التبصرة للخميكتاب الحج الأول
أهل الأثرالأرشيف العلمي

النسخ المقابل عليها 1 - (ب) = نسخة برلين رقم (3144) 2 - (ق 5) = نسخة القرويين رقم (368/ 3)

الجزء: 3 - الصفحة: 1121

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم

كتاب الحج الأول

باب في جوب الحج (1)، وبماذا يجب، وعلى من يجب، وهل هو على الفور؟

الحج فريضة لقول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: 97]، ولقوله سبحانه: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج: 27]، وهذه الآية وإن كانت في شرع إبراهيم عليه السلام، فقد توجه الخطاب علينا بها لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ [النحل: 123]. وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "بُنِيَ الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ.
. ." 2 فذكر الحج، ولا خلاف في ذلك.
واختلف في صفة الاستطاعة، فقال مالك في كتاب محمد: ذلك على قدر الناس.
وقد يجد الرجل الزاد والراحلة ولا يقوى على المسير، وآخر يقوى أن1

الجزء: 3 - الصفحة: 1123

يمشي على رجليه، ولا شيء أبين مما قال الله -عز وجل-: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: 97] 3. وقال عبد العزيز بن أبي سلمة وسحنون وابن حبيب: الاستطاعة زاد ومركوب 4؛ والأول أحسن.
والاستطاعة والوجوب على أربعة أقسام: فتارة تكون بوجود الزاد والمركوب، وتارة تكون بعدمهما، وتارة يجب بوجود أحدهما، الزاد بانفراده، أو المركوب بانفراده، فمن كان لا يستطيع المشي من موضعه أو يستطيع بمشقة فادحة، وليس معه من المال ما يكتري به ويتزود، وعيشه في المقام من وجه يتعذر عليه في سفره إلى الحج؛ لم يجب عليه إلا بالاستطاعة على الوجهين جميعًا.
وإن كان يستطيع المشي، وعيشه في المقام من صنعة لا يتعذر عليه عملها في السفر والعيش منها، أو كان شأنه التكفف، وكان سفره في رفقة وجماعة لا يخشى الضيعة فيها- وجب عليه مع عدم الجميع.
وإن كان يستطيع 5 المشي ولا صنعة له، أو له صناعة يتعذر عليه عملها في سفره، وليس شأنه التكفف- وجب عليه بوجود الزاد، والكراء عليه.
وإن كان لا يستطيع المشي وله حرفة يقوم منها عيشه في سفره ذلك - وجب عليه بوجود المذكور، إلا أن يكون في حرفته فضلًا عن عيشه مما يكتري به.
وقال أبو محمد عبد الوهاب: من قدر على الوصول إلى البيت من غير

الجزء: 3 - الصفحة: 1124

تكلف بذلة يخرج بها عن عادته، لزمه ذلك 6. قال الشيخ - رضي الله عنه -: أما الخروج عن عادته في المشي إذا لم تكن عادته وشأنه فغير مراعى.
ولم يزل الناس والصحابة والتابعون يعدون ذلك شرفًا.
وكان بعضهم يحج ماشيًا وهو قادر على الركوب.
وإن أراد السؤال والتكفف فيمن ليس ذلك شأنه فهو حسن.
واختلف فيمن يخرج يسأل الناس، فقال مالك في مختصر ابن عبد الحكم: لا بأس بذلك.
وقال أيضًا: لا أرى للذي لا يجد ما ينفق أن يخرج إلى الحج أو الغزو ويسأل الناس 7. يريد: فيمن كان عيشه في مقامه من غير المسألة، فيكره أن يخرج فتلزم الناس مواساته، ويتعلق عليهم 8 منه فرض لم يكن.
والمراعى في الزاد والمركوب 9: ما يبلغ دون الرجوع، إلا أن يعلم أنه إن بقي هناك ضاع وخشي على نفسه؛ فيراعى ما يبلغه ويرجع به إلى أقرب المواضع، مما يمكنه التمعش 10 فيه.
ومن كانت به زمانة أو ضرارة بصر، أو غير ذلك مما يقدر معها على الركوب، وله مال يكتري به لركوبه ومن يخدمه- لزمه الحج، وإن كان صحيحًا يقدر على المشي لزمه الحج إذا كان يقدر على أن يستأجر من يقوده، ثم هو في القدرة على العيش على ما تقدم، إن كان له مال أو كان يتكفف.

الجزء: 3 - الصفحة: 1125

فصل في الخلاف في أفضلية المشي راكبًا أو ماشيًا للحج

واختلف في الحج راكبًا أو ماشيًا أَيُّ ذلك أفضل؟ فاحتج من قال راكبًا أفضل: بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - حج راكبًا 11. وقال ابن عباس - رضي الله عنهما -: وددت أني حججت ماشيًا 12. وحج حسين بن علي - رضي الله عنهما - وابن جريج والثوري ماشيًا 13. وأرى المشي أفضل لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - "مَا اغْبَرَّتْ قَدَمَا عَبْدٍ فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَمَسَّهُ النَّارُ" أخرجه البخاري 14 فدخل في ذلك المشي إلى الحج والمساجد والغزو؛ لأن كل ذلك من سبل الله.
وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه خرج إلى جنازة ماشيًا، ورجع راكبًا 15. وفي الترمذي قال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: من السنة أن

الجزء: 3 - الصفحة: 1126

يخرج إلى العيدين ماشيًا 16. وقال مالك: يستحب المشي إلى العيدين 17. وقال فيمن يخرج إلى الاستسقاء: يخرج ماشيًا متواضعًا، غير مظهر لزينة 18. وكل هذه طاعات يستحب للعبد أن يأتي مولاه متذللًا ماشيًا ومتواضعًا غير مظهر لزينة.
وقد رُئي بعض الصالحين بمكة 19، فقيل له: أراكبًا جئت؟ فقال: ما حق العبد العاصي الهارب أن يرجع إلى مولاه راكبًا، ولو أمكنني لجئت على رأسي.
20 وأما حج النبي - صلى الله عليه وسلم - راكبًا ففيه وجهان: أحدهما: أنه كان يحب ما خفّ على أمته، ولو مشى لم يركب أحد ممن حج معه.
والثاني: أنه كان قد أسن، فكان أكثر صلاته بالليل جالسًا.
= الجَنَازَةِ فَأَبَى أَنْ يَرْكَبَهَا فَلمَّا انْصَرَفَ أُتِىَ بِدَابَّةٍ فَرَكِبَ فَقِيلَ لَهُ فَقَالَ "إِنَّ الْمَلاَئِكَةَ كَانَتْ تَمْشِى فَلَمْ أَكُنْ لأَرْكَبَ وَهُمْ يَمْشُونَ فَلَمّا ذَهَبُوا رَكِبْتُ".
وأخرجه الترمذي: 3/ 225، عن جابر بن سمرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - اتبع جنازة أبي الدحداح ماشيًا، ورجع على فرس، في باب ما جاء في الرخصة في ذلك، من كتاب الجنائز، برقم (1014)، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.

الجزء: 3 - الصفحة: 1127

فصل الحج يجب في البَرِّ على الطريق المعتاد

الحج يجب في الَبرِّ على الطريق المعتاد، من غير غرم يغرمه لمانع طريق، فإن منع من ذلك الطريق فوجد السبيل من غيره؛ فإن كان أبعد منه لم يسقط الحج، وإن كان أوعر بأمر تدرك منه مشقة، أو كان مخوفًا من سباع أو عدو أو لصوص أو ما أشبه ذلك- لم يلزمه الحج، وإن كان المنع لغرم وكان يسيرًا لزم الحج.
قال أبو محمد عبد الوهاب: إذا كان كثيرًا يجحف به لم يلزمه ذلك 21. وظاهر قوله إذا كان كثيرًا ولا يجحف به- لأن الكثير من الناس يختلف لاختلاف كثرة المال وقلته.
والحج في البحر واجب على كل من كان في الجزائر، مثل صقلية والأندلس؛ لأنها بحار مأمونة.
وكذلك إذا كان الراكب يأتي بصلواته، ولا يعطلها، ولا ينقص فروضها، فإن كان يعرض له ميدٌ يمنعه من الصلاة لم يلزمه أن يأتي بفرض فيسقط به فرضًا.
ويختلف إذا كان يأتي بصلاته جالسًا، أو كان لا يجد موضعًا لسجوده لكثرة الراكب، وضيق الموضع، فقال مالك: إذا لم يستطع الركوع والسجود إلا على ظهر أخيه فلا يركبه.
ثم قال: أيركب حيث لا يصلي، ويل لمن ترك الصلاة 22. وقال أشهب فيمن لا يستطيع الصلاة في الجمعة، إلا على ظهر أخيه:

الجزء: 3 - الصفحة: 1128

أنه يجزئه (1). فهذا هو المعروف إذا كان يأتي بالبدل، وإن كان دون الأول في الرتبة أن ذلك جائزٌ، كالذي يسافر بحيث لا يجد الماء، وينتقل إلى التيمم.
ومن كان قادرًا على الحج في البر فأراد أن يحج في البحر، وهو قادر على أن يأتي بصلاته على هيئتها، فإن كان إن خرج في البر -حجّ من عامه، وإن ركب (2) البحر لم يدرك في ذلك العام- منع من البحر على القول أن الحج على الفور.
ويستحسن ألا يفعل على القول الآخر.
وإن كان لا يدرك الحج من عامه إن خرج في البر خرج على أيهما أحب (3).

فصل [حج النساء]

الحج يجب على النساء بثلاثة أوجه: بوجود الزاد، والمركوب، والوليّ، فإن اجتمع ذلك وجب الحج بلا خلاف، ويفترق الجواب مع عدم ذلك.
واختلف إذا كانت تستطيع المشي، وفي حجها في البحر، وفي حجها مع عدم الوليّ إذا كانت جماعة ناس لا بأس بحالهم.
فأما المشي، فقال في المدونة: إذا نذرت مشيًا، وعجزت في بعض الطريق 26232425

الجزء: 3 - الصفحة: 1129

تعود ثانية.
قال: والرجال 27 والنساء في ذلك سواء 28. فعلى هذا يجب عليها الحج إذا كانت قادرة على المشي؛ لأن الوفاء بحجة الفريضة آكد من النذر.
وقال في كتاب محمد: لا أرى عليها مشيًا، وإن قويت عليه؛ لأن مشيهن عورة، إلا أن يكون المكان القريب من مكة.
29 وهذا يحسن في المرأة الرائعة والجسيمة، ومن يُنظر لمثلها عند مشيها، وأما المتجالة 30 ومن لا يؤبه إليها من النساء فيجب عليها كالرجل، وهي داخلة في عموم قوله تعالى: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ [الحج: 27].
ولقوله - صلى الله عليه وسلم - لعقبة بن عامر - رضي الله عنه - حين قال: "إِنَّ أُخْتِي نَذَرَتْ أَنْ تَمْشِيَ إِلَى بَيْتِ الله، قال: مُرْهَا فَلْتَمْشِ وَلْتَرْكَبْ" 31. وقد مضى ذكر هذا الحديث في كتاب النذر 32. وأما حجها في البحر، فقال مالك في كتاب محمد: ما لها وللبحر، البحر

الجزء: 3 - الصفحة: 1130

هولٌ شديدٌ، والمرأةُ عورةٌ، وأخاف أن تنكشف، وترك ذلك أحب إليّ (1). قال الشيخ - رضي الله عنه -: وقد وردت السنة بجواز ركوب النساء في البحر في حديث أم حرام بنت ملحان - رضي الله عنها - في قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "عُرِضَ عَلَيَّ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي مُلُوكًا عَلَى الأَسِرَّةِ أَوْ مِثْلَ المُلُوكِ عَلَى الأَسِرَّةِ، يَرْكَبُونَ ثَبَجَ هَذَا البَحْرِ.
فَقَالَتْ: ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ.
فَدَعَا لَهَا" (2). وركوب النساء البحر جائز إذا كانت في سريرٍ، أو ما أشبه ذلك، مما تستتر فيه، وتستغني به عن مخالطة الرجال عند حاجة الإنسان، وإن كانت على غير ذلك لم يجز، ومنعت.

فصل الخلاف في الحج؛ هل هو على الفور أم لا؟

واختلف في الحج، هل هو على الفور، أو يجوز التراخي به بعد القدرة، فذكر البغداديون عن مالك أنه على الفور 35، ولمالك في غير مسألة ما يستقرأ منه أنه على التراخي 36، فقال في المجموعة، فيمن أراد الحج، ومنعه أبواه: لا يعجل عليهما في3334

الجزء: 3 - الصفحة: 1131

حجة الفريضة، وليستأذنهما العام والعامين.
(1)، فلم يره على الفور.
وقال في كتاب محمد: لا يحج إلا بإذن أبويه إلا الفريضة، فليخرج وليدعهما (2)؛ فجعله على الفور.
وقال في المرأة يموت عنها زوجها، فتريد الخروج إلى الحج: لا تخرج في أيام عدتها (3). وجعله على التراخي.
وعلى القول الأول أنه على الفور تخرج إن كانت في العدة، وإن كان لها زوج خرجت إن أحبت، وإن كره زوجها على القولين جميعًا؛ لأن التراخي حق لها، فإن أحبت أن تبرئ ذمتها معجلًا لم يكن للزوج أن يمنعها.
والحج يجب على الإنسان في عمره مرة واحدة للحديث الوارد في ذلك، وقد مضى ذكره في كتاب الوضوء (4).

فصل الحج واجب على كل حُرٍّ بالغ

الحج واجب على كل حُرٍّ، بالغ، عاقل، وساقط عن الصغير، والمجنون، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلاَثٍ: عَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وَعَنِ المَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ.
. . الحديث" 41. وعن العبد لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه حج بنسائه 42، ولم يحج37383940

الجزء: 3 - الصفحة: 1132

بأمهات أولاده.
وسقوط الحج عن الصبي، والعبد لا يمنع أن يأتيا به 43 على وجه التطوع، والأصل في ذلك في الصبي حديث السائب بن يزيد - رضي الله عنهما -، قال: "حَجَّ بِي أَبِي مَعَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وَأَنا ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ".
أخرجه البخاري 44. وبحديث ابن عباس - رضي الله عنهما -، قال: "رَفَعَتِ امْرَأَةٌ صَبِيًّا إِلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فَقَالَتْ: أَلِهذَا حَجٌّ؟ قَالَ "نَعَمْ وَلَكِ أَجْرٌ" أخرجه مسلم 45. وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "عَلِّمُوا الصَّبِيَّ الصَّلاةَ لِسَبعْ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُ عَلَيْهَا لِعَشْرٍ" 46. فبان بهذا أن القُرَبَ تصحُّ من الصبي الصغير، إذا كان في سن من يعقل.
= النبي - صلى الله عليه وسلم -: "هذا شيء كتبه الله على بنات آدم"، من كتاب الحيض برقم (290)، ومسلم: 2/ 870، في باب بيان وجوه الإحرام وأنه يجوز إفراد الحج والتمتع والقران وجواز إدخال الحج على العمرة ومتى يحل القارن من نسكه، من كتاب الحج، برقم (1211)، وأبو داود: 1/ 554، في باب إفراد الحج، من كتاب المناسك، برقم (1782)، ولفظ أبي داود عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: (يا رسول الله أترجع صواحبي بحج وعمرة وأرجع أنا بالحج؟ فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عبد الرحمن بن أبي بكر فذهب بها إلى التنعيم فلبت بالعمرة).

