كتاب الحج الثالث
النسخ المقابل عليها 1 - (ب) = نسخة برلين رقم (3144) 2 - (ق 5) = نسخة القرويين رقم (368/ 3)
الجزء: 3 - الصفحة: 1275
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
أول الحج الثالث (1)
باب في حكم من فاته الحج أو أفسده
ولمن أحرم بالحج ففاته أن يحل بعمرة، فإن كان بمكة أو قريبًا منها- استحب له أن يحل؛ لأنه لا يأمن أن يدخل عليه فساد من حاجته إلى النساء، أو يصيب صيدًا؛ فكان إحلاله أولى وأسلم له.
وإن كان على بعد كان بالخيار بين أن يمضي فيحل، أو يبقى على إحرامه لقابل؛ لأن عليه مشقة في كلا الأمرين: في بقائه على إحرامه، وفي مضيه؛ فيحل فيقيم عند أهله لقابل، أو يعود فيتكلف الخروج للقضاء.
فلم يؤمر أن يقدم أحدهما على الآخر.
وقاله أشهب في كتاب محمد، في عبد أحرم بالحج بإذن سيده، ففاته، قال: فليس لسيده أن يمنعه أن يحل بعمرة إن كان قريبًا، وإن كان بعيدًا كان له أن يبقيه فيه على إحرامه لقابل، أو يأذن له فيحل بعمرة 2. وقال محمد فيمن أحرم بحج فأفسده، وفاته: إنه ينحل بعمرة، ولا يقيم على إحرامه لقابل 3.
يريد: لأنه إن أقام لقابل على إحرامه ثم حج لم يجزه عن الفائت؛ لأنه1
الجزء: 3 - الصفحة: 1277
فاسد.
فأمره بالإحلال ليأتي قابلًا بحجة تجزئه، ولاسيما على القول أن الحج على الفور.
وإن استأنف إهلالًا بالحج لم ينعقد، وكان على حجه الفاسد؛ لأن إحرامه الأول لم ينحل.
ومن فاته الحج فنوى أن ينحل بعمرة، ثم بدا له أن يقيم لقابل؛ كان ذلك له 4. قال محمد: ولكن إن أحب أن يقيم على إحرامه لقابل، ثم بدا له إن عجل بعمرة 5؛ كان ذلك له.
وقال ابن القاسم فيمن فاته الحج فطاف وسعى، وقال هذا لحج قابل: أخاف ألا يكون ذلك مجزئًا عنه.
وهذا مراعاة لاختلاف الناس فيمن طاف وسعى قبل أشهر الحج: أنه لا يجزئه.
وقد قال مالك في الكتاب الأول، فيمن قرن فطاف وسعى قبل أشهر الحج: أنه يجزئه 6. والإعادة بعد ذلك أحوط.
وقد قيل: معنى قول ابن القاسم ألا يجزئه؛ لما كان له أن ينحل عقبه بعمرة.
وهذا غير صحيح؛ لأنه لا خلاف أنه باق على إحرامه للحج، ولم ينحل بذلك الطواف، والإحلال له جائز ما لم تدخل أشهر الحج؛ فيؤمر حينئذ ألا ينحل.
واختلف إذا فعل، فقال مرة: إحلاله باطل.
وقال مرة: يصح إحلاله، ولا يكون متمتعًا.
وقال أيضًا: يكون متمتعًا.
فلم ير إحلاله في القول الأول يصح لما صار إلى وقت ينوب فيه الإنسان إلى أن ينشئ الحج.
وقوله: أنه يصح إحلاله إن أراد أن يحل في أوائل أشهر الحج؛ لأنه قد تكلف مشقة في الصبر إلى الآن، وفي بقائه على ذلك شهرين آخرين إذا أضيف إلى الأول مشقة.
فكان له
الجزء: 3 - الصفحة: 1278
أن يحل وينتفع بأهله ما بينه وبين آخر الوقت.
ولا يكون متمتعًا فيلزمه هديين: هدي التمتع بالإحلال، وهدي التمتع بالعمرة؛ لأنه لم يبتدئ عمرة، وإنما أتى بها لمكان الإحلال، فكان عليه هدي التمتع بالإحلال وحده.
فإن لم يحل حتى أتى بالحج لقابل لم يكن عليه هدي؛ لأن الهدي لم يكن لمكان الفوات، وإنما كان لأجل الانتفاع بالإحلال.
وإن أصاب أهله بعد أن فاته الحج، وقتل صيدًا أو تطيب- كان قد أفسد الحج.
وإن كان له أن ينحل بعمرة؛ فلا يكون مفسدًا لعمرة؛ لأنه كان له أن يبقى على إحرامه لقابل، إلا أن إفساده الحج لا ينقله عن حكم الفوات، وأن له أن ينحل بعمرة، ويقضي الفائت حسبما كان له (1) لو لم يفسد.
فصل [فيمن وطئ أهله في حج أو عمرة]
وقال مالك فيمن جامع امرأته في الحج: يفترقان قابلًا من حيث يحرمان، ولا يجتمعان حتى يحلا 8. قال أبو الحسن ابن القصار: ولم يبين هل ذلك واجب، أو مستحب.
قال: وعنه أنه يستحب.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: ذلك مستحب لمن فعله جهلًا بالتحريم، وواجب إذا كان عالمًا بتحريمه، فيجبر على الافتراق، وسواء كان معه الآن تلك الزوجة، أو غيرها أو سُرِّيَّةً؛ لأنه لا يؤمن أن يأتي مع من هو معه مثل ذلك.
قال مالك: ومن أفسد عمرة أو حجًا؛ أحرم من حيث كان أحرم بهما، إلا أن7
الجزء: 3 - الصفحة: 1279
يكون أحرم من أبعد من الميقات، فليس عليه أن يحرم إلا من الميقات (1).
ولم ير في تقديم الإحرام على الميقات فضل، ومحمل قوله: -أنه لا يحرم إلا من حيث أحرم أولًا- على أنه كان أحرم من هناك بوجه جائز؛ لأنه جاوز الميقات، وهو لا يريد دخول مكة، أو غير ذلك من العذر، ومن كان تعدى أولًا أُمِرَ الآن ألا يتعدى ميقاته.
وقد قال: أستحب لمن قدم مكة بعمرة، ثم أحب أن ينشئ الحج، وعليه نفس أن يخرج لميقاته (2). وإن كان إحرامه الأول من الميقات، فتعدى في الثاني، أو أتى به من دون الميقات- أجزأه، وعليه الهدي؛ لأنه لو تعدى الميقات في حجة الإسلام أجزأه.
فصل [فيمن أفسد حجة الإسلام أو التي نذرها]
وإن أفسد حجة الإسلام، أو حجة كان نذرها في الذمة أتى بحجة واحدة.
واختلف إذا أفسد القضاء، فقال عبد الملك: عليه حجة واحدة.
وهي الأولى: حجة الإسلام، أو التي نذر.
وقال ابن القاسم: يأتي بحجتين 11. إحداهما عن الأولى التي في الذمة، والأخرى عن التي أفسد آخرًا، قال: وقد قاله فيمن أفطر يومًا من رمضان ثم أفطر القضاء؛ عليه يومان، قال: والحج مثله 12.
وقال أصبغ: الصوم بخلاف الحج؛ لأن الحج عمل ثان أفسده فعليه قضاؤه.
قال وليس بالقوي، ولا الواجب إلا القضاء عن الأول فقط.
وقول عبد الملك910
الجزء: 3 - الصفحة: 1280
أحسن؛ لأنه لم يختلف في السؤال الأول إذا أفسد حجة الإسلام أن ليس عليه سوى حجة الإسلام، وأنه في ذلك بمنزلة من لم يتقدم له إفساد.
فإذا جعل إحرامه في العام الثاني قضاء عن حجة الإسلام، وسقط حكم التي أفسد، ولم يخاطب عنها بشيء، وكأنه لم يأت بالتي أفسد- كان حكم الثانية والثالثة حكم الأول، وأن الخطاب إنما يتوجه عليه أن يأتي بالتي في الذمة خاصة، كأنه لم يكن أفسد.
ولو صح أن يكون عليه قضاء الفاسد وقضاء ما في الذمة، لكان ذلك عليه في أول عام إذا أفسد، فيقضي التي أفسد والتي في الذمة.
وقال ابن القاسم فيمن قرن، وطاف أول ما دخل مكة وسعى، ثم جامع: عليه أن يقضي الحج والعمرة.
قال له سحنون: ولمَ لا يكون قد تمت عمرته حين طاف وسعى؟ فقال: لأن ذلك الطواف والسعي للعمرة والحج 13.
ومعارضة سحنون صحيحة، ولا ينبغي أن يكون عليه عن العمرة شيء؛ لأنها تمت بفراغه من السعي، فلم يبق إلا الحلاق، منع منه بقاؤه على الحج، وإنما أفسد بوطئه بعد ذلك الحج وحده، ولم يغلب على العمرة.
قال أيضًا فيمن قرن ففاته الحج: يحل بعمرة، ويقضي قارنًا 14. والقياس أن يقضي الحج وحده؛ لأن الفوات من الحج وحده، ولم يغلب على العمرة؛ لأن الوقت الذي ينحل فيه وقت لها، وقد وفى بها.
وقال ابن القاسم فيمن أفسد وهو مفرد، فقضى قارنًا: لم يجزه 15. لأن حج القارن ليس تامًا كتمام المفرد، إلا بما أضاف إليه من الهدي.
فإن أفسد وهو
الجزء: 3 - الصفحة: 1281
قارن؛ قضى قارنًا، وإن قضى الحج والعمرة مفردين؛ لم يجزه.
وقال عبد الملك: إن كان مفردًا، فقضى قارنًا؛ أجزأه (1). وهو أحسن لوجهين: أحدهمما: أن الهدي عنده يرفع الوصم، ويصير تامًا كتمام المفرد.
والثاني: أن من أتى بحجة الإسلام قارنًا؛ أجزأه.
فإن كان الفرض حجًا بانفراده، فتطوع بإضافة العمرة- أجزأه.
ولا يقال له: إنه غير جائز؛ لأنه اشترك بين فرض وتطوع.
وإن كان ذلك فإنه لا يخلو أن تكون الحجة التي أفسد حجة الإسلام، فلا يكون إفساده أوكد في الوجوب مما كان يجزئه أن يأتي به ابتداء أو تطوعًا، فلا يكون التطوع آكد.
وكذلك، إذا أفسد وهو قارن، فأتى بالحج والعمرة مفردين يجزئانه؛ لأنه أتى بأفضل مما أفسدة لأنه أفسد طوافًا واحدًا وسعيًا واحدًا، وأتى بطوافين وسعيين.
والقارن يأتي بالهدي لإسقاط أحد العملين، وإسقاط أحد السفرين، فجمعها بدم.
والمتمتع يأتي بدم لإسقاط أحد السفرين.
وقد وفى هذا بالعملين مَنْ أتى بالعمرة مِنْ أشهر الحج.
وإن أتى بها قبل أشهر الحج كان أبين؛ لأنه أتى بعملين سلم فيهما من الهدي.
فصل [فيمن أفسد حجه]
وإن أفسد وهو متمتع، فقضى مفردًا غير متمتع؛ أجزأه 17. وأن أفسد مفردًا فقضى متمتعًا أجزأه أيضًا؛ لأن الهدي لإتيانه بالعمرة حينئذ ليس لوصم في الحج.16
الجزء: 3 - الصفحة: 1282
وذكر أبو محمد في النوادر، فيمن قرن، ثم أفسد بالوطء، ثم قضى قارنًا متمتعًا لم يجزئه (1). ولا وجه لهذا؛ لأنه إنما أفسد عمرة لا غير ذلك، فعليه قضاؤها.
