجل، حُدَّ للفرية، ليدفع عنه معرة القذف، ثم قُتِلَ.
وإن قطع يمين رجل، قُتِلَ للحرابة، ولم يقطع 429، هذا قول ابن القاسم 430. وأرى أن يقطع ثم يقتل، ليشتفي بالقطع من قُطِعَتْ يمينه 431. وإن زنى وهو بكر، ثم زنى وهو محصن- رجم ولم يجلد، وهو قول ابن القاسم.
والقياس أن يجلد ثم يرجم؛ لأن الغرض الأول أن 432 يؤلم بالضرب، وهو جنس غير الآخر، فيقام عليه ثم يرجم، وقال الشافعي وأبو حنيفة: إذا قطع يد رجل وقتل آخر أنه يقطع لصاحب اليد ثم يقتل بالنفس 433.

الجزء: 13 - الصفحة: 6215

باب في القاذف والسارق والزاني البكر يخاف عليه الموت إذا أقيم عليه الحد

إذا وجب حد ما دون القتل كقطع لسرقة أو قصاص أو ضرب بِكْرٍ في الزنى أو جلد لشرب خمر أو قذف في شدة حر أو برد وخيف عليه الموت متى أقيم عليه ذلك 434 - أُخِّرَ لوقت آخر 435 يؤمن عليه فيه.
وإن كان من وجب عليه ذلك ضعيف الجسم يخاف عليه الموت في أي زمان يقام عليه افترق الجواب: فأما القطع عن السرقة فيسقط، ويعاقب ويسجن وإن كان القطع عن قصاص رجع فيه إلى الدية.
واختلف هل يكون في مال الجاني أو على العاقلة؟ وإن كان ضرب لقذف كان من حق المقذوف أن يفرق الضرب عليه وقتًا بعد وقت حتى يستكمل حقه في ذلك.
وكذلك حد الزنى والشرب يفرق حتى يكمل ما وجب عليه فيه 436 وإن اجتمع على رجل حدان: جميعًا لله، أو لآدمي، أو أحدهما لله والآخر لآدمي، فإن كان فيه محمل لهما أقيما عليه، وإن كان فيه محمل لأحدهما، وهما جميعًا لله عز وجل -بدئ بآكدهما 437 كالجلد عن الزنى وشرب الخمر، فيجلد عن الزنى إلا أن يخاف عليه في المائة ولا يخاف عليه في الثمانين، وإن كان الخوف لشدة حر أو

الجزء: 13 - الصفحة: 6216

برد- أقيم عليه الثمانون وأُخِّرَ بالمائة، وإن كان الخوف لضعف بنية- ابتدئ بالجلد عن الزنى، وأقيم عليه منه ما يؤمن عليه معه 438، ثم يستكمل وقتًا بعد وقت، فإذا أكملت المائة- ضرب للشرب.
وإن كان الحقَّانِ لآدمي؛ لأنه قطع يد هذا وقذف هذا- اقترعا أيهما يبدأ بإقامة حقه من غير مراعاة للآكد، وإن كان فيه محمل لأحدهما دون الآخر أقيم عليه الأدنى من غير قرعة، وإن كان أحدهما لله سبحانه، والآخر للآدمي- بدئ بما هو لله، إلا أن لا 439 يكون فيه محمل، إلا 440 لما هو لآدمي، فيقام عليه، ويؤخر ما كان لله عز وجل لوقت لا يخاف عليه، وإن كان الخوف في أي وقت أقيم عليه، وكان الحق الذي هو لله سبحانه جَلْدٌ ابتدئ به متفرقًا يقام عليه 441 ما كان للآدمي.

