التبصرة للخميكتاب الجهاد
أهل الأثرالأرشيف العلمي

النسخ المقابل عليها 1 - (ب) = نسخة برلين رقم (3144) 2 - (ت) = نسخة تازة رقم (235 & 243) 3 - (س) = نسخة الاسكوريال رقم (1082) 4 - (ق 3) = نسخة القرويين رقم (368)

الجزء: 3 - الصفحة: 1335

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم تسليما

كتابُ الجهاد

باب في فرض الجهاد، وهل يتعيَّنُ القتالُ على من نزلَ به العدو؟ وهل يجب النصرُ على من قارب من نزل به عدوٌ؟

أول ما أُمرَ به النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أن يبلغَ الرسالةَ- يدعو إلى الله -عز وجل-، ويبشر مَن أطاعه بالجنة، ويحذر من عصاه من النار من غير قتال، ثم أُذن له في القتال، ولم يؤمر به، ثم أمر بقتال من قاتله دون من لم يقاتله، ثم بقتال من يليه؛ قاتله أو لم يقاتله، ثم بقتال المشركين كافة، فقال -عز وجل- ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الأحزاب: 45].
وقال: ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ [الشورى: 48]، وقال: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾ [النحل: 82]، وقال: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: 22].
فكان الأمرُ على ذلك مقامه بمكة، ثم أُبيح القتال بعد الهجرة، فقال سبحانه: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [الحج: 39، 40]. وهذا قولُ أبي بكر وابن عباس وسعيد بن جبير والزهري؛ أنها أولُ آية نزلت في القتال 1. وقال: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا﴾ [البقرة: 190].

الجزء: 3 - الصفحة: 1337

والاعتداء: قتال من لم يقاتل 2، وقيل المراد: ألا تُقتل امرأة ولا صبيّ 3. والأولُ أحسنُ؛ لأن مفهوم الآية: أن يقاتلوا من كان منه قتال.
وعلى التأويل الآخر، المعنى: من كانت له قدرة على القتال، وإن لم يقاتل.
وهذا خروج عن الظاهر.
ويدل على الأول قوله سبحانه: ﴿وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾ [البقرة: 191] يعني: أهل مكة، وقد كان منهم قتال.
وقال سبحانه: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ﴾ [النساء: 90].
ثم قال: ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ [النساء: 90].
وقال في آخرين: ﴿فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ [النساء: 91].
قال ابن حبيب: نزلت في قتال من قاتل، دون من لم يقاتل 4. وهو أحسن ما قيل فيها، وفيها اختلاف.
ثم أُمر بقتال من قَرُبت دارُه دون من بعدت 5، فقال: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ [التوبة: 123]. ثم بقتال كافة المشركين، فقال: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ [التوبة: 36]

الجزء: 3 - الصفحة: 1338

وقيل: أول آية نزلت في القتال قوله: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ [التوبة: 123]. وهذا غيرُ صحيحٍ؛ لأن سورة "الحج" نزلت قبل "براءة"، وأيضًا فإن آيةَ الحجّ تضمنت الإباحةَ، والوجوبُ يحتاجُ إلى نص ثانٍ، ولو تقدم الأمرُ بالقتال لاكْتفي به عن الإباحة.
واختلف أيضًا في معنى قوله سبحانه: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ [التوبة: 123] مَن المأمور بالقتال؟ ومن المُقاتَل؟ فقيل: المأمور أهل المدينة بقتال من يليها.
وهو قول مالك في كتاب أشهب 6، قال: ثم تفرقت القُرى بعد ذلك.
وقيل: المأمور بذلك أهل المدينة وغيرهم، يقاتل كل قوم من يليهم، ولأن ذلك حكمة من الله -عز وجل- إذ كان معلومًا أنه لا يمكن قتال جميع الكفار معًا، وأن الممكن قتال طائفة، فكان من هو أقرب أولى؛ لأنه لا يؤمن عند الاشتغال بقتال من بعد هجوم من هو أقرب على ذراري المسلمين.
وقال الداودي: لما فُتحت مكة بقي فرض الجهاد على من يلي الكفار، وسقط عمن بعد منهم يقول: إذا كان بينهم وبين العدو مدن كثيرة من المسلمين؛ كان الفرض على من هو مواجه لهم دون من وراءهم.
وقد كان الجهاد في أول الإسلام وقبل أن يكثر الناس على الأعيان؛ لقول الله -عز وجل-: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾.
قيل: جميعًا.
ثم على الكفاية، فقال: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ [التوبة: 122].

الجزء: 3 - الصفحة: 1339

وقال: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ﴾ [النساء: 95]، ثم قال: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد: 10].
ولم يختلف أن الجهاد كان قبل فتح مكة فرضًا بقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ [البقرة: 216]، وبغيرها من الآي.
واختلف هل ذلك باق بعد الفتح؟ فذهب ابن عمر، وابن شبرمة 7، والثوري، وسحنون: أنه ليس اليوم بفرض إلى أن يستنفر الإمام أحدًا، فيجب عليهم 8. قال سحنون في كتاب ابنه: كان الجهادُ فرضًا في أول الإسلام، وليس اليومَ بفرضٍ، إلا أن يرى الإمام أن يغزي بعض الناس، فيجب أن يطيعوه، ويكون جهادهم وما يصلحهم من بيت المال 9. وأظنه ذهب في ذلك إلى قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لاَ هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّة، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا" 10.

الجزء: 3 - الصفحة: 1340

فصل [في تعيّن القتال على من نزل به العدو]

وقد يتعين الجهادُ بأن ينزلَ العدو بقوم وبهم قوة على قتالهم، فيجب على من نزل بهم القتال، ولا يجوز لهم الترك، ويلقوا بأيديهم 11. ويجب على من لم ينزل به العدو إذا كان من نزل بهم غير قادرين على قتالهم، وكان متى نفر إليهم هؤلاء استنفروهم، إلا أن يكون على بعد، متى نفروا إليهم لم يدركوهم، إلا بعد فصولهم عنهم 12. ويتعين الجهادُ أيضًا باستنقاذ الأسرى من أيدي العدو إذا 13 كانوا قادرين على أن يستنقذوهم؛ لقول الله -عز وجل-: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ [النساء: 75].
يريد الله -عز وجل- قتال أهل مكة، ليستنقذ من فيها من المستضعفين من الرجال والنساء والولدان.
وإذا لم تكن لهم قدرة على القتال وكانت لهم أموالٌ، وجبَ الفداءُ منها، وإن كانت لهم قدرةٌ على القتال ولهم أموالى، كانوا بالخيار بين القتال والفداء، وذلك واجبٌ عليهم أن يمتثلوا أحدَ الأمرين.
واعتبار القدرة على القتال أن يكونَ المسلمون على النصف من العدو.
واختلف هل المراد النصف في العدد أو القوة؟ قال ابن حبيب: والأكثر من القول أن ذلك في العدد، فلا تفرّ المائة من المائتين، وإن كانوا أشدَّ جلدًا،

الجزء: 3 - الصفحة: 1341

وأكثر سلاحًا 14. وقال مالك وابن الماجشون: ذلك في القوة 15. قال الشيخ -رحمه الله-: ولا أعلمهم يختلفون أنه متى جهل منزلة بعضهم من بعض في القوة أنهم مخاطبون بالعدد، وقد ورد القرآن بالعدد أي: أصناف أهل الكفر 16 كانوا العرب والفرس والروم في ذلك سواء ولم يُفَرّق، وإن اختلفت الشجاعة.
ولا شك أن فيمن كان يقاتلونه من لم يخالطوه، ولم يعاينوه إلا حين القتال، فكيف يعرف منزلة من لم يخالطه في الشجاعة، وهذا من تكليف ما لا يطاق.

الجزء: 3 - الصفحة: 1342

باب في الدعوة قبل القتال

الأصلُ في ذلك قول الله -عز وجل-: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (45) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ﴾ [الأحزاب: 46، 47]، وقوله: ﴿بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: 67].
فتضمنت هذه الآية وما شابهها الدعوة إلى الله، ويبشر من أطاع بالجنة، ويحذر من عمى من النار، وإذا كان ذلك؛ لم يجز القتال قبل البلاع وقبل إعلامهم بما يراد منهم من ذلك.
ولا خلاف في وجوب الدعوة قبل القتال لمن لم يبلغه أمر الإسلام 17. واخْتَلَف قولُ مالكٍ فيمن بلغته الدعوة قبل القتال: هل يدعى أم لا 18؟ والدعوة فيمن بلغته على أربعة أوجه: واجبة، ومستحبة، ومباحة، وممنوعة.
فأما الجيوش العظام تنزل بمن يرى أنهم لا طاقة لهم بقتالهم، ويغلب على الظن أنهم متى دُعوا إلى الإسلام أو إلى الجزية أجابوا، وقد يجهلون ويظنون أنه لا يقبل ذلك منهم الآن لما تقدم من تأخرهم عن دخولهم في الإسلام، فالدعوة لهؤلاء واجبة.
وإن كانوا عالمين بقبول ذلك منهم، ولا يغلب على الظن قبولهم؛ كانت مستحبة، وإن لم يُرْجَ قبولهم؛ كانت مباحة.

الجزء: 3 - الصفحة: 1343

وإن كان المسلمون قلةً، ويخشون أن يكون في ذلك إنذارٌ بالمسلمين، وأخذهم لحذرهم؛ كانت ممنوعة.
واختلف في تبييتهم، فقال مالك في مختصر ابن عبد الحكم: أكره التبييت.
وأجازه محمد بن المواز، واستشهد بقصة كعب بن الأشرف لعنه الله 19. قال الشيخ - رضي الله عنه -: ذلك على ثلاثة أوجه: فمن كان تجب دعوته لا يجوز تبييته.
ومن لا تجب وتستحب الدعوة؛ يكره التبييت.
ومن كانت الدعوة مباحة فيهم؛ كان التبييت جائزًا، إلا أن يخشى على المسلمين متى دخل عليهم ليلًا لجهل الناس بالبلد وبالمواضع التي يخاف أن يؤتى عليهم منها.
فإذا توجه القتال لم يؤذنوا بحرب، واستعمل معهم المكر والخديعة، ولا يعلم بحين الهجوم عليهم بالحرب، وقد ثبت عن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه أغار على بني المصطلق 20، ففيه وجهان: سقوط الدعوة، وألا يؤذنوا بحرب.
ودعا أهل خيبر، وقال لعليٍّ - رضي الله عنه -: "ادْعُهُمْ للِإسْلاَمِ، وَأَخْبرْهُمْ بِمَا يَجِبُ للهِ عَلَيْهِمْ، فَوَاللَّهِ لأَنْ يَهْدِيَ اللهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ" 21.

الجزء: 3 - الصفحة: 1344

وقال لمعاذ بن جبل - رضي الله عنه - حين بعثه إلى اليمن: "ادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ..." الحديث (1).

فصل في صفة الدعوة قبل القتال وأقسامها

وصفة الدعوة لهم مختلفة، وهي على أقسام، وكلها راجع إلى أن يدعو إلى الرجوع عن الوجه الذي به كفروا.
فمشركو قريش مقرون بالألوهية، وأن الله خلقهم، ويجعلون له شريكًا، وينكرون النبوة؛ فيدعون إلى الرجوع عن هذين، وأن يقروا أنه إله واحد، وبالرسالة 23. وأما اليهود فمن كان منهم مشركًا يقول: عزير ابن الله، ومنكرًا أن يكون نبينا - صلى الله عليه وسلم - أرسل إليهم؛ فيدعون إلى الرجوع عن هذين الوجهين.
ومن كان مقرًّا بأن الله إله واحد منكرًا للرسالة إليهم؛ دعوا إلى الإقرار أنه مرسل إليهم.
والنصارى منكرة للوحدانية وللرسالة، فيدعون إلى الرجوع إلى أنه إله واحد، وإلى الإقرار بالرسالة.
والمجوس منكرة للألوهية والرسالة، فيدعون إلى الإقرار بهذين الوجهين 24. والصابئون يعبدون الملائكة، وينكرون الرسالة، وقوم يقرون بالألوهية،22

الجزء: 3 - الصفحة: 1345

وينكرون البعث.
فإذا رجع كل فريق من هؤلاء عن الوجه الذي به كفر وأقر بما دعي إليه؛ كان مؤمنًا.
ثم يدعي بعد ذلك إلى فروع الإسلام، فَيُدْعَى أولًا إلى الصلاة، ثم إلى الإقرار بوجوب الزكاة والصوم والحج.
وإن أقرَّ بالألوهية وبالوحدانية وبالرسالة، وأنكر الإقرار بالصلاة أو الزكاة أو بالصوم أو بالحج؛ كان على حكم المرتد.
فإن رجع وأقر بذلك، وإلا قتل، ولم تقبل منه جزية إن بذلها ليبقى على ما كان فيه قبل الإقرار بذلك.

فصل في دعاء السلابة قبل القتال

واختلف في دعاء السلابة قبل القتال، فقال مالك: يدعوهم إلى أن يتقوا الله، ويَدَعُوا ذلك، فإنْ أبى فقاتله، وإن عاجلك عن أن تدعوه؛ فقاتله، وإن طلبوا الطعام أو الثوب أو الأمر الخفيف؛ أُعْطُوه، ولم يُقَاتَلوا 25. وقال عبد الملك في كتاب محمد: لا يدعى؛ لأنه عارفٌ بما يُدعى إليه، فاقتله ولا تدعه، وخذه من أقرب الحالات، واستأصله عن المسلمين، ولا تدفع إليه شيئًا إذا كنت ترجو الظفر به ودفعك ظلم وإثم.
وقال مالكٌ أيضًا: يجب على من لقي لصًّا قتاله، والحرص على سفك دمه، وإن قطع على غيرك، وسلمت أنت 26 منه، فحق عليك الرجوع والمعاونة.

الجزء: 3 - الصفحة: 1346

فلم ير في القول الأول أن جهادَهم يتعينُ على من لقيهم وإن كان غالبًا؛ لأن قوله: إن طلبوا الشيء الخفيف أُعْطوه، دليلٌ على أنَّ المطلوبَ قادرٌ على الامتناع، ولو كان مغلوبًا لجاز أن يُعْطي الجميع.
ورأى في القول الآخر: أنَّ جهادهم يتعينُ على من لقيهم، وهو قول عبد الملك.
والمسألة على ثلاثة أوجه: فإن كان المحاربون غير معروفين ولا مشهورين بذلك؛ لم أرَ أن يُباحَ قتالهم مع وجود السلامة منهم؛ لأنه متى ثبت قتلهم لهم، ولم تعلم 27 الحرابة من المقتولين؛ طلبوا بدمهم، إلا أن تكون ضرورة في الدفع عن أنفسهم.
وإن كانوا معروفين بالحرابة وممتنعين بموضع إن تركوا؛ ألجأوا إليه وتحصنوا به، ثم يعودون إلى أذى الناس؛ تعين قتالهم.
وإن كانوا غير ممتنعين ممن يريد قتالهم، ولا يخشى على الناس منهم، إلا أن يأذن الإمام لهم؛ ندبوا إلى قتالهم، ولم يجب، وذلك إلى الإمام.

الجزء: 3 - الصفحة: 1347

باب في الجهاد مع ولاة الجور

اخْتُلف في ذلك، فقال مالك: لا بأس به.
قال: ولو ترك ذلك لكان ضررًا على المسلمين.
وذكر مرعش 28 وما فعل بالمسلمين 29. قال ابن حبيب: سمعت أهل العلم يقولون: لا بأس به، وإن لم يوفوا بعهد، ولم يضعوا الخمس موضعه 30. وقال ابن نافع في شرح ابن مزين: لا أحب لأحد أن يخرج معهم، فيكون لهم عونًا على ما يريدون من طلب الدنيا.
وحُكي عن مالك مثل ذلك.
قال الشيخ -رحمه الله-: لا أرى أن يغزى معهم إذا كانوا لا يوفون بعهد، وهو أشد من تعديهم في الخمس.
وكذلك، إذا كانوا على ما لا يحل من الفسق وشرب الخمر، فلا يغزى معهم.
وإنما تكلم مالكٌ في وقتٍ كان الذي يرغب في الجهاد من أهل الخير كثيرًا، فتأخرهم يضعف الباقين.
فأما إذا كان الذي يسأل عن ذلك، وينظر لدينه الواحد والاثنان والنفر اليسير؛ لم يغز معهم.

الجزء: 3 - الصفحة: 1348

باب في الغزو بالنساء والقرآن إلى أرض العدو

ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يغزو ببعض نسائه.
وقالت الرُّبَيّع بنتُ مُعَوّذ - رضي الله عنها -: "كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَنَسْقِي القَوْمَ وَنَخْدُمُهُمْ، وَنَرُدُّ الجَرْحَى، وَنُدَاوِي الكَلْمَى".
أخرجه البخارَي 31. وذلك لأمن النبي - صلى الله عليه وسلم - عليهن، وإخبارًا من الله -عز وجل- ألا يسبين للعدو، وقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: 67].
ولا يجوز ذلك لغيره إلا أن يكون الجيش مستظهرًا على من خرج إليه ونزل به.
وإن كان على غير ذلك؛ لم يعرضهن لما يخاف نزوله بهن.
وأما خروجه بهن إلى السواحل والرباط؛ فذلك جائز؛ لأمنه عليهن 32. وثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه نَهَى أَنْ يُسَافَرَ بِالقُرْآنِ إِلَى أَرْضِ العَدُوِّ.
واختلف في وجه ذلك، فقال مالكٌ: مخافة أن يناله العدو 33. وقال ابن حبيب: لما يخشى من تعبثهم واستهزائهم به، وتصغير ما عظم الله منه 34. قال: فالسفر بالقرآن إلى أرض العدو يُكره، وإن كان الجيش مستظهرًا خوف سقوطه، أو ينسى بذلك المكان.
وهذا استحسانٌ؛ لأن سقوطه ونسيانه نادر، والغالب السلامة، وإن كان الجيش على غير ذلك؛ منع من السفر به، وصار إلى ما تقدم من السفر بالنساء.

الجزء: 3 - الصفحة: 1349

باب فيمن يجوز قتله، أو يمنع في حين القتال أو بعده

ويقتل في حين القتال كل من نصب للقتال من الرجال، وإنما يفترق الأمر فيهم بعد الأسر والغنيمة.
وأما الصبيان فإن كان قتالهم بالسلاح وبما يضر، ولم يقدر على أسرهم؛ فيقاتلوا ليقتلوا.
وإن كان قتالهم بغير سلاح كالرمي بالحجارة وما أشبه ذلك، ولم يكن لفعلهم ذلك نكاية؛ فيعرض عنهم لغيرهم، أو يقاتلوا قتالًا يكفهم، ولا يؤدي إلى قتلهم.
وأما من كان من الرجال ولم ينصب لقتال كالفلاحين وما أشبههم يؤخذون في أعمالهم، والشيخ الكبير والزمن؛ فأرى أن يؤسروا ولا يقتلوا؛ لأن قتلهم مختلف فيه، فيؤخر أمرهم؛ حتى يرى الإمام فيهم رأيه.
ولا يعرض للرهبان 35 في الصوامع والدّيارات خارج المدينة بقتل ولا بأسر 36. والأسارى خمسة: أحدها: الرجال المقاتلة.
والثاني: الأجراء والحرَّاثون.
والثالث: الشيخ الكبير.
والرابع: النساء والصبيان.
والخامس: الزَّمنَى؛ كالأعمى والمريض والأعرج والمُقْعد والمجنون.

الجزء: 3 - الصفحة: 1350

فأما الرجال المقاتلة؛ فالإمام مخير فيهم بين خمسة أوجه: القتل والجزية والاسترقاق والمَنّ والفداء، وكل هذا التخيير فموكول إلى اجتهاد الإمام.
فأما من كانت منه نكاية، وكان قد قتل في المسلمين؛ فأرى أن تشفى صدور المؤمنين بقتله، وإن كان استحياؤهم واسترقاقهم غير محرم.
وكذلك إن كان لا تؤمن غائلته إن استُحيى، وأن يفرَّ إلى موضعه، أو يصيرَ عينًا 37 على المسلمين؛ فقتله أحسن.
ومن لم تتقدم له نكاية، وأمنت غائلته؛ فاسترقاقه أو الجزية فيه أحسن، والقتل غير محرم.
وأما المن؛ فيحسن في كل من يرجى برده صلاح، أو كسر شوكة، أو ما أشبه ذلك.
وأما الفداء؛ فيحسن بمن لا يعرف بالشجاعة، وقد اختلف فيه.
وإذا أسقط الإمام عن الأسير القتل، وأبقاه ليرى فيه رأيه في أحط الوجوه الأربعة مما سوى القتل؛ لم يجز أن يقتله بعد ذلك 38. وإن مَنَّ عليه؛ لم يجز له أن يحبسه عن الذهاب إلى بلده، إلا أن يكون قد اشترط عليه أن يبقى لتضرب عليه الجزية.
فإن أبقاه للجزية؛ لم يجز له أن يسترقه، ويجوز أن يفادي به برضاه.
وإن أبقاه على وجه الاسترقاق؛ جاز أن ينتقل معه إلى الجزية والمن والفداء، وإن أبقاه للفداءة لم يجز نقله للجزية ولا للرق إلا برضاه.
والتخيير في الخمسة الأوجه يصح في أهل الكتاب، ويختلف في المشركين.