الجزء: 3 - الصفحة: 1133

واختلف إذا كان في سن من لا يعقل، فأجاز ذلك في المدونة، وإن لمن يبلغ أن يتكلم.
47 وقال في كتاب محمد: لا يحج بالرضيع، وأما ابن أربع سنين وخمس سنين؛ فنعم 48. ولا أرى أن يصح الحج إلا ممن يعقل، وأما الرضيع فكالبهيمة.
ويختلف على قوله في الصغير إذا عقد الإحرام على المجنون والمطبق، فعلى قوله في كتاب محمد: لا يحج به.
وينبغي إن فعل ألا ينعقد عليه إحرام، وأجاز ذلك في المدونة، وقال في المجنون إذا أحجّه والده: هو بمنزلة الصبي في جميع أموره.
49 وقال في المغمى عليه يُحْرِمُ به ثم يفيق: لا ينعقد عليه ذلك الإحرام.

الجزء: 3 - الصفحة: 1134

باب في الاغتسال للإحرام، والتلبية (1)، والنية في ذلك، والحكم في الهدي فيمن معه هدي

الغسل في الحج ثلاثة: للإحرام، ولدخول مكة، ولوقوف عرفة 51. وذلك على كل من عقد على نفسه الإحرام، إلا الحائض والنفساء.
فإنهما لا تغتسلان لدخول مكة؛ لأنه لا يصح منهما طواف، وتغتسلان للإحرام؛ لأنه ينعقد عليهما حينئذ، ولوقوف عرفة؛ لأنه يصح منهما الوقوف.
ويتدلك في الأول خاصة، ولا يتطيب في شيء منها، فمن فعل ذلك فعليه الفدية، وقال أشهب في المجموعة: لا فدية في الأول 52؛ لحديث عائشة - رضي الله عنها - قالت: "كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - لإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ" 53. وذكر عن عائشة - رضي الله عنها - أنها كانت تغتسل لرمي الجمار 54.50

الجزء: 3 - الصفحة: 1135

والأصل في الاغتسال للإحرام: حديث زيد بن ثابت - رضي الله عنه -، قال: "رَأَيتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - تجَرَّدَ لإِهْلاَلِهِ وَاغْتَسَلَ".
ذكره الترمذي 55. وحديث أسماء - رضي الله عنها - أمرها النبي - صلى الله عليه وسلم -وكانت قد نفست-: "أَنْ تَغْتَسِلَ ثُمَّ تُهِلَّ" 56. ولدخول مكة حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - كان إذا دخل أدنى الحرم أمسك عن التلبية، ثم يبيت بذي طوى.
فإذا صلى الصبح اغتسل، ويحدث أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يفعل ذلك 57. وذكر عنه مالك في الموطأ: أنه كان يغتسل للإحرام، ولدخول مكة ولوقوف عرفة 58. ويستحب أن يكون الاغتسال عند الإحرام.
واختلف في الذي يغتسل بالمدينة ثم يحرم من ذي الحليفة، فقال مالك: ذلك واسع 59. واستحب ذلك ابن الماجشون 60.

الجزء: 3 - الصفحة: 1136

فصل [انعقاد الإحرام]

الإحرام ينعقد بالنية والتلبية، وليس عليه أن يسمي حجًا ولا عمرة؛ قياسًا على الصلاة والصوم، فليس عليه أن يسمي ما يدخل فيه من صلاة ولا صوم، فإن سمى حجًا أو عمرة فواسع.
ويختلف إذا نوى وتوجّه ناسيًا التلبية، أو نوى ولم يتوجه، فقال مالك في المدونة: إن توجه ناسيًا التلبية فهو محرم بنيته 61. يريد: لأنه حصل منه نية وفعل، وهو التوجه، ولم ير التلبية كتكبيرة الإحرام.
وقال ابن حبيب: التلبية كتكبيرة الإحرام.
وأما إن نوى ولم يتوجه فيختلف هل ينعقد عليه ما نوى قياسًا على من عقد على نفسه يمينًا أو طلاقًا بالنية من غير نطق؟ وقد اختلف عن مالك في ذلك، وهو في هذا بخلاف الصوم؛ لأنه في الصوم نية وفعل، وهو الإمساك عن الأكل والشرب، وفي الإحرام نية بغير فعل.
وكذلك إن قرن، فإن النية والتلبية تكفيه، فإن سمّى الحج والعمرة فواسع، ويلزم الحج والعمرة تمتعًا 62 أو العمرة ثم الحج، فإن التزم الحج ثم العمرة 63 كان مفردًا وإن نطق بالحج ثم العمرة.
نظرت، فإن كان أوجب القران بالنية معًا، أوجبتهما معًا، ثم أخذ في النطق، فنطق بالحج ثم بالعمرة كان قارنًا.
وإن لم يوجب ذلك إلا بالنطق لزمه الحج وحده.

الجزء: 3 - الصفحة: 1137

وقال محمد فيمن أراد أن يهل بالحج مفردًا فأخطأ، فقرن أو تكلم بالعمرة، قال: ليس ذلك بشيء، فإنما ذلك إلى نيته، وهو على حجه 64. يريد: لأن الزائد على ما نواه لفظ بغير نية.
وقال أشهب فيمن لبّى يريد الإحرام، ولم ينو شيئًا: الاستحسان أن يكون مفردًا، والقياس أن يكون قارنًا.
قال: وإن نوى شيئًا فنسي ما أحرم به كان قارنًا لا بد 65. قال الشيخ - رضي الله عنه -: جوابه في السؤالين على مثل أهل المدينة، أنه يخرج مرة للعمرة، ومرة للحج.
فأما أهل الغرب فإنما يحرمون للحج لا يعرفون غيره، ولا يريدون إلا إياه.
وقد قيل فيمن حلف بيمين، فلم يدر بماذا حلف: أن كل يمين لم يعتدِ الحالف الحلف ما لا يدخل في يمينه مع الشك.
وإن شك هذا، هل أفرد أو قرن - تمادى على نية القران وحده.
وإن شك، هل أحرم بعمرة أو بحج مفردًا؛ طاف وسعى لإمكان أن يكون إحرامه لعمرة.
ولا يحلق لإمكان أن يكون في حج.
ويتمادى على عمل الحج، ويهدي لتأخير الحلاق، وليس للقران؛ لأنه لم يحدث نية للحج، وإنما تمادى على نية تقدمت، وتلك النية كانت لشيء واحد.
فإن كانت لعمرة؛ فقد تمت بالطواف والسعي، وتماديه بعد ذلك لا يكون به قارنًا.
وإن كانت نيته للحج كان مفردًا، وكان ذلك الطواف له لا للعمرة؛ لأنه

الجزء: 3 - الصفحة: 1138

لم يُحْدِثْ نية للعمرة.

فصل التلبية

التلبية عند الإحرام فمن كان راكبًا، فإذا استوت راحلته وكان توجهه بفور الركوب- لبّى، ومن كان راجلًا، فإذا توجه للذهاب.
وترفع الأصوات بالتلبية لحديث السائب - رضي الله عنه - قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أَمَرَنِي جِبْرِيلُ أَنْ آمُرَ أَصْحَابِي وَمَنْ مَعِي أَنْ يَرْفَعُوا أَصْوَاتهمْ بِالتَّلْبِيَةِ" 66. قال مالك: ولا أعرف هذا الذي يعقر حلقه 67. وأما المرأة فتسمع نفسها.
وتستحب التلبية على كل شرف من الأرض، وفي بطون الأودية، ودبر كل صلاة؛ فرضًا أو نفلًا.
ولا بأس بذلك في المساجد التي بين مكة والمدينة؛ لأنها ليست بمعمورة.
ولا بأس بذلك في المسجد الحرام ومسجد منى؛ لأنهما مواضع للحج، وذلك الشأن فيهما، ولا يرفع في غيرها من المساجد.
قيل لمالك في الملَبيّ الذي لا يسكت، قال: لا ينبغي ذلك.
﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق: 3] 68.

الجزء: 3 - الصفحة: 1139

واختلف في منتهى التلبية إذا كان قاصدًا لمكة، فقال في المدونة: إذا كان محرمًا بالحج لبَّى حتى يأخذ في الطواف.
وإن كان في عمرة قطع إذا دخل أوائل الحرم، إلا أن يكون إحرامه من التنعيم أو الجعرانة، فيقطع إذا دخل مكة أو المسجد، وذلك واسع 69. ورد محمدٌ الحاجَ إلى المعتمر، فقال: إذا دخل الحرم كف عن التلبية، وسواء كان حاجًا أو معتمرًا أو قارنًا، ورد مالك في المختصر المعتمر إلى الحاج.
وقال: إن لَبَّى حتى يدخل المسجد فواسع.
70 قال الشيخ - رضي الله عنه -: لا فرق في ذلك بين الحج والعمرة، وينبغي أن يلبي حتى يتلبس بما أجاب إليه؛ لأن التلبية إجابة بما دعي إليه، وقد سلموا أنه لا يجتزئ بذلك عند الميقات ويسكت.
وإذا كان ذلك أمر المعتمر أن يكون على تلبية حتى يأخذ في الطواف، كما أمر من كان في حج أن يكون في تلبيته حتى يتلبس بما أجاب إليه، وهو الوقوف على المستحسن من المذهب.
ومن نسي التلبية حتى فرغ من حجِّه إلى عمرته كان عليه الهدي.
واختلف إذا ابتدأ بالتلبية ثم قطع، هل يكون عليه دم أو لا.
فإن تمادى بعد أن ابتدأ بالتلبية على التهليل والتكبير أجزأه، ولم يهد.

الجزء: 3 - الصفحة: 1140

فصل [في موضع تقليد الهدي]

ومن كان معه هدي قلده أو أشعره من حيث يحرم.
ومن أتى ذا الحليفة، وميقاته الجحفة (1) كان بالخيار بين أن يُقَدِّم الإحرام والتقليد والإشعار من ذي الحليفة، أو يؤخر الجميع إلى الجحفة، ولا ينبغي أن يقدم أحدهما الآن، ويؤخر الأخرى إلى الجحفة، وإن لم يكن معه هدي كان له أن يعجِّل الإحرام من ذي الحليفة.

فصل الهدي ثلاثة: إبل، وبقر، وغنم

الهدي ثلاثةٌ: إبلٌ وبقرٌ وغنمٌ، وعلاماته ثلاثةٌ؛ تقليدٌ وإشعارٌ وتجليلٌ.
الإبل تقلّد وتشعر وتجلل، والبقر تقلد ولا تشعر، والغنم لا تقلد ولا تشعر، وهذا قول مالك في المدونة 72. واختلف في إشعار الإبل إذا لم يكن لها أسنمة، وفي إشعار البقر كانت لها أسنمة أم لا، وفي تقليد الغنم، فقال مالك في المدونة في الإبل: تشعر جملة 73. ولم يفرق.71

الجزء: 3 - الصفحة: 1141

وقال في كتاب محمد: وإن لم يكن لها أسنمة لم تشعر.
وقال في البقر: إن كانت لها أسنمة تشعر.
وهذا خلاف قوله الأول.
وقال ابن عمر - رضي الله عنهما - وابن شهاب: البقر تشعر، وإن لم يكن لها أسنمة، لعموم الحديث 74. وقال ابن حبيب: الغنم تقلد 75. وأرى أن تشعر الإبل وإن لم يكن لها أسنمة؛ لعموم الحديث.
وكذلك البقر؛ لقول ابن عمر - رضي الله عنه -؛ لأنه صاحب، وقد أهدى النبي - صلى الله عليه وسلم - البقر 76 وهو مشاهده، ومحمل قوله أنها أشعرت، ولو لم تشعر لم يقل ذلك.
وأرى أن تقلد الغنم؛ لحديث عائشة - رضي الله عنها -، "أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَلَّدَ الغَنَمَ".
أخرجه البخاري ومسلم 77. وتقلد الإبل نعلين، ولا بأس بالنعل الواحدة، وقال ابن حبيب: ومن لم

الجزء: 3 - الصفحة: 1142

يجد نعلين، فليقلد ما شاء 78. وكان ابن عمر - رضي الله عنهما - يقلد أذن مزادته 79. واستحب مالك أن يعلق ذلك مما أنبتت الأرض 80. وقال ابن حبيب: تجعل القلائد مما شئت 81. وهو أحسن؛ لحديث عائشة - رضي الله عنها -، قالت: "فَتَلْتُ قَلاَئِدَ هَدْي 82 رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مِنْ عِهْنٍ" 83. واختلف في أي الجانبين يكون الإشعار، فقال مالك في المدونة: في الأيسر 84، وقال في المبسوط: يستحب في الأيسر، ولا بأس بالأيمن 85. قال الشيخ - رضي الله عنه -: الأيمن أحسن؛ لحديث ابن عباس في: "أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - أَشْعَرَ نَاقَتَهُ فِي صَفْحَةِ سَنَامِهَا الأَيْمَنِ وَقَلَّدَهَا نَعْلينِ".
أخرجه مسلم 86.

الجزء: 3 - الصفحة: 1143

قال مالك: وتشعر عرضًا (1). وقال ابن حبيب: طولًا (2).