الجزء: 13 - الصفحة: 6217

باب في الحامل يجب عليها الحد جلد أو رجم

ولا يقام على حامل حد ما كانت حاملًا 442 جلد 443 ولا رجم؛ لأن الرجم قتل لولدها، والجلد يخشى منه عليها وعلى ولدها أن تطرحه، فتؤخر حتى تضع، فإذا وضعت وكانت بكرًا أُخِّرَتْ حتى تتعالى من نفاسها؛ لأنها مريضة، وإن كانت ثيبًا رُجِمَتْ إلا ألا يوجد لولدها من يرضعه، فتؤخر حتى تفطمه.
وفي كتاب مسلم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثل ذلك كفلها رجلًا، وأَخَّرَهَا حتى وضعت وفطمت ولدها 444. وأما الكفيل فيحتمل أن يكون ذلك لمكان الحمل؛ لأنه كالبينة 445 فلا يقبل رجوعها، وإذا شهد على امرأة بالزنى وقد مضى لها من حين زنت أربعون يومًا، أخرت ولم تضرب ولم ترجم حتى تتم 446 لها ثلاثة أشهر من حين زنت، فينظر أحامل هي أم لا؟ ولا يستعجل الآن لإمكان أن تكون قد حملت، وإن لم يمض لها أربعون يومًا جاز إقامة الحد عليها الجلد أو الرجم، إلا أن تكون ذات زوج، فإنه يسأل الزوج، فإن 447 قال: كنت استبرأتها 448 - أقيم عليها 449 الحد،

الجزء: 13 - الصفحة: 6218

ورجمت إن كانت ثيبًا، وإن قال: لم أستبرئها 450 - كان بالخيار بين أن يقوم بحقه في الماء الذي له فيها، فتؤخر حتى ينظر هل تحمل منه أم لا؟ أو يسقط حقه فتحد.
وأجاز ابن القاسم في المدونة إذا مر لها منذ زنت شهران أن 451 ترجم إذا نظر إليها النساء فقلن 452 لا حمل بها 453. وليس بالبين؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخبر أنه يكون أربعين يومًا 454 نطفة، وأربعين علقة، وأربعين مضغة، ثم ينفخ فيه الروح 455 في الشهر الخامس 456. وإذا كان ذلك فإنه يمكن أن يكون في الشهرين علقة فلا يجوز حينئذ أن يعمل عملًا يؤدي إلى إسقاطه ولا إلى إفساده كما لا يجوز للمرأة أن تشرب حينئذ 457 ما يطرح ذلك.

الجزء: 13 - الصفحة: 6219

باب في المرأة يشهد عليها بالزنى فتقول: أنا عذراء، وفي المرأة تموت من جماعه أو افتضها أو جامعها في غير موضع

458 وقال ابن القاسم في المرأة يشهد عليها أربعة بالزنى، فتقول: أنا عذراء: إنه يقام 459 عليها الحد، ولو نظر إليها النساء فقلن: هي عذراء أو رتقاء، فإنها يقام عليها الحد 460. قال الشيخ - رضي الله عنه -: ولا أرى أن يقام عليها الحد لوجهين: أحدهما: أن شهادة النساء بذلك تثبت شبهة 461 لا شك في ذلك، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " ادرَأُوا الحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ" 462. والثاني: أنه يصح أن توقف شهادة الرجال بشهادة النساء 463؛ لأنه من باب اختلاف الشهادات وليس من باب التجريح، وقد قال ابن القاسم إذا شهد رجلان بحق وشهد رجل وامرأتان بخلافه وهم أعدل أنه يقضى بها 464،

الجزء: 13 - الصفحة: 6220

وتسقط شهادة الرجلين.
وأيضًا فإنه لا وجه لإقامة الحد عليها مع القدرة على معرفة ما يقوله هل هو صحيح أم لا؟ فينبغي أن ينظر إليها من النساء جماعة يقع بقولهن العلم.
ولو قالت: أنا أنكشف لأربعة رجال، فينظرون إليَّ ولا أجلد ولا أرجم؛ لأني قائمة البكارة، ولم يصل إلي زوجي، لكان ذلك لها؛ لأن هذه ضرورة، وإذا جاز نظر الرجال أولًا لإقامة الحد، كان جوازه الآن أولى لدرء الحد، ودفع القتل عنها.