الجزء: 3 - الصفحة: 1351

فمن أجاز أخذ الجزية منهم؛ كان مخيرًا فيهم حسب ما تقدم في أهل الكتاب.
ومن منع أخذ الجزية منهم يكون مخيرًا في ثلاثة أوجه؛ المن والفداء والقتل.
واختلف في الاسترقاق.
فقال ابن القاسم: يسترق العرب جملة (1). ولم يفرق بين كتابي ولا غيره.
وقول ابن وهب: إنهم لا يسترقون (2). وهو أقيس، وإنما يسترق ويبقى على الكفر من كان يصح بقاؤه على ذلك مع الجزية.

فصل [في الخلاف في قتل الأجراء والحراثين]

واخْتُلفَ في الأُجَرَاء والحراثين.
فقال ابن القاسم في كتاب محمد: رأيت مالكًا يفر من قتل من لا يُخاف من مثله؛ كالشيخ الفاني، وأهل الصناعات والفلاحين 41. قال عبد الملك ابن الماجشون: وكذلك الصناع بأيديهم، وكل من لم يكن من مقاتلتهم 42، وإنما يجلبون ليكثر بهم، وللعمل.
وبهذا أخذ ابن حبيب 43، وذكر الحديث في النهي عن قتل العسيف وهو الأجير.3940

الجزء: 3 - الصفحة: 1352

وقال ابن وهب: روي النهي عن قتل الأكارين وعن الحراثين 44. قال سحنون: لم يثبت النهي عن قتل العسيف 45. وقال: وهو وغيره سواء 46. قال: ونحن نرى قتل الحراث ببلد الحرب 47. وقول مالك أحسن؛ لأن هؤلاء في أهل دينهم كالمستضعفين، ويمكن أن لو كانوا منفردين عنهم لاختاروا أن يعطوا بأيديهم، فلا يجري عليهم 48 حكم من عاند.
وأما الشيخ الكبير؛ فلا يقتل، إلا أن يعلم أنه ممن له الرأي والتدبير على المسلمين 49.. وأما النساء والصبيان؛ فالإمام مخير فيهم بين ثلاثة أوجه: المنّ والفداء والاسترقاق.
ويسقط عنهم شيئان: القتل والجزية.
واختلف إذا قاتلا قبل الأسر، فقال سحنون: لا تقتل المرأة وإن قاتلت، إلا في حال القتال، ولا تقتل بعد ذلك 50. وهذا لظاهر الحديث في النهي عن قتلهن؛ ولأن ذلك من حسن نظر المسلمين أن يتركن لينتفع بأثمانهن؛ لأنه لا يخشى منهن من بعد الأسر.
وعلى

الجزء: 3 - الصفحة: 1353

قوله: لا يقتل الصبي بعد الأسر، وإن تقدم منه قتال قبل ذلك.
وفي العتبية من سماع يحيى بن يحيى، قال: قتلهما حلالٌ، كما كان يحل ذلك منهما في حال القتال وقبل الأسر 51. وهذا لقوله - صلى الله عليه وسلم - في المرأة التي قتلت: "مَا كَانَتْ هَذ تُقَاتِلُ" 52. وقال أصبغ في ثمانية أبي زيد 53: إن كانت قَتَلَت 54؛ قُتلَت الآن، وكذلك المراهق من الصبيان 55. ورأى أن قتالهما ليس بقتال، إلا ممن ظهر منه القتل.
قال ابن حبيب: إلا أن يرى الإمام استحياءهما، كما يستحيي من شاء من الأسارى.
يريد: وإن كان قتل.
وقول سحنون في هذا 56 أحسن.
ولا أرى أن يقتل منهم أحدٌ؛ لأن كل

الجزء: 3 - الصفحة: 1354

هؤلاء لا يخشى منهم بعد الأسر، فاستبقاؤهم مالًا أصوب.
وهو في الصبي أبين؛ لأنه ممن لا يخاطب بالشرع، مع أن الغالب فيمن صار إلى ملك المسلمين ممن لم يبلغ أنه مع المقام يعود إلى الإسلام.
فيجب (1) أن يرجأ أمره ليدخل في الإسلام، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعلي - رضي الله عنه -: "لأَنْ يهدِيَ اللهُ بِكَ رَجُلًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ" (2).

فصل [في الخلاف في قتل الرهبان]

والرهبان على وجهين؛ فمن بان بنفسه في الصوامع والديارات؛ لم يعرض له بقتل ولا بأسر ولا باسترقاق.
قال مالك في كتاب محمد: ولا ينزل من صومعته 59. لأنه لا يقاتل، ولا يكاد يستشار.
واختلف في أموالهم، فقال مالك في المدونة: يترك لهم ما يعيشون به 60. ولا تؤخذ أموالهم كلها، فلا يجدون ما يعيشون به، فيموتون.
وقال محمد: أما ما لا يشبه أن يكون للرهبان؛ فلا يترك، ولا يصدق الراهب في مثل هذا.
قال مالك: ويترك له مثل البقرتين والغنيمات، وما مثله يكفيه، والمبقلة 61 والنخيلات، ويؤخذ ما بقي ويحرق.
وأما ما يشبه أن يكون5758

الجزء: 3 - الصفحة: 1355

له؛ فيصدق فيه، ويترك له 62. وهذا أحسن، أن يترك له كل ما علم أنه ملك له، وإن عظم وكثر.
فأما ما لا يعلم؛ فلا يترك له؛ لأنَّ أهل دينه يولجون عنده 63، والغالب في الراهب التقلل، فإذا لم يعرض له في نفسٍ؛ لم يعرض له في مالٍ.
وقال مالك في العتبية في أموال الرهبان وعبيدهم وزروعهم: إن علم أن ذلك لهم فلا يمس 64 منه شيئًا 65. واخْتُلفَ في النساء يترهبن، فقال أشهب في مدونته عن مالك: النساء أحق ألا يهيجن 66. وقال سحنون؛ يُسْبَينَ بخلاف الرجال 67. وأما من لم يَبن بنفسه عن جملة أهل الكفر؛ فيستباح بالأسر والقتل والاسترقاق، ويؤخذ ماله.
وقال ابن حبيب في رهبان الكنائس: يجوز قتلهم وسبيهم لأنهم لم يعتزلوا 68. وهو ظاهر قول مالك في المدونة، في قوله: إن فيهم تدبيرًا للأمر، والاجتهاد له، والحبّ فيه 69، والبغض عليه؛ فهو أنكى ممن يعمل بيديه 70. يريد: فيمن لم يَبن

الجزء: 3 - الصفحة: 1356

بنفسه عنهم.
وعلى هذا حملَ ابنُ مُزَيْن قولَ أبي بكر - رضي الله عنه - في الذين فحصوا عن رءوسهم، قال: هم الشمامسة (1) الذين لم يعتزلوا (2).

فصل [في الخلاف في قتل الزّمنَى]

اخْتُلفَ في الزّمنَى، فقال سحنون: يقتل الأعمى والمقعد، وقد يقودان الجيش وفيهما التدبير والمكر، والمجيء والذهاب، ويقتل المريض الشاب؛ لأنه قد يبرأ، والمجنون إذا كان يفيق، فإن كان لا يفيق؛ فلا 73. وقال ابن حبيب: لا يقتل الزمنى، قال: ومن الزمنى: المقعد والأعمى والأشلّ والأعرج الذين لا رأي لهم ولا تدبير ولا نكاية 74. وهو أحسن.
وهؤلاء حشو ومحملهم على أنهم غير منظور إليهم حتى يثبت أنهم ممن يرجع إلى رأيهم وتدبيرهم، وأمرهم إذا دخل عليهم موضعهم؛ أخف منهم إذا كانوا في الجيش، وحكمهم في الدخول عليهم كحكم المستضعفين، ولو كان الأمر إليهم بانفرادهم لرضوا بالجزية، فأرى أن يسترقوا ولا يقتلوا.
وأما إن خرجوا للقتال في جملة الجيش؛ فقتلهم غير ممنوع، إلا أن استحياءهم أولى، إلا أن يكون ممن لا ثمن لهم؛ فيقتل أو يسلم.
أما الشاب المريض؛ فالإمام مخير فيه كالصحيح، وسواء كان فيمن دخل7172

الجزء: 3 - الصفحة: 1357

عليهم، أو في العسكر والمقاتلة.

فصل [في الخلاف في قتل العلْج]

اخْتُلفَ في العلْج 75 يلقاه المسلمون، فيقول: جئتُ أطلبُ الأمانَ، هل يُقبل منه؟ فقال مالك في المدونة: هذه 76 أمور مُشْكلَةٌ، وُيردُّ إلى مأمنه 77. وقال في مدونة أشهب: لا يقبل قوله 78. ولم يفرق في هذين القولين بين أن يؤخذ في بلاد الحرب، أو في بلاد المسلمين.
وقال في المدونة في أهل مصيصة 79 يخرجون في بلاد الروم، فيلقى العلج منهم مقبلًا إلينا، فإذا أخذناه؛ قال: جئتُ أطلبُ الأمانَ.
قال: هذه أمور مشكلة، ولرد إلى مأمنه 80. وقال محمد: إن لقيته السرية على الطريق، فقال: جئت أطلب الأمان، أو رسولًا، فإن ظُفر به في بلد العدو؛ لم يقبل قوله، إلا بدلالة تحق قولَه.
ولو صار

الجزء: 3 - الصفحة: 1358

في عمل المسلمين، ولم يدخل بعد، ولعله يقول: أنتهي إلى موضع سمَّاه؛ فأمر هذا مشكلٌ، وترك الشك أفضلُ 81. وقال ابن القاسم في العتبية: إن أُخذَ ببلدنا؛ فقال: جئت أطلب الفداءَ؛ قُبل قوله.
وإن أُخذ بفور وصوله؛ فهو مثله.
وإن لم يظهر عليه إلا بعد طول إقامة بين أظهرنا؛ لم يقبل قوله، ويسترق.
وليس هو لمن وجده 82. قال الشيخ -رحمه الله-: إن قام دليل على صدقه؛ كان آمنًا، ولم يسترق.
وإن قام دليلٌ على كذبه؛ لم يقبل قوله، وكان رقيقًا.
وإن لم يقم دليل على صدقه ولا كذبه؛ فهو موضع الخلاف.
فرأى مرة أنه صار أسيرًا رقيقًا بنفس الأخذ؛ لأنه يدَّعي وجهًا يزيل ذلك عنه من غير دليل.
ورأى مرة أن يقبل قوله؛ لإمكان أن يكون صدق، ولا يسترق بالشك.
وهو أحسن.
فإن قال: جئت رسولًا.
ومعه مكاتبةٌ، أو قال 83: جئتُ لفداءٍ.
وله من يفديه، أو لقريبٍ لي.
وله قرابةٌ بذلك البلد؛ كان دليلًا على صدقه.
وإن لم تكن معه مكاتبة وليس مثله يُرْسَل.
أو لم يكن له من يفديه، أو لا قرابة له؛ لم يُصَدَّق 84. فإن قال: جئتُ أطلبُ الأمانَ.
وقد خرج إليهم عسكر المسلمين، فَوُجدَ

الجزء: 3 - الصفحة: 1359

على طريق الجيش بلا سلاح؛ كان أمره مشكلًا.
وإن لم يكن مقبلًا إلينا، ولا على طريقهم؛ لم يُصَدَّق.
وإن لم يكن خرج إليهم جيش، فلقيه في بلاد المسلمين؛ لم يقبل قوله؛ لأنه لا يشبه أن يأتي إلى بلاد المسلمين يطلب الأمانَ من غير أمرٍ يوجب ذلك، إلا أن يكون الجيش على خروجٍ إليهم.
ومن 85 لم يدَّع شيئًا من ذلك؛ كان فيئًا.
وقال مالك في العدو يوجد على ساحل 86 المسلمين، فزعموا أنهم تجار؛ فلا يقبل منهم.
ولا يكونوا لأهل تلك القرية التي سقطوا إليها فيهم شيء.
ويكون الأمر فيهم إلى 87 والي المسلمين، يرى فيهم رأيه 88. وقال فيمن انكسرت مراكبهم، فزعموا أنهم تجار، ومعهم السلاح.
أو ينزلون للماء، وهم 89 يشكون العطش: أن الإمام يرى فيهم رأيه، وليسوا لمن أخذهم 90. قال الشيخ -رحمه الله-: إن زعموا أنهم تجار، ومعهم متاجر العادة السفر بها إلى بلاد المسلمين؛ صُدّقُوا.
وإن لم تكن العادة السفر بها إلى بلاد المسلمين 91، أو لا متاجر معهم، ومعهم سلاح؛ كانوا فيئًا.
وإن لم تكن متاجر ولا سلاح، ولا يُدْرَى ما كان معهم، وادَّعَوا أنهم كانت معهم متاجرٌ، فإن كانوا من بلدٍ ليس من شأنه السفر إلى بلاد المسلمين؛

الجزء: 3 - الصفحة: 1360

كان دليلًا على كذبهم.
وكذلك، إن كان شأنهم السفر إلينا، وأشكل أمرهم، هل كانت معهم متاجر؟ فإن كانت معهم متاجر، وعلم أنهم لم يبرزوا المتاجر خديعةً؛ صُدّقُوا، وقُبل قولهم.
وإن لم يكن معهم متاجر؛ كان دليلًا على كذبهم وكانوا فيئًا؛ لأنَّ هؤلاء قد ألجئوا إلينا، بخلاف من أتى يمشي طائعًا، ولو كان أعيان هؤلاء شأنهم السفر إلينا؛ لصُدّقُوا.
وإن احتيج إلى قتال الذين يشكون العطش ومراكبهم قائمة، ثم قدر عليهم بعد القتال، فإن لم يكن ريح ينجون بها، كانوا كالذين انكسرت مراكبهم، وهم كأسارى قاتلوا، فإن كان لهم ريح ينجون بها، وطلع إليهم المسلمون، وأُخذوا بعد القتال؛ كانوا لمن أخذهم، وفيهم خمس المسلمين 92، إلا أن يكونوا لم يقدروا على قتالهم، إلا لمكان جملة المسلمين الذين بالمدينة.
ولو كانوا على بعدٍ من المدينة، ولم يقدروا عليهم بانفرادهم، فيكونوا لجميع من أخذهم ولأهل الدينة، والذين أخذوهم حينئذٍ بمنزلة سرية قويت بجيش من خلفها.
وعلى هذا الجواب فيمن أتى من العدو في البرة فأُخذَ بعد قتال.
فإن كانوا في طرف من بلاد الإسلام، كانوا لمن أخذهم، وفيهم الخمس؛ لأنه لولا قتالهم إياهم للحقوا ببلادهم.
وإن كانوا على 93 غير ذلك؛ كانوا فيئًا، ولا شيء لمن أخذهم؛ لأن بلادَ جميع المسلمينَ أحدقت بهم وشملتهم، فهم في قتالهم كأسارى قاتلوا.

الجزء: 3 - الصفحة: 1361

وكل موضع يكونون فيه فيئًا، فإن الإمامَ مخيَّرٌ بين الأوجه الخمسة (1): القتل والاسترقاق والجزية والمنّ والفداء.
وهذا معنى قول مالك: يرى فيهم الإمام رأيه (2). وقال محمد في مراكب تكسرت، فوُجد فيها الذهبُ والفضةُ والمتاعُ والطعامُ: فإن كان ذلك مع الحربين؛ كان سبيلُه سبيلَ الحربين، وأمر ذلك كله إلى الوالي.
وإن لم يكن معه أحد من العدو والذين كان لهم، أو كانوا طرحوه خوفَ الغرق؛ كان لمن وجده، ويخمس العين وحده، إلا أن يكونوا في جنب قرية من قراهم؛ فيُخَمَّس، وإن لم يكن عينًا، إلا أن يكون يسيرًا (3). روى ذلك أشهب عن مالك (4).

فصل [في أهل الحرب تردهم الريح إلى بلد غير الذي أخذوا فيه الأمان]

ومن المدونة قال مالك في الروم ينزلون للتجارة بساحل المسلمين بأمان، فيبيعون، ثم يركبون البحر راجين إلى بلادهم، ثم تردهم الريح إلى بلدٍ من بلاد المسلمين غير الذي أخذوا فيه الأمان، قال: لهم الأمان ما داموا في تجرهم؛ حتى يرجعوا إلى بلادهم 98.94959697

الجزء: 3 - الصفحة: 1362

وقال ابن الماجشون في الواضحة: هو آمن حتى يبعد من بلاد الإسلام، ويقارب حوزه ومأمنه، فيصير عند ذلك كمن لا عهد له.
فمن لقيه من أهل ذلك السلطان الذي كان أمنه، أو في رجوعه إليه إن رجع مغلوبًا بريح أو غير مغلوب، أو نزل للماء وشبهه.
وأما من لقيه من غير ذلك السلطان الذي أمنه؛ فهو كمن لا أمان له.
وكذلك، المستأمن في ثغور المسلمين في غير تجرٍ إذا قضى حاجته, ثم رجع إلى بلده فانسدت عليه الطرق بثلج أو غيره؛ فهو على أمانه ما كان قرب المكان الذي أمن فيه، إلا أن يصيبه ذلك بقرب بلده، وبعد أن فارق مخاوف الإسلام (1). انتهى قوله.
قال الشيخ -رحمه الله-: أما إذا كان فارق مخاوف الإسلام في بر أو بحر، وصار إلى حوزهم، والمواضع التي يطلب المسلمون فيها الأمان؛ كانوا فيئًا لمن أخذهم هناك، وكذلك إن لقيهم في حوز المسلمين غير من كان عقد لهم الأمان؛ لأن الأول إنما أعطاه الأمان على عمله، ليس على عمل غيره.
ولا يجوز أن يعطي على عمل غيره إذا كان لا يأتمر له.
وأما إن ردته الريح بعد أن بلغ بلده؛ فالصواب أن يكون آمنًا؛ لأن في ذلك تنفيرًا لهم، وقد يظنون أن العقدَ الأولَ باقٍ لهم، وأن ذلك نقض عليهم.

فصل [فى الجاسوس من مسلم أو حربى]

وإن قدم حربيٌّ بأمان، ثم عُلمَ أنه عينٌ لأهل الحرب؛ سقط ما كان له من الأمان، وكان الإمام فيه بالخيار بين القتل والاسترقاق.99

الجزء: 3 - الصفحة: 1363

قال سحنون: ولا خُمس فيه، إلا أن يسلم فلا يقتل، ويبقى كأسيرٍ أسلم 100. وإن عُلمَ من ذمّيٍّ عندنا أنه عين لهم يكاتبهم بأمر المسلمين؛ فلا عهد له، وقال سحنون: يقْتل ليكون نكالًا لهم 101. يريد: إلا أن يرى الإمامُ استرقَاقَه.
واختلف في المسلم يظهر عليه أنه جاسوس على المسلمين على خمسة أقاويل: فقال مالك في العتبية: ما سمعت فيه شيئًا، وليجتهد فيه الإمام 102. وقال ابن وهب: يُقْتَلُ، إلا أن يتوب 103. وقال ابن القاسم: يُقْتلُ، ولا أعرف 104 لهذا توبة.
وقاله سحنون 105. وقال عبد الملك في كتاب محمد: إن ظُنَّ به الجهل وعُرفَ بالغفلة، وأن مثله لا عذر عنده، وكان منه المرة، وليس من أهل الطعن على الإسلام؛ فلينكَّل.
وإن كان معتادًا؛ قُتل 106. وقال سحنون: قال بعض أصحابنا: يجلَد جلدًا منكَّلًا، ويطال حبسه، وينفى من موضع يقرب فيه من المشركين 107.