فصل [في تجليل الهدي]

ويجلل الهدي بعد الإشعار، والجلال على قدر السعة، قال ابن حبيب: فمنهم من يجلل الوشي، ومنهم يجلل الحبر، والمشطب، والقباطي، والأنماط، والملاحف والأزر 89. قال مالك في كتاب محمد: ويشق على الأسنمة إذا كانت قليلة الثمن لئلا تسقط، وما علمت مَنْ تَرَكَ ذلك إلا ابن عمر - رضي الله عنهما -، استبقاء للثياب؛ لأنه كان يجلل الحلل المرتفعة، وكان لا يجلل حتى يغدو من منى 90. وروي عنه: أنه كان يجلل بذي الحليفة، فاذا مشى ليلةً نزعه، وإذا قرب من الحرم جللها، وإذا خرج إلى منى جللها، وإذا كان النحر نزعه 91. وقال مالك في الموطأ: أما الجلال؛ فينزع لئلا يخرقه الشوك، وأما القباطي؛ فتترك عليها لأنها جماد 92.8788

الجزء: 3 - الصفحة: 1144

واختلف أي ذلك يقدم: الصلاة أو التقليد أو الإشعار؟ فقال مالك في المدونة: تقلد، ثم تشعر، ثم يدخل المسجد فيصلي 93. وقال في المبسوط: يركع ثم يقلد ثم يشعر.
وهو أحسن؛ لحديث ابن عباس - رضي الله عنهما -، وقد تقدم 94 والتقليد والإشعار قبل الإحرام، إذا كان الهدي تطوعًا، أو كان عن تمتع، أو قران مضى، وعن عام فرط.
فإن تمتع بعمرة لم يقلد، ويشعر قبل أن يحرم بالحج؛ لأن دم المتعة لم يجب قبل الإحرام، وإيجابه قبل الإحرام تطوع، والتطوع لا يجزئ عن واجبه.
واختلف إن فعل وقدم الإشعار والتقليد قبل الإحرام، فقال أشهب وعبد الملك: لا يجزئه.
وقال ابن القاسم: يجزئه 95. وكذلك القران لا يوجب الهدي عند التقليد قبل أن يحرم بالقِرَانِ، فإن فعل؛ لم يجزئه على قول أشهب وعبد الملك، وأجزأه على قول ابن القاسم.
وفي كتاب الحج الثاني من المدونة: إذا أهدت امرأة هديًا تطوعًا، وهي معتمرة، ثم حاضت قبل أن تطوف، فأردفت الحج وصارت قارنة: أنه يجزئها ذلك الهدي عن دم القران 96. وكذلك الرجل يعتمر، ثم يردف الحج قبل الطواف، وكان قد قلد هديًا قبل

الجزء: 3 - الصفحة: 1145

أن يقرن، فإن هو طاف وسعى للعمرة، ثم أخّر نحر الهدي لينحره عن التمتع؛ كان فيه قولان: فقال مرة: يجزئه عن دم القران.
ومرة قال: لا يجزئ (1). وكل هذا راجع إلى التقليد والإشعار، هل يجب به الهدي أم لا؟ وهذا فيما سوى الغنم، فإنها تجب على قول مالك بالنية والسوق، أو بالنية بانفرادها وإن لم تسق (2)؛ لأنها لا تقلد ولا تشعر، فلم يبق إلا النية.

فصل [في لباس المحرم وتطييببه]

ومن المدونة قال مالك: أكره المفدم 99 بالعصفر للنساء والرجال أن يحرموا فيه؛ لأنه ينتفض.
وكرهه للرجال في غير الإحرام 100. قال الشيخ - رضي الله عنه -: يستحب للمحرم لباس البياض، وهو في المصبوغ على ثلاثة أوجه: جائز إذا اخضر وازرق، أو ما أشبه ذلك.
وممنوع إذا كان بالورس 101، أو الزعفران، أو ما أشبه ذلك مما هو طيب،9798

الجزء: 3 - الصفحة: 1146

فإن فعل افتدى.
ويجوز إن كان معصفرًا غير مفدم.
وكره المفدم لأنه ينتفض، وقال أشهب في المجموعة: لا فدية عليه إن فعل، ولم يره من الطيب المؤنث 102. ولا بأس بما كان مصبوغًا بورس أو زعفران إذا غسل حتى ذهب لونه، وإن ذهبت الرائحة وبقي اللون كره، ولا فديه فيه؛ لأنه لم يكن ممنوعًا لعينه وإنما ذلك لريحه؛ لأنه طيب.
ولا يحرم في ثوب فيه رائحة الطيب، وإن لم يكن فيه عين الطيب، قال محمد: إن كثرت الرائحة افتدى 103. وهذا صحيح؛ لأن المنع ألا يتطيب، والمراد من الطيب ريحه، ولو جعل في ثوبه طيبًا قد قدم وذهب ريحه لم تكن فيه فدية.
وقال مالك في كتاب ابن المواز: ولا ينام على مصبوغ بورس ولا زعفران، فإن فعل افتدى، إلا أن يغشيه بثوب كثيف 104. يريد: لأن الجلوس عليه لباس.
ولو كان ثوبًا كثيفًا، وظهر ريحه بعد ذلك، وعلق بجسمه ريح لافتدى.
قال مالك: ولا بأس بالمزعفر لغير المحرم، وكنت ألبسه 105.

الجزء: 3 - الصفحة: 1147

وقال: في الحديث في النهي "أَنْ يَتَزَ عْفَرَ الرَّجُلُ" 106: هو أن يلطخ جسده بالزعفران.
قال: وقد روي عنه - صلى الله عليه وسلم - "أنَّهُ كَانَ يَصْبغُ ثِيَابَهُ كُلَّهَا وَالعِمَامَةَ بِالزَّعْفَرَانِ" 107. قال الشيخ - رضي الله عنه -: الحديث في المحرم ألا يلبس شيئًا مسه ورس ولا زعفران، دليل على جوازه لغير المحرم؛ لأنه لو كان ممنوعًا في الجملة لم يخص به المحرم، وإنما يذكر في ذلك ما يشترك فيه حكم المحرم من غيره.
والمرأة كالرجل في اجتناب الطيب، والصغير كالكبير في الإحرام؛ فيجرد، ويجنب لباس المخيط، ويحسر عن رأسه، ويجنب لباس الخفين والشمشك.
قال مالك في المدونة: ولا بأس أن يحرم بهم وفي أرجلهم الخلاخل، وعليهم الأسورة 108.

الجزء: 3 - الصفحة: 1148

باب في إفراد الحج والتمتع والقران

ومن المدونة قال مالك: إفراد الحج أحب إلي 109، وقال أشهب: فإن لم يفرد فالقران أولى من التمتع، إلا أن يكون قدومه وقد بقي بينه وبين الحج طول يشتد عليه القيام، فالتمتع أولى من الإفراد 110. قال الشيخ - رضي الله عنه -: التمتع أولى من الإفراد والقران إن لم يشتد ذلك عليه؛ للحديث والقياس.
فأما الحديث فيه: قوله - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْي فَلْيَحِلَّ، وَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً، قالوا: يَا رَسُولَ اللهِ أَلِعَامِنَا هَذَا أَمْ لِلأَبدِ؟ قَالَ: بَلْ لِلأَبدِ.
ثُمَّ قَالَ: لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا سُقْتُ الهَدْيَ، وَلجَعَلْتُهَا عُمْرَةً".
اجتمع عليه البخاري ومسلم 111. فتضمن الحديث ثلاثة أوجه: أحدها: أمره - صلى الله عليه وسلم - أن ينتقلوا من غير التمتع إلى التمتع، ومعلوم أنه لا

الجزء: 3 - الصفحة: 1149

ينقلهم من أفضل إلى أدنى.
والثاني: أن إحرامه ومحله غير التمتع لم يكن بتوقيف من الله تعالى لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا سُقْتُ الهَدْيَ، وَلجَعَلْتُهَا عُمْرَةً" ولا يقول ذلك فيما فعله بتوقيف من الله.
والثالث: أن إخباره أن هذا أفضل مما كان فيه، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لمَا سُقْتُ الهَدْيَ، وَلجَعَلْتُهَا عُمْرَةً".
وأما القياس فإنه لا يختلف أن قربتين أفضل من واحدة، وأن التمتع قد يقرب بقربتين؛ لأن جميعهما مكتوب له، وأن المفرد لم يأت إلا بقربة.
وبان بهذا أيضًا: أن المتمتع أفضل من القارن؛ لأن القارن لا يأتي إلا بعمل واحد.

فصل [في القران وإرداف الحج والعمرة]

يصح أن يؤتى بالقران في عقد واحد وفي عقدين إذا تقدم عقد العمرة ثم أردف الحج، ولا يصح إذا تقدم عقد الحج إرداف العمرة عليه.
وإرداف الحج على العمرة 112 يصح إذا لم يعمل من عمل العمرة شيئًا، واختلف إذا شرع في عملها، ولم يتحلل منها على أربعة أقوال: فقال أشهب في كتاب محمد 113: إذا شرع في الطواف ولو شوطًا لم يردف الحج 114.

الجزء: 3 - الصفحة: 1150

وقال ابن القاسم: يرتدف إذا كان في الطواف 115. واختلف قوله إذا أتمّه ولم يركع: أيرتدف، أم لا؟ فإن أتمّه وركع لم يرتدف 116. وذكر 117 أبو محمد عبد الوهاب أنه يرتدف، وإن كان في السعي ما لم يتم، ويفرغ منه 118. وإذا كان الحكم أن يكون قارنًا فإنه لا فرق عند ابن القاسم بين أن يتمادى فيما كان فيه من عمل العمرة، أو يقطعه، وكذلك إذا كان الحكم ألا يكون قارنًا.
وقال أشهب في كتاب محمد: إن تمادى في طوافه لم يكن قارنًا، فإن قطع بعض التمادي؛ كان قارنًا 119. والأول أحسن، والمراعى وقت العقد، فإن كان ساقطًا لم يوجبه قطع التمادي، وإن كان ثابتًا لم يبطله ما حدث بعده من عمل.
ومن أردف الحج من الحل طاف طواف القدوم إذا دخل مكة، وإن كان إردافه بعد أن دخل الحرم لم يطف، وأَخَّرَ ذلك حتى يرجع من عرفات؛ لأنها حل.
واختلف إذا لم يصح إرداف الحج على العمرة، أو العمرة على الحج: هل يجب القضاء؟

الجزء: 3 - الصفحة: 1151

فقال مالك: لا قضاء عليه (1). وذكر أبو محمد عبد الوهاب في هذا الأصل قولين: أحدهما: أن عليه القضاء.
والثاني: لا قضاء عليه وهو أحسن (2). والأول أحسن؛ لأنه فاسد رد من أصله، وهو أعذر من مرضه؛ لأنه كان عقدًا صحيحًا فعرض له ما منع من تمامه، وهو المرض.

فصل [فيما يجب على من تمتع بالعمرة إلى الحج]

التمتع بالعمرة إلى الحج يوجب الهدي بأربعة شروط، وهي: أن يأتي بالعمرة في أشهر الحج، ثم يحج من عامه قبل أن يعود إلى بلده، أو إلى ما هو في البعد مثل بلده، وتكون العمرة مقدمة على الحج.
فإن كانت العمرة قبل أشهر الحج ثم حجّ من عامه، أو كانت في أشهر الحج ولم يحج من عامه ذلك، أو حج فيه بعد أن رجع إلى بلده أو إلى موضع هو في البعد مثل بلده، أو لم يرجع وكانت العمرة بعد الحج في ذي الحجة من ذلك العام لم يكن متمتعًا.
وفي كتاب محمد: إذا حل من العمرة ثم خرج إلى قدر مسافة بلده، قال: إن كان ذلك إلى أفق غير الحجاز، مثل الشام أو مصر أو العراق فذلك يجزئه، ويسقط عنه الدم 122.120121

الجزء: 3 - الصفحة: 1152

ولا أعلم لهذا وجهًا، وإذا رجع إلى مثل بلده فالحجاز وغيره سواء.
وقال محمد فيمن دخل مكة في أشهر الحج بعمرة، وهو يريد سكناها، ثم حج من عامه: أنه متمتع، ولعله أن يبدو له، فعليه الهدي 123. والصواب في هذا أنه غير متمتع؛ لأنه من ساكني الحرم، ومحمله على نيته في الإقامة حتى يحدث نية السفر، ولو أحدث نية السفر 124، وألا يقيم لم يكن متمتعًا؛ لأن هذه نية حدثت بعد صحة النية الأولى.
وقال مالك فيمن له أَهْلٌ بمكة وأَهْلٌ ببعض الآفاق، فقدم مكة معتمرًا في أشهر الحج، قال: هذا من مشتبهات الأمور، والاحتياط في ذلك أعجب إليَّ 125. وقال أشهب في كتاب محمد: إن كان يأتي أهله بمكة منتابًا فعليه الهدي، وإن كان سكناه بمكة ويأتي التي بغير مكة منتابًا فلا هدي عليه 126. وهذا صحيح، ولم يتكلم مالك على مثل هذا، وإنما جاوب فيمن 127 يكثر المقام بالموضعين.
ومن أتى بعمرة في رمضان فَأَهَلَّ هلال شوال بعد طوافه وسعيه وقبل حلاقه- لم يكن متمتعًا، فإن كان بقي عليه شيء من السعي كان متمتعًا، وهو قول مالك 128.

الجزء: 3 - الصفحة: 1153

ويصح أن يُقال: إذا لم يبق إلا الشوط والشوطان من السعي أن ليس بمتمتع؛ لأن اليسير في حيز اللغو.
وقال فيمن قدم معتمرًا، وحل في غير أشهر الحج، ثم أنشأ عمرة أخرى في أشهر الحج: إنه متمتع 129. وفيمن قدم قارنًا في غير أشهر الحج، فطاف وسعى قبل أن يهلّ هلال شوال: إنه متمتع 130. والقياس في هذا: أنه ليس بمتمتع؛ لأن طوافه وسعيه للعمرة والحج، وقد انقضت عمرته، وإنما بقيت عليه أعمال الحج خاصة.
ولا شركة للعمرة في شيء مما بقي عليه من الوقوف ورمي وطواف للإفاضة، إلا الحلاق خاصة، فإنه لهما، فقد قال فيمن قدم مراهقًا وهو قارن، ورمى جمرة العقبة: إنه يحلق، وإن لم يكن طاف 131. وقال ابن الجهم: يؤخر الحلاق حتى يطوف ويسعى 132؛ لأنه لم يطف للعمرة بعد، ولم يبح له أن يحلق قبل أن يطوف للعمرة.
فإذا طاف بعد الرمي وسعى حل له الحلاق والسعي.
وهذا هو القياس 133، فإذا منع هذا الحلاق لأن العمرة لم يأت

الجزء: 3 - الصفحة: 1154

عملها بعد، فكذلك إذا قدم الطواف والسعي قبل أن يهلّ شوال؛ لأن العمرة قد انقضت، ولم يبق إلا الحلاق، فإن وطئ قبل الوقوف بعرفة فسد الحج وحده.
وإن تمتع أهل مكة وأهل ذي طُوى لم يكن عليهم دم.
قال إسماعيل القاضي: الأصل في هذا القصر؛ لأنه لا يقصر حتى يجاوز ذي طوى.
وقد اختلف فيمن سواه ممن قربت داره، كأهل منى وعرفة ومر الظهران، فقال مالك: عليهم الدم 134. وقال ابن حبيب: القرى المجاورة لمكة مثل مر ظهران وضجنان 135 والنخلتان وعرفة والرجيع، وما لا تقصر فيه الصلاة لا متعة لهم، فأما ما بعد مما تقصر فيه الصلاة- عليهم هدي التمتع 136، هكذا روى ابن عباس.
قال: فهو مذهب مالك 137 وأصحابه 138. فرأى أن من كان على ما لا تقصر فيه الصلاة داخل في حاضر المسجد.
وقد اختلف في ذلك، فقيل: من كان دون المواقيت إلى مكة.