فصل [في المرأة تموت من جماع الرجل]

وقال مالك في الرجل يأتي امرأته 465 فتموت من جماعه أنه إن علم ذلك كانت ديتها على العاقلة 466. وقال في المجموعة فيمن دخل على بكر صغيرة 467 فعنف في وطئها، فلم تقم إلا يسيرًا، فماتت: إنه إن عُلِمَ أنها ماتت من 468 ذلك فعليه الدية، وليجبر أهلها على أخذ الدية، ويُكَفِّرُ 469. وقال عبد الملك: إن كان فيها محمل للوطء فلا شيء عليه كالحجام والبيطار 470. قال الشيخ - رضي الله عنه -: إذا كانت كبيرة وجاء الأمر مِنْ قِبَلِهَا لضعف تركيبها أو

الجزء: 13 - الصفحة: 6221

لقلة خلقها 471 فلا شيء على الزوج، وإن جاء الأمر مِنْ قِبَلِهِ لا من قبلها، ولم تعلم هي حاله قبل 472 أن يصيبها، فذلك عليه، وإن كان يرى 473 أن ذلك مما يخاف عليها- كان كعمد لا قصاص فيه، فيختلف هل تكون الدية في ماله أو على العاقلة؟ وإلا كان خطأ تحمله العاقلة إذا علم أنها ماتت منه، ولا قسامة في ذلك إذا ماتت بفور ذلك، وإن كانا جميعًا يعلمان أنه يتوقع منه خوف أو يجهلان ذلك جميعًا- كانا شريكين في القتل، فينبغي أن يسقط عنه نصف الدية، وإن كانت صغيرة السن كانت عليه الدية؛ لأن رضاها كَلَا رضا.
وقال ابن القاسم في الذي يأتي امرأته فيفضيها: عليه ما شانها، فإن بلغ ثلث الدية كان على العاقلة، وإن كان دون ذلك 474 كان في ماله، وقد جعل بعض الفقهاء في ذلك ثلث الدية على العاقلة 475 وجعلوا ذلك بمنزلة الجائفة 476. وقال سحنون: لا شيء عليه 477، وقال ابن القاسم أيضًا: إذا بلغ بها الحدث حتى يفيض بمذهبها 478 وبولها حتى لا ينتفع بها فأرى عليه الدية

الجزء: 13 - الصفحة: 6222

كاملة 479. وقال مالك 480 في المدونة: إن زنى بامرأة فأفضاها 481 فلا شيء عليه، وإن اغتصبها فعليه صداقها وما شانها 482. قال الشيخ - رضي الله عنه -: أما الغصب فالجواب فيه صحيح؛ لأنه متعد في الوجهين جميعًا في الإصابة بانفرادها فبمغيب 483 الحشفة يلزمه صداقها، وما كان بعد ذلك من الفساد فعليه قيمته، وأما ما كان 484 طوعا 485 به فبخلاف ذلك، ولا ينبغي 486 أن يرد الجواب فيها 487 إلى ما تقدم في الزوجة إذا ماتت من جماعه، فالموضع الذي تسقط عنه 488 الدية فيه 489 إذا ماتت يسقط عنه في هذا الوجه الآخر 490 ما شانها، والموضع الذي تكون عليه 491 الدية فيه يكون 492 في هذا

الجزء: 13 - الصفحة: 6223

ما شانها (1)، والموضع الذي تكون عليه (2) الدية فيه بينهما- يكون ما شانها عليهما يسقط عنه نصفه (3). وقال أشهب في مدونته: إذا زنى بها فأفضاها عليه حكومة.
وهو أحسن، ولا فرق في ذلك بين التزويح وغيره؛ لأن كل ذلك بطوعها (4).