الجزء: 3 - الصفحة: 1364

وقولُ مالكٍ ذلك إلى اجتهاد الإمام حسنٌ.
وإن عُلمَ به قبل أن يعود إلى أهل الحرب أو بعد أن أعلمهم، وعَلمَ الناس بحركة أهل الحرب، وأخذوا حذرهم، فامتنع العدو من الإتيان؛ لم يقْتل، وعوقب.
فإن خشي عليه 108 إن خلّي أن يعود لمثل ذلك؛ خُلّد في السجن.
وإن علم به بعد أن قتل العدو من المسلمين؛ قُتل، إلا أن يعلَم أن العدو كان زاحفًا 109 قبلَ قوله، ولم يؤثر قولُه في قتلٍ ولا غيره؛ لم يقْتل.
وإن كان دله على موضع؛ كان منه الوهن على المسلمين باستباحته أو قُتَل من قُتل بسببه، وإن لم يستباحوا؛ قُتل.
وكذلك إذا تجسس للعدو في عسكر المسلمين، فإن أدَّى فعلُه إلى قتلٍ، قُتل، وإلا لم يقْتل.

الجزء: 3 - الصفحة: 1365

باب في قسمة الغنائم في أرض الحرب وفي صفة القسم

ومن حقّ الجيش أن تقسم غنائمهم بينهم، ولا تُؤخَّر إلى أرض الإسلام 110. إلا أن يخاف عليهم متى تشاغلوا بقسمتها أن يعطف عليهم العدو، فيُؤخَّر إلى موضع يأمنون فيه من طرف أرض العدو 111 أو لبعض بلد الإسلام.
وإن غنمت سرية خرجت من أرض الإسلام؛ قسمت بأرض الحرب إن أمنت، أو تؤخر إلى موضع تأمن فيه.
وإن خرجت السرية من جيش لم تقسم، وإن أمنت حتى تبلغ الجيش؛ لأنهم شركاء لهم.
قال عبد الملك: إلا أن يخشى ضيعة ذلك لمبادرتهم الانصراف بالتخفيف، وطرح الثقل والتعب على غيرهم، ولعل غيرهم يأبى ذلك، ويتماحكوا 112، وتقل طاعتهم لصاحب السرية، فيبلغ ذلك إليهم المشترون بما صار لهم 113. يريد: أنهم يتماحكون 114 عليه لما كان فيه شرك لغيرهم، وقد يصير لأحدهم مع جماعة الجيش الشيء اليسير، فلا يتكلَّف التعب الكثير، فإن صار

الجزء: 3 - الصفحة: 1366

له بالشراء تكلَّفه.
وقال محمد في قسم الغنائم: يقسم كل صنف خمسة أسهم، ويقسم الرقيق كذلك وصيف وصيف 115، يعدون خمسه، فإذا فرغ الوصفاءة فعلوا بالنساء المشتبهات بعضها ببعض كذلك، ثم الرجال كذلك، ثم يكتب على أحدهم لله ولرسوله، أو للخمس، فحيثما وقع سهم الخُمس كان له، ثم يبيع السلطان الأربعة الأخماس، ويتوثق لهم، وربما بيع 116 الجميع بالخُمس 117. قال الشيخ -رحمه الله-: قَسم الغنائم يجوز على صفة ما ذكر في المدونة في كتاب القسم في العبيد والخيل والثياب والأمتعة.
وقول محمد ها هنا أنه يجعل الوصفان بانفرادهم، والنساء كذلك حسن مع كثرة الغنيمة، واتساع ذلك، فإن ضاق الأمر؛ جمع العبيد الذكران والإناث، والصغار والكبار، وقُسموا قسمًا واحدًا.
واختلف في المتاع، فقيل: يجمع في القسم ابتداءً.
وقيل: إن حمل كل صنف القسم بانفراده لم يجمع، وإلا جمع.
وهو أحسن، وأقل غررًا إذا كان متسعًا، وقدر على أن يجمع كل صنف بانفراده.
وما غلب المسلمون على نقله من حيوان أو متاع مذكور فيما بعد إن شاء الله.

الجزء: 3 - الصفحة: 1367

باب فيما يوجد الغنائم من أموال المسلمين وأموال الذميين

وقال مالك فيما وجد في الغنائم من عبدٍ أو غيره، وعلم أنه لمسلم وعلم صاحبه: رد إليه بغير ثمن، وان علم أنه لمسلم ولم يعلم صاحبه قُسم، فإن أتى صاحبه، وأثبت أنه له أخذه بالثمن الذي بيع به 118. قال الشيخ -رحمه الله-: لا يخلو ذلك من خمسة أوجه: إما أن يعلم صاحبه وهو حاضر، أو غائب ويعلم بلده الذي كان أخذ منه 119، أو علم البلد الذي أخذ منه أو لم يعلم صاحبه 120 أو لم يعلم بلده ولا صاحبه، أو لم يعلم أنه لمسلم.
فإن علم صاحبه، وكان حاضرًا؛ دُفعَ إليه بغير عوض 121. وإن كان غائبًا، وكان ممن لا حمل له؛ نُقلَ إليه، وإن كان مما له حمل ومؤونة، وكان الكراء عليه يأتي على كثير من ثمنه؛ بيعَ، وبُعثَ إليه ثمنه، وإن كان الكرَاءُ عليه أفضل؛ أكري عليه، إلا ألا يوجد من يتكلف ذلك، فيباع.
واختلف إذا عُلمَ البلدُ الذي كان أُخذَ منه، ولم يعلم صاحبُه، فظاهر قول مالك وابن القاسم: أنه يقسم 122.

الجزء: 3 - الصفحة: 1368

وقال البرقيُّ وعُبيد: إذا غنموا أحمالَ متاعٍ، وعليها مكتوب: هذا لفلان بن فلان، وعرف البلد الذي اشتري منه، كالكتان بمصر 123 وشبهه لم يجز قسمه، ويوقف حتى يبعث إلى ذلك البلد، ويكشف عن اسمه المكتوب 124 عليه، فإن وجد من يعرفه، وإلا قسم.
قالا: ولو عرف ذلك واحد من الجيش 125؛ لم يقسم.
واختلف إذا عُلمَ أنه لمسلم، ولم يعلم صاحبه ولا بلده، هل يعجل قسمه أو لا؟ فقال مالك في المدونة: يقسم 126. وقال محمد: هو كاللقطة توجد وكالضالة، إن قدر على ردّه بغير مؤونة 127؛ نظر فيه، وإلا بيع، وصُيّرَ مغنمًا.
فلم يرَ مالكٌ وقفه؛ لأنَّ الغالبَ أنه لا يعرف، فلم تكن للوقف فائدةٌ.
وعلى قول محمد يوقف؛ رجاء أن يعرف كاللقطة، فإن لم يعرف فحينئذ يقسم والقسمة لوجهين: أحدهما: قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "فَإِنْ لَمْ تَعْرِفْ، وَإِلاَّ شَأْنكَ بِهَا" 128.

الجزء: 3 - الصفحة: 1369

فجعلها لملتقطها، والجيش ملتقطوها.
والثاني: مراعاةً للخلاف لقول من يقول فيما عُرف أنه لمسلم- إنه للجيش دون صاحبه، فإن أتى صاحبه بعد القسم أخذه بالثمن.
واختلف إذا باعه المشتري الثاني، ثم أتى صاحبه، فقيل: يأخذه بالثمن الأول كالاستحقاق، وسواء كان الأول أكثر من الثاني، أو أقل، فإن تساوى الثمنان؛ دفع ذلك للآخر، ويصير قضاءً عن الأول.
وإن كان الثاني أقل؛ دفع إليه ثمنه، ودفع الفضل إلى الأول، وإن كان الثاني أكثر؛ دفع إلى المستحق الثمن الأول، واتبع الثاني الأول بالفضل.
وقيل: يأخذه بأقل الثمنين كالشفعة، ورآه من باب: "لاَ ضَرَرَ وَلاَ ضِرَارَ" 129. فإن كان الثاني أقل؛ قيل للمشتري الأول 130: أنت لم تضر بشيءٍ 131، والثمن الذي رضيته وبعت به في يديك.
وإن كان الثاني أكثر؛ أُخذَ بالأول.
ويجري فيها قولٌ ثالثٌ: أن البيعَ الثاني فوتٌ، وليس لصاحبه أن يأخذه من الثاني قياسًا على 132 إذا اشتري من أرض الحرب، ثم بيعَ.

الجزء: 3 - الصفحة: 1370

فقال ابن القاسم: ذلك فوتٌ 133. ولم يرَ 134 أن يأخذ عينه، ويرجع المستحق على المشتري الأول بفضل الثمن إن كان باعه بأكثر ممَّا اشتراه به.
وقال غيره: ليس ذلك فوتا 135. وهو أحسن؛ لأنه مستحق له في الحقيقة، وإن كان لا يأخذه إلا بعد دفع الثمن.
فصل [فيمن أُعتق أو استولدها مبتاعها] واختلف إذا لم يبعه المشتري وأعتقه، أو كانت أمة فأولدها، فقال ابن القاسم: ذلك فوتٌ ولا شيء لمستحقهم فيهم 136. وقال أشهب: له أن يرد العتق، ويأخذ الأمة وإن ولدت 137. يريد: ويحاسبه من الثمن بقيمة الولد، فأمضى ذلك ابن القاسم على الأصل فيما بيع على وجه الشبهة، وكان مما لا يأخذه مستحقه, إلا بعد دفع الثمن: أن العتق والإيلادَ فَوْتٌ.
ولهذا قال مرة: إنَّ البيعَ الثاني فَوْتٌ 138. وردّ ذلك أشهب؛ لأنه مستحقٌ في الحقيقة لعين ذلك العبد والأمة 139. ويختلف على هذا؛ إذا أعتق الرجل 140 إلى أجلٍ، فعلى قول ابن القاسم

الجزء: 3 - الصفحة: 1371

يمضي ذلك كله، وعلى قول أشهب يرد.
واختلف فيما أُخذ من المكاتب، فمن قال: إن ذلك غَلّة؛ لم يحاسب بها فيما أخذ، ولم يكن للمستحق أن يأخذه إلا بعد دفع الثمن.
ومن قال: إنها ثمن للرقبة؛ يكون للمستحق أن يحاسب المشتري بقدر ما أخذ من الكتابة.
واختلف في الحر 141 إذا بيع في المقاسم، فقال مالك وابن القاسم في كتاب محمد: لا يتبع الحر بذلك الثمن 142. وقال سحنون في كتاب ابنه عن أشهب إنه يتبع 143. ولم يفرق في هذين القولين؛ هل كان جاهلًا أو عامدًا.
وقال ابن القاسم: وإن كان صغيرًا أو كبيرًا قليل الفطنة كثير الغفلة، أو أعجميًا يظن أن ذلك رق له؛ لم يتبع وإن كان ينادى عليه، وهو ساكت متعمدًا بلا عذر؛ اتبع إذا لم يجد المشتري على من يرجع 144. وقال غيره: لا يتبع، وإن غرر 145 من نفسه 146 وكل هذا إذا افترق الجيش، وكانوا لا يعرفون لكثرتهم وإن لم يفترقوا، أو عرفوا 147 بعد الافتراق، رجع عليهم المشتري، أو من كان صار في قَسْمه.

الجزء: 3 - الصفحة: 1372

قال ابن القاسم: ينبغي للإمام إذا لم يعرفوا أن يغرم الثمن 148 من وقع في سهمه من الخُمس أو من بيت المال 149. قال سحنون: هي مصيبةٌ نزلت به، ولا يُعْطَى منَ الخُمس ولا منْ بيت المال 150. فأسقط مقال المشتري مع علم الحر 151 المبيع؛ لأنه غرور بالقول.
وأثبت أشهبُ الرجوعَ مع الجهل؛ لأنه بمنزلة منْ أخطأَ على مال غَيره لما جهل بيع رقبته وسلمها للمشتري 152. ولا يختلف في ذلك إذا كان المبيعُ صغيرًا؛ أن لا رجوع عليه.
وأرى أن 153 يغرم الإمام خمس الثمن من باقي الخمس إن بقي منه شيء أو من بيت المال.
واختلف في الذّمّيّ يُباع في المقاسم، كالاختلاف في المسلم.
وإن وجدَت 154 في المغانم أم ولد لمسلم لم تُقْسم، وإن قُسمت بعد المعرفة أخذها سيدها بغير ثمن.
واختلف إذا لم يعلم أنها أم ولد حتى قسمت، فقال مالك في الموطأ: يفديها الإمام لسيدها، فإن لم يفعل فعلى سيدها أن يفديها، ولا أرى للذي

الجزء: 3 - الصفحة: 1373

صارت له أن يسترقها، ولا أنْ يَسْتَحلَّ فرجها 155. وقال في المدونة: على سيدها الثمن الذي اشتريت به، وإن كان أكثر من قيمتها.
فإن لم يوجد عنده شيء قبضها 156، واتبع بثمنها 157. وقال أشهب والمغيرة وعبد الملك في كتاب محمد: على سيدها الأقل من قيمتها، أو الثمن الذي اُشتريت به، وإن كان عديمًا 158 اتبع به 159. قال عبد الملك: ومشتريها أحق بما في يد سيدها من غرمائه 160. وروى ابن وهب وأشهب عن مالك أنه قال: إن أعتقها المشتري أُخذَت منه بغير شيء 161. وقال سحنون: إن أعتقها وهو عالم أنها أم ولد لمسلم، فكأنه وضع المال عن سيدها، وبطل عتقُه.
وإن لم يعلم بطل العتق، وأُتبع السيد 162 بما كان افتداها به، وإن أولدها المشتري؛ كان على سيدها الثمن الذي بيعت به، وعلى الواطئ قيمة الولد، وإن مات السيد قبل أن يعلم بها؛ كانت حرةً، ولم يكن للمشتري عليها، ولا على تركته شيء.

الجزء: 3 - الصفحة: 1374

قيل له: فَلمَ قلت: إذا جُنَّت، ومات سيدها، ولم يفدها: أنها تتبع؟ قال: لأن هذا فعلها، وليس لها 163 في الأول فعل 164. ولو كان معتقًا إلى أجل، وعرف سيده؛ وقف له، وإن لم يعرف بيعت خدمته، ودخلت في المقاسم.
فإن استخدمه المشتري، ومضى الأجل؛ كان حرًا.
فإن أتى صاحبه بعد ذلك؛ لم يكن له فيه، ولا على المشتري شيء.
وإن أتى بعد ما مضى نصف خدمته؛ كان بالخيار في النصف الباقي بين أن يأخذه، ويدفع نصف ما اشتريت به، أو يسلمه ولا شيء له فيه.
وإن بيعت رقبته، ثم علم أنه معتق إلى أجل؛ عاد حق المشتري في الخدمة، ويحاسب بها من الثمن، ثم يخرج حُرًا.
ويختلف: هل يتبعه بالباقي إذا كان الثمن أكثر من الخدمة، حسبما تقَدم لو ثبت أنه حُرٌّ من الأول.
وإن أتى سيده قبل أن يستخدم كان بالخيار بين أن يفتديه، وتكون له خدمته، أو يسلمه 165، ويختدمه المشتري في الثمن.
واختلف قول ابن القاسم إذا مضى الأجل قبل تمام الثمن، فقال في كتاب محمد: يتبع بالباقي 166.

الجزء: 3 - الصفحة: 1375

وروى عنه أبو زيد: أنه لا يتبع (1). وهذا راجع إلى الخلاف المتقدم (2) في الحر يباع في المقاسم، ثم يعلم به (3)، هل يتبع بما اشتري به.
فإذا ذهبت الخدمة، وصار حرًا كان (4) في الباقي بمنزلة الحُرّ.
ويختلف أيضًا: إذا استوفى الثمن قبل انقضاء الخدمة، هل يرجع إلى سيده.
وكذلك، إن فداه رجلٌ من العدو؛ كان سيده بالخيار بين أن يعطيه ما فداه به، وتكون له خدمته، أو يسلمه فيختدمه المشتري.
فإن انقضى الأجل، وقد بقي من فدائه شيءٌ اتبعه به قولًا واحدًا؛ لأن الحرَّ ها هنا يتبع بما يفتدى به من أهل الحرب.
وهو في هذا آكد ممن وقع في المقاسم.
وإن أسلم عليه حربيٌّ كانت له خدمتُه دون سيده، وإذا مضى الأجلُ كان حُرًّا.

فصل [في حكم أموال أهل الذمة]

وحكم أموال أهل الذمة إذا كانت في الغنائم حكم أموال المسلمين، وكذلك أهل الذّمَّة أنفسهم إذا كانوا في الغنائم؛ كانوا كالمسلمين الأحرار، لا يقسمون، ومن لم يعلم به إلا بعد القسمة؛ انتزع ممن هو في يديه 171.167168169170

الجزء: 3 - الصفحة: 1376

ويختلف، هل يتبع بما بيع به حسب ما تقدم في المسلم الحر، وليس كذلك إذا أسلم عليهم أهل الكفر، فإنهم يكونون رقيقًا لهم، وهو قول ابن القاسم 172. وقال أشهب: يكون حرًا 173. والأول أبين؛ لأن الذمة والعهد إنما كانت منه وله على المسلمين، ولا عقد له على الكافر الذي أسلم عليه.

الجزء: 3 - الصفحة: 1377

باب فيمن اشترى من أرض الحرب متاعًا لمسلم أو حر, ومن فيه عقد حرية: أم ولد أو مدبر أو مكاتب أو معتق إلى أجل، أو اشترى زوجته, أو أحدًا من أقاربه

ومن دخل دار 174 الحرب فاشترى عبدًا لمسلم، أو وهب له كان لسيده أن يأخذه إن كان اشتراه بعد دفع الثمن الذي اشتراه به، فإن كان الثمن عينًا أخذ بمثله.
وإن كان عرضًا أو شيئًا مما يكَال أو يوزن؛ أُخذ بقيمته في ذلك الموضع الذي اشتراه به، وإن وهب له وكافأ عليه؛ كان بمنزلة ما لو اشتراه.
وإن لم يكافئ؛ أخذه سيده بغير شيء 175. واختلف إذا لم يعلم سيده؛ حتى باعه من أتى به من أرض العدو 176، فقال ابن القاسم: البيع ماضٍ، وسواء كان 177 اشتراه أو وُهبَ له، ويرجع المستحق على البائع إن كان ابتاعه بفضل الثمن، إن كان فيه فضل.
وإن لم يكن فيه فضل؛ فلا شيء له.
وإن كان وهب له؛ أخذ منه الثمن الذي باعه به 178. وقال غيره: له أن ينقض البيع إذا وهب له بعد أن يدفع إلى المشتري ثمنه، ورجع هو على البائع بما قبض منه، وفرَّق بين الهبة والبيع 179.

الجزء: 3 - الصفحة: 1378

وقال ابن نافع: لو أعتقه الموهوب له، ولم يكن أثاب عنه كان عتقه باطلًا 180. وإن أثاب عنه أو كان اشتراه مضى عتقه بمنزلة ما لو 181 اشترى من المغنم.
ويختلف فيه أيضًا: إذا كان اشتراه من أرض الحرب، ثم باعه مشتريه 182 فلا يكون البيع فَوتًا قياسًا على ما بيع في المغانم، ثم باعه مشتريه، أن للمستحق أن يرد البيع الثاني، والأمر فيهما واحد.
وأن يأخذه بعد دفع الثمن أحسن، وقد تقدم وجه ذلك.
ويختلف أيضًا: إذا أعتقه المشتري، أو كانت أمةً فأولدها، فعلى قول ابن القاسم: أن ذلك فوت 183. وعلى قول أشهب: أن ذلك ليس بفوت 184. وهو أحسن.
وإن اشترى من بلد الحرب حرًا، وهو عالم أنه حر، أو غير عالم بإذنه أو بغير إذنه؛ كان له أن يتبعه بالثمن؛ لأنه لم يكن له أنْ يبقى بدار الكفر في حال الأَسر مع القُدرة على الخروج، إلا أن يقول: كنت قادرًا على التحيل لنفسي، والخروج بغير شيء، ويعلم دليل صدقه، فلا يتبع إذا افتداه بغير أمره، وبغير علمه.
فمان قال: كنت أفتدي نفسي بدون هذا، وتبين صدقه؛ اتبع بما كان يرى أنه

الجزء: 3 - الصفحة: 1379

يفتدي نفسه به، وسقط الزائد.
وإن كان عالمًا بافتدائه، ولم ينكر عليه؛ اتبعه وإن كان قادرًا على الخروج بغير شيء، أو بدون ذلك؛ لأن ذلك رضا منه، فيكون أحق بالمال الذي كان معه من غرمائه.
واختلف في المال الذي كان خلفه، فقيل: يكون حصاصًا بينه وبينهم.
وقال عبد الملك: الذي افتداه أحق به 185. ويلزم على قوله: أن يفتدى 186 بهذا المال الذي خلَّفه، فيبعث لافتدائه، وإن كره غرماؤه.
وهذا لتغليب أحد الضررين فيما يناله من العدو أو يخشى عليه أن يفتن في دينه.
فإن لم يوجد له شيء؛ اتبع متى أيسر.
والقياس أن يأخذ ما افتداه به من بجما المال، فإن لم يكن بيت مال 187 فمن جميع المسلمين.
وهذا أصل المذهب؛ لأنَّ فداءَه كان واجبًا على الإمام، يبعث بذلك من بيت المال، فإن لم يكن 188 فعلى جماعة المسلمين أن يفتدوه.
قال مالك: ذلك على المسلمين، ولو بجميع أموالهم 189. وإذا كان ذلك واجبًا عليهم ابتداء وهو ببلد الحرب؛ كان لمن أتى به أن يرجع بذلك الفداء على من كان يجب عليه, وهو بأرض الحرب قبل أن يفتدي.