الجزء: 3 - الصفحة: 1155

وقيل: من كان على ما لا تقصر فيه الصلاة مثل ما حكى ابن حبيب.
والقياس في أهل منى وعرفة: ألا هدي عليهم إن أحرموا بالحج من مكة قبل أن يرجعوا إلى أوطانهم؛ لأن هؤلاء زادوا ولم ينقصوا، وقد كان لهم أن يؤخروا الإحرام حتى يرجعوا إلى أوطانهم، ولا يكون عليهم دم المتعة إن أحرموا بالحج.
فصل [في تمتع وقران أهل مكة] ولم يختلف المذهب في أهل مكة يتمتعون ألّا دم عليهم، واختلف إذا قرنوا، فقال مالك: لا دم عليهم 139. وقال عبد الملك بن الماجشون: عليهم الهدي؛ لأنهم أسقطوا أحد العملين بخلاف التمتع 140، وهو أحسن، وإسقاط أحد العملين يستوي فيه المكي وغيره.
واختلف في جواز التمتع بالعمرة لأهل مكة وغيرهم من أهل الآفاق 141.

الجزء: 3 - الصفحة: 1156

باب في مواقيت الحج والعمرة، والوقت الذي يحرم فيه الحاج

142 المواقيتُ خمسةٌ: ذو الحليفة، والجحفة، ويلملم، وقرن، وذات عرق.
فذو الحليفة لأهل المدينة، والجحفة لأهل الشام ومصر والمغرب، ويلملم لأهل اليمن، وقرن لأهل نجد، وذات عرق لأهل العراق.
ومن أتى على أحد هذه المواقيت من غير أهله فمهَلُّه منه، وليس له أن يؤخر عنهم إلا أهل الشام والمغرب إذا مروا على ذي الحليفة خاصة، فلهم أن يؤخروا إلى الجحفة؛ لأن ميقاتهم أمامهم، ولهم إن لم يمروا بالجحفة أن يؤخروا إحرامهم 143؛ ليحرموا إذا حاذوها.
وكذلك كل من لم يمر بميقاته فمهَلُّه إذا حاذاه في بر أو بحر.
وقال ابن حبيب: إذا لم يكن مرور أهل الشام وأهل المغرب بالجحفة، فلا رخصة لهم في ترك الإحرام من ذي الحليفة 144. يريد: إذا لم يكن مرورهم على موضع يحاذي ميقاتهم.
وقال أبو قرة عن مالك فيمن كان من أهل المدينة، وكان طريقه 145 على غير طريق المدينة: فإنه يحرم إذا حاذى الجحفة، ومن كان مسكنه أمام ميقات من هذه المواقيت فمهَلُّه من موضعه، وليس له أن يتعداه لما بعد، ولا عليه أن

الجزء: 3 - الصفحة: 1157

يرجع إلى ما خلفه من الميقات، سواء أراد حجًا أو عمرة.
ويفترق الجواب في أهل مكة وغيرهم ممن هو ساكن في الحرم، فإهلاله بالحج من موضعه، وبالعمرة من خارج الحرم.
والأصل في هذه الجملة: حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: "وَقَّتَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - لأَهْلِ المَدِينَةِ ذَا الحُلَيْفَةِ وَلأَهْلِ الشَّامِ الجُحْفَةَ وَلأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنًا وَلأَهْلِ اَليَمَنِ يَلَمْلَمَ، فَهُنَّ لهم وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِن غَيْرِ أَهْلِهِنَّ مِمَّنْ أَرَادَ الحجَّ وَالعُمْرَةَ، وَمَنْ كَانَ وَرَاءَ ذَلِكَ فَمِنْ أَهْلِهِ، وَكَذَا حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ يُهِلُّونَ مِنْ مَكَّةَ".
أخرجه البخاري، ومسلم 146. ويخرج من عموم هذا الحديث إحرام من كان في الحرم بالعمرة، فليس موضعه ميقاتًا لها حتى يخرج إلى الحل؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر عائشة - رضي الله عنه - أن تخرج إلى التنعيم، فتعتمر منها 147. وقد اختلف في القارن من الحرم، فمنعه مالك في المدونة 148، وأجازه سحنون وإسماعيل القاضي؛ لما كان المفرد بالحج ممنوعًا من الطواف حتى يخرج إلى الحل، ومنها 149 عرفات.
وكذلك المعتمر يقرن من الحرم، ثم لا يعمل شيئًا

الجزء: 3 - الصفحة: 1158

حتى يرجع من عرفة، إلا أن يحب أن يطوف قبل وقوف عرفة، فإنه يطوف ولا يسعى إلا أن يخرج إلى الحل، فيجوز له حينئذ أن يطوف ويسعى.
واختلف فيمن أفرد الحج من مكة، ثم طاف وسعى قبل أن يخرج إلى عرفة، هل يحتسب به؟ فقال مالك في المدونة: إذا رجع من عرفة طاف وسعى، فإن هو لم يفعل حتى رجع إلى بلده رأيت السعي الأول بين الصفا والمروة يجزئه وعليه الدم وذلك أيسر شأنه عندي 150. وقال أبو الحسن ابن القصار: وقد روي عن مالك أنه إن كان قد طاف وسعى، ثم فرغ من حجه- أجزأه.
وأجاز ذلك الشافعي وأبو حنيفة؛ لأن الطواف بانفراده ليس من شرطه أن يؤتى به من الحِلِّ، فيجمع فيه بين الحل والحرم، وكذلك السعي بين الصفا والمروة ليس من شرطه أن يؤتى به من الحل.
فقد قيل: إن سعيه مسعى هاجر بينهما، حيث عطش إسماعيل عليه السلام.
وإذا كان ذلك؛ كان الصواب أنه جائز حسبما روي عن مالك في أحد القولين.
وقال مالك: يستحب 151 للمعتمرين من أهل مكة أن يحرموا بالحج من المسجد الحرام 152. وقال في كتاب محمد: ولا يحرم من بيته، بل من جوف المسجد.
قيل له:

الجزء: 3 - الصفحة: 1159

فمن عند باب المسجد؟ قال: لا، بل من جوف المسجد (1). وأهل مكة وكل من بها من غير أهلها سواء، وقال في المبسوط: إن شاء أَهَلَّ أَهْلُ مكة من مكة، ولا يخرج من الحرم (2). وكل هذا أحسن أن يحرم من حيث شاء من مكة، والاستحباب أن يكون من المسجد.
وقال مالك فيمن كان من أهل الآفاق، ودخل مكة يريد العمرة، ثم أراد أن يحرم بالحج وعليه نفس: أحب إلي أن يخرج إلى ميقاته، فيحرم منه (3). واستحب ابن القاسم لمن دخل مكة حلالًا، ثم أراد أن يحرم بالحج أن يخرج إلى الحل (4)، وعلى قول مالك يستحب له أن يخرج إلى ميقاته.

فصل [فيمن تعدَّى الميقات]

تعدي الميقات على ثلاثة أوجه: فمن تعداه وهو يريد دخول مكة لحج أو لعمرة كان عليه الدم.
وإن كان يريد دخولها لا لحج ولا لعمرة، ثم بدا له بعد أن جاوز الميقات فأحرم بحج أو بعمرة؛ لم يكن عليه دم.
وقال في كتاب محمد: عليه الدم، وإن كان لا يريد دخولها ثم بدا له أن يدخلها فأحرم فلا دم عليه 157. وقال أيضًا153154155156

الجزء: 3 - الصفحة: 1160

فيمن تعدى الميقات وهو صرورة، ثم أحرم: فعليه الدم 158. ولم يفرق بين أن يكون يريد دخول مكة أو لا، وجعل الفرض على الفور.
وحكى أبو محمد عبد الوهاب عنه أن على من دخل مكة حلالًا الدم 159. وعلى هذا يصح قوله في كتاب محمد فيمن جاوز الميقات وهو يريد دخول مكة، ثم أحرم أن عليه الدم.
والصواب: ألا دم إلا على من أراد الحج أو العمرة، ومن تعدى الميقات وهو يريد الإحرام رجع ما لم يحرم، أو يخاف فوات أصحابه، ولا يجد من يصحبه، أو يشارف مكة، فإنه يمضي ويهدي.
واختلف فيمن تعدى الميقات ثم أحرم بالحج ثم فاته الحج، فقال ابن القاسم: لا دم عليه؛ لِتعدِّي الميقات.
وقال أشهب: عليه الدم 160. والأول أحسن؛ لأنه صار أمره إلى عمرة، ولم يتعد الميقات، فيجب لها الدم، وإنما تعدى في الحج ولم يتم.
واختلف في المريض من أهل المدينة يريد الحج، فقال مالك في كتاب محمد: لا ينبغي لمن جاوز الميقات أن يؤخر الإحرام لما يرجو من قوة، ويحرم، فإن احتاج إلى شيء افتدى، وقال أيضًا: لا بأس أن يؤخر إلى الجحفة 161. والأول أقيس، وهو مخاطب بالإحرام من ميقاته، فإن احتاج إلى شيء من المخيط أو تغطية الرأس فعل وافتدى.

الجزء: 3 - الصفحة: 1161

واختلف في الإحرام قبل الميقات، فأجاز ذلك مالك مرة (1)، وحمل الحديث في الإحرام من الميقات أنه تخفيف، فمن فعل فقد زاد خيرًا.
وكره ذلك مرة، ورأى أن الميقات سُنَّة لا تقدم ولا تأخر عنه (2). وقد روي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه أنكر على عمران بن حصين إحرامه من البصرة (3). وقد أحرم ابن عمر - رضي الله عنه - من الشام (4)، وكان الأسود وعلقمة وعبد الرحمن وأبو إسحاق يحرمون من بيوتهم.
ولا خلاف أنه إن فعل فأحرم قبل الميقات في أشهر الحج بالحج، أو أحرم في غير أشهر الحج بالعمرة أن إحرامه منعقد.
قال محمد: ومن أحرم بالحج أو العمرة؛ فلا يقيم بأرضه، إلا إقامة المسافر (5).

فصل [في أحوال الداخل إلى مكة]

دخول الرجل مكة على ثلاثة أوجه: حرام، وحلال، ومختلف فيه: هل يدخلها حلالًا، أم لا؟ فالأول: الدخول لحج أو عمرة، فهذا يأتي حرامًا من المواقيت التي سماها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.162163164165166

الجزء: 3 - الصفحة: 1162

والثاني: الدخول لقتال بوجه جائز، ذكره أبو الحسن ابن القصار، ودخول من يتكرر دخوله مثل الحطابين وأصحاب الفواكه وغيرهم ممن قرب من مكة، وكل هؤلاء يجوز أن يدخلوها حلالًا 167. والاستحباب: أن يأتي أول مرة محرمًا، فإذا تكرر منه بعد ذلك لم يكن علي شيءٌ.
والثالث: دخولها لتجارة أو لحاجة، فيختلف فيه على ثلاثة أقوال: فقال ابن شهاب 168 وأبو مصعب: لا بأس أن يدخلها حلالًا 169. وذكر أبو الحسن ابن القصار عن مالك أنه استحب أن يدخلها حرامًا، وإلى هذا يرجع قوله في المدونة؛ لأنه قال: إن فعل فلا هدي عليه 170. وذكر أبو محمد عبد الوهاب عنه أنه قال: عليه الدم 171. وأرى أن الإحرام واجب عليه.
واحتج من أباح ذلك بدخول النبي - صلى الله عليه وسلم - عام الفتح حلالًا.
واحتج من منع ذلك بأن مكة كانت ذلك اليوم حلالًا لما أُبيحَ فيها القتال، قال: وهو معنى قوله تعالى: ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ أنها كانت ذلك اليوم حلالًا، ثم عادت حرمتها بعد ذلك.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: حديث ابن عباس - رضي الله عنه - يتضمن جواز الدخول حلالًا؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في المواقيت: "لمِنْ أَرَادَ الحَجَّ وَالعُمْرَةَ" 172 وعَلَّقَ الأمر بإرادة من أراد الدخول لحج أو لعمرة، ومن لم يرد ذلك فلا شيء عليه.

الجزء: 3 - الصفحة: 1163

فصل [في ابتداء الحج ومنتهاه]

للحج وقتٌ يبتدئ فيه عَقدُه، ومنتهى ينحل منه فيه.
والأصل في ذلك قول الله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾.
فأوله شوال، واختلف عن مالك في آخرها، فقال: عشر من ذي الحجة.
وقال: ذو الحجة كله 173. وشوال وذو القعدة إلى الزوال من تسع ذي الحجة محل لعقد الإحرام والطواف والسعي لمن أتى من الحل، فإذا زالت الشمس كان وقتًا للوقوف إلى طلوع الفجر من العاشر، فإذا طلع الفجر كان وقتًا للوقوف بالمشعر الحرام ما لم تطلع الشمس.
ويستحب ألا يؤخر إلى بعد الإسفار، وذلك وقت للنحر والرمي والحلاق 174 لمن يعجل من ضعفة النساء والصبيان.
ثم ذلك وقت للرمي والنحر والحلاق والطواف ما لم تغرب الشمس، وهذا هو المستحب، فإن أخّر ذلك إلى آخر أيام النحر فعل وأجزأه، ولا دم عليه لما أخر من الحلاق والطواف؛ لأنه وقت.
واختلف في الدم عن تأخير الرمي في جمرة العقبة إذا رماها قبل أن تخرج أيام التشريق، فإن خرجت ولم يرم كان عليه الدم.
واختلف إذا أخر الحلاق والطواف بعد أن خرجت أيام التشريق 175، فقيل: عليه الدم.
وقيل: لا دم عليه؛ لأن الوقت باق حتى يخرج الشهر، فإن خرج الشهر كان عليه الدم قولًا واحدًا، وعليه أن يحلق ويطوف.