وقال عبد الملك فيمن تمتع فأفسد العمرة، ثم أنشأها بحج: أنه يأتي لقابل بالحج والعمرة (2). لأنه أفسد متعته، وهذا مثل الأول إنما أفسد عمرة ثم بعد ذلك أنشأ الحج، فعليه عمرة؛ لأنها التي أفسد.
فصل [فيما يلزم من الدم لفوات أو فساد الحج]
وأما ما يلزم من الدم عن هذه الأشياء، وعلى مَنْ أفردَ ثم فاته الحج هدي واحد.
وإن أفرد ثم أفسد فهدي.
وإن اجتمع فوات وفساد فهديان.
وإن قرن وأفسد فثلاث هدايا: هديان في العام الأول للقران والفساد، وهدي للقران في العام الثاني.
وإن قرن ثم فاته الحج كان عليه هدي الفوات وهدي القران بحَجَّة القضاء.
واختلف في هدي القران عن العام الفائت، فقال ابن القاسم في كتاب محمد: عليه الدم.
ومرة قال: لا دم عليه.
وهو أحسن؛ لأنه إنما آل أمره إلى عمرة، ولم يتم القران.
وإن اجتمع قران وفساد وفوات- كان عليه هدي الفوات والفساد والقران بحجة القضاء.
ويختلف في هدي القران عن الفائت.
وقال ابن القاسم فيمن تمتع وقرن، ثم فاته الحج: عليه دم القران1819
الجزء: 3 - الصفحة: 1283
وحده 20. وهو أحسن؛ لأنه لما فاته الحج صار بمنزلة من أتى بعمرتين بغير حج.
فأما دم القران للقضاء فإنه يؤخر حتى يقضي، فإن عجله قبل أن يحرم ونحره بمكة لم يجزه.
واختلف إذا قلده وأشعره قبل أن يحرم، ثم نحره بمنى بعد أن أحرم، هل يجزئه أم لا؟ واختلف في دم الفساد، ودم الفوات، فقال مالك مرة: له أن يعجله.
وقال مرة: لا يعجله، فإن فعل أجزأه.
وقال مرة: لا يجزئه.
والأول أحسن؛ لأنه أتى بهما عن أمر تقدم وجوبه في الذمة، ولا وجه لتأخره.
الجزء: 3 - الصفحة: 1284
باب فيما يحرم على المحرم من الوطء واللباس والصيد وغيره
الإحرام يمنع الرجل خمسة عشر شيئا:
الوطء وإن لم يكن إنزال، والإنزال وإن لم يكن وطء في الفرج، وعقد النكاح لنفسه ولغيره، والخطبة، ولبس المخيط، وتغطية الرأس، ولبس الخفين أو الشمشكين مع القدرة على النعلين، وحلق الرأس وغيره من البدن، وقص الأظفار، وإزالة الشعث عن جميع الجسد الرأس وغيره، والطيب، والاصطياد، وقتل الصيد وإن كان قد صاده غيره، وإمساكه وإن كان قد صاده قبل ذلك، وقتل القمل.
والمرأة مساوية للرجل في ذلك سوى ثلاث: لبس المخيط، وتغطية الرأس، ولبس الخفين.
والأصل في منع الوطء: قول الله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ.
. .﴾ الآية [البقرة 197].
وفي الحلاق: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: 196]. وفي الاصطياد: قوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: 96]، وفي قوله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ.
. .﴾ [المائدة: 95]، ومن السنة: قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لاَ يَنْكِحُ المُحْرِمُ، وَلاَ يُنْكحُ، وَلاَ يَخْطُبُ" 21، وقال: "لاَ يَلْبَسُ المُحْرِمُ القَمِيصَ، وَلاَ العَمَائِمَ، وَلاَ السَّرَاوِيلات، وَلاَ البَرَانِسَ، وَلا الأَخْفَافَ إِلاَّ أَلاَّ يَجِدَ نَعْليْنِ، فَلْيَلْبَسْ خُفَّينِ وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الكَعْبَيْنِ، وَلاَ يَلْبَس شَيْئًا مَسَّهُ وَرْسٌ وَلاَ
الجزء: 3 - الصفحة: 1285
زَعْفَرَانٌ" 22. فتضمن منع المخيط وتغطية الرأس والرجلين والتطيب.
وقال في الذي وقصت به راحلته: "لاَ تُخَمِّرُوا وَجْهَهُ وَلاَ رَأْسَهُ" 23. فمنع تغطية الوجه.
وقال لكعب بن عُجرة: "أَتُؤْذِيكَ هَوَامُّكَ"؟ قال: نعم.
قال - صلى الله عليه وسلم -: "احْلِقْ، وَانْسُكْ بِشَاةٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتّةَ مَسَاكِينَ، مُدَّيْنِ مُدَّيْنِ لِكُلِّ مِسْكِينٍ، أَوْ صُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ" 24 وقال: "لاَ تَنْتَقِبُ المُحْرِمَةُ وَلاَ تَلْبَسُ القُفَّازَيْنِ" 25.
فيُفسِدُ الحج التقاء الختانين فما بعد وإن لم ينزل، والإنزال وإن لم يَصُبَّ في الفرج، وسواء كان عالمًا بتحريم ذلك أو جاهلًا أو ناسيًا.
وإن كان الإنزال على أَمرٍ الغالب أن ينزل منه، أو متردد هل يكون أم لا؟ أفسد.
وإن كان الغالب ألا ينزل فأنزل لم يفسد حجه، وعليه الهدي.
فإن حركته دابته فأدام حتى أنزل أفسد.
فإن رهقه ولم يستدم لم يفسد وأهدى.
وكذلك المرأة تحركها دابتها، فتجد اللذة وتستديم حتى تنزل؛ فقد أفسدت.
وقال في محرم أو محرمة عبثا بأنفسهما حتى أنزلا: أفسد، وإن قبل، أو
الجزء: 3 - الصفحة: 1286
باشر، أو ضم أهله فأنزل أفسد 26. واختلف في النظر والتذكر إذا كرر فأنزل، فقال مالك: أفسد حجه 27. وروى أشهب عنه: ألا شيء على من تذكر حتى أنزل، ويهدي 28.
وقال محمد: رواية ابن القاسم أحب إلينا إذا أدام ذلك وكرره.
قال: وكذلك النظر 29.
يريد: إن كرر أفسد عند ابن القاسم، ولم يفسد عند أشهب.
ولم يختلفا إذا لم يكرر النظر ولا التفكير فأنزل ألا يفسد، وعلى هذا: إذا قَبَّلَ امرأة أو غمز، وشأنه ألا ينزل عند ذلك فأنزل؛ ألا يفسد 30.
وفرَّق مالك بين الصوم والحج، فقال فيمن نظر، أو تفكر ولم يدم فأنزل: عليه القضاء، ولا كفارة عليه.
وإن أدام ذلك؛ كان عليه القضاء والكفارة 31.
وقال في الحج: إذا لم يدم لم يفسد 32. ولا فرق بين الموضعين، فإما أن يقال للجميع: ألا شيء عليه أو أن ذلك عليه، إلا أن يحمل قوله في قضاء الصوم على الاستحسان ولا شيء عليه في الجميع فيستخف قضاء الصوم ليسارته.
الجزء: 3 - الصفحة: 1287
ومن أصاب محرمة طائعة أو مكرهة، زوجته كانت أو غيرها أفسد حجها، وعليه أن يحجها من ماله بعد إحلالها من هديه.
قال محمد: فإن ماتت قبل أن يحجها أهدى عنها.
ولم يجعل عليه أن يغرم نفقة العام الذي أفسد عليها.
قال مالك (1): وإن طلقها وتزوجت غيره؛ فعلى الزوج الآخر أن يأذن لها (2). وقال فيمن أحرمت أمته بإذنه، ثم أكرهها: عليه أن يحجها، ويهدي عنها (3)، وإن باعها قبل ذلك كان عيبًا ترد به، إلا أن يتبرأ منه (4). وعلى قول سحنون لا يجوز البيع؛ لأن المشتري يجبر على أن يدعها تحج القضاء، فكان بيعًا في تحجير، إلا أن يفلس البائع.
فصل [في غُسل المحرم]
وإن أجنب المحرم فاغتسل أَمَرَّ يديه مع الماء على جسده 37، ولم يدلك تدلكًا ينقي الوسخ، فإن فعل افتدى.
قال مالك: ولا يغمس رأسه في الماء خشية أن يقتل الدواب 38. يريد: فيمن كانت لهم وفرات حسب عادتهم، فإن لم يكن وعلم ألا شيء برأسه، أو كان حديث عهد بالحلاق- فلا بأس أن33343536
الجزء: 3 - الصفحة: 1288
يغمس رأسه.
قال: ولا يغسله بالخطمي (1). وهذا نحو الأول، يمنع من ذلك من كانت له وفرة؛ لأنه يغمس شعره، فإن فعل افتدى.
والأمر فيمن لا وفرة له أخف؛ لأنه لا ينقله عند من ينظر إليه عما كان عليه.
وللمحرم أن يغتسل اختيارًا للتبرد، ويكره له دخول الحمام.
واختلف عن مالك إن فعل، فقال مرة: الحمام ينقي الوسخ.
قال مرة: إن تدلك فعليه الفدية.
وقال أيضًا: إن تدلك وأنقى الوسخ افتدى (2).
وأرى أن يفتدي وإن لم يتدلك؛ لأن الشأن فيمن دخل الحمام ثم اغتسل أن الشعث يذهب عنه، ويزول الوسخ بصب الماء بعد عرقه فيه، وإن لم يتدلك.
فصل [في لباس المحرم]
قال مالك: ولا بأس أن يبدل المحرم ثيابه، وأن يبيعها 41. واختلف في تغطية الرجل وجهه، وفي القفازين للمرأة وفي الخاتم للرجل وفي السوارين، وتقلد السيف وشد المنطقة اختيارًا، وما شابه ذلك، كالعصائب: فمنع تغطية الوجه في المدونة، وقال: إن فعل فعليه الفدية 42. وقال أبو مصعب وأبو الحسن3940
الجزء: 3 - الصفحة: 1289
ابن القصار وأبو محمد عبد الوهاب: لا شيء عليه 43. والأول أحسن؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في الذي وقصت به راحلته: "لاَ تُخَمِّرُوا وَجْهَهُ" ذكره مسلم 44، ولأن المرأة أحق بالستر، فقد أمرت ألا تستر وجهها، ويلزم على القول أن ليس ذلك على الرجل: أن يكون 45 لها أن تستر وجهها.
وقال مالك في المرأة: لا تلبس القفازين، فإن فعلت افتدت 46. فقال ابن حبيب: لا أبلغ بها الفدية لما جاء فيهما من الرخصة عن عائشة.
والمنع أحسن للحديث وقد تقدم.
ويجوز لبس الخاتم والسوار والعصائب للمرأة؛ لأن لباس المخيط يجوز لها.
واختلف في هذه الأشياء، هل هي داخلة في معنى المخيط، فيمنع منها الرجل؟ فالمعروف من قوله المنع.
وقال في مختصر ما ليس في المختصر: لا بأس أن يلبس المحرم الخاتم.
وأجاز في الحج الأول من المدونة أن يحرم الصبي وعليه الأسورة وفي رجليه الخلاخل 47.
ولم يختلف المذهب أن الصبي يجرد عند الإحرام من الثياب، ويجنب ما يجنب الكبير 48، ومحمل قوله في الصبي على قوله في الخاتم للرجل.
وقال أصبغ فيمن تقلد سيفًا من غير حاجة إليه: يفتدي.
وقال محمد: لا فدية عليه 49.