الجزء: 3 - الصفحة: 1380

وقال مالك فيمن اشترى عبدًا من العدو، فلما قَدم به تكلم بالعربية، وأقام البينة أنه حر: إنه يغرم لمشتريه الثمن الذي اشتراه به، وإن لم يكن عنده اتبع به دَيْنًا (1).

فصل [في شراء أحد الزوجين صاحبه, وفداء الأقارب]

وإن اشترى أحد الزوجين صاحبه، فإنه لا يخلو ذلك من ثلاثة أوجه: إما أن يكون بأمره، أو بغير أمره وهو عالم به، أو غير عالم؛ لأنه لم يكن دخل بالزوجة، أو لأن الشراء كان على غير رؤية، فإن كان الشراء بوكالة من أحدهما؛ اتبعه بما افتداه به.
وكذلك إذا لم يكن بوكالة وهو غير عالم، وإن كان عالمًا لم يتبعها إن افتداها.
ولم تتبعه إن افتدته.
وهو قول مالك وابن القاسم ومطرف وابن الماجشون في كتاب ابن حبيب 191. وعلى القول أن بينهما في الهبات الثواب: يكون لمن فدى منهما صاحبه أن يرجع عليه إذا حلف أنه ما فداه إلا ليرجع عليه 192. وإن أشهد أحدهما قبل أن يفتديه أن ذلك ليرجع عليه رجع بذلك، قولًا واحدًا.190

الجزء: 3 - الصفحة: 1381

وفداء الأقارب؛ الأب والابن والأخ والعم، وما أشبه ذلك على ثلاثة أوجه: فإن كان بأمر من المفتدي؛ رجع عليه، وسواء كان قريب القرابة كالأب والابن، أو بعيدها كالعم وابن العم، ومن لا يعتق عليه.
فإن كان بغير أمره ولم يعلم؛ لم يرجع على من يعتق عليه كالأبوين والأجداد والابن 193 وابن الابن والأخ؛ لأنه قصد الشراء والملك، فيعتقوا عليه بالملك 194 وله أن يرجع على كل من لا يعتق عليه.
وإن كان 195 عالمًا؛ جرى الأمر بينهم على حكم هبة الثواب 196. قال سحنون: كل من لا يرجع عليه في الهبة؛ فلا يرجع عليه في الفداء إذا كان عالمًا 197. يريد: إلا أن يشهد أنه يفتديه ليرجع عليه 198 فيكون ذلك له، وإن كان أبًا أو ابنًا؛ لأنه لم يشتره لنفسه، وإنما قصد الافتداء، ولم يقصد الهبة لما شرط الرجوع، إلا أن يكون الأب فقيرًا؛ فلا يرجع عليه؛ لأنه كان مجبورًا على أن يفتديه، كما يجبر على النفقة عليه، وهو في الافتداء آكد.

الجزء: 3 - الصفحة: 1382

باب في الحربي يقدم بأمان ومعه مال لمسلم، [أو معه مسلم] 199 حرٌّ أو عبدٌ، والحربي يسلم على مال المسلم، أو على مسلم حر أو عبد، وفي عبد الحربي يسلم بأرض الحرب ثم يسلم سيده, أو يخرح إلينا وهو مسلم أو كافر فيسلم، أو يبقى على دينه

وإذا قدم الحربي بلاد المسلمين ومعه مال لمسلم؛ لم يعرض له فيه 200 ما دام في يديه وكذلك، إن أراد الرجوع به 201 لم يمنع.
واختلف إذا قدم بمسلمين -أحرارٍ أو عبيدٍ - على ثلاثة أقوال: فقيل: له أن يرجع بهم إن أحب 202. وقيل: ليس ذلك له 203. وقيل: ذلك له في الذكران دون الإناث.
وقال ابن القاسم في كتاب محمد: لا يمنع من الرجوع بهم وإن كُنَّ إماءً لم يمنع من وطئهن، وقال عبد الملك: يعطى في كل مسلم أوفر قيمته، وينتزع منه، وقال ابن حبيب: يُباعُ عليه عبيده إذا أسلموا، كما يفعل بالذمي، ثم لا

الجزء: 3 - الصفحة: 1383

يكون ذلك نقضًا للعهد 204. وحكى 205 سحنون عن ابن القاسم أنه قال: يجبر على بيع المسلمات.
يريد: بخلاف الذكران.
وقاله ابن القصار، قال: إذا عقد 206 الإمام للمشركين وهادنهم على من جاءه مسلمًا ردَّه إليهم؛ يُوفّى لهم بذلك في الرجال، ولا يُوفّى لهم به في النساء.
فأمضى ذلك لهم ابن القاسم في القول الأول؛ لحديث مسْوَر - رضي الله عنه - أن 207 النبي - صلى الله عليه وسلم - قاضَى أهل مكة عام الحديبية على أن من أتاه من أهل مكة مسلمًا؛ رده إليهم.
اجتمع عليه البخاري ومسلم 208. ولم يمض ذلك في القول الآخر؛ لأن ذلك كان في أول الإسلام، وقبل أن يكثر المسلمون، وقد وعدهم الله -عز وجل- بالنصر وإظهار دينه وبفتح مكة وظهوره عليهم، فكان كما وعد الله -عز وجل-، فلا يجوز ذلك اليوم بعد ظهور الإسلام، ولأن 209 فيه وهنًا على المسلمين، وإذلالًا لهم.
وفرَّق في القول الآخر بين الرجال والنساء؛ لقوله سبحانه: {إِذَا جَاءَكُمُ

الجزء: 3 - الصفحة: 1384

﴿الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: 10].
واختلف إذا قدم بمتاع لمسلم، فقال ابن القاسم في المدونة: لا أحب لمسلم أن يشتريه منه، فإن اشتراه لم يكن لصاحبه أن يأخذه بالثمن.
وإن وهبه لأحد؛ لم يأخذه سيده على حال 210. وأجاز ذلك محمد، وقال: إنه 211 إن لم يشتره؛ رده العلج إلى بلده.
فالشراء أفضل، يجده صاحبه فيفتديه، ويكون أحق به 212. وقال إسماعيل القاضي: لم يحك ابن القاسم هذه المسألة عن مالك، والذي يشبه 213 على مذهب مالك: أن له أن يأخذه بالثمن الذي اشتراه به، وفي الهبة يأخذه بغير ثمن.
وهذا أحسن، ولا فرق بين أن يشتريه منه وهو بأرض الحرب أو 214 وهو بأرض الإسلام؛ لأنه لم يكن يقدر على أخذه منه وهو بأرض الحرب.
وقد قال ابن القاسم في المدونة فيمن اشترى أمة من العدو: لا أحب له أن يطأها؛ في بلاد الحرب اشتراها في بلد الحرب، أو بلاد المسلمين 215. وهذا نحو ما قاله محمد وإسماعيل.

الجزء: 3 - الصفحة: 1385

فإن أسلم عندنا كان بمنزلة ما لو أسلم في أرض الحرب؛ له ما أسلم عليه من أموال المسلمين.
فإن كان في يديه عبد مسلم- أُقر في يديه.
وإن أسلم على حر أو حرة انتزعا منه بغير قيمة، وإن أسلم على ذمي كان له رقيقًا.
وهذا قول ابن القاسم، وقال أشهب: هو حر، ولا يسترق 216. والأول أحسن؛ لأن الذمة عَقْدٌ له علينا، ولا عَقْدَ له على من كان بأرض الحرب.
وإن أسلم على أم ولد؛ انتزعت من يده بقيمتها 217، أو على معتق إلى أجل كان له خدمته، فإذا انقضى الأجل؛ كان حرًا، أو على مكاتب؛ كانت له كتابته، فإن أداه كان حرًا، وإن عجز؛ كانت له رقبته.
أو على مدبر؛ فله خدمته، فإن مات السيد والثلث يحمله 218؛ كان عتيقًا، وإن كان على السيد دين يستغرقه 219؛ كان رقيقًا لمن أسلم عليه 220. وإن لم يكن له مال سواه؛ أعتق ثلثه، وكان له ثلثاه.
وقال ابن القاسم: إن أسلم عبد الحربي؛ لم يسقط ملك سيده عنه، فإن أسلم سيده بعده؛ كان له رقيقًا، وإن أعتقه؛ كان له ولاؤه، وإن باعه؛ كان ملكًا للمشتري 221.

الجزء: 3 - الصفحة: 1386

وقال أشهب: هو حر بنفس إسلامه، فإن أسلم سيده بعده؛ لم يكن له فيه شيء.
وإن أعتقه؛ لم يكن له ولاؤه.
وإن اشتراه منه مسلم؛ كان كالفداء، يتبعه بما اشتراه به 222. وقد اشترى أبو بكر الصديق من المشركين بلالًا، بعدما أسلم وأعتقه، وذكر البخاري عن عمر 223: أنه كان يقول: أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا، يعني: بلالًا.
وقال بلالٌ لأبي بكر: إن كنت اشتريتنى لنفسك فأمسكنى، وإن كنت اشتريتني لله -عز وجل- فَدَعْنِي وعمل الله 224. ولا خلاف أنه إن فرَّ إلينا بعد إسلامه وقبل إسلام سيده وقبل أن يعتقه؛ أنه حر؛ لأنه غنم نفسه.
وإن أسلم سيده بعد ذلك، وخرج إلينا، لم يكن له عليه سبيل.
فإن نزل المسلمون بموضعه، فخرج إليهم قبل الفتح؛ كان حرًا، ولا سبيل لأهل الجيش عليه.
واختلف إذا لم يخرج حتى وقع الفتح ودخل المسلمون عليهم، فقال ابن القاسم: هو حرّ 225. وقال ابن حبيب: هو رقيق لذلك الجيش 226.

الجزء: 3 - الصفحة: 1387

وهو أقيس على أصل ابن القاسم؛ لأنه ملك لسيده حوإن دخل عليه، وإنما يكون حرًا إذا خرج إلينا؛ لأنه غنم نفسه.
وإذا أسلم عبد لحربي، ثم فر إلى أرض الإسلام بمال لسيده؛ كان له، إن كان في يده لتجارة أو كان خراجه ترك في يديه، أو سرقه لسيده، ولا يخمس؛ لأنه مما لم يوجف عليه 227. وإن كان في يده على وجه الأمانة؛ استحب له أن يرده إلى سيده، ولم يعرض له فيه إن أمسكه 228. وكذلك إن فر إلى أرض الإسلام وهو كافر ثم أسلم.
فإن بقي على كفره وأراد المقام، وتضرب عليه الجزية؛ كان ذلك له، ولم يرد إلى سيده.
وإن أسلم بعد الجزية كان حرًّا، وسقطت الجزية عنه.

الجزء: 3 - الصفحة: 1388

باب (1) في الحرة المسلمة والذّمّية والأمَة يأسرهن العدو, ثم يغنمهن المسلمون بعد أن ولدن، والحربي يسلم ثم يغنم المسلمون ماله وولده

وقال مالك في ثمانية أبي زيد وفي كتاب ابن حبيب في الحرة المسلمة: ما سبيت به من ولد صغير أو كبير تبع لها في الحرية والإسلام؛ لا يباعون ولا يسترقون، ويكرهون على الإسلام، فمن أبى أجبر، فإن تمادى؛ فهو كالمرتد يقتل 230. يريد: إن تمادى الصغير على الكفر بعد أن بلغ.
وقال ابن القاسم: ما سبيت به من ولد صغير، فهو بمنزلتها، وإن كان كبيرًا كان فيئًا (3). وقال أشهب في كتاب محمد: حملُها وولدها الصغير والكبير فيء (4). وذكر ابن سحنون عنه قولين: أحدهما: مثل ما حكى عنه محمد.
والآخر: أنهم أحرارٌ كلهم (5). وأما الذمية؛ فإنها ترد إلى ذمتها، واختلف في أولادها، فقال ابن القاسم في المدونة: الصغار بمنزلتها، والكبار فيء 231.229

الجزء: 3 - الصفحة: 1389

وقال مالك في ثمانية أبي زيد: هم فيء، صغارهم وكبارهم 232. واختلف في ولد الأمة، فقال ابن القاسم في المدونة: ولدها لسيدها، صغيرًا كان، أو كبيرًا 233. وقال ابن الماجشون في كتاب ابن حبيب: صغارهم وكبارهم فيء 234. وقال أشهب: هم فيءٌ، إلا أنْ تكونَ تزوجت، فيكونوا لسيدها 235. قال الشيخ - رضي الله عنه -: الأصل في الولد أنه تبع للأم في الحرية، ولا يراعى الأب، فإن كانت الأم حرة والأب عبدًا؛ كان الولد حرًا، وإن كانت الأم أمة 236 والأب حرًا؛ كان عبدًا.
وأما الدّينُ فاختلف إذا كان الأب كافرًا والأم مسلمة، هل يكون على دين الأب، أو على دين الأم؟ وإذا كان ذلك، فإن كانت الأم حرة كان الولد حرًا.
ثم يختلف في دينه، فعلى القول إنه على دين الأب- يكون فيئًا، صغيرًا كان أو كبيرًا.
وعلى القول إنه على دين الأم؛ لأنها مسلمة- يكون الصغير تبعًا لها.
= قال ابن القاسم: أما الحرة المسلمة فما سبيت به من ولد صغير فهو بمنزلتها وهو يتبع لها، وما كان من ولد كبير قد بلغ وقاتل واحتلم فأراه فيئا، وأما ما سبيت به الأمة من ولد كبير أو صغير فهو لسيدها ولا يكون شيء من ولدها فيئا وهذا رأي.
قال سحنون: ورواه عليُّ بن زياد عن مالك في الولد الصغير يسبى مع الحرة كما قال ابن القاسم".اهـ.

الجزء: 3 - الصفحة: 1390

ويختلف في الكبير؛ لأنه بمنزلة ولد مسلمٍ غُفل عنه، فرُبّي على الكفر، فقد اختلف فيه: فقيل في النصرانية تكون زوجة لمسلم، فتربي ولدها على الكفر 237، وبلغ عليه: إنه مرتد.
وقال محمد بن عبد الحكم وغيره.
إنه يُقَرّ على دينه 238. فعلى القول: إنه يقر على دينه - يكونُ فيئًا.
ومن قال: لا يقر على دينه 239 ذلك- يكون كالمرتد.
وإليه ذهب مالك أنه إن لم يسلم قتل، ولا يسترقُّ.
ويقول: إن حكمها معه حكم الزاني، فلا يلحق النسب، ويكون على دينها، فلا يسترق الصغير، ويقتل الكبير إن لم يرجع كالمرتد، وكذلك الصغير إذا تمادى على الكفر.
وأما ولد الذمية؛ فالصواب أن يكونوا فيئًا، صغارهم وكبارهم على حكم الأب؛ لأنه كافر لا عهد له؛ لأن العهد للذمية إنما يكون في نفسها، والولد له عقد أبي، وبنقض أبيه ينتقض عليه.
فإذا كان لا ذمة له كان فيئًا كالأب.

الجزء: 3 - الصفحة: 1391

ولو تزوجت ذميةٌ حربيًا دخل إلينا بغير عهد (1)، ثم علم به بعد أن ولدت؛ كان الأب وولده فيئًا.
وكذلك إذا أصابها ببلده.
وأما الأَمةُ؛ فقول ابن القاسم فيها أحسن؛ لأنها مستحقة.

فصل [في الحربي يسلم ويقدم أرض الإسلام]

وقال ابن القاسم في الحربي يسلم، ثم يخرج إلينا، فغزا المسلمون بلاده، فغنموا أهله 241 وولده وماله: أنهم فيء للمسلمين، قال: وسألت مالكًا عن رجل من المشركين أسلم، ثم غزا المسلمون تلك الدار، فأصابوا أهله وولده 242، فقال مالك: فهم فيءٌ للمسلمين 243. وظاهر قوله ها هنا: أنهم فيء، وإن لم يكن خرج إلينا.
وقال في كتاب النكاح الثالث: إذا أتى الحربي مسلمًا، أو بأمان فأسلم عندنا، فغزا المسلمون تلك الدار، فغنموا أهله وولده، قال: هم فيء للإسلام، وكذلك ماله.
قال سحنون: وقال بعض الرواة: إن كان ولده صغارًا؛ كانوا تبعًا لأبيهم، وكذلك ماله هو له، فإن أدركه قبل أن يقسم أخذه، وإن قسم كان أحق به بالثمن 244.240

الجزء: 3 - الصفحة: 1392

وقال أبو الفرج: ماله فيءٌ، والولد تبع للأب.
قال: لأن المسلم حيث كان ولده الأصاغر مسلمون بإسلامه؛ بدلالة أن مسلمًا لو نكح في دار الحرب- كان ولده مسلمًا.
وقال محمد بن الحارث في كتاب "الاتفاق والاختلاف": إذا كانوا أحرزوا ماله، وضموه إلى أملاكهم من أجل إسلامه، وخروجه من عندهم؛ كان فيئًا.
وإن تركوه؛ كان له.
وإن دخل في المقاسم؛ أخذه بالثمن.
والقول: أن ماله وولده له.
أحسن؛ لأنه مَلكَه قبل أن يسلم وإن كان بدار الحرب، وبمنزلة ما لو سكن عندهم وهو مسلم، وإسلامه لا يسقط ملكه.
وهو لو أسلم ولم يخرج إلينا حتى دخل عليه؛ كان كل ذلك له.
فكذلك إذا خرج إلينا؛ لأنهم إن لم يعرضوا لماله، ولا لولده بعد خروجه فهو له على حاله الأول.
وإن أخذوه؛ فإنما أخذوا مال مسلم، ولا فرق بين أن يأخذوا ذلك من عندنا، أو من عندهم؛ فهو 245 في جميع ذلك مال مسلم.
ولا حكم للدار في ذلك، وإن كان ذلك الولد من وطء كان بعد إسلامه لم يسترق قولًا واحدًا.
وكذلك لو سبيت زوجته بحمل حملت به بعد إسلامه؛ فهو إذا ولدته على حكم الإسلام، وأما زوجته؛ فهي فيءٌ قولًا واحدًا، وسواء أسلم ثم خرج إلينا، أو أقام حتى دخلوا عليه، وصداقها لذلك الجيش، وإن كان الزوج في أرض الإسلام بمنزلة من أسر بأرض الحرب، وله دين بأرض الإسلام؛ فدينه للجيش، وتقع الفرقة بينها وبين زوجها؛ لأنه لا يجتمع الكفر والرق والزوجية.
= أحق بماله قبل القسم بغير ثمن وبعد القسم بالثمن) انظر: التفريع: 1/ 251.

الجزء: 3 - الصفحة: 1393

فإن أسلمت في العدة، أو أعتقت بقيت زوجة.
وأجاز أشهب أن تبقى زوجة، وإن لم تسلم ولم تعتق.
وإن اشترى رجلٌ عبدًا من المغنم؛ فدلَّ سيده على مال، فإن دلّه قبل أن يقفلوا؛ كان المال لذلك الجيش.
وإن قفلوا ثم عاد في جيش آخر، وقد عادت يد العدو على بلادهم؛ كان للجيش الآخر 246. وإن عاد مع سيده في غير جيش، ولم تعد أيدي العدو على بلادهم؛ كان للجيش الأول 247، وإن عادت كان لسيده.

الجزء: 3 - الصفحة: 1394

باب في الذّمّيّ يخرج على المسلمين متلصصًا أو ناقضًا للعهد

وقال ابن القاسم: قال مالك: في أهل الذمة إذا حاربوا وقطعوا السبيل 248 وقتلوا، وأخذوا الأموال: فإن كان على وجه الحرابة أو التلصص؛ لم يكن نقضًا للعهد، وحكم فيهم بحكم المسلمين 249 إذا حاربوا، وإن كان على وجه النقض؛ كانوا فيئًا، يرى فيهم بحكم المسلمين الإمامُ رأيَه، إلا أن يكون ذلك من ظُلم ركبوا به 250.