فصل [في الجماع في غير موضع الولد]

ومن زنى بامرأة في غير ما خلق لذلك، كان عليهما الحد الجلد إن كان بكرًا 497، والرجم إن كان محصنًا، والرجل والمرأة في ذلك سواء، ويغتسلان من جميع ذلك، وإن عمل ذلك رجل مع رجل- رُجِمَا جميعا، أحصنا أو لم يحصنا، إلا أن يكون المفعول به مكرهًا أو غير بالغ، فيرجم الفاعل، ولا شيء على المكره، ويعاقب الصغير، ويغتسلان، أنزلا أو لم ينزلا 498.493494495496

الجزء: 13 - الصفحة: 6224

باب في شهود الزنى هل يتعمدون النظر؟ ومن قذف رجلًا ثم ادعى أن المقذوف عبدٌ أو أمه أمة

ومن المدونة قال ابن القاسم: وإذا شهد أربعة بالزنى، وقالوا: إنا 499 تعمدنا النظر، قال: 500 وكيف يشهد الشهود إلا هكذا 501. يريد: أن ليس محمل ما أجيز من الشهادة على أن ذلك كان عن غير عمد وإن تعمد 502 النظر لا تبطل الشهادة لما كان المراد إقامة حق 503. وهذا أحسن فيمن كان معروفًا بالفساد، وأما من لم يكن معروفًا بذلك ففيه نظرة فيصح أن يقال: لا يكشفون 504 عن ذلك ولا يطلبون تحقيق الشهادة لما ندبوا إليه من الستر، ولأنهم لو تبين ذلك لهم لاستحب لهم أن يبلغوا الشهادة، ويصح أن يقال: يكشفون عن تحقيق ذلك، فإن قذفه أحد بعد اليوم بلغوا الشهادة فلم يحد القاذف، والستر أولى؛ لأن مراعاة قذفه من النادر 505. ومن المدونة قال مالك فيمن قال لرجل: يا زاني، ثم قال: لا يحد

الجزء: 13 - الصفحة: 6225

نسأله 506 البينة على أنه حر أو 507 على أن أمه حرة أن القاذف يحد، ولا ينظر إلى قوله، قال مالك: ومن يعرف الشامي والبصري والإفريقي ها هنا 508 بالمدينة، والظالم أحق أن يحمل عليه 509. يريد: إذا كان المقذوف 510 طارئًا.
ويختلف في ذلك إذا لم يكن طارئًا، فقال في مختصر ما ليس في المختصر فيمن قال لرجل يا ابن الزانية 511، وقد هلكت أمه: إنه إن كان بقرية فيها اليهود والنصارى مثل مصر والشام أقام المقذوف البينة أن أمه لم تكن يهودية ولا نصرانية، فإن كان بقرية ليس فيها مثل ذلك 512 مثل مكة والمدينة- حُدَّ القاذف ولم يكن على الآخر أن يقيم البينة 513. قال الشيخ: 514 ويلزم على هذا إذا كان بمكة والمدينة أن يقيم البينة أنها حرة؛ لأن الإماء يولدن في كل بلدة.
والمعروف من قوله في هذا الأصل أن الناس على الحرية والإسلام الآباء والأمهات والبينة في ذلك على القاذف وهو قول ابن القاسم وبالأول أخذ أشهب.

الجزء: 13 - الصفحة: 6226

واختلف في هذا الأصل، فقيل في البينة تشهد على رجل بالزنى أو بمال، فيقول المشهود عليه: يثبتون أنهم أحرار، فقال ابن القاسم: ليس ذلك عليهم، وأصل الناس عند مالك في الشهادات كلها أنهم 515 أحرار 516 إلا أن يقيم المشهود عليه البينة أنهم عبيد 517. وقال أشهب: لا يقام بها 518 حق إلا أن يثبتوا أنهم أحرار، وهذا هو أحد قولي مالك في قوله: يثبت أن الأم مسلمة ليست يهودية ولا نصرانية 519، وينبغي على هذا أن يسألهم هل هم مسلمون؟ واعترافهم بالإسلام يجزئ، وكل هذا راجع إلى النادر والقليل، هل يراعى أم لا؟ فراعاه مالك مرة ومرة رآه 520 في حكم العدم.
وهو الصحيح من القول.
واختلف فيمن قذف رجلًا فأقام القاذف شاهدين على المقذوف أن القاضي حده في الزنى فقال محمد: لا يخرج القاذف من الحد ويحد هو والشاهدان حد الفرية، إلا أن يقيم أربعة يشهدون أن الوالي حده في الزنى.
قال وهو قول مالك وأصحابه 521. وقال مالك قال الله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: 2] قال ابن القاسم: وكذلك الأمة تقذف بعد العتق، فيقيم القاذف البينة أن سيدها أقام عليها حد الزنى فيسقط الحد عن