الجزء: 3 - الصفحة: 1290
ويختلف على هذا في لباس المنطقة اختيارًا.
وقال فيمن أصابه جرح فعصبه: يفتدى (1).
وقال في مختصر ما ليس في المختصر، ومثله في كتاب محمد، فيمن أصاب أصبعه شيء، فوضع عليه حناء، ولفها بخرقة: لا شيء عليه (2). وهذا أحسن في هذا الأصل، ولا يدخل هذا في معنى النهي عن لباس المخيط.
فصل [فيما يحرم على المحرم من الوطء والصيد واللباس]
ومن أصاب أهله مرارًا فعليه هدي واحد؛ لأن الهدي للفساد، وهو بأول مرة قد أفسد، كمن أصاب أهله في يوم رمضان مرارًا فكفارة واحدة تجزئه.
وإن أصاب صيدًا بعد صيد كان عليه لكل صيد جزاء؛ لأنه من باب غرم قيم المتلفات، فكل نفس أتلفها غرم قيمتها.
وأما إماطة الأذى واللباس فعلى ثلاثة أوجه: فإن حلق وقلم أظفاره وتطيب، فإن كانت نيته فعل جميعها فعليه فدية واحدة، وإن بَعُدَ ما بين تلك الأفعال فذلك سواء.
وإن كانت نيته أحدها، ثم حدثت نية ففعل أيضًا، فإن بَعُدَ ما بين الفعلين؛ فعليه لكل شيء من ذلك فدية.
وإن كان ذلك في فور واحد ففدية واحدة.
وهذا قوله في المدونة 52.
وقد اختلف في هذا الأصل فيمن قال لزوجته قبل الدخول: أنت طالق،5051
الجزء: 3 - الصفحة: 1291
أنت طالق، أنت طالق.
هل يلزمه الثلاث أو طلقة واحدة، إذا كانت نيته من أول طلقة واحدة، ثم كرر الطلاق بنية محدثة أو استثنى بنية محدثة؟
والقياس: أن القرب والبعد ما بين اللباسين في ذلك سواء.
وإن لبس قميصًا بعد قميص لم تكن في الثانية فدية، وإن كان ذلك بنية محدثة وبعد ما بين اللباسين 53. وإن لبس سراويل ثم قميصًا ففديتان.
وقال ابن الماجشون: إن لبس قميصًا ثم سراويل ففدية واحدة.
وكذلك إن احتاج بعد القميص إلى جبّة فلا شيء عليه.
والقياس أن يكون عليه في السراويل والجبة فدية ثانية؛ لأن منفعة الثانية غير منفعة الأول.
وقال محمد فيمن ائتزر بمئزر فوق مئزر: افتدى إلا أن يبسطهما، ثم يئتزر بهما 54. وذكر ابن عبدوس عن عبد الملك مثله، قال: وأما رداء فوق رداء فلا بأس به 55. وإن لبس قلنسوة ثم عمامة ففدية، إلا أن تزيد العمامة على القلنسوة بقدر ينتفع به في مثله فعليه فدية أخرى.
وإن لبس قميصًا ثم قلنسوة أو عمامة كان في الثاني فدية، إلا أن يكون تلك بنية أو يكون بقرب الأول على ما تقدم.
وإن حلق ثم لبس قلنسوة أو عمامة كان في الثاني فدية، إلا أن تكون تلك نيته أو تلبس بقرب الحلاق.
وإن لبس قميصًا وهو صحيح، ثم مرض ثم صح وهو لابسه؛ ففدية واحدة.
وقال محمد: إن لبسه لمرض، ثم صح فتمادى على لباسه؛ فعليه فديتان 56.
الجزء: 3 - الصفحة: 1292
يريد: لأن نيته كانت أن يلبسه للمرض خاصة، وقد بَعُدَ ما بين النية الأولى والثانية.
والقياس على أصله: ألا شيء عليه في التمادي؛ لأنه بانقضاء المرض تمادى في اللباس، فأشبه ما يقرب فعل بعضه من بعض.
وكذلك (1)، إن تطيب وهو صحيح، ثم مرض ثم صح وهو عليه؛ ففدية واحدة.
وإن استعمل ذلك لمرض، ثم صح وهو عليه فلم يغسله كان عليه على قول محمد فديتان.
وإن وصف له الطِّيب فاستعمله، ثم استعمل طيبًا آخر بقرب الأول؛ ففدية واحدة.
وإن تباعد ما بينهما، وذهبت رائحة الأول ففديتان.
وكذلك إن لم يذهب الأول حتى استعمل الثاني؛ لأنه لو لم يستعمل الثاني ذهبت رائحة الأول قبل ذلك.
فصل [فيما يحمل المحرمُ على رأسه]
قال مالك: ولا بأس أن يحمل المحرم على رأسه خرجه فيه زاده، وإن فعل ذلك لغيره تطوعًا أو بإجارة؛ افتدى.
قال ابن القاسم: ولا يحمل على رأسه شيئًا للتجارة 58.
يريد: لأنه لم يضطر إلى ذلك، فإن فعل افتدى.
وكذلك إن حمل زاده وهو من أهل الغنى بخلاف المضطر.
ولا بأس عند مالك أن يشد المنطقة في وسطه لنفقته من تحت مئزره، فإن شدها من فوقه افتدى.
وكره أن يشدها على فخذه أو عضده أو ساقه، قال57
الجزء: 3 - الصفحة: 1293
ابن القاسم: ولا فدية عليه إن فعل (1). وقال أصبغ: أما العضد (2) ففيه الفدية.
والأول أحسن، ولا فرق بين جميع ذلك.
وإن شدها لغير نفقته أو لنفقة غيره افتدى.
وإن جعل نفقة غيره مع نفقته فلا بأس.
فإن فرغت نفقته رد الأخرى إلى صاحبها.
فإن تركها افتدى.
وإن ذهب صاحبها وهو عالم افتدى.
وإن لم يعلم فلا شيء عليه، ويبقيها معه.
وقد قال ابن القاسم فيمن أودع صيدًا وهو حلال فأحرم وقد غاب صاحبه: فلا يرسله وليضمنه إن فعل (3). وكذلك النفقة قبلها بوجه جائز، ثم غاب صاحبها؛ جاز أن يبقيها عنده، ولا يخرجها إلى غيره.
فصل [فيما يحرم على المحرم التطيب به]
ولا يتطيب المحرم بطيب مؤنث كالكافور والمسك والزعفران، فإن فعل افتدى.
ولايتعمد شمّه، فإن فعل فلا شيء عليه.
واختلف إذا مسه ولم يعلق بيده أو علق بيده، أو شربه أو أكله في طعام.
فقال مالك: إن مسه افتدى.
قيل لابن القاسم: وإن لم يلصق بيده؟ فقال: قال مالك: إن مسه افتدى 62.
وقال أبو محمد عبد الوهاب: إن مسه فعلق بيده ريحه ولم يتلف منه شيء؛ لم تلزمه فدية 63.596061
الجزء: 3 - الصفحة: 1294
وقال أبو الحسن ابن القصار: إن تطيب أو لبس ثيابًا، ثم نزع اللباس وغسل الطيب بالحضرة؛ فلا شيء عليه.
والصواب ألا شيء في المس إذا لم يعلق باليد، أو علق فغسله بالحضرة، أو لم يغسله وكان يسيرًا لا تظهر رائحته ليسارته؛ لأن النهي إنما ورد في التطيب في قوله - صلى الله عليه وسلم -: "وَلاَ تَلْبَسُوا شَيْئًا مَسَّهُ وَرْسٌ وَلاَ زَعْفَرَانٌ" 64. فهو مستهلك في الثوب، إلا أن رائحته تشم على لابسه.
وقد قال مالك فيمن جعل ثوبه في تابوت فيه طيب، فعلقت فيه رائحته فلبسه: افتدى 65. لأنه الوجه الذي ورد فيه النهي.
وقال مالك فيمن أصابه خلوق الكعبة: يغسله، ولا شيء عليه، وله تركه إن كان يسيرًا 66. فأباح ترك اليسير؛ لأنه لا يشم منه كبير رائحة.
وإن أكل طعامًا فيه طيب، فإن كان مسته النار فلا شيء عليه 67؛ لأن النار تذهب رائحته أو يبقى ما لا خطب له.
واختلف إذا لم تمسه النار، هل تكون عليه فدية أم لا؟ وألا شيء عليه أحسن؛ لأنه لا يكون بأكله 68 متطيبًا، وهو بمنزلة من مسه ثم غسله بالحضرة، فهذا مسه لملاقاته لفمه حين الأكل، ثم ذهبت بالحضرة.
ويكره ما كان غير مؤنث كالرياحين والورد والياسمين، ولا فدية فيه إن مسه أو شمه أو علق شيء به 69 قال ابن القاسم: ولا بأس أن يتوضأ
الجزء: 3 - الصفحة: 1295
بالحرض (1). وهو: الأشنان.
ولا بأس أن يعالج المريض الجراح وغيرها بدواء فيه طيب.
قال مالك: ويفتدي (2). والمعروف في هذا الأصل في كل ما ألجئ إليه ولم يقصد الانتفاع به ألا فدية عليه، كالذي يحمل زاده على رأسه، ويجعل المنطقة لنفقته، ويحمل السيف عند الخوف، ولا شيء عليه، وفي كلها الفدية عنده مع الاختيار، فعلى قوله في الذي يعالج بما فيه طيب الفدية- تجب الفدية على حامل زاده، وحامل السيف، والمنطقة وإن لم يفعل ذلك اختيارًا، وعلى قوله ألا فدية على هؤلاء؛ لا يكون على من يعالج بما فيه طيب فدية.
وألا فدية على جميعهم أحسن؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الخُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُما أَسْفَلَ مِنَ الكَعْبَيْنِ" (3). وأباح أن يستر ظهور قدميه عند عدم النعلين؛ لأنه لم يقصد الانتفاع بذلك، وإنما قصده دفع الحفى.
وهو لا يقدر على ذلك عند عدم النعلين إلا بما يستر ظهور القدمين، ولو لبس الشمشكين اختيارًا افتدى.
فصل [في اكتحال المحرم]
واختلف في الكحل وغيره مما هو زينة، فقال مالك في المدونة في الرجل يكتحل: عليه الفدية 73. وقال ابن 74 الجلاب عن عبد الملك: لا فدية707172
الجزء: 3 - الصفحة: 1296
عليه 75.
وقال أبو محمد عبد الوهاب: لا فدية على الرجل إذا اكتحل بما لا طيب فيه 76.
وقال أيضًا: الزينة ممنوعة في الإحرام كالكحل للنساء ولبس الحلي وغيره.
قال: واختلف أصحابنا هل هو منع 77 حظر فتجب فيه الفدية، أو كراهية فلا فدية فيه؟ فوجه الحظر: أنها عبادة تمنع الطيب والنكاح، فمنعت الزينة كالعدة.
ووجه الكراهية أنها عبادة لها إحلال وإحرام كالصلاة.
انتهى قوله 78.
فلم يجعل في اكتحال الرجل فدية، وفعل الرجل لذلك بالشرق 79 على وجه الزينة، وقد اعتاد ذلك كثير منهم.
والأول أحسن؛ لما جاء من منع الحلاق وإلقاء التفث، وإذا كان ذلك كان منع الزينة أولى.
وقال مالك في المدونة في المحرم يدّهن عند الإحرام بالزنبق غير مطيب، وبالبان السمج: لا بأس به، أما كل شيء يبقى ريحه فلا يعجبني 80.
ومنع الادهان بعد الإحرام 81 بما لا طيب فيه؛ لأنه يحسن الجسم.