الجزء: 3 - الصفحة: 1395

وقد اختلف في هذه الأوجه الثلاثة: فقال محمد بن مسلمة: إذا حارب الذمي؛ يقتل؛ لأنه نقض العهد، ولا يؤخذ ولده؛ لأنه إنما نقض وحده، وماله مال من لا عهد له، وإن قطع لم يؤخذ ماله؛ لأنه بقي في ذمته.
وقال أشهب: إذا خرج على وجه النقض؛ فهو على عهده.
قال: ولا يعود الحر في الرق أبدًا 251. وقال الداوديُّ: إذا كان ذلك عن ظلمٍ ظُلموا به؛ فهو نقضٌ؛ لأنهم لم يعاهدوا على أن يظلموا من يظلمهم.
وهو أبين؛ لأنهم رضوا بطرح ما عقد لهم، وبإسقاط حقّهم فيه.
وقول أشهب في الوجه الأول أنه لا يعود إلى الرق؛ ليس بحسن، وقد حاربت قريظة بعد أن عاهدهم النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقتل الرجال وسبى النساء والذرية 252.

الجزء: 3 - الصفحة: 1396

باب في تحريق العدو بالنار والتدخين عليهم, وإذا أحرقواهم مراكب المسلمين هل يلقي المسلم نفسه في البحر؟

وإذا كان العدو 253 في حصن فلا بأس أن يرمى بالمجانيق 254، وإن كان فيهم نساء أو ذرية أو مسلمون أسارى، إلا أن يبرزوهم لموضع الرمي، فلا يرموا به 255. ولا بأس أن يرموا 256 حينئذ سور الحصن؛ ليتوصل إلى هدم ما يتوصل به إلى الدخول، ولو أبرزوا حينئذ الأسارى، وقالوا: إن فعلتم ذلك قتلناهم؛ لرأيتُ أن يوقف عنهم حتى يجعل الله لهم فرجًا.
ولا بأس أن يُحْرَق سور الحصن بالنار؛ ليتوصل إلى الدخول.
وإن كان يحرق [من فيه] 257؛ جاز إذا لم يكن فيه 258 إلا المقاتلة، ولم يقدر عليهم بغير الحرق، ولم يجز إذا كان فيه أسارى من المسلمين.
واختلف إذا كان معهم نساؤهم وذراريهم، ولا مسلمين معهم، فمنعه

الجزء: 3 - الصفحة: 1397

ابن القاسم في المدونة 259. وأجازه ابن المواز، وقال: لا بأس إذا لم يقدر على أخذهم أن يحرق عليهم الحصن، أو يغرق بالماء.
قال: ولو اجتنبوا النار كان أحبّ إليَّ 260. وقال في المطمورة 261: إنما فيها النساء والذرية، فلا يُدَخَّن عليهم إذا كان التدخين 262 يقتلهم 263. فمنع إذا كانوا بانفرادهم للحديث في النهي عن قتال النساء والصبيان 264. وأجازه إذا كانوا مع الرجال لحديث الصعب بن جثَّامَة 265، قال: يا رسول الله، إن الخيل في غشم الغارة 266 تصيب من ذراري المشركين.
فقال رسول الله: "هُمْ مِنْهُمْ، أو مَعَ آبَائِهِمْ" 267 وهذه ضرورة.

الجزء: 3 - الصفحة: 1398

وروي عن ابن القاسم أنه قال: لا تحرقوا بالنار، وإن كان فيهم المقاتلة خاصة 268. وقاله سحنون 269. وأظن ذلك لحديث أبي هريرة، قال: بعثنا رسول الله في بعث، فقال "إِنْ وَجَدْتُم فُلانا وَفُلانًا فَأَحْرِقُوهُمَا بِالنَّارِ"، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ حِينَ أَرَدْنَا الخروجَ: "إِنِّي أَمَرْتُكُمْ أَنْ تُحْرِقُوا فُلَانًا وَفُلَانًا، وإنَّ النَّارَ لاَ يُعَذِّبُ بِهَا إِلاَّ الله -عز وجل- إِنْ وَجَدْتموهُمَا فَاقْتُلُوهُمَا" أخرجه البخاري 270. ومحمل الحديث: إذا وجدتموهما فصارا أسيرين، فأما إن امتنعوا ولم يقدر عليهم إلا بذلك؛ فلا بأس؛ ولأنهم قادرون عندما يرون النار أن يخرجوا، فلا يموتون بها وإن كانوا في غار؛ كان الجواب في إحراقهم على ما تقدم إذا كانوا في حصن، فيجوز إذا كانوا مقاتلة خاصة، ويمنع إذا كان فيهم مسلمون، ويختلف إذا 271 كان معهم النساء والذرية.
وأما التدخين، فيجوز إذا كانوا مقاتلة خاصة، وإن أدّى إلى قتلهم.
وإن كان معهم أسارى دخن تدخينًا يرجى معه خروجهم من غير موت، فإن لم يخرجوا؛ تركوا 272.

الجزء: 3 - الصفحة: 1399

ويختلف إذا لم يكن فيهم مسلم، أو كان فيهم الذرية والنساء.
وإن لقي المسلمون مركبًا من العدو، فإن كانوا مقاتلة خاصة؛ جاز تغريقهم (1) ويختلف في تحريقهم بالنار.
وأرى أن يجوز إذا لم يقْدر عليهم بغير الحرق، وإن كان العدو الطالبين للمسلمين ولم يقدروا على صرفهم إلا بالنار؛ جاز قولًا واحدًا، وسواء كان مع العدو نساؤهم وذراريهم، أم لا.
وأرجو إذا كان معهم النفر اليسير (2) من المسلمين أن يكون خفيفًا؛ لأن هذه ضرورة.
ويختلف إذا كان المسلمون الطالبين لهم، فدفعوا عن أنفسهم بالنار، هل يرمون بالنار، ويصيرون بمنزلة من لم يقدر عليه إلا بالنار؛ لأن فعل العدو ذلك ذبٌّ عن أنفسهم؟.

فصل [هل يلقي المسلم نفسه في البحر]

وقال ابن القاسم: بلغني عن مالك في السفينة يحرقها العدو بالنار: لهم أن يطرحوا أنفسهم في البحر؛ لأنه إنما فَرَّ من الموت إلى الموت 275. وقاله ربيعة مرةً: فإن صبر؛ فهو أكرم، بن اقتحم؛ فقد عُوفي، ولا بأس به 276.273274

الجزء: 3 - الصفحة: 1400

وقال أيضًا: إذا كان يفر من النار إلى أمرٍ فيه قتله؛ فلا ينبغي أن يفر من موت إلى موتٍ أيسر 277 منه، وقد جاء ما لا يحل له، وإن كان يتحمل رجاء النجاة، لعله يرى قرية 278 أو يكون الأسر أرجى 279 أن يُخَلّوهُ 280 إلى الإسلام؛ فكلٌّ متحمل لأمرٍ يرجو النجاة فيه فلا جناح عليه، وإن عطب فيه 281. وقال في قوم إن خرقت سفينتهم، أيثقّل نفسَه فيغرق، أم يلتمس النجاة بالغًا ما بلغ؟ وإن كان بقرب عدو خاف إن عامَ أن يؤسر؟ قال: كلاهما لا أحبهما، وليلبث في مركبه حتى يقضي الله 282. وقال أبو الفرج عن مالك: لا حرج على من أظلّه العدو في البحر أن يلقي نفسه فيه 283. وكلا هذين القولين ليس بالبين، ولا أرى أن يلقي 284 نفسه عندما أظلَّه العدو ولا أن يثبت 285 حتى يموت مع رجاء الأسر؛ لأنه قدّم الموت على الحياة مع الأسر.
وأما إذا احترق مركبه بالنار، وكان إن جلس مات بالنار، وإن طرح نفسه مات بالماء؛ فالأمر فيه خفيف؛ لأنه اختار ما هو أخفّ.

الجزء: 3 - الصفحة: 1401

وأما إن انفتح مركبه أو فتحه العدوة فإن لبثه أحسن، فيكون قد مات بما نزل به أولى من أن يموت بفعل نفسه، وليس هو أخف 286 وقد اختلف فيمن خشي الموت ووجد ميتةً، هل يجب عليه الأكل، أو يكون مباحًا غير واجب؟

الجزء: 3 - الصفحة: 1402

باب في قسم الفيء والخمس والغنائم (1) وفيمن تصرف

ومن المدونة قال قال مالك 288: الفيء 289 والخمس سواء، يجعلان في بيت المال، ويعطي الإمام منه أقارب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولا علم لي بجزية الأرض، إلا أن عمر - رضي الله عنه - قد أقرها، ولم يقسمها بين الذين افتتحوها، ويسأل أهل العلم 290 كيف كان الأمر فيها، فان وجد عالمًا يفتيه 291، وإلا اجتهد في ذلك 292. قال ابن القاسم: وأما الجماجم في خراجهم؛ فلم يبلغني عن مالكٍ فيهم شيء.
وأرى أن يكونوا تبعًا للأرض، وإن كانوا عنوة أو صلحًا 293. فأجاز مالك أن يُعْطَى من الخمس والفيء لأقرباء رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنه حلالٌ للأغنياء، ويوقف منه في بيت المال بخلاف الزكاة.
وتكلَّم في الأرض على ما فتحه عمر - رضي الله عنه - من أرض العراق وغيرها، ولم287

الجزء: 3 - الصفحة: 1403

يشك أنها لم تقسم، وإنما جهل ما جعل عليها، فيكشف عنه، فإن لم يجد عالمًا؛ استأنف النظر فيما يجعل عليها.
وإلى هذا ذهب ابن القاسم في جزية الجماجم، يكشف عنها 294 هل الذي جعل على الأرض والجماجم شيء واحد، أو على كل شيء بانفراده، فإن لم يعلم ما جعل عليها؛ كانوا تبعًا للأرض.
يريد: تبعًا في الاجتهاد، هل يجعل ذلك جملة أم لا؟ والأموال التي تؤخذ من أهل الكفر على ثمانية أوجه: صلح، وعنوة، وما انجلى عنه أهله ولم يوجف عليه، وجزية الجماجم، وخراج الأرض، وعشور أهل الذمة إذا تجروا إلى غير بلادهم، وما أُخذ من الحربيين إذا نزلوا بأمان، والركاز 295. وجميع هذه الأموال، يجوز أن تصرف فيما تُصرف فيه الزكاة.
ويجوز أن تصرف فيمن لا تحل له الزكاة، فيعطى منها الأغنياء وأقرباء رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ لأن أخذهم ليس على وجه الصدقة 296، ويوقف منها في بيت المال إذا رأى الإمام 297 ذلك.
وهي في ترتيب صرفها على وجوه: فيصرف كل مال في البلدة التي جبي منها إذا كان فيها ما يوجب صرفه فيه، أو من يستحق منه شيئًا، ولا ينقل إلى غيره، أن يكون لذلك وجه 298.

الجزء: 3 - الصفحة: 1404

فأما جزية جماجم أهل الذمة الذين بين أظهرنا، وما أخذ من عشور أهل الذمة، وأهل الحرب 299 القادمين علينا؛ فيبتدأ منه بسد مخاوف أهل 300 ذلك البلد الذي جُبيَ منه، وإصلاح حصون سواحله، ويشتري منه 301 السلاح والكُراع إذا كانت بهم حاجة إلى ذلك، ويعطي 302 غزاة ذلك البلد وعماله وفقهاءه وقضاته 303، فإن فضل شيء أعطى الفقراء منه 304. إنما يبدأ بمن تقدم على من يستحق الزكاة؛ لأن أولئك لا تحلُّ لهم الزكاة، فكانوا أحق بالارتفاق بما لهم الأخذ منه، وينتفع الآخرون بما جعل لهم مما لا 305 يجوز لأولئك، فإن فضل شيء أعطي الفقراء، فإن فضل عنهم شيء وقف عدة 306 لما ينوب المسلمين.
وإن كان في بيت المال اتساع؛ فلا بأس أن يعطى للأغنياء، وإن كان ذلك المال من أرض صلح؛ لم يصرف في إصلاح ذلك البلد؛ لأنه ملك لأهل الكفر.
وإن كان بين أظهرهم مسلمون فقراء؛ أعطوا منه، ثم ينقل إلى البلد الذي كان عنده الخوف حتى وقع الصلح 307. وكذلك ما جلا أهله عنه يبتدأ بالبلد

الجزء: 3 - الصفحة: 1405

الذي (1) كان الخوف عنه؛ حتى جلوا.
وما جُبي عن بلاد العنوة يبتدأ فيه بإصلاح البلد الذي جُبيَ منه، وسد مخاوفه؛ لأنه للمسلمين (2). فإن فضل شيءٌ نقل إلى البلد (3) الذي خرج منه الجيش الذي افتتحه.

فصل [في أنواع ما يغنم في الحرب وما يفعل به]

والمأخوذ من الغنيمة على سبعة 311 أوجه: الأموال والرجال 312 والنساء والصبيان والأرضون والأطعمة والأسلاب والأنفال.
فأما الأموال؛ فتقسم على السهمان 313 أخماسًا بالقرآن.
وأما الرجال؛ فالإمام مخير فيهم بين خمسة أوجه: المن والفداء والقتل والجزية والاسترقاق.
فأيّ ذلك رأى حُسْنَ نظرٍ فعلَه.
والمن والفداء ومن ضربت عليه الجزية من الخمس على القول إن الغنيمة مملوكة بنفس الأخذ، والقتل من رأس المال، والاسترقاق راجع إلى جملة308309310

الجزء: 3 - الصفحة: 1406

الغانمين.
والاسترقاق أولى من القتل، فينتفع بثمنه، وقد يهديه 314 الله تعالى إلى الإسلام، إلا أن يكون ممن أنكى في المسلمين أو رأى في قتله نكاية للعدو.
وأما الأجراء والفلاحون؛ فهو مخيّر فيهم حسب ما تقدَّم، إلا القتل فاختلف فيه، وقد تقدَّم 315. وأما النساء والصبيان؛ فهو مخير فيهم بين ثلاثة أو جه: المَنُّ، والفداء، والاسترقاق دون القتل والجزية.
وإن رأى استبقاء من قارب البلوغ ليضرب عليه الجزية إذا بلغ؛ لم يمنع من ذلك.
والأرض على ثلاثة أقسام 316 فما كان بعيدًا من قهر المسلمين، ولا يستطاع سكناه للخوف من العدو؛ هُدم وحُرق.
وما كان يقدر المسلمون على عمارته، إلا أنهم لا يسكنونه إلا أن يملكوه؛ فإن الإمام يقطعهم 317، ويخرجه من رأس الغنيمة، ولا مقال لأهل الجيش فيه، ويقطعه لمن فيه نجدة وحزم، فيكون في نحر العدو وردءًا للمسلمين.
واختلف فيما كان قريبًا ومرغوبًا فيه، فقال مالك مرّة: لا حق لأهل الجيش فيه، ولا يقسم، ويوقف خراجًا للمسلمين.
وقال مرّة: يجوز قسمُها أو وقفُها، وليست كالأموال، فلا يجوز إخراجُها عنهم 318. فقال في المبسوط وهو في بعض روايات المدوّنة: كلُّ أرض افتتحتْ

الجزء: 3 - الصفحة: 1407

عَنْوَةً؛ فتُركتْ لم تقسَّم، ولو أرادوا أن يقسموها لقسموها 319، فتُركتْ لأهْل الإسلام- فهذه التي قال مالك: يجتهد فيها الإمامُ، ومن حضره من المسلمينَ 320. فأجاز تقسمتها إذا رأى الإمامُ ذلك، ولا أعلم خلافًا أنَّها إنْ قُسمت أَنَّ ذلك ماضٍ، ولا ينقض.
وذهب بعضُ النَّاس إلى أنَّها كالأموال تقسم، ولا يجوز حبسها عن الغانمين.
وقوله بجواز 321 القسم أحسن؛ لأنَّ النَّبي - صلى الله عليه وسلم - قسم قريظةَ وفدكَ وخيبرَ 322. وقال عمر - رضي الله عنه -: لولا من يأتي من المسلمين؛ لم أدع قريةً افتتحتْ عنوةً إلا قسمتُها، كما قسم رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - خيبرَ 323. فسلَّم عمر - رضي الله عنه - أنَّ النَّبي - صلى الله عليه وسلم - قسم العنوةَ، وأن ذلك لم ينسخ؛ لأنَّه جوَّز القسم، وأخبر أنَّ ترك القسم باجتهاد منه، ليس يمنع منه فعل النَّبي - صلى الله عليه وسلم -، وقد افتتحتْ مكةُ عنوةً ولم تقسَّم.
واختُلفَ: هل تُركتْ لأهلها منًّا عليهم بها، فيجوز لهم بيعُها، أو تركها فيئًا للمسلمين؟ ولم يُختلف أنَّه منَّ على الرجال، وقد رُوي عن النَّبي - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: "مَكَّةُ حَرَمٌ، لاَ تَحِلَّ إِجَارَةُ بُيُوتِهَا، وَلاَ بَيْعُ رِبَاعِهَا".
وقال علقمة بن نَضْلة: كانت المساكن والدورُ بمكةَ على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر وعثمانَ - رضي الله عنهم - لا تُباع ولا تُكْرَى، وما

الجزء: 3 - الصفحة: 1408

تُدعى إلا السوائب، من احتاج سَكن، ومن استغنى أسكن.
ورُوي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنَّه نهى أن تغلقَ دورُ مكةَ دون الحاجّ، وقال في أيام الحج: يا أهل مكة لا تتخذوا لدوركم أبوابًا دعوهم ينزلون في الفارغ، فكانوا ينزلون حتى يضربوا فساطيطهم في الدور.
وقد تقدَّم بعض ذلك في كتاب الأرضين.

فصل [في أموال أهل الكفر]

أموالُ أهل الكفر فيمن تسوغ له على خمسة أوجه: أحدها: الحكمُ فيها لله خالصًا.
والثاني: هي لمن أخذها ولا خمسَ فيها.
والثَّالث: أن تكون شركةً: الخمس لله تعالى، وأربعة أخماسها للذين أخذوها.
والرابع: مخُتلَفٌ فيها: هل هي لله سبحانه، أو شركةٌ أخماسًا؟ والخامس: مختلفُ فيها: هل هي لواجدها خاصةً، أو شركةٌ فتخمَّس؟ فالأوَّل: جزية الجماجم، وخراج الأرضين، وعشور أهل الذمة، وأهل الحرب إذا أتوا تجارًا- فهذه لله تعالى خالصًا.
فإن رأى الإمام ألَّا يعطي منها لآدميٍّ شيئًا- جاز، ويجعله في الكراع والسّلاح، ويُصْلح منها الحصون والأسوار، أو يصرف بعضه في ذلك، وبعضه للنَّاس.
الثَّاني: ما أُخذَ من بلد الحرب، ولم يوجف لأجله، مثل: أن يَدخل إليهم تاجرًا، أو يكون عندهم أسيرًا، فيهرب بمال، أو يهربُ عبدٌ لهم بمال- فهو لمن

الجزء: 3 - الصفحة: 1409

أخذه ولا خمسَ فيه، وسواء كان متاعًا أو عينًا.
قال محمَّد: إن هَرَبَ الأسيرُ بجاريةٍ فلا خُمْسَ فيها؛ لأنّه ممَّا لم يُوجف عليه إذا أسر من بلد المسلمين، فإن كان خرج إلى بلاد الحرب فأُسرَ- ففيه الخمس 324. يريد: إذا خرج لمثل ذلك أو للجهاد.
ولو خرج تاجرًا ثم سرق جارية أو متاعًا- لم يخمس.
وقال مالك في كتاب محمد: إن طَرَحَ العدوُّ شيئًا 325 خوفًا من الغرق، أو انكسرتْ مراكبُهم، فوجد إنسانٌ متاعًا أو ثيابًا، ولا أحد معه من الحربيين، ولا هو بقرب قراهم- كان لمن أخذه، ولا خمس فيه، إلا أن يكون ذهبًا أو فضةً فيخمَّس.
وإن كانت الأمتعةُ أو العين بقرب قراهم- ففيه الخمسُ، إلا أن يكون يسيرًا، فلا يخمَّس، وإن كان معه الحربيون كان سبيلُه سبيلَ الحربيين، أمر ذلك كله إلى الوالي 326. والثَّالث: ما غنم المسلمون بعد الحرب، فهو شركةٌ أخماسًا، وكذلك الرِّكاز إذا كان عينًا.
واختُلفَ عن مالك إذا لم ينل إلا بعد العمل الكثير، وإن كان يسيرًا أو كثيرًا وهو ممَّا سوى العين، وقد مضى ذكر ذلك في كتاب الزكاة.
والرَّابع: ما جلا أهلُهُ عنه، وهو على ثلاثة أوجهٍ: فإن جلوا عنه بعد نزول الجيش عليهم 327 - كان فيه قولان:

الجزء: 3 - الصفحة: 1410

فقيل: هو فيء، ولا شيء لأهل الجيش فيه؛ لأنَّه أُخذ 328 بغير قتال.
وقيل: أخماسًا؛ لأنَّهم أُوجفوا عليه، وإيجافُهم كان سببَ جلائهم عنه.
وإن جلوا عنه قبل خروج الجيش خوفًا منه- كان جميعُ ما جلوا عنه فيئًا.
ويُختلف فيما يكون من خراج أرضهم، ومن ذلك ما صُولحوا عليه: فإن كان الصلحُ قبلَ خروج الجيش، وإنما كان ذلك بمكاتبة أو برسل- كان جميع ما صولحوا عليه فيئًا.
وإن كان بعد نزول الجيش بهم- كان على القولين: هل جميعه فيءٌ أو أخماسٌ؟ لأنه بإيجافهم، وهذا فيما يؤخذ منهم بالحضرة.
والثَّالث: ما يؤدّونه كلَّ عام، فحكمُه حكمُ خراج الأرضين.
والخامس: ما يغنمه العبيدُ بإيجافٍ من أرض الإسلام ولا حرَّ معهم، فقيل: هو لهم، ولا خمسَ فيه؛ لأنَّهم ممَّن لم يُخاطب بالجهاد؛ فلم يدخلوا في عموم قوله -عز وجل-: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: 41].
وقيل: يخمس قياسًا على الأحرار.
وكذلك إذا كانوا مع الجيش، وبهم قووا على الجيش أو على الغنيمة، فيُختلَف في أنصبائهم: هل تخمس؟ ويُختلَف فيما غنمه النّساءُ والصبيانُ إذا انفردوا بالغنيمة بالقتال من غير رجال: هل يخمس أم لا؟ واختُلف في الرِّكاز إذا كان متاعًا أو جوهرًا: هل يخمس؟ 329.