الجزء: 13 - الصفحة: 6227

القاذف 522. قال عبد الملك بن الماجشون: وكذلك لو أقام القاذف أربعة أن سيده باعه إذ كان عبدًا، وتبرأ 523 من زناه وإن شهد في ذلك أقل من أربعة لم أر على الشهود حدًّا؛ لأنهم لم يشهدوا على رؤية 524. وفي كتاب ابن حبيب عن مالك مثل ذلك أنه 525 قال: لا يحدان؛ لأنهما لم يشهدا على رؤية 526. وقال أبو مصعب: إذا أتى القاذف بشاهدين أن السلطان ضرب المقذوف الحد في الزنى فلا حد على القاذف وقد خرج مما قال.
والخلاف في موضعين: أحدهما: هل يسقط الحد عن القاذف بشاهدين أن القاضي حده في زنا؟ والثاني: إذا لم يسقط الحد عن القاذف 527 هل يحد الشاهدان؟ وفي القول الأول الحد على القاذف والشاهدين، وفي القول الثاني يحد القاذف وحده، وفي القول الآخر 528 لا حد على واحد منهما 529. وهو أبين ألا حد على الشاهدين؛ لأنهما لم يشهدا على زنى، وإنما شهدا على قضاء القاضي،

الجزء: 13 - الصفحة: 6228

وهما يقولان: نحن لا ندري هل حكم بحق أم لا، ولا هل 530 شهدت البينة بحق أو بباطل؟ وأن لا حد على القاذف أبين 531؛ لأنه موضع مختلف فيه هل يبرأ بتلك البينة؟ فيدرأ الحد للاختلاف، ومن هذا الأصل أن يشهد شاهدان على حكم قاض إلى قاض أنه قضى على فلان بشهادة أربع شهدوا عليه بالزنى.
واختلف فيه هل يحد المشهود عليه أم لا؟ ويختلف بعد القول أنه لا يحد المشهود عليه أم لا هل يحد الشاهدان؟

الجزء: 13 - الصفحة: 6229

باب في إقامة السيد على عبده الحد وعقوبته إياه وشهادته عليه

للسيد أن يقيم على عبده حد الزنى والقذف وشرب الخمر وما أشبه ذلك مما هو جلد، وليس يقطع جارحة منه ولا يقطعه 532 في سرقة ولا حرابة، ولا يقتص منه إن قطع يد عبد له آخر أو يد عبد لغيره أو يد حر على قول 533 من أجاز القصاص في ذلك، ولا يقتله في حرابة 534 ولا في قصاص، والأصل في إقامة الحد عليه قول النبي في: "إِذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ فَتبَيَّنَ زِنَاهَا فَلْيَجْلِدْهَا الحَدَّ وَلاَ يُثَرِّبْ عَلَيْهَا... الحديث" أخرجه البخاري ومسلم 535، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أَقِيمُوا الحُدُودَ عَلَى أَرِقَّائِكُمْ" 536 فله أن يقيم الحد على عبده أو أمته إذا زنت ولم يكن لها زوج أو كان زوجها عبده.
وقال في مختصر ابن عبد الحكم: ولا يقيم ذلك عليها إذا كان زوجها حرًّا أو عبدًا لغيره لما تعلق بها حق لغيره وهو مما يدرك الزوج منه معرة 537، وأيضًا فإنه يفسد جسمها، وإن كان ذلك مما يذهب بعد إلا أن يعترف الزوج بصحة