والقياس ألا
الجزء: 3 - الصفحة: 1297
فرق بينهما جميعًا (1) فيمنع قبل الإحرام كما يمنع بعد، وكما لا يبتدئ الإحرام في مخيط ولا يلبسه بعد.
وفي البخاري ومسلم: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال للذي أحرم بعمرة وعليه جبة وخلوق: "انْزِعِ الجُبَّةَ وَاغْسِلِ الخَلُوق" (2).
فصل [في فدية المحرم]
الفدية تجب فيما تقدم ذكره إذا طال وانتفع به.
واختلف إذا زال ذلك في الحضرة قبل أن ينتفع به، لو كان من الانتفاع ما لا خطب له، فقال مالك فيمن غطى رأسه أو لبس قميصًا، فنزع ذلك بالحضرة: فلا شيء عليه.
وإن تركه حتى طال، وانتفع به افتدى (3).
واختلف إذا صلى به صلاة ولم يطل، فقال: لا شيء عليه.
وقيل: يفتدي؛ لأنه انتفع به حتى صلى به صلاة.
وقال (4) فيمن تطيب وغسله بالحضرة: عليه الفدية.
قال ابن القصار: لا شيء عليه.
فصل [في حلقِ المحرمِ رأسَ حلالٍ]
وإن حلق المحرمُ رأسَ حلالٍ ولا قملَ فيه؛ فلا شيء عليه.
وإن كان فيه يسيرًا أطعم شيئًا من طعام.
واختلف إذا كان كثيرًا، فقال مالك: يفتدي.
وقال82838485
الجزء: 3 - الصفحة: 1298
ابن القاسم: يتصدق بشيء 86. وكذلك إن حلق رأس محرم طوعًا، فالفدية على من حلق رأسه، ولا شيء على الحالق، فإن لم يكن فيه، أو كان يسيرًا أطعم شيئًا من طعام، وإن كان كثيرًا افتدى على قول مالك، وتصدق بشيء من طعام 87 وعلى قول ابن القاسم.
وإن أكرهه على الحلاق كان عليه عن الذي حلق رأسه الفدية، كان فيه شيء أو لم يكن، ولا شيء عن نفسه إن لم يكن فيه شيء، وإن كان قليلًا أطعم.
واختلف إذا كان كثيرًا.
وكل ما لزمه عن نفسه جاز أن يكفر بالصوم إن أحب.
وما لزمه عن الذي حلقه؛ لم يصح أن يصوم عنه، وعليه أن ينسك عنه أو يطعم.
وإن كان فقيرًا؛ صام الآخر إن أحب، ولم يرجع بشيء.
وإن نسك أو أطعم؛ رجع عليه.
وقال مالك فيمن غطى رأس محرم وهو نائم، أو حلقه، أو طيبه في حال النوم: كان على من فعل ذلك الفدية.
قال محمد: ولا يفتدى الفاعل بالصيام، ولا يجزئه إلا النسك أو الإطعام 88.
فإن كان عديمًا افتدى المحرم عن نفسه، فان افتدى بالصيام فلا شيء له على الفاعل، وإن افتدى بالنسك أتبع الفاعل به، إلا أن يكون ثمن الطعام أقل، فيرجع بالأقل.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: أما الحلاق فيفتدي النائم ثم يرجع على من حلقه متى أيسر، فإن غطى رأسه لم يكن عليه شيء؛ لأنه لو فعل ذلك بنفسه, وهو نائم لم يكن عليه شيء، بخلاف الحلاق لا ينتفع به بعد اليقظة إلا على ما قال ابن حبيب.
الجزء: 3 - الصفحة: 1299
ويختلف في الطيب إذا غسله بفور ما استيقظ، فعلى قول ابن القصار: لا شيء عليه؛ لأنه لا ينتفع به في حالة النوم.
وإنما المراعى حالة اليقظة، إلا أن يغسله بخلاف التغطية؛ لأنه ينتفع بها في حالة النوم.
وفي تقليم الأظفار الفدية 89، وكذلك إن قلم يدًا أو رجلًا.
وقال ابن القاسم: في الظفر الواحد إن أماط به أذى ففيه الفدية، وإلا أطعم شيئًا من طعام 90. قال: وإن انكسر ظفره فقلمه فلا شيء عليه.
وإن كان بإصبعه قروح، ولا يستطيع علاجها إلا أن يقلم أظفاره فعل وافتدى 91.
وإن أخذ من لحيته أو من شاربه ما أماط به أذى افتدى وإن لم يمط أذى أطعم شيئا من طعامه، ولا يستظل المحرم ما يقرب من رأسه فإن فعل افتدى وإن كان بعيدا فلا شيء عليه فإن كان في محارة كشف عنها فإن لم يفعل افتدى وإن كان نازلا بالأرض لم يستظل تحتها فإن فعل افتدى.
ولا بأس أن يكون في ظلها خارجًا عنها.
وكذلك إن كان ماشيًا؛ فلا بأس أن يستظل بظلها إذا كان خارجًا عنها، ولا يمشي تحتها.
واختلف إذا فعل.
الجزء: 3 - الصفحة: 1300
باب في فدية الأذى وأين يخرج
فدية الأذى ثلاثة أصناف حسب ما ذكر الله تعالى في كتابه: صيام أو صدقة أو نسك 92. يفتدي بأي ذلك أحب، وأبان النبي - صلى الله عليه وسلم -: قدر الصدقة والصيام وما يجزئ من النسك، فقال لكعب بن عجرة: "صُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّة مَسَاكِينَ، أَوِ انْسُكْ بِشَاة" 93 قال مالك: وله أن يفعل ذلك بحيث يشاء من البلاد 94. فجعلها على التراخي.
وعلى القول أن الأوامر على الفور: يكون عليه أن يأتي بها بمكة، ولا يؤخرها لرجوعه.
فإن وجبت عليه الفدية قبل الوقوف، وأحب أن يكفر بالصيام؛ صام قبل وقوفه.
واختلف إذا أخر الصوم حتى إذا وقف، ووجبت عليه بعد الوقوف، هل يصوم أيام الرمي؟ فأباح ذلك في المدونة 95، وكرهه في كتاب محمد 96، ورأى أنها أيام منهي عن صيامها، فلا يصوم فيها إلا الثلاثة من العشرة، لورود النص فيها بذلك.
وقال في النسك: ليس عليه أن يقلده ولا يشعره، إلا أن يحب أن يجعله هديًا 97. وهذا على أصله أنها على التراخي.
والاستحباب 98: أن يعجل ذبحه
الجزء: 3 - الصفحة: 1301
إن كان وصل إلى موضعه، ولا يؤخره ليبعثه، ويجعله هديًا.
وقال الشافعي وأبو حنيفة: لا يجزئ النسك إلا بمكة.
ورأيا أنه دم وجب عن أمر تعلق بحج أو عمرة؛ فوجب أن يراق بتلك المواضع مثل غيره مما وجب عن الحج.
وقال الشافعي في الطعام مثل ذلك؛ أنه يطعم بمكة.
وهذا يحسن على القول أنه على الفور 99، وليس له إن خرج عن مكة ووصل إلى بلاده أن يؤخر إخراجه حينئذ.
وقال مالك: يطعم مُدَّيْنِ مُدَّيْنِ لكل مسكين من طعام ذلك البلد 100 وإن كان عيشهم الشعير أطعم منه مدين مدين.
وقال محمد: إن أطعم من الذرة نظر مجزأه من القمح، فيزيد من الذرة قدر ذلك 101.
وليس هذا بالبين، ولا يصح أن يجعل القمح أصلًا، وقد أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بمدين لكل مسكين 102.
وغالب أقواتهم حينئذ التمر.
وفي كتاب أبي داود أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمره بثلاثة آصع تمر 103. فالتمر الأصل، ومدان من تمر قوت الرجل في يومه بين غدائه وعشائه، والكفارة عن العمد والخطأ والنسيان.
ومن اضطر إلى ذلك ففعله لوجه جائز عن ضرورة سواء.
ولا يجوز لأحد أن يأتي ذلك اختيارًا ويكفِّر؛ لأن ذلك انتهاك لمحارم الله تعالى.
الجزء: 3 - الصفحة: 1302
باب ما يجوز للمحرم قتله، من الصيد وللحلال في الحرم
104.
قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ لَيْسَ عَلَى المُحْرِمِ فِي قَتْلِهِنَّ جُنَاحٌ: الغُرَابُ وَالحِدَأَةُ وَالعَقْرَبُ وَالفَارَةُ وَالكَلْبُ العَقُورُ" 105. وقال: " خَمْسُ فَوَاسِقَ يُقْتَلْنَ فِي الحَرَمِ.
. ." 106 فذكر الخمس المتقدمة.
اجتمع على هذين الحديثين الموطأ والبخاري ومسلم.
فنص الحديث الأول على ما يحل للمحرم 107، والثاني على الحلال في الحرم، وزاد مسلم: "الحيَّة" 108. وقال أبو مصعب يقتل المحرم: الغراب والحدأة والعقرب والفأرة والكلب العقور حسب ما في الحديث.
ولا خلاف في العقرب والحية والفأرة والكلب العقور.
واختلف المذهب في الغراب والحدأة، فأجاز أبو مصعب قتلهما، وقد تقدم قوله.
الجزء: 3 - الصفحة: 1303
وقال ابن القاسم في كتاب محمد: لا أحب للمحرم أن يقتلهما حتى يؤذياه، ولو قتلهما قبل أن يؤذياه لم يكن فيهما جزاء 109. وقال مالك في المختصر: لا يقتلان في الحرم خوف الذريعة للاصطياد، إلا أن يؤذياه 110. وقال أشهب: إن قتلهما من غير اضطرار وداهما 111. والأول أصوب للحديث، وقد يحمل قول أشهب في المنع لظاهر القرآن؛ لأنهما من الصيد.
وقد اختلف هل يخص القرآن بخبر الواحد؟
واختلف في العقرب والفأرة هل هما من الصيد؟ 112 فقال أبو محمد عبد الوهاب: للمحرم قتل السباع العادية المبتدئة بالضرر، ولا جزاء عليه فيها.
فذكر الأسد والذئب والنمر والفهد، ومن الطيور الغراب والحدأة، قال: وأما الكلب العقور والحية والعقرب والزنبور فله قتله بغير معنى الصيد 113. انتهى قوله.
قاله 114 عند غير واحد من أهل العلم، وأما غير هذين من سباع الطير، فلا يقتلهما ابتداء لعدم النص فيه.
قال مالك: فإن فعل فعليه الفدية، إلا أن يبتدئه بإيذاء، فلا شيء عليه 115. قال ابن القاسم: وكذلك لو أن رجلًا عدا على رجل يريد قتله، فدفعه عن نفسه فقتله؛ لم يكن عليه شيء 116. قال أشهب في
الجزء: 3 - الصفحة: 1304
كتاب محمد: عليه الجزاء، وإن كان ابتدأته 117. يريد: إذا كان قادرًا على أن يصرفها بغير قتل.
وقول ابن القاسم أحسن ألا شيء عليه؛ قياسًا على الغراب والحدأة لما كان شأنهما الإيذاء، فكذلك ما كان منه أذى من غيرهما.
واختلف في المراد بالكلب العقور، فقول مالك في الموطأ: أنها السباع والأسد والنمر والفهد 118. فحمل الحديث على الكلب الوحشيِّ.
وظاهر قول أشهب: أنه الكلب الإنسيِّ؛ لأنه قال: يقتل الكلب، وإن لم يعقر 119.
وقال أبو محمد عبد الوهاب: للمحرم قتل الكلب العقور والحية والفأرة بغير معنى الصيد.