الجزء: 3 - الصفحة: 1164

فصل [من أحرم قبل شوال]

واختلف إذا عقد الإحرام بالحج قبل حلول شوال، فقال مالك: ينعقد إحرامه، ويكون في حج 176، بمنزلة من عقد ذلك بعد دخوله 177. وقيل: لا ينعقد الإحرام؛ لأنه بمنزلة من قدم الظهر قبل الزوال، ويتحلل بعمرة؛ لأن شوالًا وما بعده إلى الزوال من يوم عرفة محل للإحرام والطواف والسعي، وليس للوقوف بعرفة.
ولو أحرم في شوال ثم قدم مراهقًا لم يعد إلى الإحرام خاصة.
فلو كان المحرم وما بعده من شهور السنة إلى شوال محلا للإحرام والطواف والسعي لم يكن للآية فائدة، ولا لاختصاص الذكر في الأشهر للإحرام والطواف والسعي فائدة، إذا كان غيره من الشهور في ذلك بمنزلتها.
وأما قوله: يتحلل بعمرة 178؛ فاستحسان.
وهو بمنزلة من دخل في صلاة، ثم ذكر أنه كان صلاها، فإنه كان يستحب له أن ينصرف على شفع.
قال ابن القاسم: فإن قطع فلا شيء عليه 179.

الجزء: 3 - الصفحة: 1165

باب في حج العبد والمرأة والصبي والمجنون

تقدم القول في سقوط الحج عن العبد، فقال مالك فيمن أتى مكة ومعه عبد أو جارية: فله أن يدخلهما بغير إحرام، ويخرجهما إلى منى وعرفات غير محرمين.
قال: وقد يريد بيع الجارية 180. وقال في كتاب محمد: أما العبد الذي له الهيئة فأحب إليَّ أن يدخله محرمًا، وأما الصغير والعجمي والجارية يأتي بها للبيع فلا.
وإن ناشدته الله أن يتركها تحرم، فأستحب له أن يحرمها 181. واستحب أن يحرم العبد الذي له الهيئة؛ لأن مثله يرغب في ذلك.
ولا ضرر على السيد في ذلك؛ لأن ذلك لا يعطل عليه شيئًا من خدمته.
واختلف إذا أراد بيعه بعد أن أحرم، فأجاز ذلك في المدونة 182. وقال سحنون: لا يجوز بيعه.
وقال: متى يأخذه المشتري بعد الحج أو قبله؟ قال: ألا ترى أن 183 ابن القاسم يقول: إذا أجّر عبده شهرًا لم يجز بيعه.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: وقد يفرق بين السؤالين؛ لأن العبد المُحرِم منافعه لمشتريه، وفي الإجارة منافعه قد بيعت، فيحتسب من كان في الإحرام بهذا، فإن كان المشتري محرمًا كان ذلك أخف وإن كان الموضع بعيدًا؛ لأنه خارج معه، ومسافر به، وإن كان غير محرم فذلك فاسد، إلا أن يكون الموضع قريبًا، والأيام يسيرة.

الجزء: 3 - الصفحة: 1166

وإذا أذن السيد لعبده في الإحرام فأحرم لم يكن له أن يحله.
وإن لم يحرم كان له عند مالك أن يمنعه الإحرام 184، وليس بالبين؛ لأن السيد قد أسقط حقه في ذلك، وهو بمنزلة ما لو قال: أنت حر اليوم من هذا العمل.
فإنه لا يستعمله فيه، وهو في الحج أبين؛ لما تعلق العبد في ذلك من طاعة الله تعالى وفكاك رقبته؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "الحَجُّ الَمْبرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلاَّ الجَنَّةُ" 185 فدخل في عموم هذا الحر والعبد، والفرض والتطوع، وإن أحرم بغير إذنه كان له أن يحلّه.
ويستحب للسيد ألا يحله إذا كان السيد محرمًا، كما كان استحب له أن يأذن له في الأول قبل أن يحرم.
واختلف إذا أحله في وجوب القضاء إذا أذن له بعد ذلك في الحج، أو عتق العبد، فقال ابن القاسم: يقضي إذا أذن له.
وقال أشهب وسحنون: لا قضاء عليه.
وهو أبين؛ لأن السيد قد رد إحرامه من أصله بحق تقدم العقد، وليس بمنزلة الفوات؛ لأن الفوت أمر طرأ على العقد بعد صحته، ثم لا يخلو العبد في الإحرام الذي أحله منه السيد من أربعة أوجه: إما أن يكون تطوعًا، أو منذورًا في حج لعام بعينه، أو منذورًا مضمونًا، أو نوى حجة الإسلام، وهو يظن أن ذلك عليه.
فإن كان تطوعًا بغير نذر، أو نذر حج ذلك العام لم يلزمه القضاء إن أذن له السيد، أو أعتق في عام آخر.

الجزء: 3 - الصفحة: 1167

وإن أذن له، أو أعتق في ذلك المقام الذي أحله منه، وهو يدرك الحج ندب إلى الوفاء به، وليس بواجب.
وإن كان منذورًا أو مضمونًا فأحرم ينوي قضاء ذلك النذر ثم رد السيد إحرامه- كان عليه القضاء متى أعتق؛ لأن السيد إنما رد ذلك الإحرام، ولم يرد النذر ولا العقد المتقدم قبل الإحرام.
واختلف هل للسيد أن يرد عقده للنذر، فأجاز ذلك ابن القاسم، ومنعه أشهب.
وهو أحسن؛ لأن ذلك العقد لا يضر السيد مادام العبد في ملكه، ولا يحط من الثمن إن باعه.
وإن أحرم ينوي حجة الإسلام، وظن أن ذلك عليه لم يكن عليه شيء مادام في الرق، وإن أذن له السيد.
فإن أعتق أتى بحجة الإسلام فقط.
وإذا أحرم العبد فأذن سيده، ثم فاته الحج لمرض أو لخطأ العدد كان عليه القضاء، وليس للسيد أن يمنعه من ذلك، على القول أن القضاء على الفور.
وعلى القول أن له التراخي يستحب ألا يخالف السيد إذا منعه السنة والسنتين.
واختلف إذا تعمد الفوات والفساد، فقال أشهب في كتاب محمد: ليس على السيد أن يأذن له، وذلك عليه إذا أعتق.
وهو أصل مالك وابن القاسم.
وقال أصبغ: عليه أن يأذن له.
وقال ابن حبيب: إن لزمه صوم- لم يمنعه السيد وإن أضرّ به.
وكذلك إذا نكح بإذنه، وظاهر 186 - لم يمنعه من الصوم، وإن أضرّ به.
وهو قول ابن وهب وابن الماجشون وابن شهاب ويحيى بن سعيد، ورأوا أن القضاء على الفور 187.

الجزء: 3 - الصفحة: 1168

فصل إذا أحرمت المرأة بغير إذن زوجها تطوعًا كان له أن يحلها

وإذا أحرمت المرأة بغير إذن زوجها تطوعًا كان له أن يحلها، وإن أحرمت بحجة الإسلام من الميقات أو قبله بالمشي القريب وقد قرب الحج- لم يكن له أن يحلّها.
وإن كان إحرامها بعيدًا من الميقات أو من الميقات، وعلى بُعدٍ من وقت الحج- كان له أن يحلّها إذا كانت له إليها حاجة؛ لأنه خرج معها، وهو مُحِلٌّ لم يحرم بعد.
وكذلك إذا كان موضعها قريبًا من مكة، ولم ترد إلا الحج وأحب أن ينتفع بها حتى يقرب الحج.
ولو كان قد أحرم لم يحلها، [وإن كان بعيدًا.
وكذلك إذا خرجت دونه لم يكن له أن يجعل من يحلها].
وإذا أحرمت بوجه جائز ثم تعدى فأصابها بغير رضاها كان عليه أن يُحِجَّهَا، وينفق عليها وإن كانت نفقة عام القضاء أكثر من الأول؛ لأنه السبب في تكلفها النفقة الثانية.
وإن مات أخذت ذلك من ماله، وإن ماتت هي قال في كتاب محمد: يهدي عنها 188. ولم يجعل عليه شيئًا من نفقة العام الذي أفسد.
ولو قيل: إن ذلك عليه لكان له وجه؛ لأنه بوطئه كالمتلف لتلك النفقة لما كانت لا تحتسب بها.
ولا يخلو إحلال الزوج زوجته من أربعة أوجه: إما أن يحلها من حجة الإسلام، أو من تطوع، أو نذر معين، أو نذر مضمون:

  • فإن أحلها من حجة الإسلام لم يكن عليها أن تقضي غيرها.
  • وإن أحلها من تطوع أو نذر معين كان عليها القضاء عند ابن القاسم،

الجزء: 3 - الصفحة: 1169

ولا شيء عليها عند أشهب وسحنون.

  • وإن كان نذرًا مضمونًا كان عليها القضاء قولًا واحدًا.
    وإن أحرمت تنوي قضاء المضمون وحجة الإسلام والتطوع على قول ابن القاسم- أجزأت عن حجة الإسلام، وأتت بعد ذلك بالحجة الأخرى (1). وكذلك العبد يعتق وكان السيد أحله من حجة التطوع، أو منذور مضمونًا، أو أحرم ينوي حجة الإسلام، ولو أحله منها السيد أجزأت عند ابن القاسم عن حجة الإسلام، وأتى بعد ذلك بالتي كان حل منها.
    وقد كان تقدم ذكر الخلاف في ذلك في كتاب النذور (2).

فصل [إذا حج بابنه الصغير وهو لا يتكلم]

وقال مالك: إذا حج الأب بابنه الصغير وهو لا يتكلم- لا يجرده حتى يدنو من الحرم، فإذا جرده يريد الإحرام فهو محرم، ويجنبه ما يُجنَّبُ الكبير، ولا يطوف به أحد لم يطف، ولا يدخل طوافين في طواف، ولا بأس أن يسعى به بين الصفا والمروة من لم يسع، وهو أخف، ولا يجمع بين الرمي عن نفسه وعن الصغير 191. واختلف إذا طاف عن نفسه وطاف بالصبي معه محمولًا، فقال ابن القاسم في كتاب محمد: يجزئ عن الصبي وحده، ولا يجزئ عن الرجل 192.189190

الجزء: 3 - الصفحة: 1170

وقال عبد الملك: يجزئ عن الرجل، ولا يجزئ عن الصبي.
وقال أصبغ: لا يجزئ عن الرجل -مثل قول ابن القاسم- (1)، وإن أعاد عن الصبي فهو أحب إليَّ (2) وقال ابن القاسم أيضًا: يجزئ عن الصبي، وأحب إليَّ أن يعيد عن نفسه.
193 ولمالك عند ابن شعبان: لا يجزئ عن واحد منهما؛ في الطواف عن الصبي وعن نفسه 194. قال الشيخ - رضي الله عنه -: القياس أن يجزئ عن الصبي، ولا فرق بين أن يطوف به محمولًا على دابة، أو على رجل، وإنما المقال في الرجل إذا أشرك في عمله، وقصد الطواف عن نفسه وعن الصبي.
وقال محمد في رجل حمل رجلًا فطاف به طوافًا واحدًا: لم يجز عن واحد منهما 195. وقول ابن القاسم: يجزئ عنهما ويعيد عن نفسه على وجه الاستحسان، وهو في هذا بخلاف من أتى بحجة عن نذره وعن حجة الإسلام؛ لأن تلك حجة واحدة، وهذان شخصان طائفان بأنفسهما جميعًا، فوجب أن يجزئ عنهما، والاستحباب أن يعيد عن نفسه.
ولو طاف به ماشيًا لأجزأ عنهما.
ولا خلاف فيمن طاف لنفسه وبرجل معه ليعلمه الطواف جاز عنهما جميعًا.
وكذلك أرى إذا طاف به محمولًا أن يجزئ عنهما، فيجزئ عن المحمول بمنزلة لو كان على دابة إذا طيف به على ذلك لعذر لمرض أو غيره، ويجزئ الآخر أيضًا؛ لأنه طائف بنفسه، وقياسًا على السعي بين الصفا والمروة.
(1، 2) انظر: النوادر والزيادات: 2/ 359.

الجزء: 3 - الصفحة: 1171

وأما الرمي فهو على وجهين: فإن رمى سبعة عن نفسه وعن الصبي لم يجزئ عنهما بلا خلاف.
ويختلف: هل يحتسب بها عن نفسه أو عن الصبي؟ ولا يجزئ عن واحد منهما.
وإن رمى سبعة عن نفسه، ثم سبعة عن الصبيّ، ثم تقدم إلى الجمرة الأولى ففعل مثل ذلك، ثم الثالثة كذلك أجزأ عنهما قولًا واحدًا.
وإن رمى الأولى بأربع عشرة حصاة، واحدة عن نفسه، وأخرى عن الصبي حتى أتم أجزأ عنهما جميعًا 196؛ لأن ذلك تخلل لا يمنع الإجزاء.
وقد قال فيمن نسي حصاة فذكر من الغد: أنه يرميها، ويبني على ما تقدم 197. وإذا طاف به غير محمول رمل الأشواط الثلاثة وفي بطن المسيل.
واختلف إذا كان محمولًا، فقال ابن القاسم: لا يرمل به.
وقال أصبغ: يرمل به 198. والأول أحسن؛ لأن سبب ذلك في الطواف أن يري المشركين النبي - صلى الله عليه وسلم - قوة أصحابه، وكان المشركون قد قالوا: قد أوهنتهم حمى يثرب 199. ومن طيف به محمولًا لِصغرٍ أو مرضٍ خارج عن ذلك.

الجزء: 3 - الصفحة: 1172

فصل [في حج وصي اليتيم]

وقال ابن القاسم في وصي اليتيم يخرج إلى الحج: فلا يخرج يتيمه إلا أن يخشى عليه الضيعة، ولا يجد من يكفله فيجوز له ذلك.
قال: وإذا جاز له أن يخرجه جاز له أن يحجه.
قال: وكذلك الأب في ولده لا يخرجه وينفق عليه من مال الصبي، إلا أن لا يجد من يكفله، ويخاف عليه الضيعة.
فإن أخرجه اختيارًا كان ضامنًا لما أكرى عليه، ولما زادت نفقته لو لم يشخص به 200. قال محمد: وإذا خرج الصبي بوجه جائز أنفق عليه نفقة الحج كلها من مال الصبي، كان أبًا أو وصيًا أو أمًا.
قال: وقيل: بل ما أصاب الصبي من صيد فذلك في مال الصبي 201. فأجيز أن يحرم به إذا خرج به؛ لما يرجى له من الأجر في ذلك، ولأن الغالب السلامة مما يوجب عليه دمًا.
202 وإن كان يحتاج إلى الفدية لم يمنع من ذلك أن يحرم به؛ لأن خطب الفدية يسير، وقد أبيح للوصي أن يتصدق من ماله بالشيء اليسير، فهو في هذا الموضع أخف.
وأما الصيد فليس هو الغالب.
وأرى 203 لو خرج به تعديًا؛ لأنه لا يخشى عليه لو خلفه أن يجوز له أن يحرمه؛ لأن التعدي إنما كان قبل، فإذا وصل إلى الميقات كان إحرامه أولى وأفضل.
ويكون على الصبي من النفقة القدر الذي كان ينفقه لو لم يخرج به والزائد من مال

الجزء: 3 - الصفحة: 1173

الوصي، إلا أن يكون السعر في الطريق أو البلد الذي يوصل إليه أرخص.
وإن أصاب صيدًا في الطريق (1) قبل الإحرام أو (2) في الحرم كان في مال الوصي إذا أخرجه تعديًا.
وإن أخرجه بوجه جائز كان ما أصاب في مال الصبي؛ لأنه لو لم يحرم به لكان ذلك في ماله، فلم يؤثر الإحرام في ذلك شيئًا.