الجزء: 3 - الصفحة: 1411

باب في الأنفال

النَّفْلُ: جائزٌ ومكروهٌ.
فالجائز: ما كان بعد القتال.
والمكروه: ما كان قبلُ، مثل أن يقول والي الجيش: من يقتل فلانًا 330 فله سلبُهُ أو دنانيرٌ أو كسوة، أو من جاء بشيء من العين أو المتاع أو الخيل فله ربعُه أو نصفه، أو من صعد موضع كذا وكذا أو وقف فيه أو بلغه فله كذا 331. كل ذلك ممنوع ابتداء لوجهين: أحدهما: أنَّه قتالٌ للدنيا، ولا يجوز أن يسفك دمه على ذلك، وقد سُئل النَّبي - صلى الله عليه وسلم - عن الرَّجل يُقاتل للغنيمة، والرجل يُقاتل للذّكْر، والرجل يُقاتل ليرى مكانه، أيُّ ذلك في سبيل الله؟ فقال: "مَنْ قَاتَلَ لِتكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِىَ العُلْيَا فَهُوَ فِى سَبِيلِ الله" أخرجه البخاري ومسلم 332. والثَّاني: أنَّ ذلك يؤدي على التَّحامل إلى الهلاك، وقد قال عمر - رضي الله عنه -: لا تقدموا جماجم المسلمين إلى الحصون، فَلَمُسْلمٌ أستبقيه أحبُّ إلىَّ من الحصن أفتحه 333.

الجزء: 3 - الصفحة: 1412

فإن فات القتالُ على مثل 334 ذلك- كان له شرطُهُ؛ لأنَّه عمل على حظّه من الدنيا، فهو كالمبايعة.
قال سحنون في كتاب ابنه: إن بعث الوالي سريَّةً على أنَّ لهم ثلث ما غنموا- مضى وأعطوا ذلك، ويدخلون في السهام فيما بقي بعد الخمس 335. فأثبت سهمانهم في الباقي، وليس بالبّين.
والمفهوم أن ذلك بدل سهمانهم، لا شيء لهم غيره.
ولو قال: لكم 336 الثلث والربع بعد إخراج الخمس-كان أبين أن لا شيء لهم سوى ما جعل لهم؛ لأنه إذا أخرج الخمس كان الباقي على السهمان، فجعل لهم مكان سهمانهم ثلث الباقي أو ربعه.
والنفلُ بعد الغنيمة موكولٌ إلى اجتهاد الإمام إن رأى ذلك، وإلا تركه 337، فإن أراد أن ينفل وتساوى فعل السرية أو الجيش أو تقارب- نفل جميعهم، وسوّى بينهم، وإلا ترك، ولا ينفل بعضهم؛ لأنّه خروجٌ عن العدل، ومفسدةٌ لقلوبهم.
وإن اختَلَفَ فعلُهُم، وكان فيهم من أبلى بقتلٍ أو بصبْرٍ في موضع، أو برأيّ كان فيه فتح نفله دونَ غيره.
وإن كان فاعلُ ذلك عددًا نفل جميعَهم أو تركَهم، فإن نفلهم واختلف فعلهم جاز أن يفضلهم بما يرى، ولا بأس أن يرضخ لغيرهم ليستطيب قلوبهم.
ويستحبُّ أن يكون النفلُ ممّا يَظْهَرُ على المُعْطَى: كالفرس والثوب

الجزء: 3 - الصفحة: 1413

والعمامة والسيف؛ لأنَه أعظم في النُّفوس من الدنانير وإن كَثُرَتْ.
والنفل من الخُمس، ولا ينفل من رأس الغنيمة لوجهين: أحدهما: أنَّ فيه ظلمًا على من لم ينفل، على القول إنَّ الغنيمة مملوكةٌ بنفس الأخذ؛ لأنه أعطى من نصيب الآخرين.
والثَّاني: أنَّ فيه فسادًا لقلوب الآخرين؛ لأنَّهم يعتقدون أنَّ ذلك من أنصبائهم وإنْ لم يكن كذلك.

فصل [فيمن يعطى السلب]

السَلَبُ للقاتل إذا رأى ذلك الإمام، ولا يُعطى سلبٌ لغير القاتل، وإن كان القتل من عدد- نفلهم أسلابهم، أو تركها إن شاء.
وإن اختلف بأسهم جاز أن ينفل أشدهم بأسًا سَلَبَ مَنْ قتل، ولا ينفل الآخرين.
ولا يجوز أن ينفل أضعفهم بأسًا دون غيره.
ويجوز أن يزيد أحدَهم على سلب قتيله إن كان أشدَّ بأسًا وقتيلُه أقلَّ سلبًا، والآخر أقل بأسًا وأكثر سلبًا.
ويجوز أن يعطى أحدهم جميع سلب قتيله، والآخر بعضه، وقد يكون أحدُ القتلى لا شجاعةَ عنده وسلبُه كثيرٌ، فيعطيه منه ما يرى أنه سداد لمثله، والآخر له شدة وبأس.
ولا يزيد أحدَهم ما يُحطُّ من سلب الآخر؛ لأنَّ ردَّ بعض سلب أحدهم للآخر فسادٌ لقلوبهم.
والسلب ما كان من اللباس: الثياب والدرع والسيف بحليته والفاتخة 338

الجزء: 3 - الصفحة: 1414

والمنطقة -دون ما فيها من دنانير- والخاتم والعمامة والبيضة.
قال سحنون: ولا شيء له في الطوق والسوارين والقرطين والتَّاج إن كان عليه، وله ساعداه وساقاه 339. وقال ابن حبيب: له سواراه.
وعلى قوله: يكون له التاج وقرطاه 340. وقال ابن حبيب: الفرس داخل في السلب 341. قال سحنون: له فرسه بما عليه من سرج ولجام 342. والأصل في النفل من غير سلب، وأنَّه من الخمس: حديث ابن عمر - رضي الله عنهما -، قال: بَعَثَ رسولُ الله سريةً قِبَلَ نجد فيها عبد الله بن عمر، فغنموا إبلًا كثيرة، فكان سهمانهم اثني عشر بعيرًا، ونفلنا بعيرًا بعيرًا 343. لأنَّهم إذا استوفوا أنصباءهم بالقسم- كان الزائدُ من الخمس.
وفي كتاب مسلم أنَّ النفل من الخمس 344.

الجزء: 3 - الصفحة: 1415

وقال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: أعطاني رسول - صلى الله عليه وسلم - شارفًا من الخمس 345. وهذا لقول الله -عز وجل-: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: 41].
فاقتضت الآية أنَّ أربعة أخماسه للغانمين، فلو نفل أحدا من رأس الغنيمة، انتقص الآخر من سهمه بعد الخمس.
وفي ذلك تبديل للقسمة التي قسمها الله تعالى بينهم، ولهذا نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الوصية للوارث 346؛ لأنَّ ذلك يؤدّي إلى أن يرث أحدهم أكثر من النصيب الذي أوجب الله سبحانه له، وكذلك الغنائم إلا على من قال: إنها غير مملوكة لهم حتى تقسم بينهم.
والقول بهذا يؤدي إلى إبطال فائدة الآية؛ لقوله -عز وجل-: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: 41].
فيجعل لله تعالى أكثر من الخمس.
والقياس في السلب أنَّه كغيره من الغنيمة، ولا فرق بين سلب القتيل وماله الذي معه؛ لأنه لم ينل ذلك إلا بجميعهم.

الجزء: 3 - الصفحة: 1416

باب في سُهمان (1) الخيل ومن لا يسهم له منها

ويُسيم للفارس سهمٌ ولفرسه سهمان؛ لحديث ابن عمر - رضي الله عنهما -، قال: جعل رسول الله للفرس سهمين، ولصاحبه سهمًا.
اجتمع عليه البخاري ومسلم ومالك في الموطأ، وهذا لفظ البخاري 348. واختُلفَ فيمن معه فرسان: فقال ابن وهب: يُسهم 349 لهما 350. وذكر ابن القصار عن ابن الجهم: أنَّه أَنْكَرَ القولَ أَنْ يسهم لواحد منهما.
وقال: رأيت من انتهى إليَّ قولُه من الفقهاء وأهل الثغور والمجاهدين يقولون: يسهم لفرسين، ولأن صاحب الفرس كالراجل؛ لأنه لا تؤمن عليه الحوادث 351. يريد: أنَّه يتكلَّف مؤونة الثَّاني، وإخراج الثمن فيه، والنفقة عليه عدة لما يحدث بالآخر.
والأول أحسنُ؛ لأنَّ القتال على واحد، والموت وغيره من الطوارئ.
ولا يسهم لثلاث: ولا يسهم للبراذين 352 إلا ما قارب منفعة الخيل، ولا للبغال ولا للإبل؛ لأنَّ منفعتَها غيرُ مقاربةٍ لمنفعة الخيل، ولا يسهم لكسير ولا347

الجزء: 3 - الصفحة: 1417

حطيم ولا لهرم ولا لصغير لم يبلغ أن يركب.
واختُلفَ في المريض والرهيص 353 والصغير الذي لم يبلغ الركوب: فقال في المدونة: يسهم للمريض والرهيص 354. وروى عنه أشهب وابن نافع: لا يسهم للمريض 355. وعلى هذا لا يسهم للرهيص، وهو أحسن.
وإذا لم يسهم للبراذين لضعف منفعتها عن الخيل- كان أبن ألا يسهم للمريض إذا كان مرضه من قبل الإدراب 356، وإن كان بعد أن قاتل عليه.
ويُختلف إذا كان مرضه بعد الإدراب وقبل القتال قياسًا على موته حينئذ؛ لأن مرضه قطع الانتفاع به كموته.
وهو أحسن، وبه أخذ محمد بن عبد الحكم، قال: بخلاف الرجل العليل؛ لأنَّ فيه المشورة إن كان فيه موضع المشورة 357. وعلى قوله إن لم يكن موضعًا للمشورة- لا سهم له.
وقال سحنون في كتاب ابنه، في الصغير لا يقاتل على مثله: هو راجل، ولو كان فيه بعض القوة لذلك لأسهم له 358.

الجزء: 3 - الصفحة: 1418

ولا أرى أن يسهم له؛ لأنَّ منفعته أقل من منفعة البراذين.
وإن مات الفرسُ بعدَ القتال ثُمَّ وقع الفتحُ- أسهم له، وإن مات بعد الإدراب وقبل القتال فلا شيء له على قول مالك وابن القاسم 359. وقال أشهب وعبد الملك: بالإدراب استحق السهمان، وإن مات 360. وإن باعه أو أعاره أو غُصب منه أو ضَلّ عنه افْتَرَقَ الجوابُ: فإن قاتل عليه، ثُمَّ باعه فقاتل عليه الثَّاني ففتح له كان سُهمانُهُ للأوَّل.
وقال سحنون في كتاب ابنه: ولو قاتل عليه الثاني، ثم باعه فقاتل عليه الثالثُ ففتح لهم كان سُهمانه للأوَّل؛ لأنَّه قتال واحد، كما لو مات الأول، فقاتل عليه ورِثته.
قال: ولو كان قتالًا مبتدأ بعد موته لكان للآخر السهمان أيضًا 361. ويختلف إذا باعه الأول بعد الإدراب الثَّاني وقبل القتال، ثُم قاتل عليه الثاني: هل يكون سُهمانه للأوَّل أو للثَّاني؟ واختُلف إذا أعاره قبل القتال: فقال مالك في كتاب محمد: سُهمانه للمُعار.
وقاله ابن القاسم مرَّةً.
وقال أيضًا للمعير 362. وكأنه فرّق بينه وبين لو ضلَّ، ويحتمل أن يكون ذلك لأنَّه يقول: يضرب له بسُهمانه بالإدراب.
أو يقول: إنه يستحق سُهمانه إذا كان موجودًا قائمًا ولم يقاتل عليه، فلا يسقط ذلك قتال غيره عليه.

الجزء: 3 - الصفحة: 1419

والأوَّلُ أحسنُ؛ لأنّه إنَّما يستحق سُهمانه وإن كان قائمًا؛ لأنّه عُدّة إن رأى القتال عليه فعل، فإذا أسلمه لغيره لم يكن له شيء، ويصير بمترلة لو باعه قبل أن يقاتل عليه.
ولو أعاره بعد أن قاتل عليه كان السهمان لصاحبه؛ لأنّه استحقَّ ذلك قبل العارية.
واختُلفَ عن ابن القاسم إذا غصب منه قبل أن يقاتل عليه: فقال في كتاب محمد: السهمان لصاحبه 363. وقال أيضًا 364: للمتعدي 365. وهذا يرجع إلى الخلاف في الضالّ: فعلى القول: إن لصاحبه سهمانه وإن ضلّ- يكون سهمان المغصوب لصاحبه؛ لأنه يقول: لو ذهب مني لكان سهمانه في؛ فلا يضرني قتالك عليه.
ولا يصح أن يكون له سهمان أيضًا؛ لأنه لا يضرب لفرس واحد بأربعة أسهم.
ومن لم يَجعل 366 له سهمان إذا ضلَّ جَعل سُهمانَهُ ها هنا للغاصب، وعليه إجارة المثل إلا على من قال فيمن غصب دارًا فأغلقها، أو عبدًا فأوقفه: أنَّه يغرم لصاحبه ما حرمه من غلاته- فيجعل السهمان لصاحبه؛ لأنّه بالغصب حرمه ذلك.
ولو كان معه فَرسان غصبه أحدهما؛ كان سُهْمَان المغصوب للغاصب، وعليه لصاحبه 367 إجارة المثل.
ولو غصب فرسًا من أرض الإسلام كان سهمانه للغاصب، ولصاحبه إجارة المثل.
ولو غنم المسلمون خيلًا، فغصب رجل منهما

الجزء: 3 - الصفحة: 1420

فرسًا فقاتل عليه- كان سهمانه للغاصب.
وقال محمد: وعليه إجارة المثل 368. وقال مالك: إذا كانوا في سفن فلقوا العدوَّ فغنموا؛ يضرب للخيل التي معهم في السُّفن 369. والقياس ألا يضرب لها؛ لأنَّها لم تستعد للبحر، ولم تبلغ الموضع الذي يصح القتال بها فيه.
قال ابن القاسم: إذا خرجت سرية من عسكر، وخلّفوا خيلهم فغنموا؛ يُضرب لخيولهم سهمانهم 370.

الجزء: 3 - الصفحة: 1421

باب فيمن يسهم له من أهل الجيش ومن لا يسهم له

السهمان يجب لمن يتوجه عليه الخطاب بالجهاد، وذلك بسبعة شروط: أن يكون ذكرًا، بالغًا، عاقلًا، حرًا، مسلمًا، سالمًا من الزَّمَانة المانعة من القتال، وأن يكون خروجُه للجهاد لا لتجارة ولا بإجارة.
ولا يُسهم لمن لم يحتلم ولم يطلق القتال.
واختُلفَ إذا راهق وأطاق القتال، قد قاتل أو لم يقاتل، وفي المرأة إذا قاتلتْ، وفي الأجير والتاجر والمريض.
ويُختلف في الزمن: كالأعمى والأقطع والأعرج والمقعد والأشلّ.
ولا يسهم للمفلوج اليابس الشقّ 371، ولا المجنون المطبق، ويسهم للأهوج العقل 372. قال في المدوّنة: لا يسهم للصبيان ولا للنساء ولا للعبيد وإن قاتلوا 373. وقال مالك في كتاب محمد: يسهم لمن راهق، وبلغ مبلغ القتال إذا حضر القتال 374.

الجزء: 3 - الصفحة: 1422

وقال محمد: لا يسهم له حتَّى يقاتل 375. وقال ابن حبيب: إذا أنبت وبلغ خمس عشرة سنة فسبيله سبيل الرجل، يسهم له قاتل أو لم يقاتل 376. وأرى أَنْ يسهم له إذا رُئيَ فيه قوة على القتال، وحضر الصفَّ، وأخذ أُهْبَة 377 الحرب، وإن لم يقاتل.
وقال ابن حبيب في المرأة إن قاتلت كقتال الرجال؛ أُسهم لها 378. وهذا أحسن.
وأرى أن يسهم لها إذا كان فيها شدةٌ، ونصبت للحرب، وإن لم تقاتل.
وأمَّا العبيد وأهل الذمَّة: فإن خرجوا من أرض الإسلام متلصصين فغنموا- كانت تلك الغنائم لهم، ولا يخمس ما ينوب الكافر.
واختُلفَ فيما ينوب العبد، فقال ابن القاسم: يخمَّس 379. وقال سحنون: لا يخمَّس 380. ورأى أنَّ الخطاب في الخمس إنما ورد فيمن خوطب بالجهاد.
ويلزم على قوله ألا يخمس سهم الصبي والمرأة؛ لأنهما ممن لم يخاطب بالجهاد 381. وقال ابن القاسم في العتبيّة: إذا خرج حرٌ وعبدٌ متلصصين فَغَنمَا، خُمِّسَ ما أصابا، ثُمَّ يقسم ما بَقيَ بينهما 382.

الجزء: 3 - الصفحة: 1423

واختُلِف: هل يسهم لهما 383 إذا كانوا في جملة الجيش؟ فقال مالك وابن القاسم في العبيد وأهل الذمَّة إذا كانوا في جملة الجيش: لا يسهم لهم 384. قال ابن القاسم في العتبية: لأنَّ المسلمين لا يستعينون بالعبيد، ولا بالنَّصارى في عسكرهم 385. وقال ابن حبيب: إذا نَفَرَ أهلُ الذمّة مع طوائفنا فما صار إليهم ترك ولم يخمس 386. فجعل لهم نصيبًا مع الجيش.
وقال سحنون: إن كثروا، ولو انفرد المسلمون قدروا على تلك الغنيمة لم يكن لأهل الذمة شيء، وإلا قسمت بين جميعهم.
وهذا أعدلها وكذلك العبيد إذا كان لا يقدر الأحرار إلا بهم؛ قسمت بين جميعهم.
وقال أشهب في كتاب محمد: في عبيد وذمين خرجوا من العسكر فغنموا، فالغنيمة للجيش دونهم 387. وعلى قول سحنون يكون لهم سهمهم بمنزلة لو كانوا في جملتهم، وقووا بهم.
وأما الأجير فإن كان في رحله؛ لم يسهم له.
واختُلفَ فيه إذا قام 388 في الصفّ أو قاتل: فقال مالك في المدونة: إن شهد القتال وقاتل- أسهم له، وإن لم يقاتل فلا شيء له 389.