قال: وليس من ذلك الصقر والبازي، ولا القرد ولا الخنزير، إلا أن يبتدئ شيء من ذلك بالضرر.
انتهى قوله 120. وقال مالك في كتاب محمد: ولا يقتل المحرم قردًا ولا خنزيرًا.
قال ابن القاسم: لا وحشيًا ولا أهليًا ولا خنزير الماء 121. قال مالك: وفدى 122 ذلك كله.
ووقف محمد 123 في خنزير الماء 124. قال: ولا شيء في الضفدع.
قال أشهب:
الجزء: 3 - الصفحة: 1305
وقيل يطعم شيئًا 125.
وسئل مالك: أيقتل المحرم الوزغ؟ فقال: لا؛ لأنها ليست من الخمس الفواسق 126 التي أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقتلهن، ولو أرخص للناس في هذا؛ لزادوا فيه عددًا كثيرًا، وإنما الذي قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "خمس.
. .". قال: ويقتل في الحرم إن كان حلالًا، ولو لم يقتل في الحرم؛ لكثرت وغلبت وأما المحرم فشأنه يسير 127. فمنعه المحرم من قتل الوزغ دليل على أنه رأى أن العقرب والفأرة من الصيد، وأنهما استثنيا من الصيد، ومنع من قتلهما حماية؛ لئلا يتذرع الناس إلى قتل الصيد.
والقياس أن يلحق بالعقرب والفأرة، وقد ورد في الحديث الحث على قتلهما، ولولا أن شأنهما الإيذاء لم يحض على ذلك؛ لأنه لا يجوز إتلاف نفس الحيوان لغير علة، وذلك من السرف، ولولا أن شأنهما الإيذاء أيجز قتلهما للحلال في الحرم.
ومنع من قتل الخنزير البري 128 بخلاف السباع، وإن كان لا يجوز أكله؛ لأنه ليس من شأنه أن يعدو.
وقال: وتقتل العقرب والفأرة صغارها وكبارها 129. وقال ابن القاسم في صغار السباع والنمور إن كانت لا تفترس: فلا ينبغي أن تقتل 130. قال في
الجزء: 3 - الصفحة: 1306
كتاب محمد: وإن قتلت؛ فلا شيء عليه.
وقال أشهب في كتاب محمد: ما كان من كبار السباع، فإنه تقتل صغارها مع كبارها وكذلك الحية والعقرب والفأرة، صغارها وكبارها سواء (1). وقال: إن قتل غرابًا وحدأة أو صغار السباع على غير إضرار ولا أذى؛ فعليه جزاؤه.
فقال في الأول: كبار السباع يقتل صغارها وكبارها.
يريد: في الصنف الذي هو كباره، كالأسد والنمر والفهد، فصغاره وكباره سواء.
والصنف الذي هو من صغار السباع، كالثعلب والضبع، صغارها وكبارها سواء إن قتلها ابتداءً وداها، وإن قتلها بعد أن آذته؛ فلا شيء عليه.
وكره مالك قتل سباع الطير، فإن فعل وداها (2). قال ابن القاسم: فإن عدى عليه شيء منها، فخافه على نفسه فقتله؛ فلا جزاء عليه.
وقال أشهب في كتاب محمد: عليه الجزاء، بخلاف من قتل سباع الطير (3).
والأول أحسن؛ لأنها إذا عدت، صارت كالغراب والحدأة.
فصل في صيد البحر للمحرم
134
صيد البحر جائز للمحرم لقول الله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ.
. .﴾ الآية [المائدة: 96] ولا خلاف في ذلك في كل ما لا حياة له بعد أخذه، ولا يحتاج131132133
الجزء: 3 - الصفحة: 1307
إلى ذكاة.
والبحر والأنهار في ذلك سواء، ولا يجوز له أن يصيد طير الماء، ولا قتل ما صاده غيره من المحرمين.
فإن فعل وذبح شيئًا من ذلك؛ كان غير مذكّي، وعليه الجزاء.
وقد تقدم ذكر الاختلاف في خنزير الماء وفي الضفدع.
الجزء: 3 - الصفحة: 1308
باب في تحريم الصيد على المحرم
135
الأصل في ذلك قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: 95]، وقوله تعالى: ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المائدة 94].
أي: يبتلي المحرمين بالصيد ليختبرهم فيعلم من يصبر مخافة منه فلا يعتدي فيصطاده؛ تُقًى له، وقال تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: 96].
والمحرم في الصيد على ثمانية أوجه: يحرم عليه ثلاثة، ويحل له اثنان، واختلف في ثلاثة.
فيحرم الاصطياد، وإن كان الاصطياد على صفةٍ تسْلَمُ نفسه وتؤمن حياته.
ويحرم قتله، وإن كان ملكًا له قبل إحرامه، أو في ملك غيره، فإن ذبحه لم يكن ذكيًا.
وإن يستأنف ملكه من حلال بشراء أو هبة.
ولا يحرم ملكه إذا كان الملك متقدمًا له وهو حلال، إذا كان في بيته، وليس في يده ولا معه.
وقال مالك: ليس عليه أن يرسله؛ لأنه أسيره 136. واختلف إذا كان معه في رفقة أو في يده، فقال مالك: إن كان يقوده, أو في قفص أرسله 137. وقال محمد: إن كان معه في رفقة؛ فلا شيء عليه.
وفي مختصر ابن الجلاب: إن كان معه في رفقة
الجزء: 3 - الصفحة: 1309
أرسله، فإن لم يرسله حتى مات في يديه؛ كان عليه جزاؤه 138. وقال أشهب: إن سافر به فلا شيء عليه.
ومن أرسله من يده فعليه قيمته, وقال محمد: في قوله إن سافر به فلا شيء عليه؛ يريد: ويرسله 139. وظاهر قول أشهب خلاف ما ذهب إليه محمد، ولو كان عليه أن يرسله؛ لم يكن على من أرسله من يده قيمة.
وقال ابن القاسم في العتبية فيمن صاد صيدًا وهو حلال أو حرام، فأدخل الحلال صيده الحرم، أو أحرم وهو معه، ثم حل أو خرج من الحل، أو حل الذي صاده، وهو محرم والصيد معهما، فأكلاه؛ فعليهما جزاؤه.
قال: وخالفني أشهب، وقال: لا شيء عليهما 140. فحكى عن أشهب ألا شيء عليه إذا أكل منه بعد أن حل، وهذا يرد على محمد أن ليس عليه أن يرسله إلا على وجه الاستحسان.
فحرم قتل الصيد لقول الله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: 95].
والاصطياد بقوله تعالى: ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ.
. .﴾ الآية [المائدة: 94]، وحرم استئناف ملكه وإن كان ملكًا بحلال لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - للذي أهدى له صيدًا فرده عليه: "إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إِلاَّ أَنَّا حُرُمٌ" 141.
الجزء: 3 - الصفحة: 1310
ولم يحرم ملكه إذا لم يكن معه؛ لأنه أمر خارج عما ورد فيه القرآن، فبقي على أصل الملك.
وحرم إذا كان في يده لقوله - صلى الله عليه وسلم - في مكة: "لا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا" 142. فكذلك الصيد 143 مع الحلال 144 في الحرم يكون آمنًا، وإذا لم يجز أن ينفره؛ لم يجز أن يبقى في يده.
واختلف في معنى قول الله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: 96] فقيل: المراد الصيد نفسه.
وقيل: الاصطياد.
وكلا القولين يحتمل؛ لأن الصيد يقع على المصيد، يقول: هذا صيد، وأخذت صيدًا.
وعلى الاصطياد، يقول: صاد يصيد صيدًا، فهو مصدر صاد.
وقول مالك وأصحابه أن المراد الاصطياد، وألا شيء عليه إن بقي في ملكه إذا أيكن في يده معه 145.
واختلف فيه عن الشافعي فقال مرة: المراد الاصطياد.
وقال مرة: الصيد نفسه، وعليه أن يرسل ما كان في بيته.
وحمل الآية على الملك.
واحتج من أجاز ملكه بالنكاح لتقدم الإحرام، فإنه لا يؤمر بالفراق، ولا يجوز أن يستأنف نكاحًا بعد الإحرام.
وليس الاحتجاج بالزوجية 146 بالبين؛ لأنه يجوز أن تكون معه وتضاجعه، بخلاف الصيد أنه يرسله إن كان معه، والوجه فيه ما تقدم: أن
الجزء: 3 - الصفحة: 1311
النهي إنما ورد عن القتل والاصطياد، وأن يستأنف فيه ملكًا وهو معه؛ لئلا يكون خائفًا منه، وما كان في بيته خارج عن ذلك، فقد يجوز أن يشتري وهو محرم 147 بمكة صيدًا بمدينة أخرى، وتقبل هبته.
وقول محمد ألا شيء عليه إن كان معه في رفقة- حَسَنٌ، ولا فرق بين ذلك ولا بين أن يكون في داره وهو في تلك المدينة ولا بين أن يكون معه في رفقة، بخلاف أن يكون معه خائفًا منه، وقد نهي أن يزيله من الظل ويكون مكانه.
والسابع اصطياده وقتله للضرورة، ففيه ثلالة أقوال:
فقيل: لا يجوز قتله.
وقيل: يجوز، وعليه الجزاء.
وقيل: لا جزاء عليه.
فقال مالك في الموطأ في المحرم يضطر إلى الميتة: يأكلها، ولا يصيد.
قال: لأن الله تعالى لم يرخص في قتل الصيد في حال من الأحوال، ورخص في كل الميتة عند الضرورة 148. وهذا يقتضي ألا يأكله وإن لم تكن ميتة؛ لقوله: لم يرخص فيه في حال من الأحوال، مثل أحد القولين في المضطر إلى الخمر.
وقال محمد بن عبد الحكم: لو نالني ذلك؛ لأكلت الصيد، وإن كانت الميتة موجودة 149.
وقال أبو محمد عبد الوهاب فيمن قتل صيدًا لضرورة: عليه جزاؤه 150. وهذا محتمل أن يمنعه عند الضرورة، أو يقول: يجوز له، وعليه جزاؤه.
وقال الأوزاعي: لا جزاء عليه.
وأرى أن يجوز الصيد والقتل عند الضرورة لإحياء
الجزء: 3 - الصفحة: 1312
نفس، وليس له ذلك إذا جاع، ولم يخف على نفسه.
وقد اختلف في الميتة هل يأكل منها إذا اضطره الجوع، أو حتى يخشى الموت؟ وإن استودع صيدًا وهو حلال، ثم أحرم وهو في يديه؛ دفعه لصاحبه إن كان حاضرًا، وإن كان غائبًا بقي في يده حتى يقدم، فيرده عليه.
قال ابن القاسم في كتاب محمد: ولا يرسل متاع الناس، ويضمنه إن فعل، وإن استودعه بعد أن أحرم أرسله، وغرم قيمته لصاحبه (1).
يريد: إذا غاب، وإن كان حاضرًا رده عليه.
وقال في كتاب محمد، في محرم اشترى صيدًا من حلال: يرده عليه، ويلزم ذلك البائع، شاء أو أبى.
وقال ابن حبيب: يرسله، فإن رده على بائعه؛ كان عليه الجزاء (2).
فصل في ذبح المحرم للصيد
153
لحم الصيد على المحرم على ثلاثة أوجه:
حرام، وهو: ما ذبحه المحرم، أو قتله باصطياد.
وحلال، وهو: ما ذبحه الحلال لنفسه، أو لغيره ممن هو حلال، فهو حلال للمحرم.
وكذلك ما صاده المحرم وذبحه له قبل أن يحرم، ثم أحرم من ذبح له فهو ذكي؛ يجوز أكله للمحرم، كان من ذبح له أو غيره.