الجزء: 13 - الصفحة: 6230

الشهادة فيقيمه ولا يرفع ذلك إلى الحاكم 538. واختلف هل يقيم الحد على عبده بعلمه، فمنع ذلك في المدونة إلا أن يشهد عنده 539 أربعة سواه إذا كانت الشهادة على زنى 540 وإن كان هو تمام الأربعة فيرفعه إلى غيره 541. وحكي عنه في المبسوط أنه قال: مرة له أن يقضي بعلمه وإن لم يطلع على ذلك سواه.
وكأنه رأى أن ذلك من باب التأديب لأمته وعبده، ولأن في ذلك صلاحهما، ولا خلاف أن له تأديبهما بعلمه في الجنايات وما يستحقان عليه العقوبة، فإذا كان ذلك وكان الغالب في مثل ما يفعله من هذه الأشياء عدم البينة، وأن السيد وأهله الذين يطلعون على ذلك- أدى إلى فسادهم وألا ينزجروا عن ذلك؛ لأن في إقامة الحدود زجرا عن العودة إلى مثل ذلك، وقد أباح مالك أن يبلغ في العقوبة من العدد ما يكون حدًّا، ولا يلزم على ذلك الزوجة الحرة وإن كان قد جعل له تأديبها؛ لأن لها حرمة وهي محصنة، فليس له أن يلزمها معرة ذلك إلا أن يثبت 542، وإن كانت الزوجة أمة لغيره مُنِعَ من ذلك، لحق السيد، ليس لحرمتها.
وقال عبد الملك بن الماجشون: إذا رأى أمته تزني فلا يجلدها؛ لأنه ليس للسلطان أن يجلد برؤيته وإن كان حمل أو ولد فللسيد أن يحد فيه ويحضر للحد أربعة فصاعدًا.

الجزء: 13 - الصفحة: 6231

قال مالك: وقد تعتق فيفترى عليها فلا يوضع الحد عمن قال لها ذلك إلا بأربعة شهداء.
وقال مالك فيمن وجد عبده سكرانًا فلا يجلده حتى يشهد على سكره ويحضر جلده رجلين فصاعدًا؛ لأن العبد عسى أن يعتق ثم يشهد فيجرحه 543 المشهود عليه فترد به 544 شهادته.
ولا يختلف أنه لا يقطعه في سرقة أو قصاص فإن فعل ذلك وأقام البينة على ما يجب به قطعه لم يكن على السيد شيء، وإن لم تكن للسيد بينة أعتق عليه؛ لأنها مثلة، إلا أن يعترف العبد بالسرقة أو أنه قطع الذي اقتص منه مثله.
وأرى إن أنكر العبد وشهد شاهد عدل بالوجه الذي قطعه السيد له- ألا يعتق عليه؛ لأنها شبهة تنفي عنه التعدي.
ولو قيل: إنه لا يعتق عليه إذا قطعه قصاصًا مع عدم البينة وإنكار العبد لكان له وجه؛ لأن وجود قطع اليدين بالمقتص ودعواه عليه شبهة بينة للسيد.
تم كتاب الرجم بحمد الله وحسن عونه