فصل [في حج من طرأ تكليفه عشية عرفة]

وإذا أسلم النصراني أو أعتق العبد أو احتلم الصبي أو حاضت الجارية بعرفة عشية عرفة، أو قبل طلوع الفجر من ليلة المزدلفة- أحرم حينئذ ولبى ووقف، وأجزأه عن حجة الإسلام.
وإن كان العبد أو الصبي أو الجارية في إحرام مضوا على إحرامهم ذلك، ولم يكن لهم أن يحلوه، ولم يجزئه عن حجة الإسلام 206.204205

الجزء: 3 - الصفحة: 1174

باب فيمن جاء مكة ليلًا أو بعد العصر أو في الصبح وفي استلام الركن

وقال مالك فيمن جاء مكة ليلًا: لا بأس أن يدخل حينئذ، ويستحب أن يدخل نهارًا 207. وقد كان عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - يدخل مكة لطواف العمرة ليلًا وقال محمد: إن جاء بعد العصر أحب له أن يقيم بذي طوى حتى يمسي؛ ليصل بين طوافه وركوعه وسعيه 208. فإذا دخل فلا بأس أن يؤخر الطواف حتى تغرب الشمس.
فإن طاف فيركع ويسعى إن كان بطهر واحد.
فإن انتقض وضوؤه توضأ، وأعاد الطواف والسعي إن كان بمكة.
وإن خرج وتباعد بعث بهدي 209. قال محمد: ويقدم المغرب على ركعتي الطواف 210 وقال أبو مصعب: ذلك واسع.
ويختلف إذا أتى بعد أن صلى الصبح، فعلى قول مالك: يؤخر الدخول حتى تطلع الشمس، فإن دخل أمسك عن الطواف 211، وعلى قول مطرف يدخل حينئذ ويطوف ويركع؛ لأنه أجاز الركوع للطواف بعد الصبح ما لم يسفر.

الجزء: 3 - الصفحة: 1175

فصل [فيما يفعله من دخل المسجد الحرام ومسجد النبي - صلى الله عليه وسلم -]

ويبتدئ من دخل المسجد الحرام باستلام الركن، ثم الطواف 212. وذلك تحية ذلك المسجد، ولا يبتدئ بالركوع.
ويبتدئ في مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - بركعتين تحية المسجد قبل أن يأتي القبر ويسلم، وهذا قول مالك 213 وقال ابن حبيب: يقول إذا دخل: بسم الله، والسلام على رسول الله 214. يريد: أن يبتدئ بالسلام من موضعه، ثم يركع.
ولو كان دخوله من الباب الذي بناحية القبر 215، ومروره عليه فوقف فسلم، ثم تمادى إلى موضع قريب 216 فصلى فيه- لم يكن ضيقًا.
ويستلم من الأركان الأسود واليماني، ولا يستلم اللذين يليان الحجر؛ لأن البيت لم يتم من هناك على قواعد إبراهيم عليه السلام.
وقد كان عبد الله بن الزبير - رضي الله عنه - أعاد ذلك الموضع على قواعد إبراهيم - عليه السلام -، واستلمهما، ثم أزال ذلك الحَجَّاجُ، وأعاده على ما كان عليه قبل، فلم يُستلَما 217. ويستلم الحجر الأسود بالفم، فإن لم يستطع لزحام أو غيره فباليد.
واختلف في تقبيل اليد، فقال مالك 218 في المدونة: لا يُقَبّل 219. وقال في

الجزء: 3 - الصفحة: 1176

مختصر ما ليس في المختصر: يقبل.
وقال أشهب: إن قبل يده فحسن.
ويستلم اليماني باليد لا بالفم (1). واختلف في تقبيل اليد، فقال في المدونة: لا يُقبّلها (2). وقال في كتاب محمد: يُقبّل.
وهو أحسن في الموضعين جميعًا، لحديث أبي الطفيل - رضي الله عنه -، قال: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَطُوفُ بِالبَيْتِ رَاكِبًا وَيسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ مَعَهُ وَيُقَبِّلُ المِحْجَنَ".
أخرجه مسلم 220. وإذا جاز أن يقبل المحجن عند الحاجة لليد جاز أن يقبل اليد التي يجتمع بها.
وقال مالك في المجموعة: إذا استقبل الركن حمد الله وكبّر.
وقال ابن حبيب يقول عند استلامه: بسم الله، والله أكبر، اللهم إيمانًا بك، وتصديقًا لما جاء به محمد نبيك 221. وأنكر ذلك مالك في المدونة، وقال: يكبر ويمضي 222. ومن لم يقدر على الاستلام فإنه لا يدع التكبير، ويستلم في أول شوط، وليس عليه بعد ذلك في بقية الأشواط شيء، إلا أن يشاء.
وكذلك إذا فرغ من الطواف وأراد الركوع فليس عليه أن يعود إلى الاستلام، فإن ركع ثم أراد الخروج إلى السعي عاد فاستلم.
وإن طاف بعد ذلك تطوعًا ابتدأ بالاستلام، ولا بأس أن يستلم من ليس في طواف.
وكره مالك أن يضع الخدين على الحجر 223. (1، 2) انظر: المدونة: 1/ 395.

الجزء: 3 - الصفحة: 1177

باب في أعداد الطواف والرمل (1) فيه والقراءة والكلام وإنشاد الشعر وهل يشرب حينئذ

والطواف سبع: مفروضة، ومسنونة، ومتطوعة، لا يقتصر على دون سبعة، ولا يزاد عليها.
ويبتدئ الطائف من الركن الأسود، ثم يجعل البيت عن يساره، فإن ابتدأ من اليماني تمادى في السابع إلى الأسود وأجزأ 225، ويكون قد ألغى ما بين اليماني إلى الأسود.
وإن ابتدأ من الحجر ألغى ذلك الشوط، واحتسب من بعده بسبع.
وإن طاف منكوسًا، فجعل البيت عن يمينه لم يجزئه 226، وأعاد، وإن كان قد رجع إلى بلده.
والطواف ماشيًا، ولا يطوف راكبًا إلا لعذر مرض أو غيره، وليس عليه أن يؤخر ذلك ليصح.
وقالت أم سلمة - رضي الله عنه -: "شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنِّي أَشْتَكِى.
فقال: طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ وَأَنْتِ رَاكبَةٌ" 227، وفي البخاري ومسلم أن224

الجزء: 3 - الصفحة: 1178

النبي - صلى الله عليه وسلم -طاف راكبًا 228، قال ابن عباس- رضي الله عنه -: "لأنْ يَرَاهُ النَّاسُ وَلِيُشْرِفَ وَيَسْأَلُوهُ، فَإِنَّ النَّاسَ غَشّوه".
قال أيضًا: "كَرَاهِيَةَ أَنْ يُضْرَبَ النَّاسُ عَنْهُ" أخرجه مسلم 229. وقال ابن القاسم فيمن طاف راكبًا من غير عذر: يعيد ما لم يقف.
فإن رجع إلى بلده أو بَعُدَ أو تطاول أجزأه، وأهدى، ولا يطاف في الحجر ولا من وراء زمزم، ولا في سقائف المسجد 230، وإن طاف في الحجر لم يجزئه؛ لأن الموضع الذي ينصرف منه الناس يلي البيت، وهو من البيت، فإنما طاف ببعض البيت.
ولو تسور من الطرف 231 لأجزأه؛ لأنه ليس من البيت، وليس بحسن أن يفعل ذلك.
وإن طاف في سقائف المسجد من زحام الناس أجزأه.
وإن فعل ذلك اختيارًا أو فرارًا من الشمس أعاد 232. قال ابن القاسم في المجموعة: لا يجزئه، وإن كان فرارًا من الشمس.
قال أشهب: وهو كالطائف من خارج المسجد 233. وعلى قولهما: لا يجزئ الطائف من وراء زمزم؛ لأنه يحول بينك وبين البيت، كما حالت اسطوانات السقائف بينه وبين البيت.

الجزء: 3 - الصفحة: 1179

فصل لا يطوف جنبًا ولا بغير وضوء

ولا يطوف جُنُبًا، ولا بغير وضوء.
واختلف إذا فعل، فقال مالك وابن القاسم: لا يجزئه، وهو بمنزلة من لم يطف، يرجع وإن بلغ بلاده 234. وإن أصاب النساء في عمرة أفسدها، فيطوف 235 ويسعى ويحل، ويلبي بعمرة أخرى.
وكذلك إذا كان في حج وطاف طواف الإفاضة بغير وضوء- توضأ، ثم يأتي بعمرة أخرى.
وإن كان ذلك في طواف القدوم، ثم لم يذكر حتى أصاب النساء- كان بمنزلة من لم يطف للإفاضة؛ لأن السعي 236 الذي كان حين قدم بطل ببطلان الطواف الذي قبله.
وقد كان عليه أن يأتي بالسعي إذا طاف طواف الإفاضة، فإذا لم يفعل توضأ وطاف وسعى، ثم يحل، ثم يأتي بعمرة 237. وقال المغيرة فيمن طاف بغير وضوء: يعيد ما كان بمكة، فإذا أصاب النساء وخرج إلى بلده أجزأه، ولا شيء عليه.
وأما السعي بين الصفا والمروة فلم يختلف المذهب أنه يصح، وإن كان جنبًا، أو على غير وضوء 238. وقد قيل: الأصل في وجوب الطهارة للطواف حديث عائشة - رضي الله عنها - قالت: "أَوَّل مَا بَدَأَ بِهِ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ أنَّهُ

الجزء: 3 - الصفحة: 1180

تَوَضَّأَ ثُمَّ طافَ بِالبَيْتِ، ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَة" 239. وقالت: "قَدِمْتُ مَكَّةَ وَأَنَا أَحِيضُ، فَلَمْ أَطُفْ بِالبَيْتِ.
. ." الحديث 240. وكلا الحديثين محتمل، ويحتمل أن يكون وضوء النبي - صلى الله عليه وسلم - للطواف، والصلاة، ويحتمل أن يكون للصلاة؛ لأن عقب الطواف صلاة، ومحتمل أن يكون ذلك للطواف على وجه الاستحسان؛ لأنه تيمم لرد السلام.
ويحتمل حديث عائشة -رضي الله عنها- في امتناعها من الطواف أن يكون ذلك للطواف، أو لأجل الصلاة التي بعقب الطواف أو لحرمة المسجد؛ لأن الحائض لا تدخله.
واختلف فيمن طاف بثوب نجس، فقال ابن القاسم: لا إعادة عليه، وهو بمنزلة من صلى، ثم ذكر بعد خروج الوقت.
وقال أشهب: يعيد 241. وإن صلى الركعتين بثوب نجس لم يُعِد على أصل ابن القاسم أنه بالفراغ

الجزء: 3 - الصفحة: 1181

بمنزلة ما خرج وقته.
وفي كتاب محمد: يعيد ما دام بمكة، فإن خرج إلى بلده أجزأه ولم يعدهما، وبعث بهدي.
وليس هذا بالبيّن.
وأرى أن يعيد إذا كان بمكة ما لم تخرج أيام الرمي؛ لأنه في ذلك مؤد غير قاض (1). ويختلف إذا خرجت أيام الرمي، ولم يخرج شهر ذي الحجة هل يعيد، أم لا؟ فإن خرج شهر ذي الحجة لم يعد؛ لأن الركعتين تابعتان للطواف، فلا شيء عليه في الموضع الذي يكون فيه مؤديًا لا قاضيًا.
فإذا أخّر الطواف حتى يصير قاضيًا، وعليه الدم، كان قضاء الركعتين على مثل ذلك.

فصل [في الرمل في الحج]

الرَّمَل 243 في الحج في الطواف الأول، وهو طواف القدوم.
ولا يرمل في طواف الإفاضة، ولا في طواف الوداع، ولا في طواف التطوع.
واختلف هل يرمل في طواف الإفاضة إذا قدم مراهقًا 244 ولم يطف للقدوم، وهل يرمل في طواف القدوم إذا أحرم بالحج من التنعيم؟ فقال محمد: كان ابن عمر - رضي الله عنه - إذا أهَلَّ من مكة يرمل في الطواف 245 يريد: إذا رجع من242

الجزء: 3 - الصفحة: 1182

عرفة؛ لأن من أحرم من مكة لا يطوف حتى يرجع.
وقال مالك: أحب إليّ أن يرمل.
وقال فيمن أحرم من التنعيم: أحب إليّ أن يرمل، وليس ذلك في الواجب كالذي يحرم من الميقات 246. وقال أيضًا: ذلك سواء، أحرم من الميقات أو بغيره.
وأما العمرة؛ فيرمل في الطواف لها إذا أحرم من الميقات.
ويختلف إذا أحرم من التنعيم أو غيره من المواضع القريبة.
والأصل في الرمل حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: "لمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مَكَّةَ يُرِيدُ عُمْرَةَ القَضَاءِ، قَالَ المُشْرِكُونَ: إِنَّ مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ لاَ يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَطُوفُوا بِالبَيْتِ مِنَ الهُزَالِ، وَقَدْ أَوْهَنَتْهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ، فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - أَنْ يَرْمُلُوا ثَلاَثَةَ أَشْوَاطٍ لِيَرَى المُشْرِكُونَ جَلَدَهُمْ، قَالَ: وَلَم يَمْنَعْهُمْ أَنْ يَرْمُلُوا الأَشْوَاطَ كُلَّهَا إِلاَّ الإِبْقَاءُ عَلَيْهِمْ".
أخرجه البخاري ومسلم 247. ثم أثبته 248 - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع في طواف القدوم دون طواف الإفاضة، وإذا كان ذلك سببه، وأثبت فيمن قدم من غير مكة، وأسقط من طواف الإفاضة ومن طواف التطوع- سقط عمن دخل من التنعيم لحج أو لعمرة؛ لأنه في معنى المقيم.
والرمل على الرجال، ولا رمل على النساء.
واختلف في المريض يطاف به محمولًا، فقال محمد: يرمل به.
وقال ابن القاسم: لا يرمل بالصبي إذا طيف به محمولًا.
وقال أصبغ: يرمل به 249. وعلى قول ابن القاسم

الجزء: 3 - الصفحة: 1183

هذا لا يرمل بالمريض، وهو أحسن فيه وفي الصبي؛ لأن السنة وردت في ذلك فيمن كان صحيحًا؛ ليرى قوته.
والمريض وإن طيف به محمولًا خارج عن ذلك ومن تركه فقيل: يعيد الطواف إن كان قريبًا.
وقيل: لا إعادة عليه.
واختلف بعد القول ألا إعادة عليه: هل عليه الدم، أم لا؟ ولا أرى في مثل ذلك إعادة ولا دمًا؛ لأنه ليس بمؤكد، وقد كان فيه السبب ما تقدم ذكره.