الجزء: 3 - الصفحة: 1424

وقال في كتاب محمد: إن شهد القتال أو كان مع الناس عند القتال- أسهم له،، وإلَّا فلا 390. وقال في مدونة أشهب: لا شيءَ له وإنْ قاتل 391. وقال ابن القاسم في المدوّنة في التاجر: إنَّه مثل الأجير 392. يريد: أن لا شيء له إلا أن يُقاتل.
وقال في كتاب محمد: إنْ شَهدَ القتالَ أُسهم 393 له وإنْ لم يُقاتل 394. وقال أبو الحسن ابن القصار في الأجير: إذا خَرَجَ للجهاد والإجارة لغير خدمة كالخياطة- فله سهمُه حَضَرَ القتال أم لا، وإنْ استُؤجر في الخدمة فلا شيء له، قال: والتَّاجر مثل ذلك.
يريد: له سهمُه إن خرج للجهاد والتجارة، وإن لم يشهد القتال.
وإنْ خَرَجَ للتّجارة خاصةً لم يسهم له إن لم يشهد القتال.
قال سحنون في كتاب ابنه، في الأجير قد أَخَذَ مالًا فباع به خدمته: فلا يسهم له، إلا أَنْ يترك تلك الخدمةَ ويقاتل فله سهمُهُ، ويبطل من أجرته بقدر ما اشْتَغَلَ عن الخدمة، وكذلك أهل سوق العسكر لا سهم لهم، إلا أن يقاتلوا 395. وحكم النواتية 396 في البحر كحكم الأُجراء في البرّ: لا شيءَ لهم، إلا أن

الجزء: 3 - الصفحة: 1425

يقاتلوا، أو يَشهدوا القتال، وإن لم يقاتلوا على القول الآخر.
ورَوَى أشهب عن مالك: أن لا شيءَ لهم وإنْ قاتلوا 397. وأَجْرَاهُم على حكم العبيدة لمَّا لم يكن لهم الخروجُ بهم ليقاتلوا.
واختُلفَ في المريض إذا خَرَجَ مريضًا 398. وأرى أن لا شيء له، إلا أن يُقتدى برأيه، فربَّ رأي أنفعُ من قتالٍ.
وإن مرض بعد القتال أسهم له، ويُختلف إذا مَرضَ بعد الإدْراب وقبل القتال.
ولا أرى للزَّمِن 399 شيئًا إذا كان لا يقدر بتلك الزَّمانة على القتال، وإنما معونته بالخدمة قياسًا على الخديم إذا لم يقاتل.
وقال سحنون في كتاب ابنه: يسهم للأعمى وأقطع اليدين والأعرج والمقعد والأشلّ، قال: لأنَّ الأعمى يبري النبلَ، ويكثّر الجيشَ ويزيد، وقد يُقاتل المقعدُ والمجذومُ فارسًا 400. والصواب في الأعمى: أن لا شيءَ له، فإن كان يبري النبل دخل بذلك في جملة الخَدمة الذين لا يُقاتلون.
وكذلك أقطع اليدين لا شيء له، وإن كان أقطع اليسرى أُسهم له.
ويسهم للأعرج إن حَضَرَ القتال، وإن كان ممن يجبن عن القتال لأجل عرجه- لم يسهم له، إلا أن يقاتل فارسًا.
ولا شيء للمقعد إذا كان راجلًا، وإن كان فارسًا يقدر على الكرّ والفرّ أُسهم له.

الجزء: 3 - الصفحة: 1426

وكلَّ مَنْ تقدَّم ذكرُه، أن لا سهم 401 له- يجوز أن يُحذى 402 من الغنيمة، وقد اختُلف في ذلك: فقال في المدونة في النساء والصبيان والعبيد: لا يرضخ لهم 403. وقال ابن حبيب: يرضخ لهم 404. وهو أحسن.
وقال ابن عباس - رضي الله عنه -: لم يكن النَّبي - صلى الله عليه وسلم - يسهم للعبد والمرأة إلا أن يُحذيا من الغنائم.
أخرجه مسلم 405. وكذلك كل من للجيش فيه منفعة يجوز أن يُحذى.
واختُلفَ فيمن ضلَّ عن الجيش: فقال ابن القاسم في المدونة: إن ضلَّ بأرض العدوّ فغنموا بعده فله سهمه 406. وقال مالك في الذين يغزون في البحر فتردُّ الريحُ بعضَهم إلى بلاد الإسلام: فلهم سُهمانهم 407. وقال: إذا وقعتْ 408 المراكبُ في أرض الرُّوم، ثُمَّ انكسرتْ، أو مَرضَ أهلُها؛ فرجعوا إلى الشَّام، ثُمَّ غنموا الذين مضوا: فللآخرين سهمانُهم إذا

الجزء: 3 - الصفحة: 1427

رجعوا خوفًا على أنفسهم 409. وروى ابن نافع عنه في كتاب ابن سحنون 410 فيمن ضلَّ عن الجيش حتَّى غنموا: أن لا سهم له 411. وقال سحنون فيمن ردتْه الريحُ أو رجع لمرض: لا سهم له 412. وهذا أحسن، ولا أرى أن يستحقَّ السهمان إلا بشهود القتال، فمن لم يشهده لمرضٍ، أو موتٍ, أو لأنَّه ضلّ, أو ردته الريح، أو غير ذلك- فلا شيء له.
وقال أشهب في كتاب محمد: إن ظُفرَ بالعدوّ وفيهم مسلمون أسارى أُسهم لهم وإن كانوا في الحديد 413. وقال ابن حبيب: قال ابن الماجشون: قال ابن شهاب: لم يقسم النَّبي - صلى الله عليه وسلم - لغائبٍ إلا يومَ خيبر قسّم لأهل الحديبية 414؛ لقول الله -عز وجل-: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً﴾ [الفتح: 20].
ويوم بدر لعثمان وكان خلَّفه على ابنته 415، وقسم لطلحة وسعيد بن زيد

الجزء: 3 - الصفحة: 1428

يوم بدر وهما غائبان 416. قال ابن حبيب: قال أهل العلم هذا خاص بالنبي - صلى الله عليه وسلم - واجتمع المسلمون بعده على ألا يقسم لغائبٍ 417. وقد يُحمل فعلُه إِنَّه كان من الخُمس.
وقال محمد بن الموَّاز: لو بعث الإمامُ قومًا من الجيش قبل أن يصلَ لبلد العدوّ في مصلحة الجيش، أو لإقامة سوق؛ فاشتغلوا في ذلك حتَّى غنم الجيشُ- فلهم سهمُهم معهم.
واحتجَّ بعثمان 418. ورَوَى ذلك ابن وهب وابن نافع عن مالك 419. ورُوي أيضًا عن مالك أنَّه لا شيءَ له 420. والأوَّل أحسن؛ لأنَّ هذا كان قادرًا على الكون معهم في القتال والغنيمة معهم، فاحتُبسَ عن ذلك لهم، بخلاف من لم يشتغل بهم.

الجزء: 3 - الصفحة: 1429

باب في الطعام يكون في المغانم وما لا يُستطاع نقله من الأمتعة والطعام والحيوان والناس

ولمن غَنمَ طعامًا أن يختصَّ بمنفعته؛ لحديث عبد الله بن مغفل - رضي الله عنهم -، قال: "أَصَبْتُ جِرَابَ شَحْمٍ يَوْمَ خَيْبَرَ 421، وَقُلْتُ: لاَ أُعْطِي مِنْهُ شَيْئًا، فَالتَفَتُّ فَإِذَا بالنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - يَبْتَسِمُ" أخرجه البخاريُّ ومسلمٌ 422. وحديث ابنُ عمر - رضي الله عنهما -، قال: كنَّا نصيب في مغازينا العسلَ والعنبَ فنأكله ولا نرفعه.
أخرجه البخاري 423. والحكم فيما يأكله ويعلفه سواء.
وكذلك الجواب عند مالك فيما أصاب غيرُه من الطعام وجمع في المقاسم: ينتفع به من احتاج إليه من غير استئذانٍ.
قال مالك: وكذلك البقرُ والغنمُ هي لمن أخذها يأكل وينتفع 424. وكذلك إن أصابها غيرُه وجمعها الإمامُ، ثُم احتاج بعضُهم الأكل؛ فيأخذه

الجزء: 3 - الصفحة: 1430

من غير استئذانٍ، وكذلك ما قلَّ قدرُه من غير الطَّعام.
فقال في جلود البقر والغنم تكون في المغانم: لا بأس أن يتّخذ منها نعالًا وخفافًا، أو حُزُمًا إن احتاجوا إليها 425. وقال في كتاب محمد: إنَّ الذي يردُّ مثل الكُبَّة 426، والخيط، وما ثمنُهُ قليلٌ- أخاف أن يرائي بهذا، وليس يضيق على النَّاس 427. والأحاديث في هذين: الغنم والقليل من غيرها- على خلاف الطعام، فقال رافع بن خديج - رضي الله عنه -: "كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بِذِي الحُلَيْفَةِ مِنْ تِهَامَةَ، فَأَصَابَ النَّاسَ جُوع، وَأَصَبْنَا إبلًا وَغَنَمًا، فَعَجِلَ القَوْمُ فَأَغْلَوا مِنْهَا القُدُورَ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - فَأُكْفِئَتْ 428، ثُمَّ عَدَلَ عَشْرًا مِنَ الغَنَمِ بِجَزُورٍ..." الحديث 429. وذكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الغلولَ، فجاء رجلٌ بشراك أو شراكين، فقال النَّبي - صلى الله عليه وسلم -: شراك أو شراكان من نار 430.

الجزء: 3 - الصفحة: 1431

والقَدْرُ الذي يجوز له إمساكُهُ من الطَّعام: ما يأكله في مقامه، وفي رجعته إلى بلده، أو يفضل ما لا قدر له.
فإن كان له قدرٌ- ردَّه وكان مغنمًا، وإن افترق الجيش تصدَّق به.
وإن كان قدرُ حاجته فباعه وآثر الثمنَ على حاجته- كان مغنمًا، ولا يردَّ الثمنَ على المشتري إن كان المشتري من غير الجيش أو من الجيش 431 واشتراه للتّجارة، وأن اشتراه لأكله ردّ عليه الثمن.
وقال ابن القاسم في العتبية: من باع طعامًا بأرض الحرب ممَّن 432 يأكلُه ردَّ الثمن في المغنم لا على المبتاع 433. وهذا إذا كان المشتري من غير الجيش أو ممَّن خرج لغير الجهاد أجيرًا أو تاجرًا.
وقال ابن القاسم: إن استقرض طعامًا لم يلزمه ردّهُ على المقرض؛ لأنَّ عليه أن يعطيَ ما استغنى عنه 434. فإذا لم يكن على المستقرض غرم المثل، لم يكن على المشتري ثمن، ولو كان الطَّعام قدرَ حاجته أيامًا، فأقرضه بعضه ليأخذه وقتَ حاجته كان ذلك له.
وأجاز سحنون بدل القمح بالشعير متفاضلًا 435. ومنعه ابن أبي الغمر 436،

الجزء: 3 - الصفحة: 1432

إلا مثلًا بمثل.
والأوَّلُ أقيسُ؛ لأنَّ كلَّ واحد منهما إنَّما يعطي ما استغنى عنه، فللآخر أَنْ يأخذه بغير عوضٍ.
واختُلفَ فيمن باع طعامًا فاشترى بثمنه طعامًا آخر: فكَرهَه ابنُ حبيب، ورأى الثمن مغنمًا خلاف المبادلة 437. وقال سحنون: قال بعضُ أصحابنا: إنْ 438 باعَه لحاجته؛ ليصرف ثمنَه في كسوةٍ أو سلاحٍ ولا شيء عنده لا بأس به، كما لو أَخَذَهُ من المغنم، فإن بلغ بلاده تصدَّق به.
وإن كان ليتأثَّل 439 ثمن وكان له قدره كان مغنمًا 440. واختُلفَ عن مالك فيمن احتاج إلى فرسٍ من المغنم: فقال مرةً: له أن يأخذها ويقاتل عليها ويركبها 441، حتَّى يَقْفُل إلى أهله، ثُمَّ يردُّها إلى الغنيمة 442. وأجاز ابن القاسم مثل ذلك في السَّيف والثوب يأخذه من الغنيمة فينتفع به حتَّى يقْدَم أهْله 443. = وروح بن الفرج، وابن المواز وأبو إسحاق البرقي ويحيى بن عمر، وله كتب مؤلفة في مختصر الأسدية، وله سماع من ابن القاسم.
توفي سنة (234). انظر: الديباج المذهب، ص: 243، وشجرة النور الزكية: 1/ 67.

الجزء: 3 - الصفحة: 1433

وروى ابنُ وهب وابنُ زياد عن مالكٍ أنَّه لا يُنتفع بدابةٍ ولا بسلاحٍ ولا بثوبٍ 444. قال: ولو جاز ذلك لجاز أَنْ يأخذَ دنانيرَ يشتري بها 445. وأرى أنْ يُنتفع بالفرس والسَّيف ليقاتل عليه وبه؛ لأنَّ هذا من باب الذبّ عن المسلمين، فإذا انقضى القتالُ ردَّه ولم يَقْفُلْ به.
وإذا كان قسمُ الغنيمة قبلَ القفول أبين ألَّا يؤخّرَ قسم ما أخذ.
وسهمان الفرس له، وعليه إجارةُ المثل، ولا يُنتفع بالثَّوب على حال، إلَّا أن يقومَ عليه ليحاسب به.
واختُلفَ إذا صاد طيرًا أو حيتانًا لها قدر: فقال محمد: إن باعَ ذلك جَعَلَ الثَّمنَ في المقاسم 446. وقال مالك وغيرُه في كتاب ابن حبيب: الثَّمنُ له 447. وقال مالك: إن اتخذ سرجا أو صنع مشجبا- فهو له ولا يخمّس 448. وقال ابن الماجشون: إن كان شيئًا له قدرٌ كانت له إجارتُهُ وكان مغنمًا.
وقال مالك: لا بأس أن يأخذ من أشجار الدَّواء وإن أخذه للبيع وكَثُرَ ثمنُهُ في بلاد الإسلام 449. وهو أقيس، ولا شيءَ عليه في جميع ما تقدَّم ذكرُهُ؛ لأنَّها ليست من أموال العدوّ، ولا يقصدها النَّاسُ ليغنموها، وهي ممَّا يرحل الجيشُ عنها ويتركونها،

الجزء: 3 - الصفحة: 1434

والحوت والطير والشعاري في ذلك سواءٌ.

فصل [فيما عجز الجيش عن نقله من غنائم الحرب]

وما عَجَزَ الجيشُ عن نقله من الأمتعة والطعام حُرقَ؛ لئلَّا ينتفعوا به.
واختُلفَ في الخيل والبقر والغنم، فقال مالك: تعرقب 450 أو تذبح 451. فقال ابن القاسم: وما سمعت أنَّها تحرق بعد ذلك.
وقال سحنون وابن عبد الحكم: الذَّبحُ أحسن وهو أصوبُ؟ لقول النَّبي - صلى الله عليه وسلم - "إِنَّ اللهَ كتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا القِتْلَةَ، وإذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ, وَلْيُحِدَّ أَحَدُكمْ شَفْرَتَهُ, وَلْيرح ذَبِيحَتهُ".
أخرجه مسلم 452. فمن عَرْقَبَها لم يرحْها، وإذا ذُبحَتْ لم تُحْرَقْ، إلا أَنْ يُخشى أَنْ يُدركوها قبل أن تفسد وتنتن؛ فتحرق وتصير حينئذ كالمتاع.
وأمَّا بنو آدم إذا عجزوا عن نقلهم: فما كان من صغير أو امرأة أو شيخ فإنَّه يُترك، وما كان من الرجال قُتلَ، إلا أن يكون مُنّ عليه بألَّا يقتلَ وأُبقيَ رقيقًا، فلا يُقتل.
واختُلفَ فيما تَرَكَ من المتاع وغيره إذا أخذه أحدٌ وخَرَجَ به: فقال أشهب في كتاب محمَّد: مَن اشترى من السبي شيئًا، فعَجَزَ عنه وتَرَكَهُ، فدخلتْ خيلٌ

الجزء: 3 - الصفحة: 1435

أخرى فأخذتْه- فهو لصاحبه الأوَّل 453. وقال ابن حبيب: إن تُركَ في حوز المسلمين 454 كان للأوَّل، ولمن جاء به أجرة مؤونته، وما كان فيهم من عجوزٍ، أو شيخٍ فانٍ فهم أحرار؛ لأنَّ ترك مثلهم كالتحرير لهم، وإن تركهم في حَوز العدوّ فهم لمن أخذهم، ولا عتقَ للشيوخ منهم؛ لأنّه لم يخلهم وهو يملكهم ملكًا تامًا، وهو كالمغلوب عليهم، ولا خمس فيهم.

الجزء: 3 - الصفحة: 1436

باب في الاستعانة بالمشركين في القتال وغيره

الاستعانةُ بالكفَّار في قتال العدوّ ممنوعةٌ؛ لقول الله -عز وجل- ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (89)﴾ [النساء: 89].
فمنع الانتصارَ بهم، وقال النَّبي - صلى الله عليه وسلم - لمن استعان به: "إِنَّا لاَ نَسْتَعِينُ بِمُشْرِكٍ " 455. وأجاز مالكٌ أَنْ يُستعان بهم في الخدمة أو صنعة 456. وأجاز ابنُ حبيب أَنْ يُستعان بهم في هدم الحصن، ورمي المنجنيق، وأَنْ يُستعان بهم في القتال إذا كانوا ناحية، قال: ولا بأس أن يقوم بمن 457 سالمه من الحربيين على من لم يسالمه بالسِّلاح، ويأمرهم بنكايتهم، وأن يكون من سالمه بحذاء عسكره، وقربه ومسايرين له، يقوون بطلبه على مَنْ حاربه, ما لم يكونوا في داخل عسكره 458. وكل هذا انتصار بالكافرين 459 والقرآن والحديث يرده.

الجزء: 3 - الصفحة: 1437

باب في أمان المسلمين لأهل الحرب

لا يخلو الأَمَانُ من سبعة أوجهٍ: إما أن يكونَ من أمير الجيش، أو من رجل من الجيش وهو حرٌّ مسلمٌ، أو ممَّن لم يتوجّه عليه الجهاد: كالمرأة والعبد والصبي، أو من كافرٍ في الجيش، أو من سريَّةٍ خرجت من الجيش، أو من سريَّةٍ من أرض الإسلام بأمر الأمير، أو من غير إذن الأمير.
فأمَّا الجيشُ فالأمان فيه إلى أمير الجيش دون من معه من الجُنْد والعرائف وغيرهم 460، وهو النَّاظر للمسلمين فيما يراه صوابًا بعد الاجتهاد ومشاورة مَنْ مَعَهُ من ذوي الرَّأي، فما عَقَدَهُ جَازَ ولَزمَ 461 الوفاءُ به.
فإن جَعَلَ لهم الأمانَ على أن يرحلَ عنهم، أو على أنَّهم آمنون إلى مدة معلومة، وكان ذلك بمال أو بغير مال، أو على أَنْ يخرجوا إليه على أنهم آمنون من القتل خاصة ويسترقّهم، أو على أن يَضرب عليهم الجزيةَ ولا يسترقهم، أو على أن يأخذ أموالهَم خاصة ولا يعرض في غير ذلك من أنفسهم أو يأخذ أموالهم وأبناءَهم أو بعض ذلك فهو عقد جائز لازم.
وأجاز محمدٌ إذا وَقَعَ ذلك من غير أمير الجيش فيكون أمانًا لهم من ذلك الجيش، ولا يكون أمانًا على ألَّا يغزوهم أحدٌ.
والأوَّلُ أحسنُ، وليس لواحدٍ أن يعقدَ على الأمير وعلى الجيش أَنْ يرحلوا عنهم، وكذلك إن أمَّن واحدٌ من الجيش واحدًا من أهْل الحصن، فعلى قول

الجزء: 3 - الصفحة: 1438

محمد يَمْضي عقدُهُ.
وقال ابنُ حبيب: لا ينبغي لأحدٍ من أهل الجيش أن يُؤمّنَ أحدًا غيرَ الإمام وحدَه، ولذلك قُدّمَ، وينبغي أن يتقدَّم إلى النَّاس في ذلك، ثُمَّ إن أمَّن أحدٌ أحدًا قبلَ نهيه أو بعدَه فالإمامُ مخيَّرٌ: إمَّا أمَّنه، أو ردَّه إلى مَأْمَنه 462. وقال في قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "يُجِيرُ عَلَى المُسْلِمِينَ أَدْنَاهُمْ " 463: إن الدني من حرٍّ أو عبدٍ أو امرأةٍ أو صبيٍّ يعقل 464 الأمان يجوز أمانُهم، وليس للإمام ولا غيره أَنْ يغدرَ به، ولكن يوفّي له ذلك، أو يردَّه إلى مأمَنه 465. قال ابنُ سحنون: إذا أمَّن المسلمُ قومًا من أهل الحرب فهم آمنون، ولكنْ يَنظر الإمامُ: فإمَّا أتمَّ ذلك، وإمَّا يَنبذ إليهم 466. واتَّفق ابنُ حبيب وابنُ سحنون أنَّ عقدَه على الإمام وعلى النَّاس لا يلزمُهُ، وإنَّما هو آمنٌ حتَّى يُنظر في ذلك 467. واختُلفَ في أمان المرأة والعبد والصبيّ إذا كان يعقل الأمان: فقال ابن القاسم: ذلك جائزٌ وهو آمنٌ 468. وقد تقدَّم قولُ ابن حبيب أنَّه آمنٌ حتَّى يرى