والثالث: ما صيد للمحرم بعد إحرامه, أو صيد قبل وذبح له بعد، فإن كان صيده أو ذبحه بأمره؛ لم يحل كله بحال، وهو غير ذكي، وعلى الآمر جزاؤه؛ لأن151152
الجزء: 3 - الصفحة: 1313
إراقة دمه كان بأمره.
واختلف إذا لم يكن بأمره، فذهب عثمان - رضي الله عنه - إلى أنه ذكي، ويجوز أكله للحلال ولغير من ذبح له من المحرمين، وقال لأصحابه: كلوا، فإنما صيد من أجلي 154. وقد يكون ذلك منه على وجه الاستحسان في امتناعه؛ حماية لئلا يتذرع المحرم للاصطياد؛ لأنه لا يكون ذكيًا غير ذكي.
وقال مالك وغيره من أصحابه: ليس بذكي، ولا يأكله حلال ولا حرام 155.
واختلف بعد القول بمنع الأكل منه: إن أكل منه من ذبح من أجله على ثلاثة أقوال: فقيل عليه جزاؤه.
وقيل: لا شيء عليه 156. وقيل: إن علم فعليه الجزاء، وإلا فلا 157.
وإن أكل منه محرم غير من ذبح من أجله، وهو لا يعلم، فلا شيء عليه.
واختلف إذا علم هل عليه جزاؤه؟ وألا جزاء في ذلك كله أحسن؛ لأن الجزاء إنما يتعلق بإتلاف نفس الصيد وإراقة دمه، وقد كان الاصطياد والذبح، لم يلزم صائده ولا ذابحه جزاء، وإن كان ذلك لم يلزم بالأكل.
وإن أشرك بالنية فذبح لنفسه وللمحرمين فهو أخف.
ويجوز أكله للحلال والحرام؛ لحديث أبي قتادة 158 إلا أن يكون ذبحه لنفسه في معنى التبع، ولولا من معه لم يذبحه.
الجزء: 3 - الصفحة: 1314
باب الصيد في حرم مكة والمدينة, وهل يعضد شجرها أو يختلا خلاها؟
159
الصيد في الحرم حرام لقول الله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة 95] فدخل في عموم الآية الحلال يحرم أو يدخل الحرم؛ لأنه يصير بذلك حرامًا.
يقال: أحرم إذا دخل في الحرم، وأتهم وأنجد: إذا أتى تهامة ونجدًا.
وأمسى وأصبح: إذا دخل في الصباح والمساء.
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - في مكة: "لاَ يُنَفَّرَ صَيْدُهَا، وَلاَ يُخْتَلَى خَلاَهَا" أخرجه البخاري ومسلم 160.
فيحرم على الحلال في الحرم قتل الصيد واصطياده، وإن كان الاصطياد على صفة تسلم فيه نفسه، ويحرم تنفيره.
واختلف إذا صاده في الحل وأدخله الحرم، فأجاز ذلك مالك في المدونة: أن يبقى في ملكه، وأن يذبحه ويكون ذكيًا.
ومنعه ابن القاسم في العتبية فقال فيمن صاد صيدًا وهو حلال أو حرام، فأدخل الحلال صيده الحرم، أو أحرم وهو معه ثم حل، أو خرج من الحرم، أو حل الذي صاده وهو محرم، والصيد معهما، فأكلاه؛ فعليهما جزاؤه؛ لأنه وجب عليه إرساله.
قال: وخالفني في ذلك = الحج، برقم (778)، ولفظ البخاري: (عن أبي قتادة - رضي الله عنه -: أنه كان مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى إذا كان ببعض طريق مكة تخلف مع أصحاب له محرمين وهو غيى محرم فرأى حمارًا وحشيًا فاستوى على فرسه فسأل أصحابه أن يناولوه سوطه فأبوا فسألهم رمحه فأبوا فأخذه ثم شد على الحمار فقتله فأكل منه بعض أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبى بعض فلما أدركوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سألوه عن ذلك قال: "إنما هي طعمة أطعمكموها الله".
وعن زيد بن أسلم).
الجزء: 3 - الصفحة: 1315
أشهب، وقال: لا شيء عليهما 161.
وذكر ابن المنذر عن ابن عمر وابن عباس وعائشة وطاووس وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي مثل ذلك: أن عليه أن يرسله.
قال ابن عمر: وإن ذبحه فعليه جزاؤه.
وقال أصحاب الرأي: إن لم يخل سبيله وباعه؛ فعليه جزاؤه 162.
وهو أقيس.
ولا فرق بين الحلال يحرم وفي يده صيد، أو يدخل به الحرم، فإما أن يقال: لا شيء عليه فيهما؛ لأنه ملكه بوجه جائز.
أو يقال عليهما أن يرسلاه؛ لأن تمادي اليد بعد أن صار محرمًا بما عقد من الإحرام، أو بدخوله في الحرم كالابتداء.
وظاهر قول مالك المساواة، وربما فرق بينهما، بأن قال: إن شأن أهل مكة يطول وهم محلون في ديارهم.
وأما المحرم؛ فشأنه الأيام القلائل 163.
وقوله في الموطأ غير هذا.
لأنه قال: لا يحل الصيد عند الضرورة، بخلاف الميتة 164. فكيف بمن هو قادر على أن يذبحه في الحل يأكله طريًا إذا أتى من ناحية التنعيم، وأبعده الجعرانة، وليس يتغير فيه.
ويجب على قوله أن يفرق بين المكي والطارئ الذي مقامه أيام حجه وينصرف، فيمنعه لهذا، ويبيحه للمكي.
الجزء: 3 - الصفحة: 1316
فصل [في الاصطياد في حرم المدينة]
الاصطياد في حرم المدينة حرام؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مَا بَيْنَ لاَبَتَيْهَا حَرَامٌ" 165.
واختلف إن تعدى وصاد، هل فيه جزاء؟ وهل هو ذكي؟ فقال مالك في المدونة: لا جزاء فيه 166. وقال أشهب في كتاب محمد في منع أكله: قال مالك: ليس كالذي يصاد بمكة، وإني لأكرهه 167. وقال ابن القصار: قال ابن نافع وابن أبي ذئب وابن أبي ليلى: عليه الجزاء.
فعلى هذا يحرم أكله.
وهو أقيس، أن لا يؤكل، وأن 168 فيه الجزاء.
الجزء: 3 - الصفحة: 1317
باب الجزاء على من قتل صيدًا عمدًا أو خطأً أو كان سببًا لقتله
الجزاء يجب على المحرم في الصيد إذا كان القتل عمدًا.
واختلف إذا كان خطأ أو سهوًا أو تكرر العمد، فقال مالك وغيره من أصحابه: في جميع ذلك الجزاء 169. وقال محمد بن عبد الحكم: لا جزاء في غير العمد، ولا في العمد إذا تكرر، وليس عليه فيما بعد أول مرة، إلا ما وعد الله في الآخرة، أو يعفو عنه.
قال: وهو نص في كتاب الله تعالى.
وهو قول ابن عباس وسعيد بن جبير وطاووس وأبي ثور: ألا شيء فيما سوى العمد.
واحتج من نصر القول الأول في الناسي بعموم قوله ﴿مُتَعَمِّدًا﴾ فهو متعمد للقتل، وإن نسي أنه في إحرام أو نسي تحريم ذلك، وفي المخطئ في الدية في الخطأ.
والحجة للقول الآخر: أن الأصل في قتل الصيد عدم الغرم، فلا يجب إلا فيما ورد فيه النص، ولأن مفهوم الآية توعد من أتى ذلك جرأة وقصد الانتهاك؛ لقوله تعالى: ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ [المائدة: 95].
وقوله: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ [المائدة: 95] وهذا من مفهوم الخطاب.
ولا يتوجه مثل ذلك على المخطئ والناسي؛ يتوعد بالانتقام ويذوق وبال أمره.
ولأن الذمة بريئة، فلا يجب فيها شيء إلا بآية أو سنة أو إجماع.
ولأن الآية خرجت مخرج التغليظ والتوعد بالعقوبة، فلم يقس عليه الناسي قياسًا على من أفطر في رمضان؛ لأن
الجزء: 3 - الصفحة: 1318
كليهما حق الله تعالى.
ولأنه شرط العمد، فلا يلحق غيره إلا بدليل.
فإن قيل: فقد أوجب الله الكفارة في قتل الخطأ، قيل: وأسقط عن المفطر ناسيًا الكفارة.
فبان بذلك أنه شرع يتبع حيث ورد.
فصل في تَسَبُّبِ المحرم في القتل
170
واختلف إذا لم يقتله المحرم عمدًا ولا خطأ، ولكنه كان سببًا لقتله، هل عليه الجزاء؟ وذلك في سبع مسائل:
إحداها: إذا ضرب فسطاطًا، فتعلق بأطنابه صيد، فعطب.
والثاني: إذا فر الصيد لرؤيته، فعطب.
والثالث: إذا نصب شركًا لسبع أو حفر له بئرًا، فعطب فيه صيد.
والرابع: إذا دل على صيد حلالا أو حراما، فقتله.
والخامس: إذا أعان حلالًا أو ناوله سوطًا أو رمحًا، فقتله.
والسادس: إذا أمر غلامه بإرسال صيد، وظن أنه أمره بقتله.
والسابع: إذا قتله في يده حلال.
فقال ابن القاسم فيمن ضرب فسطاطه، فتعلق به صيد، فعطب: لا شيء عليه 171. وذكر ابن الجلاب عنه: أن عليه الجزاء 172. ولا وجه لهذا.
وقال: إن رأى الصيد محرمًا، ففزع منه، ففر 173 فانكسر من غير أن يفعل به شيئًا: عليه
الجزء: 3 - الصفحة: 1319
الجزاء 174. وقال أشهب: لا شيء عليه 175. وقال أصبغ في كتاب ابن حبيب: لا شيء عليه، إلا أن يكون من المحرم حركة يفر لها 176. يريد: على حركة الصيد، وأما حركته لشغله فلا، ولا تكون حرمة الصيد أعلى من حرمة آدمي.
ومثل هذا لا يتعلق بفعله عليه شيء لآدمي إن عطب، وكذلك الصيد لا جزاء عليه.
وقال ابن القاسم فيمن نصب شركًا للذئب أو للسباع مخافة على غنمه أو نفسه، فعطب فيه صيد: عليه الجزاء؛ لأن مالكًا قال فيمن حفر في منزله بئرًا لسارق أو عمل شيئًا يتلف به السارق، فوقع فيه غيره: ضمن ديته 177. وقال أشهب: إن كان موضعًا يخاف على الصيد منه؛ فعليه الجزاء، وإلا فلا 178.
وهذا أحسن: ألا شيء عليه إذا كان موضعًا لا يخاف علي الصيد منه.
وإن كان يخاف عليه، ونصب ليدفع الذئب أو السبع عن غنمه، أو يدفع السبع عن نفسه، ويقدر على صرفه بغير ذلك: عليه الجزاء.
وإن كان لا يقدر على صرفه إلا بذلك؛ كان عليه الجزاء على أصل مالك فيمن اضطر إلى الصيد: أنه يأكل الميتة، فإذا لم يبح ذلك له في صيانة نفسه؛ لم يجز في صيانة المال.
وأرى أن يمنع إن خشي تلف الشاة والشاتين، وإن كان يخشى تلف الشيء الكثير؛ جاز أن ينصب لتغليب أحد الضررين.
وقال مالك: إن دل
الجزء: 3 - الصفحة: 1320
المحرم حلالًا أو حرامًا على صيد، فقتله المدلول؛ فليستغفر الله الذي دله، ولا شيء عليه 179.