الجزء: 13 - الصفحة: 6232

فصول الكتاب · 100 فصل
فصول التبصرة للخمي
المقدمةكتاب الطهارةكتاب الصلاة الأولكتاب الصلاة الثانيكتاب الجنائزكتاب الصيامكتاب الاعتكافكتاب الزكاة الأولكتاب الزكاة الثانيكتاب الحج الأولكتاب الحج الثانيكتاب الحج الثالثكتاب الجهادكتاب الصيدكتاب الذبائحكتاب الضحاياكتاب العقيقةكتاب الأطعمةكتاب الأشربةكتاب الأشربةكتاب النذور والأيمانكتاب النكاح الأولكتاب النكاح الثانيكتاب النكاح الثالثكتاب الرضاعكتاب العدة وطلاق السنةكتاب المفقودكتاب الظهاركتاب الإيلاءكتاب اللعانكتاب إرخاء الستوركتاب الأيمان بالطلاقكتاب التخيير والتمليككتاب الصرفكتاب السلم الأولكتاب السلم الثانيكتاب السلم الثانيكتاب السلم الثالثكتاب التفليسكتاب اللقطةكتاب المأذون له في التجارةكتاب حريم الآباركتاب الشفعةكتاب الهبةكتاب الحبس والصدقةكتاب الصدقة والهبةكتاب الوصايا الأولكتاب الوصايا الثانيكتاب العتقكتاب العتق الأولكتاب العتق الثانيكتاب المدبركتاب المكاتبكتاب أمهات الأولادكتاب الولاء والمواريثكتاب بيع الآجالكتاب البيوع الفاسدة وما يفيتهاكتاب البيوع الفاسدة وما يفيتهاكتاب العراياكتاب التجارة إلى أرض الحربكتاب التدليس بالعيوبكتاب البيع على الصفةكتاب البيع على الصفة أو على رؤية تقدمتكتاب الاستبراءكتاب بيع الخياركتاب المرابحةكتاب الوكالاتكتاب الصلحكتاب المساقاةكتاب الجوائحكتاب الشركةكتاب تضمين الصناعكتاب الجعل والإجارةكتاب كراء الدور والأرضينكتاب الرواحلكتاب القراضكتاب الأقضيةكتاب الشهاداتكتاب الشهادات الثانيكتاب المديانكتاب الحجركتاب الحمالةكتاب الحوالةكتاب الرهنكتاب الغصبكتاب الاستحقاقكتاب القسمكتاب الوديعةكتاب العاريةكتاب العاريةكتاب القطع في السرقةكتاب القطع في السرقةكتاب المحاربينكتاب الرجم
حرم الله عز وجل الزنى في غير موضع من كتابهفصل [شروط وجوب الحد على الزاني]فصل [في كشف الشهود عن الشهادة في الزنى]فصل [فيمن شهدوا على رجل بالزنى فرجمه الإمام ثم رجعوا عن شهادتهم]باب في الإحصانباب في حد البكر وصفتهفصل [في هيئة ضرب الحدود]باب في صفة الرجمفصل [فيما إذا رجع أحد الشهود عند شهادته]فصل إذا شهد أربعة برجم المشهود عليه ثم علم أن أحدهم مسخوطفصل [فيمن شهدوا على رجل بالزنى، فرجمه الإمام ثم أصابوه مجبوبًا هل يحدهم الإمام؟]فصل [في أربعة شهدوا على أربعة بالزنى، فقال لهم القاضي: صفوا لنا الزنى]باب في إقامة الحد في الزنى بالشهادة والاعتراف والحمل في المرأةفصل [لو شهد أربعة على شهادة أربعة بالزنى]فصل [في الإقرار بالزنى وكيف إن رجع]فصل [في ثبوت حد المرأة]باب في القاذف يقذف وهو يحدباب في اجتماع الحدودباب في القاذف والسارق والزاني البكر يخاف عليه الموت إذا أقيم عليه الحدباب في الحامل يجب عليها الحد جلد أو رجمباب في المرأة يشهد عليها بالزنى فتقول: أنا عذراء، وفي المرأة تموت من جماعه أو افتضها أو جامعها في غير موضعفصل [في المرأة تموت من جماع الرجل]فصل [في الجماع في غير موضع الولد]باب في شهود الزنى هل يتعمدون النظر؟ ومن قذف رجلًا ثم ادعى أن المقذوف عبدٌ أو أمه أمةباب في إقامة السيد على عبده الحد وعقوبته إياه وشهادته عليه
كتاب القذفكتاب الحدود (1) في القذفكتاب الجناياتكتاب الجراحكتاب الجراحكتاب الديات
جارٍ التحميل