فصل [في آداب الطواف]

ويلتزم في الطواف السكينة والوقار والإخبات لله تعالى.
ويُقْبِلُ على التكبير، والتهليل والحمد لله والثناء والدعاء.
واختلف في قراءة القرآن حينئذ، فكره ذلك مالك في المدونة 250. وأجازه أشهب في كتاب محمد إذا كان يخفى، ولا يكثر.
ولا بأس بالكلام والحديث ما لم يكثر، ولا ينشد شعرًا 251، وليس هناك موضعه، وقد يستحب من ذلك ما كان يتضمن وعظًا وتحريضًا على طاعة الله البيتين والثلاثة.
ويكره أن يشرب الماء، إلا أن يضطره ظمأ.
واختلف في التلبية في الطواف، فأجاز ذلك مالك 252، وكرهه 253.

الجزء: 3 - الصفحة: 1184

وألا يفعل أحسن؛ لأن التلبية إجابة لما دعي له، فإذا تلبس بما دعي إليه كان الاشتغال بامتثال ما دعي إليه أولى.

فصل [في أنواع الطواف]

طواف الحج ثلاثة: طواف القدوم، وطواف الإفاضة، وطواف الوداع.
وهي مختلفة الأحكام؛ سنة وفرضًا وندبًا.
فطواف القدوم سنة؛ لفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه له 254 وطواف الإفاضة فرض؛ لأمر الله تعالى به، فقال بعد ذكر الوقوف والتحريم: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ وطواف الوداع مندوب إليه؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لاَ يَنْفِرَنَّ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ آخِر عَهْدِهِ بِالبَيْتِ" أخرجه مسلم، والبخاري نحوه 255. وقد يجزئ عن جميعها طواف الإفاضة، إذا أضاف إليه السعي لمن أتى مراهقًا، وكان نفره 256 عقب الطواف، والأصل في سقوطه عن المراهق

الجزء: 3 - الصفحة: 1185

إحرام الصحابة بالحج من مكة بحضرة النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم نفروا إلى عرفات، ولم يطوفوا بالبيت 257. وقال مالك: بلغني أن بعض أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - كانوا يأتون مراهقين، فينفرون بحجهم ولا يطوفون ولا يسعون، ثم يَقْدَمُونَ منى، ولا يفيضون من منى إلى آخر أيام التشريق، فيأتون فينيخون عند باب المسجد، ثم يدخلون ويطوفون بالبيت ويسعون، ثم ينصرفون 258. وهذا أصل في سقوطه فيمن خرج عقب طواف الإفاضة، ولأن آخر عهده بالبيت، فدخل بذلك الطواف في عموم الحديث.
ولا يجزئ طواف القدوم عن طواف الإفاضة؛ لأنه قدم الشيء قبل وجوبه، بمنزلة من صلى صلاة قبل وقتها.
واختلف في طواف الوداع، هل يجزئ عن طواف الإفاضة؟ فقال مالك: يجزئه 259. وقال محمد بن عبد الحكم: لا يجزئه.
وأصل المذهب: ألا 260 يجزئ التطوع عن الواجب، فمن تطوع بركعتين ثم ذكر أن عليه صلاة الفجر، أو بصوم يومٍ، ثم ذكر أن عليه صوم يوم من رمضان؛ لم تجزئه تلك الصلاة، ولا

الجزء: 3 - الصفحة: 1186

ذلك الصوم عن الفرض.
واختلف إذا تقدمت نية الفرض، ثم أحدث نية التطوع ناسيًا للفرض، وأتى به عقب نية الفرض، فقال مالك: لا يجزئه عن الفرض.
وقال عبد الملك: يجزئه 261. وذلك فيمن سلم من ركعتين من الظهر، ثم أتى بركعتين عقب ذلك بنية التطوع، أنه يجزئ عن تمام الظهر.
أو صام تسعة وخمسين يومًا من ظهاره، ثم نوى في الآخر 262 تمام الستين التطوع.
أو بيت الفطر، ثم ذكر قبل 263 أن يأكل؛ فقال: يجزئه ذلك اليوم عن تمام الشهرين 264. ورأى أنه باق على النية الأولى 265، وطوافه باق على النية الأولى؛ لأنه لم ينو رفضها، وإنما أحدث النية الثانية ظنًا منه أنه وَفَّى بالنية الأولى.
وينبغي أن يرد الجواب في الطواف إلى ذلك، فإن نوى التطوع وهو ذاكر لما عليه من طواف الإفاضة؛ لم يجزئه التطوع عنه.
وإن كان ذلك على وجه النسيان بعد أن نوى طواف الإفاضة، ثم انحلت نيته بقرب ذلك أجزأه.
وإن أحدث نية التطوع أجزأه على قول عبد الملك، ولم يجزئه على أصل قول مالك في الصلاة والصوم.
وقد اختلف فيما بعدت فيه النية في الحج، هل يجزئه فعله بغير نية محدثة؟ فقيل فيمن أتى عرفة ولم يعرفها: أنها تجزئه عن الوقوف.
وقيل: لا تجزئه.

الجزء: 3 - الصفحة: 1187

فصل [في طواف القدوم]

الطواف الأول يسقط عمن أحرم من مكة، وعمن أحرم من الحل إذا كان مراهقًا.
وعمن أحرم من الحل بعمرة ثم أردف الحج من الحرم، ولا دم في شيء من ذلك.
واختلف فيمن أتى غير مراهق من الحل فترك الطواف والسعي حتى خرج إلى عرفة، فقال ابن القاسم: عليه الدم (1)، ورأى أن تقدمه قبل الوقوف سنة.
وقال أشهب: لا شيء عليه (2) ورآه مندوبًا إليه؛ يريد: لأن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - لما أحلوا من العمرة أحرموا بالحج من مكة، فلو كان مؤكدًا لأمرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يخرجوا إلى التنعيم فيحرموا، ثم يدخلوا فيطوفوا (3).

فصل [في الموالاة بين الطواف وركعتي الطواف والسعي]

ويوالي بين الطواف والركوع والسعي.
وإن فرق الطواف متعمدًا لم يجزئه، إلا أن يكون ذلك التفريق يسيرًا، أو يكون لعذر وهو على طهارته.
فإن انتقضت طهارته توضأ، واستأنف الطواف من أوله 269. وسواء انتقضت تعمدًا أو غلبة، قال ابن القاسم في كتاب محمد: ولو بنى بعد أن توضأ لرجع كمن لم يطف 270.266267268

الجزء: 3 - الصفحة: 1188

وإن أقيمت الصلاة على الطائف، وقد بقي عليه شوط أو شوطان فلا بأس أن يتممهما إلى أن تعتدل الصفوف.
وإن كان في أول الطواف قطع وصلى، ثم بنى على ما كان من طواف 271؛ لأن الخروج إلى الفريضة ضرورة.
واختلف إذا خرج لصلاة جنازة، فقال ابن القاسم: يبتدئ.
وقال أشهب في كتاب محمد: يبني 272 وقال ابن القاسم: وإن خرج لنفقة نسيها ابتدأ 273 وعلى قول أشهب يبني إذا كان في مثل ما يبني أو كانت جنازة، وهو في الخروج إلى النفقة أعذر.
واختلف إذا فرق بين الطواف والركوع ناسيًا، فقال في كتاب محمد: إذا نسيهما حتى سعى 274 ركعهما، وأعاد السعي 275. قال: وقيل يبتدئ.
وقال مالك: إن انتقض وضوءه بعد تمام طوافه وقبل أن يركع توضأ، واستأنف الطواف تطوعًا أو واجبًا 276؛ لأن الركعتين من الطواف، ويوصلان بالطواف إلا أن يبعد، فلا يرجع ويركع ويهدي.
وإن كان الطواف تطوعًا لم يبتدئه، إلا أن يشاء إذا لم يتعمد الحدث.
ويلزم على قوله في الناسي 277 -أنه يبني- أن يقول مثل ذلك إذا انتقضت طهارته، فيجدد الطهارة ويبني، وإن

الجزء: 3 - الصفحة: 1189

كان الطواف واجبًا.
قال في كتاب الحج الثاني من المدونة: إذا لم يذكر الركعتين حتى جامع يعتمر ويهدي.
وإن كان لم يركعهما حتى عاد إلى بلده؛ ركعهما حيث هو، وأهدى 278. وقال المغيرة: يركعهما، ويرجع.
وإذا نسيهما من الطواف الأول، ثم ذكر قبل يوم التروية- أعاد الطواف والسعي.
وإن ذكر يوم التروية أو يوم عرفة كان كالمراهق، يخرج ولا يطوف.
ويستحب له إذا كان يوم التروية: أن يطوف قبل أن يخرج.
فإن خرج قبل أن يطوف فذكر وهو بعرفة، أو بعد الوقوف، فإنه إذا طاف طواف الإفاضة أضاف إليه السعي.
واختلف في الدم: هل يسقط عنه ويكون كالمراهق، أو لا يسقط؛ لأن النسيان فيه ضرب من التفريط؟ وإن لم يذكر حتى أصاب النساء اعتمر وأهدى.
وإن نسيهما من طواف الإفاضة، ثم ذكر في أيام الرمي- أعاد الطواف وركع ولا دم عليه.
وإن خرجت الأيام، ولم يخرج شهر ذي الحجة- طاف وركع، واختلف في الدم.
وإن خرج الشهر كان عليه الدم، فإن أصاب النساء اعتمر وأهدى كالأول.
وإن نسيهما من الطواف الأول ثم ذكر بعد خروج ذي الحجة، ولم يصب النساء- كان عليه هدي لتأخير طواف الإفاضة؛ لأنه يصير بمنزلة من لم يطف، لما لم يضف إليه السعي.
ويختلف هل يكون عليه هدي لتأخير طواف القدوم 279؛ لأنه كان عليه أن يقدمه، فلما أفات ذلك حتى وقف كان عليه هدي، ثم عليه أن يطوف طواف الإفاضة ويركع ويسعى، فلما نسي ذلك حتى خرج الشهر كان عليه هدي أيضًا.

الجزء: 3 - الصفحة: 1190

وظاهر المدونة: ألا دم عليه عن الأول.
وقال مالك فيمن طاف الطواف الأول على غير وضوء: لا دم عليه لما أخر من الطواف إذا أصاب النساء؛ لأنه لم يتعمد، وهو بمنزلة المراهق، وجل الناس يقولون: لا عمرة عليه، والعمرة تجزئ من ذلك كله (1)، وقال محمد: إذا ذكر بعد فراغه من حجه وهو بمكة- أن الطواف الأول كان على غير وضوء- طاف وسعى، ولا دم عليه.
وليس بمنزلة المتعمد والناسي (2).

فصل [فيمن فرَّق بين الطواف والسعي]

وإن فرق بين الطواف والسعي لم يجب عليه أن يستأنف.
وكذلك، إذا فرق بين السعي نفسه، وخرج لجنازة أو لنفقة أو ما أشبه ذلك ما لم يطل- فإنه يستأنف الطواف.
وقال مالك في كتاب محمد فيمن طاف، ولم يخرج إلى الصفا يسعى، حتى طاف تنفل 282 سُبْعًا أو سُبعين: أحب إليّ أن يعيد الطواف ثم يسعى، وإن لم يعد الطواف رجوت أن يكون في سعة 283 وقال فيمن طاف وركع ثم مرض ولم يستطع المشي حتى انتصف النهار: يكره أن يفرق بين الطواف والسعي.
قال ابن القاسم: يبتدئ 284. وهذا استحسان، فإن لم يفعل أجزأه.
قال مالك فيمن طاف ليلًا، وأخر280281

الجزء: 3 - الصفحة: 1191

السعي حتى أصبح، فإن كان بطهر أجزأه 285 وإن كان قد نام وانتقض وضوؤه فبئس ما صنع، وليعد الطواف والسعي والحلاق ثانية إن كان بمكة.
وإن خرج من مكة؛ أهدى وأجزأه 286. وهذا يدل على أن إعادة المريض استحسان؛ لأن هذا فرّق مختارًا، وهو قادر على أن يسعى قبل أن يصبح.
فرآه مجزئًا عنه، ولا إعادة عليه إن لم تنتقض طهارته.
وقوله أيضًا: إذا انتقضت الطهارة أنه يعيد.
استحسان، ولو كان واجبًا لرجع وإن بلغ بلده؛ لأن السعي يصح بغير طهارة إذا سعى بالقرب، ويصح من الحائض، فلم يكن لمراعاة انتقاضها إذا بعد وجه.