وقال في كتاب محمد: إن دل حرامًا أو حلالًا، وأعانه بأن ناوله سوطًا أو عصًا أو قوسًا؛ فهو آثم، لا جزاء عليه.
وقال عبد الملك لا شيء على الدال وإن كان محرمًا ودل حلالًا أو حرامًا.
وقال أشهب: إن دل حرامًا فقتله؛ فعلى كل واحد جزاء.
وإن دل حلالًا فقتل؛ فليستغفر الله، ولا شيء عليه، وكذلك إن ناوله سوطًا 180.
وذكر ابن شعبان عن ابن وهب: إن دل محرم حلالًا؛ فداه أحب إليَّ.
وقال أشهب: يفديه.
وهو قول الليث وعطاء.
قال ابن وهب: وهو قول ابن عباس - رضي الله عنه -.
وقال مالك فيمن أمر غلامه أن يرسل صيدًا كان في يده، فظن أنه قال: اذبحه، فذبحه: على سيده الجزاء.
وعلى العبد إن كان محرمًا الجزاء، ولا يضع عنه خطؤه الجزاء.
قال: ولو أطاعه فذبحه؛ كان عليهما الجزاء 181.
والقياس: ألا شيء على السيّد، كان العبد حلالًا أو حرامًا؛ لأن الخطأ من العبد، وليس من السيد، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: 164]. فإن أمره فذبحه كان على السيد جزاؤه؛ لأن العبد مع سيده في معنى المكره.
وإن لم يكرهه؛ وعلى العبد جزاءً آخر إن كان حرامًا.
وقال في المحرم بيده صيد، فأمسكه لمن قتله: عليه الجزاء.
وعلى القاتل إن كان حرامًا جزاء آخر.
وإن كان حلالًا فلا
الجزء: 3 - الصفحة: 1321
شيء عليه.
وإن لم يمسكه له وإنما أمسكه ليرسله، فإن كان القاتل حرامًا كان الجزاء على القاتل وحده.
وإن كان حلالًا كان على الممسك الجزاء.
والقياس: ألا شيء عليه؛ لأن القتل من غيره؛ لأنه لم يتعد إذا كان 182 أمسكه ليرسله.
وإن لم يرد إرساله كان عليه الجزاء؛ لأنه كان متعديًا في إمساكه.
وإن نازعه فيه محرم، فمات بينهما؛ كان على كل واحد منهما جزاء.
وإن نازعه حلال؛ كان على من كان بيده الجزاء؛ لأنه كان متعديًا في منازعته له، وقد كان عليه أن يمكنه منه فيرسله.
وقال أشهب في كتاب محمد: إن كان قتله في يده حلال في الحرم؛ كان على كل واحد الجزاء، ويغرم الحلال قيمته للمحرم، وإن كان في الحل غرم له قيمته، والجزاء على المحرم وحده 183. قال محمد: على القاتل القيمة ما لم يكن أكثر من الجزاء، فلا يلزمه إلا الجزاء؛ لأن المحرم يقول كنت أقدر على السلامة بإطلاقه، فعليك ما أدخلت عليّ بقتله 184. وليس هذا قول أشهب، وقد تقدم قول أشهب في العتبية: أنه إن ذبحه بعد ما حل وأكله فلا شيء عليه 185. وإنما احتج أشهب في هذا لقول بعض أهل العلم: أن له أن يمسكه الآن، وبعد أن يحل.
وإن كان إنما يتبعه لأجل ما أدخله فيه؛ لم يرجع إلا بالجزاء قل أو كثر.
وقد ذهب مالك وابن القاسم في هذا السؤال وفي غيره، في الجماعة تجتمع على قتل صيد: أن على كل واحد منهم الجزاء كاملًا 186. قياسًا على الكفارة في قتل الخطأ إذا قتل جماعة رجلًا: أن على كل
الجزء: 3 - الصفحة: 1322
واحد الكفارة كاملة.
وقال بعض أهل العلم: على جميعهم جزاء واحد؛ لأن كفارة هذا ديته فأشبه الدية في قتل الخطأ.
فصل [في إرسال المحرم صيدًا]
وإن أخذ المحرم صيدًا في الحل، وأرسله في الحرم في موضع يعيش فيه؛ فلا شيء عليه.
قال أشهب: وإن أخذ صيدًا من الحرم، فسرحه في الحل، فإن كان مما ينجو بنفسه فلا شيء عليه، وإن كان مما لا ينجو بنفسه فعليه الجزاء 187.
ومن رمى من الحل صيدًا في الحرم فقتل لم يأكل، وعليه الجزاء 188. واختلف إذا رمى من الحرم صيدًا في الحل، فقال مالك وابن القاسم: عليه الجزاء 189. وقال أشهب وابن الماجشون: لا جزاء عليه، ويؤكل 190 قال ابن القاسم: وكذلك، إن رمى من الحل صيدًا في الحل، ومر السهم بالحرم؛ لم يؤكل، وعليه الجزاء 191. وقال أشهب: يؤكل، ولا جزاء عليه.
وكذلك، إن أرسل كلبه؛ فهو في هذا بمنزلة من أرسل سهمه، ولا جزاء في جميع 192 ذلك 193.
وأن يؤكل أحسن؛ لأن المنع لما يكون من الصيد في الحرم ليس مما
الجزء: 3 - الصفحة: 1323
يكون في الحل.
وإن أرسل كلبه على صيد في الحل، فأتبعه حتى قتله في الحرم؛ لم يؤكل.
ولا جزاء عليه إن أرسله على بُعْدٍ مِنَ الحَرَم، وإن كان قريبًا فعليه الجزاء 194. وكذلك إن أدخله الحرم ثم أخرجه فقتله، فهو بمنزلة ما لو قتله في الحرم؛ لأنه قد كان له الأمن لما دخل.
ولم يؤكل بحال، ويفترق الجواب في الجزاء.
قال: إن أرسله عن قرب كان عليه الجزاء، وإلا فلا.
واختلف فيما قرب من الحرم، هل له حكم الحرم؟ فرأى مالك وابن القاسم القرب والبعد سواء 195. فإن أرسل قرب الحرم فأخذ فيه قبل أن يدخل الحرم- أكل، ولا شيء عليه.
وقيل: له حكم الحرم؛ فلا يؤكل، وعليه الجزاء.
وإن أرسل على بعد من الحرم؛ فأخذه بقرب الحرم؛ لم يؤكل، ولا جزاء عليه.
والأول أحسن، وإنما تتعلق الأحكام بالحرم، فأما حلال في حل فلا.
ومن رمى صيدًا من الحل والصيد في الحل، ثم تحامل فمات في الحرم، فإن أنفذت مقاتله في الحل كل 196. واختلف إذا لم تنفذ مقاتله، فقال أشهب في العتبية: يؤكل 197. وقال أصبغ في كتاب محمد: لا يؤكل، ولا جزاء عليه 198. وقول أشهب أبين؛ لأن موته كان من تلك الرمية بالحضرة فكانت مقتلًا، وليس بمنزلة من
الجزء: 3 - الصفحة: 1324
ضرب رجلًا فلم تنفذ مقاتله حتى قتله آخر.
فإن الثاني يقتل به؛ لأن الضرب من رجلين، وهذه ضربة واحدة، وهي التي قتلت.
واختلف فيمن أرسل على ذئب في الحرم، فأخذ صيدًا، فقال ابن القاسم: عليه الجزاء.
وقال أشهب: لا جزاء عليه (1). وهذا أبين، ولو لزم من أرسل على ذئب في الحرم الجزاء للزم المحرم إذا أرسل على ذئب في الحل (2)، فأخذ صيدًا؛ لأنه غرر أيضًا على قوله.
وإنما أرسل هذا على ما رأى، والشأن أن الكلب إنما يأخذ ما أرسل عليه.
فصل [في جرح المحرم الصيد]
وإذا جرح المحرم صيدًا ثم نجا بنفسه، فإن أنفذ مقاتله؛ كان له حكم الميت، وفيه الجزاء.
وإن أصاب منه موضعًا الغالب حياته؛ لم يجب جزاؤه.
وإن أشكل أمره لاحتمال حال الجرح، أو لأنه لا يعلم كيف كان؛ ففيه قولان: فقال محمد: عليه الجزاء 201. ولم يعتبر صفة الجرح.
وفي المدونة قال مالك: من جرح صيدًا وهو محرم، فغاب الصيد وهو مجروح؛ فعليه الجزاء كاملًا 202.
وقال ابن الماجشون في كتاب ابن حبيب: إن أصابه ما يموت به فليوده، وإلا لم يوده 203. وهذا أقيس؛ لأن الأصل براءة الذمة، وأنه على الحياة حتى يثبت هلاكه.
والأول استحسان، وأخذ بالأحوط.199200
الجزء: 3 - الصفحة: 1325
ويستحب أن يؤخر الجزاء؛ لإمكان أن يكون لم يعجل له الموت.
فإن أخرج جزاءه فرآه حيًا بعد طول، وما يرى أنه كان يموت منه لم يبق تلك المدة؛ لم يكن عليه شيء.
وإن كان ذلك بقرب، ولم يرتفع الشك؛ استحسن له أن يخرجه بعد أن يمهل، ولا يعجل بذلك.
واختلف إذا علمت حياته، وكان قد أبان له عضوًا، أو شأنه فقال ابن القاسم في المدونة لا شيء عليه 204. وقال في كتاب محمد: عليه ما نقصه 205. وقاله أشهب.
وهو أحسن؛ لأنه منهي عن أن يصيبه بأذى وغيره، وقد جعل الله عقوبة من أتلف النفس الجزاء أو القيمة، فيقاس تلف الأعضاء عليه، فيغرم قيمة ما أتلف أو أفسد.
وقال مالك في محرم صاد طيرًا فنتفه، ثم حبسه حتى انسل فطار: فلا شيء عليه 206.
قال محمد: يضعه في موضع ينسل فيه، ثم عليه جزاؤه 207. وقال ابن حبيب: يحبسه حتى يعود ريشه, ثم يرسله, ويطعم مسكينًا، فإن غاب قبل أن ينسل وخيف عطبه؛ فليوده 208. ويختلف على هذا إذا جرح صيدًا فلم يستطع النجاة، هل يحبسه حتى يبرأ، أو يرسله ويغرم جزاءه؟ فمان حبسه لم يغرم الآن شيئًا.
فإن رئ بغير شين؛ فلا شيء عليه.
وإن بقي به شين؛ غرم ما نقصه.
الجزء: 3 - الصفحة: 1326
باب في الحكمين في الصيد وأصناف الجزاء وحكم جنين الصيد وبيضه وأين تخرج الكفارة
209
وقال مالك في الحكمين في الجزاء: يكونان عدلين فقيهين 210.
يريد: فقيهين بما يحتاج إليه من ذلك.
فإن اختلفا لم يأخذ بقول أرفعهما، وابتدأ الحكم غيرهما.
قال في كتاب محمد: وليس له أن يأخذ بقول أرفقهما 211.
وجعله بمنزلة من أخرج الجزاء بقول واحد.
وإن اتفقا على خطأ بين، فحكما بما فيه بدنة أو بقرة بشاة؛ نقض حكمهما، وإن أخرج على ما حكما به لم يجزه.
وإن حكما بما فيه شاة ببدنة أو بقرة لم يجزه 212.
والاستحسان أن يجزئ؛ لأنه أتى بما هو أفضل قطعًا.
وإن حكما بما فيه الطعام بالنعم لم يجزه.
وقال ابن القاسم: إن أمرهما أن يحكما بالجزاء من النعم ففعلا، ثم أراد أن ينتقل إلى الطعام؛ جاز 213. وقال ابن
الجزء: 3 - الصفحة: 1327
شعبان: ذلك له قبل أن يحكما، فإن حكما له لم يرد الحكم 214.
والأول أحسن؛ لأن الإيجاب إلى الذي أصاب الصيد، وليس رضاه مما يسقط التخيير الذي جعله الله تعالى.
والكفارة ثلاثة أصناف حسب ما جاء في كتاب الله -عز وجل- ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ.
. .﴾ الآية [المائد: 95].
فالأولى النظير من النعم، وهي: الإبل، والبقر، والغنم.
قال مالك: ولا يجزئه في ذلك إلا ما يجوز في الهدي؛ الثني فصاعدًا، إلا الضأن فإن جذعها يجزئ 215. فإن لم يكن له نظير من النعم، أو كان وأحب أن يخرج الإطعام؛ أخرج قيمته بالموضع الذي أصابه فيه إن أصابه في عمارة، وإلا فأقرب موضع من العمارة ويقوم بالطعام من عيش ذلك الموضع.
وإن قوم بالدراهم، ثم اشترى به طعامًا أجزأه.
ويُقوّم على هيئته من الصغر والكبر على المستحسن من القول، ولا يراعى عند مالك الجمال ولا الفراهية 216. ويطعم على نحو ما يفعل في الكفارات: كل مسكين الوسط من الغداء أو العشاء.
وإن كان عيشهم القمح، وكان المد الوسط عندهم فهو.
وإن كان عيشهم الشعير أو التمر؛ قوم به، وأطعم كل مسكين الوسط مما 217 يكون غداء وعشاء.
صان أحب الصيام؛ لم يصم على عدد الأمداد، وإنما يراعى أعداد المساكين، فيصوم على عددهم، ويصوم على كسر المد يومًا.
والإطعام عن قيمة الصيد نفسه وليس عن قيمة نظيره من النعم وكذلك الصوم وهو عن الإطعام الذي هو قيمة الصيد.
الجزء: 3 - الصفحة: 1328
وموضع القضاء في هذه الثلاثة مختلف، فموضع النظير من النعم مكة؛ لقوله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: 95].
وموضع الإطعام حيث أصاب الصيد وما يقاربه.
والصوم بحيث أحب من البلاد، إلا على القول أن الكفارة على الفور؛ فيؤمر أن يأتي به هناك، ولا يؤخره.
فإن تعدى وأخره؛ صام بحيث هو، ولا يرجع لأجله.
ويفتقر إلى الحكمين في فصلين هما: الجزاء من النعم، والإطعام.
فإن حكما بالإطعام وقدر ما يستحقه كل مسكين؛ لم يفتقر في الصوم إلى حكمين، وهو يصوم عن كل مسكين يومًا.
واختلف في هذه الجملة في أسنان النظير من النعم وفي موضع نحره.
وفي صفة القيمة إذا قوم بالطعام وكان صغيرًا هل يقوم لو كان كبيرًا أو ينظر ما يشبع لحمه، وفي جنين الصيد إذا خرج حيًا ولم يصرخ، وفي بيض الصيد إذا لم يكن فيه فرخ، وفي إفساد وَكْرِه إذا لم يهلك البيض.
وإذا أخرج القيمة بغير الموضع الذي قوم فيه، وفي قدر ما يغرمه عن الذر والنمل، وهل يحتاج في مثل ذلك إلى حكمين؟.
فأجاز عمر بن الخطاب وابن عباس وابن مسعود - رضي الله عنه -، وعطاء وغيرهم ما دون الثني من غير الضأن.
وذكر ذلك في الموطأ عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه قضى في الغزال بعنزة، وفي الأرنب بعناق، وفي اليربوع بجفرة 218.
وقال ابن عباس - رضي الله عنه -: في الأرنب حمل.
وقال ابن مسعود - رضي الله عنه - وعطاء: في اليربوع جفرة 219.
الجزء: 3 - الصفحة: 1329
وقال مجاهد: سخلة 220. وهذا لقول الله تعالى: ﴿مِثْلُ مَا قَتَلَ﴾ [المائدة: 95] فمن أوجب فوق ذلك كان مخالفًا للنص.
وقال محمد بن عبد الحكم: إن حكما بمثل ما قضى به عمر مضى.
قال: ولا أقول في شيء قضى به عمر أنه يرد.
وقال مالك مثل ذلك في غير ما موضع، أنه إن قضى قاض بمختلف فيه؛ مضى، ولم يُرَدَّ وإن خالف رأيه.
وأما موضع نحره؛ فهو مخّير عند مالك بين أن ينحره بمكة, وإن شاء نحره بمنى إن كان ساقه في حج.
وقال أيضًا في الصيد: يقوم بطعام على حاله التي كان عليها حين أصابه وهو حي، وهو ظاهر قوله: إن قوم بدراهم 221.
وقال محمد: يقوم إذا كان صغيرًا أو كان كبيرًا.
وذكر ابن اللباد رواية: أنه يطعم قدرما يشبع لحم الصيد.
وهذا مثل قول مالك في المدونة أنه: يقوم على قدره، ولا يقوم غيره (3). وهو أحسن؛ بقوله: ﴿مِثْلُ مَا قَتَلَ﴾ [المائدة: 95].
فلا يلزمه أكثر منه, وليس مثل الدية؛ لأن تلك ورد الأمر فيها على التساوي بين الصغير والكبير.
وجعل الصيد موكولًا إلى النظير من النعم والقيم على الأصل، وفي الغرم على المتلفات، وهو إذا أخرج القيمة من الطعام أبين أن يخرج قيمته على صغره؛ لأن التعلق إذا أخرج النظير من النعم شبهه 222 لأجل الهدايا، ولا يعلق في القيمة = الحج، برقم (858).
الجزء: 3 - الصفحة: 1330
بالطعام والدراهم أن يغرم فوق ما أتلف.
ويختلف إذا أخرج الطعام بغير الموضع الذي صاد فيه الصيد، فمنعه في المدونة، وقال: يحكم عليه بالمدينة، ويطعم بمصر!.
قال محمد: إن حكم عليه بمصر، فأطعم في المدينة؛ أجزأه حيثما كان (1). وأرى إن حكم عليه بدراهم، فاشترى بها بسعر الموضع الذي هو فيه؛ أجزأه، كان أرخص من الموضع الذي أصاب فيه الصيد أو أغلى.
وإن حكم عليه بطعام؛ لم يجزه أن يخرجه بموضع هو أرخص، ويجزئه إن كان أغلى كما قال محمد (2).
فصل [في نوع الصيد
225]
وكل صيد يصح أن يخرج عنه القيمة بالطعام، يفترق في النظير من النعم على ثلاثة أوجه:
فمنه ما له نظير في الخلقة والقدر.
ومنه ما يوافق في القدر دون الخلقة.
ومنه ما لا يوافق في الوجهين جميعًا، إما لصغر الصيد أو لعظمه.
فالأول: بقر الوحش: الجزاء عنه من البقر الإنسي.
وهذا موافق له في الخلق؛ فيخرج من الإنسي مثله في القدر، ما لم يكن الأول صغيرًا، فيرجع إلى الخلاف المتقدم.
والثاني: حمر الوحش: له نظير في القدر دون الخلقة، وهي البقر.
وكذلك223224
الجزء: 3 - الصفحة: 1331
والإيل.
واختلف الناس في النعامة، فقال محمد في كتابه: سمعت فيها بدنة.
وقال بعض أهل العلم: قيمة.
لأنها عنده لا يقارب خلق البقر، ولا يبلغ الإبل.
والجزاء عن الضبع والثعلب والظبي- من الغنم، فقال عمر: في الضبع كبش، وفي الظبي عنز 226. لأن الظباء معز الوحش، فيجري في نظيرها من الإنس.
والثالث: الأرنب والضب واليربوع؛ لا نظير له لصغره، فيخرج عنه طعامًا، إلا على قول عمر ومن وافقه.
وكذلك إذا لم يكن له نظير لكبره كالفيل.
فقيل: يخرج عنه بدنة.
وليس بحسن؛ لأنها دونه.
وأرى أن يخرج قيمته طعامًا، أو قيمة ما يشبع لحمه طعامًا على القول الآخر.
ولا فرق بين عدم النظير لصغر الصيد أو لكبره، ويصح أن يخرج عن النظير من النعم إذا كان ذلك نظيره في القدر، ونقل عثمان - رضي الله عنه - الحكم في حمام مكة، فجعل فيه شاة 227.
قال عبد الملك في كتاب محمد: فإن لم يجد فصيام عشرة أيام.
قال: وبذلك قال مالك، وليس مما يجوز فيه الصدقة، وإنما هو تغليظ من عثمان.
فنقل الحكم فيه في ثلاثة مواضع، أسقط التخيير، وجعل فيه شاة.
فإن لم يجدة فصيام عشرة أيام كالمتمتع، ولا يحتاج على قوله إلى حكمين.
الجزء: 3 - الصفحة: 1332
وفي بيضةٍ عُشْرُ شاة، فإن لم يجدها صام يومًا مكانه (1)، وهو عُشْرُ الصيام كما أن الجزاء عنها بعشر الشاة.
واختلف في حمام الحرم، فقال في المدونة: فيه شاة (2).
وفي كتاب محمد: فيه حكومة؛ لأن الأصل فيه وفي حمام مكة حكومة (3). فغلظ الحكم في حمام مكة لكثرتها واستئمانها؛ لئلا تسرع إليها أيدي الناس، فعلى القول الأول يخرج شاة بغير تحكيم (4)، وعلى القول بالقيمة: يحتاج إلى حكمين.
وقال في الدبسي والقُمري يصاد بمكة: إن كان عند الناس من الحمام؛ ففيه شاة (5). وأرى هذا إذا كثرت بالمكان، وإلا كان فيها حكومة.
ويبقى على الأصل في موجبها بالقرآن.
فصل [فى دية الجنين]
ودية الجنين: عشر دية أمه ما لم يستهل صارخًا 233، فيختلف هل يكون ما يكون في الكبير أو يقوم على حاله.
واختلف إذا تحرك بعد الخروج ولم يستهل صارخًا، فجعل ابن القاسم فيه عشر دية أمه.
وقال أشهب: فيه ديته بخلاف الآدميين.
واختلف في البيض على ثلاثة أقوال: فقال ابن القاسم: فيه عشر دية الأم،228229230231232
الجزء: 3 - الصفحة: 1333
كان فيه فرخ أو لم يكن (1).
وقال أبو مصعب: في بيضة النعامة عشر قيمتها إن كان فيها فرخ، فإن لم يكن فصيام يوم.
وقال ابن نافع في العتبية: يصوم يومًا (2). ولم يراع هل فيها فرخ أم لا.
ويلزم مثل ذلك في الجنين.
وهذا نحو الاختلاف في جنين الأمة، هل فيه عشر قيمتها أو ما نقصها؟ وقال في كتاب محمد في جنين البهيمة: ما نقصها.
فصل [فيمن وطئ ببعيره على ذباب أو ذر أو نمل فقتلها]
وقال مالك فيمن وطئ ببعيره على ذباب أو ذر أو نمل فقتلها: يتصدق بشيء من طعام 236، قال في كتاب محمد: قبضة من طعام.
قال محمد: بحكومة، فإن أخرجت بغير حكومة؛ أعاد 237. فجعل هذه داخلة في النهي عن قتل الصيد، ويفتقر إلى الحكمين.
واختلف عن مالك في البراغيث، فقال مرة: يطعم عنها.
وقال أيضًا: لا يطعم عنها.
قال: بخلاف القمل 238.
تم كتاب الحج الثالث
والحمد لله وحده234235
الجزء: 3 - الصفحة: 1334