الجزء: 3 - الصفحة: 1192

باب في طواف الوداع وطواف التطوع

الأصل في طواف الوداع قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لاَ يَنْفِرَنَّ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ آخِر عَهْدِهِ بِالبَيْتِ" 287 فكل من خرج من مكة من أهلها أو غيرهم، من حاج أو معتمر، ولم يكن خروجه بفور طوافه للإفاضة أو طواف التطوع، أو من قدم لتجارة أو غيرها، ولم يكن حج ولا اعتمر، فخرج أحد ممن تقدم ذكره، وهو لا يريد الرجوع، أو يريد ذلك بعد أن يبعد عن مكة- فإنه يطوف عند خروجه.
ومن كان خروجه بفور طوافه من حج أو عمرة، أو طاف تطوعًا، أو لم يكن بفور ذلك، وكان سفره إلى الموضع القريب لم يكن عليه طواف.
قال مالك في المدونة فيمن خرج للعمرة: إن كان يعتمر من التنعيم أو الجعرانة لم يكن عليه طواف الوداع، وإن كان يعتمر من الجحفة أو غيرها من المواقيت فإنه يطوف للوداع، قال ابن القاسم: طواف الوداع على النساء والصبيان والعبيد وعلى كل أحد 288. ومن شرطه: أن يكون عند سفره وخروجه من غير تراخ، فإن اشتغل بعده بالشيء اليسير فلا بأس.
قال مالك: إن اشترى بعض جهازه أو طعامه، فأقام في ذلك ساعة لم يكن عليه إعادة 289. قال ابن القاسم: وإن أقام يومًا أو بعض يوم أعاد 290. وقال ابن الماجشون في المبسوط: إن بات ليستأنف كراءً، أو

الجزء: 3 - الصفحة: 1193

لِيُعِدَّ مرفقًا لم يُعدْ.
وقال مالك في مختصر ما ليس في المختصر: ومن ودع ثم أقام الغد بمكة فهو في سعة أن يخرج.
والقول الأول أسعد بالحديث.
ولو جاز أن يجتزئ بذلك مع طول الإقامة لأجزأ 291 طواف الإفاضة؛ لأنه يجزئ عن طواف الوداع إذا خرج بالفور.
وأما إن خرج من فوره، فأقام بذي طوى؛ فليس عليه أن يعيد.
واستحب مالك لمن خرج، ولم يطف للوداع أن يرجع إن كان قريبًا 292، ولم يخف فوات أصحابه، ولا منعًا من كَرِيَّه.
فإن خاف ذلك، وكان قد أبعد؛ لم يرجع.
وقد رد عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - رجلًا من مر الظهران لم يطف للوداع 293. وإن حاضت امرأة قبل أن تطوف للوداع خرجت، ولم يحبس عليها كريها، وإن لم تكن طافت للإفاضة، فقال مالك: يحبس عليها كريها أقصى ما يحبسها الدم، ثم تستظهر بثلاث، ولا يحبس عليها أكثر من ذلك 294. قال محمد: اختلف قول مالك في ذلك، فقال مرة: خمسة عشر يومًا.
وقال مرة: سبعة عشر يومًا، وتستظهر بيوم أو يومين.
وقال مرة: شهرًا أو نحوه 295. وليس هذا بالبين؛ لأنها إذا جاوزت الخمسة عشر يومًا أو سبعة عشر يومًا كانت في حكم الطاهر؛ تصلي وتصوم، ويأتيها زوجها،

الجزء: 3 - الصفحة: 1194

وتطوف.
وإن كانت تحيض يومًا وتطهر يومًا طافت يوم طهرها، وخرجت.
وعلى قوله في كتاب محمد: يحبس عليها شهرًا يكون الدم لا غاية له، وتمسك إذا لم يتغير الدم عن حاله الأول من أول ما رأته.
وإن أقامت شهرًا، أو لم تكن مستحاضة، إلا أن يتغير الدم عن حاله إلى الاستحاضة، قال في المدونة: إن كانت نفساء حبس عليها كريها (1) أكثر ما يحبس النساء الدم من غير سقم (2). وقال في كتاب محمد: الحيض من شأن النساء.
وأما الحمل فيقول: لو أعلم أنها حامل.
وكل هذا فعلى عاداتهم في الأكرية ما بين مكة والمدينة (3)؛ لأن الرفاق لا تتعذر وهي مارة وراجعة.
وأما غير ذلك من السفر إلى مصر والشام فإن للجمال ألا يتأخر؛ لأنه لا يقدر على أن يتأخر على رفقته، ولا أن يسافر وحده.
ثم يختلف، هل عليها أن تكري آخر مكانه، ويفاسخها الكراء (4).

فصل [في طواف التطوع]

والسنة فيمن طاف أسبوعًا تطوعًا أن يعقبه بركعتين 300، فمن لم يفعل حتى296297298299

الجزء: 3 - الصفحة: 1195

طال 301، أو انتقضت طهارته استأنفه.
وإن أعقب الأسبوع 302 الأول بأسبوع ثان قبل أن يركع قطعه، ثم ركع عن الأول.
وإن لم يفعل حتى أتم الثاني أتى لكل أسبوع بركعتين وأجزأه، قال ابن القاسم في المدونة 303: لأنه أمر قد اختلف فيه 304. وكذلك لو أتى بأسبوع ثالث أو رابع؛ فإنه يأتي لكل أسبوع بركعتين، ويجزئه.
وقياس المذهب: أن ذلك طول يحول بينه وبين إصلاح الأول، ويوجب عليه الاستئناف فيما تقدم من الطواف.
وقد اختلف فيمن نسي ركعتين حتى سعى، هل يستأنف الطواف، أم لا؟.
وكره مالك أن يدخل البيت بالنعلين أو الخفين، أو يصعد منبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بمثل ذلك.
وأجاز ذلك ابن القاسم في دخول الحجر 305. وليس بالبين؛ لأنه من البيت، إلا ما زاد على ما كان من البيت، وهو ما بعد ست أذرع منه.
وكره مالك لمن دخل البيت وجلس فيه أن يجعل نعليه فيه، ويجعلهما في حجرته 306. = كتاب الحج، برقم، (1544).

الجزء: 3 - الصفحة: 1196

باب في السعي بين الصفا والمروة

ورد القرآن بإباحة السعي بين الصفا والمروة؛ لقول الله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾.
وتضمنمت الآية الندب لقوله تعالى: ﴿مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾.
وجاءت السنة في إثباته، قالت عائشة: "سَنَّ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -الطَّوَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، وَلَيْسَ لأَحَدٍ أَنْ يَدَعَ ذَلِكَ" 307، وثبت الأمر به، فقال ابن عمر: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ؛ فَلْيَطُفْ بِالبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ وَلْيُقَصِّرْ وَلْيَتَحَلَّلْ، ثُمَّ لْيُهِلَّ بِالحَجِّ.
. ." الحديث، وقد أخرج هذين الحديثين البخاري ومسلم 308، وقد تضمن هذا الحديث وجهين: الأمر به، وأنه على حكم الإحرام.
وقد اختلف في وجوبه، فذهب مالك وأصحابه إلى أنه واجب في الحج والعمرة، وعلى من تركه حتى رجع إلى بلده الرجوع ليأتي به 309. ومن أصاب أهله بعد الطواف وقبل السعي؛ كان قد أفسد، وعليه القضاء.
وإن فعل ذلك في حج، ولم يكن طاف للقدوم، ثم طاف للإفاضة،

الجزء: 3 - الصفحة: 1197

ولم يسع حتى أصاب أهله - كان عليه أن يأتي بعمرة.
قال الثوري وإسحاق في المعتمر يصيب أهله قبل أن يسعى: يهريق دمًا، وقد تمت عمرته، ولم يوجبا السعي.
وقال ابن عباس: العمرة الطواف (1) وذكر ابن القصار عن إسماعيل القاضي أنه ذكر عن مالك فيمن ترك السعي بين الصفا والمروة حتى تباعد وطال الأمر، فأصاب النساء: أنه يهدي، ويجزئه.
قال: وأحسبه ذهب في ذلك إلى ما وصفنا للاختلاف، ولقول بعضهم: ليس بواجب.
وقال بعضهم: إنه تطوع.

فصل [في موالاة السعي بين الصفا والمروة بعد الطواف]

السعي بين الصفا والمروة في الحج مرة واحدة، يؤتى به عقب طواف القدوم، ثم لا سعي فيما 311 بعد ذلك إذا طاف للإفاضة أو للوداع.
ومن لم يطف للقدوم لأنه مراهق، أو تركه متعمدًا - أتى به عقب طواف الإفاضة.
فمن لم يأت به عقب طواف الإفاضة، وأتى به عقب طواف الوداع - أجزأه عند مالك 312؛ لأنه يرى أن طواف التطوع في الحج يجزئ عن الواجب.
ولا يجزئ عند محمد بن عبد الحكم.
وكذلك في العمرة: أن يؤتى به مرة واحدة بعد الطواف، فإن لم يأت به حتى أصاب النساء؛ كان قد أفسد عمرته.
ومن أتى بالسعي في الحج أو العمرة قبل الطواف، ثم أعقبه بالطواف لم يجزئه، وكان بمنزلة من لم يسع.310

الجزء: 3 - الصفحة: 1198

والسعي بين الصفا والمروة سبع، ويبتدئ بالصفا ويختم بالمروة وإذا وقف على الصفا أربعًا وعلى المروة أربعًا؛ كان الذي بينهما سبعًا، وإن بدأ بالمروة زاد شوطًا.
ويستحب أن يقف على الصفا والمروة في موضع 313 يرى منه البيت، ويستقبل البيت في حين وقوفه، فإن وقف أسفل أجزأه، ويكون قائمًا، إلا من له عذر من مرض 314 لا يستطيع معه القيام، فلا بأس أن يكون جالسًا.
وإن جلس مع القدرة على القيام أجزأه.
والنساء في ذلك كالرجال، إلا أنهن يقمن أسفل ذلك، ولا يخالطهن الرجال.
فإن لم يكن هناك رجال فالأعلى أفضل 315. وإذا وقف الواقف هناك استفتح بذكر الله بالتكبير والحمد والثناء، ثم الدعاء.
واختلف في رفع اليدين حين الدعاء، وذلك واسع؛ بجعل بطونهما إلى الأرض وظهورهما إلى السماء وهو الرهب، أو بجعل بطونهما إلى السماء وظهورهما إلى الأرض وهو الرغب.
ولا يجعلهما قائمتين كما يفعل في الإحرام في الصلاة.
وإذا نزل من الصفا فأتى بطن الوادي سعى حتى يخرج منه.
واختلف في أصل ذلك السعي، فقيل: الأصل فيه: هاجر، لما تركها إبراهيم عليه الصلاة والسلام وإسماعيل، ولم يكن بالموضع ماء، فعطش إسماعيل عليه

الجزء: 3 - الصفحة: 1199

الصلاة والسلام، فصعدت الصفا لتنظر هل بالموضع ماء، فلم تر شيئًا، فنزلت وسعت في بطن السيل حتى أتت المروة، قوقفت بمثل ذلك 316، وذكر الترمذي عن ابن عياس: "أَنَّ ذَلِكَ كَانَ لِيُرِيَ المُشْرِكِينَ قُوَّتَهُ" 317. تم كتاب الحج الأول

الجزء: 3 - الصفحة: 1200

فصول الكتاب · 100 فصل
فصول التبصرة للخمي
المقدمةكتاب الطهارةكتاب الصلاة الأولكتاب الصلاة الثانيكتاب الجنائزكتاب الصيامكتاب الاعتكافكتاب الزكاة الأولكتاب الزكاة الثانيكتاب الحج الأول
باب في جوب الحج (1)، وبماذا يجب، وعلى من يجب، وهل هو على الفور؟فصل في الخلاف في أفضلية المشي راكبًا أو ماشيًا للحجفصل الحج يجب في البَرِّ على الطريق المعتادفصل [حج النساء]فصل الخلاف في الحج؛ هل هو على الفور أم لا؟فصل الحج واجب على كل حُرٍّ بالغباب في الاغتسال للإحرام، والتلبية (1)، والنية في ذلك، والحكم في الهدي فيمن معه هديفصل [انعقاد الإحرام]فصل التلبيةفصل [في موضع تقليد الهدي]فصل الهدي ثلاثة: إبل، وبقر، وغنمفصل [في تجليل الهدي]فصل [في لباس المحرم وتطييببه]باب في إفراد الحج والتمتع والقرانفصل [في القران وإرداف الحج والعمرة]فصل [فيما يجب على من تمتع بالعمرة إلى الحج]باب في مواقيت الحج والعمرة، والوقت الذي يحرم فيه الحاجفصل [فيمن تعدَّى الميقات]فصل [في أحوال الداخل إلى مكة]فصل [في ابتداء الحج ومنتهاه]فصل [من أحرم قبل شوال]باب في حج العبد والمرأة والصبي والمجنونفصل إذا أحرمت المرأة بغير إذن زوجها تطوعًا كان له أن يحلهافصل [إذا حج بابنه الصغير وهو لا يتكلم]فصل [في حج وصي اليتيم]فصل [في حج من طرأ تكليفه عشية عرفة]باب فيمن جاء مكة ليلًا أو بعد العصر أو في الصبح وفي استلام الركنفصل [فيما يفعله من دخل المسجد الحرام ومسجد النبي - صلى الله عليه وسلم -]باب في أعداد الطواف والرمل (1) فيه والقراءة والكلام وإنشاد الشعر وهل يشرب حينئذفصل لا يطوف جنبًا ولا بغير وضوءفصل [في الرمل في الحج]فصل [في آداب الطواف]فصل [في أنواع الطواف]فصل [في طواف القدوم]فصل [في الموالاة بين الطواف وركعتي الطواف والسعي]فصل [فيمن فرَّق بين الطواف والسعي]باب في طواف الوداع وطواف التطوعفصل [في طواف التطوع]باب في السعي بين الصفا والمروةفصل [في موالاة السعي بين الصفا والمروة بعد الطواف]
كتاب الحج الثانيكتاب الحج الثالثكتاب الجهادكتاب الصيدكتاب الذبائحكتاب الضحاياكتاب العقيقةكتاب الأطعمةكتاب الأشربةكتاب الأشربةكتاب النذور والأيمانكتاب النكاح الأولكتاب النكاح الثانيكتاب النكاح الثالثكتاب الرضاعكتاب العدة وطلاق السنةكتاب المفقودكتاب الظهاركتاب الإيلاءكتاب اللعانكتاب إرخاء الستوركتاب الأيمان بالطلاقكتاب التخيير والتمليككتاب الصرفكتاب السلم الأولكتاب السلم الثانيكتاب السلم الثانيكتاب السلم الثالثكتاب التفليسكتاب اللقطةكتاب المأذون له في التجارةكتاب حريم الآباركتاب الشفعةكتاب الهبةكتاب الحبس والصدقةكتاب الصدقة والهبةكتاب الوصايا الأولكتاب الوصايا الثانيكتاب العتقكتاب العتق الأولكتاب العتق الثانيكتاب المدبركتاب المكاتبكتاب أمهات الأولادكتاب الولاء والمواريثكتاب بيع الآجالكتاب البيوع الفاسدة وما يفيتهاكتاب البيوع الفاسدة وما يفيتهاكتاب العراياكتاب التجارة إلى أرض الحربكتاب التدليس بالعيوبكتاب البيع على الصفةكتاب البيع على الصفة أو على رؤية تقدمتكتاب الاستبراءكتاب بيع الخياركتاب المرابحةكتاب الوكالاتكتاب الصلحكتاب المساقاةكتاب الجوائحكتاب الشركةكتاب تضمين الصناعكتاب الجعل والإجارةكتاب كراء الدور والأرضينكتاب الرواحلكتاب القراضكتاب الأقضيةكتاب الشهاداتكتاب الشهادات الثانيكتاب المديانكتاب الحجركتاب الحمالةكتاب الحوالةكتاب الرهنكتاب الغصبكتاب الاستحقاقكتاب القسمكتاب الوديعةكتاب العاريةكتاب العاريةكتاب القطع في السرقةكتاب القطع في السرقةكتاب المحاربينكتاب الرجمكتاب القذفكتاب الحدود (1) في القذفكتاب الجناياتكتاب الجراحكتاب الجراحكتاب الديات
جارٍ التحميل