الجزء: 3 - الصفحة: 1439

الإمامُ رأيَه.
وذكر أبو الفرج عن عبد الملك أنَّه قال: ليس إجارةُ المرأة إجارة، ولا يكون أمنًا.
وروى معنٌ عن مالكٍ أنَّه قال في الرَّجل من الجيش يؤمّن الرَّجلَ والرجلين بغير أمر 469 الإمام: فذلك جائز.
قيل: فالعبد؟ قال: لا 470. وقال سحنون: ليس أمانُ الصبي بأمانٍ، إلَّا أَنْ يجيزه للقتال، ويصير له سهمٌ، فالإمامُ مخيَّرٌ: إمَّا أجاز أمانَه، أو ردَّه، فأمَّا إن لم يجزه للقتال فأمانه باطلٌ 471. وأرى أن 472 أمانَ كلّ هؤلاء أمانٌ؛ فلا يقتلُ من أمَّنوه، ولا يُسترقُّ، والنَّظرُ فيه للإمام، فإن رأى أن يجيزَ له ما عَقَدَهُ، وإلا ردَّه إلى مأمنه.
واختُلفَ في الأمان بعد الفتح وبعد أن توجه الأسر والقتل، فقال ابن المواز فيمن أعطى أسيرا أمانا: سَقَطَ عنه القتلُ.
يريد: ولا يسقط الاسترقاق وقال ابنُ سحنون عن أبيه: لا يحلّ لمن أمَّنه قتله، والإمام يتعقب ذلك: فإن رأى ذلك نظرًا أمضاه وصار فيئًا، وإن رأى قَتْلَهُ أصلح قَتَلَهُ؛ لأنَّه أُمّنَ بعد أن صار أسيرًا وفيئًا 473. وهذا أحسن.
وفي مثل هذا جاء أَنَّ أُمَّ هانئ - رضي الله عنها - أمَّنتْ بعدَ الفتح؛ فلم يكن أمانُها أمانًا

الجزء: 3 - الصفحة: 1440

إلا بإجازة النَّبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتَ يَا أُمَّ هَانِئٍ" 474. ولو كان إجارتُها لازمةً لم يقل: أجرْنَا.
ولكان الجوارُ منها وحدَها دون غيرها.
قال ابنُ الماجشون وسحنون: إنَّما تمَّ أمانُها بإجازة النَّبي - صلى الله عليه وسلم - 475. قال سحنون: وإنْ أمضاه كان فيئًا 476. وأرى 477 أنَّ مضمونَ الأمان في النَّفس ألَّا يقتلَ، ولو كان أمانًا لمن حصن لكان ألَّا يباح بقتل ولا بغيره، إلا أن يبين 478 أنَّ ذلك في النَّفس دون المال أو غير ذلك.
وإن بعث أميرُ الجيش سريةً إلى موضع وجَعَلَ لهم أَنْ يَعْقدُوا ما رأوه صوابًا من هدنةٍ أو غيرها جاز، وإن جعل لهم القتالَ والسبيَ إن لم يسلموا لم يكن لهم أن يعقدوا 479 ذلك، فإنْ فَعَلوا كان النَّظرُ لأمير الجيش: فإن رأى إمضاءَ ذلك، وإلَّا أعلمهم أنَّه لا عقد لهم، ويستأنف الأمر معهم.
وإن جَعَلَ لهم أن يَعقدوا ما رأوه من هدنةٍ أو مالٍ أو سبى ففعلوا، ثُمَّ جاءت سريةٌ أخرى: فإن كانت من الجيش الذي كانت منه السريَّةُ الأولى لم

الجزء: 3 - الصفحة: 1441

يكن لهم نقضُ شيءٍ ممَّا عقدتْه الأولى 480، وكذلك إن لم يكونوا من ذلك الجيش، ولكنَّهم من ذلك 481 البلد الذي خَرَجَتْ منه الأولى، وإن كانت من بلد آخر وأمير آخر، ولا يرجعان إلى أمير واحد فوقهما كان لهم أن يقاتلوهم، وعلى أصل سحنون: ليس ذلك لهم.
وإن كانت السريَّةُ من أرض الإسلام وبأمر أمير البلد الذي خرجت منه الأولى كان حكمُها بمنزلة ما لو خَرَجَتْ من الجيش.
وإن خَرَجَتْ بغير إذن الإمام لم يلزمه ما عقدت.

الجزء: 3 - الصفحة: 1442

فصل [في أمان الذّمّي]

والخُلْفُ في أمان الذمّي: فقال مالكٌ في كتاب محمد: لا أمانَ لهم، وهم فيءٌ.
قال محمد: فإنْ قالوا: ظننَّا أَنَّ لهم جوارًا لمكان ذمتهم (1) فلا أمان لهم وقد صاروا فيئًا (2). والخُلْفُ بعد القول أنَّ لا أمان لهم- إن قالوا: ظننّا أنَّ الذي أعطانا الأمانَ مسلمًا، فقال ابن القاسم مرَّةً: لا يقبل عذرُهم.
وقال مرَّةً: ذلك لهم ويردُّون إلى مأمنهم (3). وأرى إذا كان عالمًا أنَّه نصرانيٌّ وقال: ظننتُ أن جواره جائزٌ أن يُردَّ إلى مأمنه؛ لأنَّ ذلك مشكلٌ، ولم يأت بما لم يشبه؛ فلا يُستباح بالشك.
وإن قال: علمتُ أن عقدَ النصرانيّ غيرُ لازمٍ، ولم أعلم أنَّه نصرانيٌ لم يصدق؛ لأنَّهم أهلُ دين واحد، ولا يكتمه ذلك، بل يخبره ويبدأ بالشفقة عليه والنّصح له، ومن ادَّعى أنَّه لم يُعلمه فقد أَتَى بما لا يشبه.

فصل [فيمن أُسر مسلمًا وأُمّن]

وإن أسر العدو مسلمًا، ثُمَّ أمَّنوه على ألا يهربَ لم يكن له أَنْ يهرب، وكذلك إن أعطاهم عهدًا ألا يهرب، وتركوه يتصرف لم يكن له أن يهرب؛ لأنّه وان كان مُكْرهًا على العهد، فإن ذلك يؤدّي إلى الضَّرر بالمسلمين، والتضييق482483484

الجزء: 3 - الصفحة: 1443

على مَن في أيديهم من الأسارى، ويرون أن المسلمين لا يوفون بعهد.
وإن حملوه على أن حَلَفَ بالطَّلاق أو بالعتق على ألا يهرب جاز له الهربُ، بخلاف الأُولى؛ لأنّه في مسألة العهد لم يجعلوا له الهربَ بوجهٍ، وهذا جعلوا ذلك له، ويقع عليه الطَّلاق والعتقُ، وإنَّما يرون أنَّه آثرَ طلاقَ زوجته وعتقَ عبيده على المُقام، ثُم لا يلزمه ذلك لأنّه مُكرةٌ.

الجزء: 3 - الصفحة: 1444

باب في الديوان والجعائل

وُيستحبُّ لمن أراد الغزو ألا يأخذَ عليه أجرًا، ويجعله لله خالصًا.
وإنْ أحبَّ أَنْ يَكْتَتبَ في ديوان الجُنْد والعطاء لم يُمنع إذا كان العطاء من حيث يجوز.
وإذا كتب الأميُر بعثًا ليخرج فيه جندًا معلومًا أو أهل ثغر، فأراد أحدٌ ممَّن أُمرَ بالخروج أَنْ يجعلَ جعلًا لمن يخرج مكانَه فلا بأس به إذا كان الثَّاني من أهل الديوان، وإن لم يكن كُره أن يسفكَ دمَه لمال يأخذه، فإن فعل وخرج كان له ذلك المالُ 485. ولا يخرج أحدٌ مكانَ أحدٍ إلاّ بعد علم الأمير بالخروج وإذنه، فقد يكون الأوَّلِ أَنْجد، وإن كان الثَّاني أنجد وهو من أهل الديوان فيستأذنه أيضًا؛ فقد يرى الباعث إبقاءه أَوْلى لأمر يحتاجه له، وإن لم يكن من أهل الديو ان أعلمه حمايةً؛ لئلا يخرجَ أمرُ الجيش عن تدبيره ورأيه.
وإن أراد رجلان أن يتطاويا وهما من ماحوزين 486، فيرجع كلُّ واحدٍ منهما إلى ماحوز الآخر فلا بأس بذلك إذا رأى ذلك عرفاؤهما.
وإن تنازعَ رجلان من أهل الديوان في اسم، وأشكل أمرهما لاتّفاقهما في الأسماء والآباء، وقال كلُّ واحد: أنا ذلك الرجل فإنه لا يخلو اختلافُهما أن

الجزء: 3 - الصفحة: 1445

يكون رأس الحول عند العطاء أو قبله، أو عند بعث ذلك الجيش.
فإن كان عند رأس الحول تحالفا واقتسما ذلك العطاء، وإن نكل أحدُهما كان للحالف، ثُمَّ يَنظر الأميرُ، فإن رأى أن يثبتهما أَثبتهما، وفرَّق بينهما بزيادة حليةٍ، أو صناعةٍ، أو جَدّ.
وإن رأى أن يثبت أحدهما فعل ذلك به، وكذلك إنْ تَنَازَعَا عند خروج بعث تلك العرافة، وأخرج لهم حينئذٍ العطاء، إلا أن يرى الأمير أن يبعث أحدهما، وإن لم يكن الثَّاني من تلك العرافة أخرجه، وجعل العطاء للآخر، إلا أن يرى أن خروج الثاني أولى، وأمَّا إن قال: يخرج بعثُ الثغر الفلاني أو الجيش الفلاني- فينَّهما يتحالفان ويقتسمان ذلك العطاء، ويخرجان أو يقترعان، على أيّهما وقعت القرعة خرج، ولم يردَّ القاعدُ على الخارج شيئًا؛ لأن الأميرَ أعطى عطاءً واحدًا، وحقَّه في خروج واحد، فلا مقال له على القَاعد، وهو فيما بينهما على أنَّهما قد استحقَّاه بعد أيمانهما واقتراعهما، إنما هو تخفيف لأحدهما على الآخر، ليس ليرد له شيئًا.
وإن كان اختلافهما بعد أخذ العطاء رأس الحول، أو بعد رجوعهما وفي حين ليس فيه عطاءٌ كان الأمرُ إلى الإمام في أن يثبتهما، أو أحدَهما حسب ما تقدَّم.

الجزء: 3 - الصفحة: 1446

باب في الجزيه, ومن لا يصحُّ أن تقبل منه، ومن لا يخاطب بقتال، ولا بجزية

الكفَّارُ في قتالهم وقبول الجزية منهم على ثلاثة أصناف: صنفٌ يتوجه خطابهم بثلاثة أشياء: بالدخول في الإسلام، أو الجزية عن يدٍ، أو القتال، وهم أهل الكتاب عربًا كانوا أو غيرهم.
وصنف يتوجه خطابهم بوجهين: بالإسلام أو القتال.
واختُلف في قبول الجزية منهم، وهم: المشركون وعبدة الأوثان والمجوس ما سوى الحبش والترك 487. وصنف يدعون إلى الإسلام.
واختُلفَ إذا عاندوا، هل يتركون أو يقاتلون؟ وهم الحبش والترك 488. والأصل في أهل الكتاب قول الله -عز وجل-: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (29)﴾ [التوبة: 29].
وفي قتال عبدة الأوثان والمجوس قوله: ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [التوبة: 73].
وقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: 5].

الجزء: 3 - الصفحة: 1447

وفي قبول الجزية منهم ثلاثة أقوال: فقال مالك: تقبل عربًا كانوا أو غيرهم 489. وقال ابن القاسم: الأمم كلُّها إذا رضوا بالجزية قُبلَتْ منهم 490. وقال ابن الماجشون: لا تقبل.
قال ابن وهب: لا تقبل من مجوس العرب، وتقبل من غيرهم، قال: وقد قبلها النبي - صلى الله عليه وسلم - من مجوس هجر، ولم يقبلها من غيرهم 491. ورأى ابن الماجشون أن قول الله -عز وجل-: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [التوبة: 29].
أنه شرط، وأنَّ ما عدا الشرط بخلافه.
وقول مالك أحسن؛ لورود الأخبار الصحاح: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قبلها من العرب وغيرهم، وفعله الصحابة بعده.
فأخرج البخاري عن عبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قبلها من مجوس هجر 492. وعن المغيرة - رضي الله عنه - أنَّه قال في قتالهم لكسرى: إن نبينا أمرنا أن نقاتلكم حتى تعبدوا الله وحده، أو تؤدّوا الجزية 493.

الجزء: 3 - الصفحة: 1448

وفي كتاب مسلم عن بريدة، قال: كان النَّبي - صلي الله عليه وسلم - إذا أمّر أميرًا على سريَّة أو جيش قال: "إِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ المُشْرِكينَ فَادْعُهُمْ إِلَى ثَلاَثِ خِصَالٍ أَوْ خِلاَلٍ، فَأَيَّتُهَا أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ، ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلاَمِ، فَإِنْ أَبوْا فَاسْأَلهُمُ الجِزْيَة, فَإِنْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ، وَادْعُهُمْ إِلَى التَّحَوّلِ مِنْ دَارِهِمْ إِلَى دَارِ الْمُهَاجِرِينَ..." الحديث 494. فدخل في هذا العرب؛ لأنَّهم المشركون، وهم أكثر من كان يقاتل.
وفي الموطأ قال عبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنه - لعمر - رضي الله عنه - في المجوس: سمعت رسول الله قي يقول: "سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الكِتَابِ" 495. وفيه دليلٌ: أنَّ قولَه هذا كان بعد نزول آية الجزية، وأنَّهم علموا الحكم في أهل الكتاب، فأمرهم أن يمضوا في هؤلاء على سُنة أولئك.
وأخذها عثمان - رضي الله عنه - من مجوس البربر 496. وقد اختُلفَ في استرقاق العرب، فأجازه ابنُ القاسم، ويجوز على قول مالك؛ لأنَّهما يريان أخذَ الجزية منهم 497. ومن أجاز أن يبقى على الكفر مع الجزية جاز أن يُسترق مع الكفر، وعلى قول ابن وهب: لا يسترقون إن أسلموا، وإلا قتلوا 498.

الجزء: 3 - الصفحة: 1449

وهو قول مالك والشافعي 499، وأبي حنيفة 500. وقال مالك: الفرازنة -وهم جنس من الحبشة- لا يقاتلون حتى يدعوا 501. وقال ابن القاسم في الترك مثل ذلك، فأباح قتالهما إذا دعوا فأبوا 502. وقال مالك في كتاب ابن شعبان: لا تقاتل الحبشة، إلا أن يخرجوا من غير ظلم.
وكذلك الترك 503. وقال ابن القاسم: وأخبرني من أثق به من أهل المدينة عن حرملة بن سعيد، عن سعيد بن المسيب أن النبي - صلي الله عليه وسلم - قال: "اْترُكُوا الحَبَشَةَ مَا ترَكُوكُمْ" 504. وقال أبو إسحاق ابن شعبان: اتركوا الرابضين ما تركوكم؛ الحبشة والترك.
وقال سحنون: قيل لمالك: أبلغك أن النبي - صلي الله عليه وسلم - قال: "ذروا الحبشة ما وذروكم؟ ". قال: أمّا عن النَّبي - صلي الله عليه وسلم - فلا، ولكن لم أزل أسمع أنَّ ذلك يقال، ولم يزل الناس يغزون الروم وغيرهم، وتركوا هؤلاء، فما أُراهم تركوا قتالهم إلا لأمر 505.

الجزء: 3 - الصفحة: 1450

فصل [فيمن تؤخد منه الجزية]

والجزيةُ تقبل ممَّن كان تحت قهر المسلمين.
إمَّا معهم في بلدٍ أو بالقرب، ولا تُقبل ممَّن بَعُدَ إلا أن ينتقلوا إلى قرب المسلمين، بحيث لا يخاف أن يعودوا إلى الامتناع، وإن خُشي ذلك منهم مع قرب مدينتهم لم يُقبل، إلا أن يهدم سورهم، أو ما يرى أنهم لا يمتنعون بعده.
والجزيةُ على الرجال 506 الأحرار البالغين العقلاء، وساقطةٌ عن: النّساء، والصبيان، والمجانين، والعبيد.
والأصل في ذلك قول الله سبحانه: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: 29].
ثم قال: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: 29].
فإنَّما خُوطب بها من توجّه عليه القتال، ومن لم يخاطب بالقتال لم يدخل في الآية، وهم: النساء، والصبيان، والمجانين؛ لنهي النَّبي - صلى الله عليه وسلم - عن قتل النساء والصبيان 507. ولم يدخل في ذلك العبيد؛ لأن الخطاب تضمَّن من يبقى على حاله من الحرّية 508، فلا يباح بقتالٍ ولا غيره، ولا يجتمع الرَّقُّ والجزية.
قال مالك: في كتاب ابن حبيب: لا تؤخذ من الرُّهْبان المنهي عن قتلهم، من اعتزل في الصوامع والديارات 509.

الجزء: 3 - الصفحة: 1451

قال مطرف وابن الماجشون (1): وهذا في مبتدأ حملها، فأما من ترهب بعد أن ضربت عليه؛ فلا تزول عنه (2). قال مالك: وأما رهبان الكنائس؛ فلم ينه عن قتلهم, ولا توضع الجزية عنهم (3).

فصل [في مقدار ما يفرض من الجزية]

وأما قدرها، فقال مالك في كتاب محمد: جزية الجماجم على ما فرض عمر - رضي الله عنه - على أهل الذهب: أربعة دنانير، وعلى أهل الورق: أربعون درهما، ولا يزاد، وإن كثر يسرهم 513. واختلف هل ينقص الفقير، فقال محمد: روى أصبغ عن ابن القاسم، أنه قال: لا ينقص.
وأباه أصبغ إذا كان منهم من لا يحمل ذلك لإقلاله، قال: وكتب عمر - رضي الله عنه - أن خففوا عن محتاجهم، ثم إن احتاجوا فاطرحوها عنهم، ثم إن 514 احتاجوا فأنفقوا عليهم وأسلفوهم من بيت المال 515. وقال 516 ابن الماجشون في كتاب ابن حبيب: لا تؤخذ الجزية من الفقير 517.510511512

الجزء: 3 - الصفحة: 1452

وهو أحسنُ للحديث أنَّ النَّبي - صلى الله عليه وسلم - أمر معاذا - رضي الله عنه - أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا.
يريد: محتلمًا 518. وأمر عمر - رضي الله عنه - بأربعة دنانير، فثبت أنّها تختلف باختلاف حالهم من الغنى والفقر.
وإنَّما لم يَرَ مالك أَنْ يزاد على ما فعل عمر - رضي الله عنه -، أنَّه فرض مع الدنانير أرزاق المسلمين مُدَّين من الحنطة على كل نفس في الشهر، مع ثلاثة أقساط زيتٍ ممن كان بالشام 519 والجزيرة.
وعلى من كان من أهل مصر إردب من حنطة في كلّ شهر، قال: ولا أدري كم من الوَدَك 520 والعسل، وعليهم من الكسوة التي كان عمر يكسو النَّاس، وعليهم 521 أن يضيفوا من مرَّ بهم من المسلمين ثلاثة أيام.
وعلى أهل العراق خمسة عشر صاعًا 522 كلَّ شهر على كلّ رجل مع كسوة معروفة، ولا أدري كم كان قدرها، كان عمر يكسوها النَّاس، وأربعة دنانير يسدُّ به 523 فيما كان عليهم من الطعام والإدام والكسوة والضيافة 524. فإن زيد اليوم عليهم من الذهب والورق ما بينهم وبين ما كان عليهم من سوى العين؛ لم يخرج فاعله من قضاء عمر.

الجزء: 3 - الصفحة: 1453

وقال مالك: أرى أن يوضع اليوم عنهم من الضيافة والأرزاق لما أحدث عليهم من الجور 525. ولا أرى أن يوضع عنهم اليوم بالمغرب؛ لأنه لا جور عليهم.
وكل 526 هذا فيمن استحيى من أهل العنوة أو حربي قدم ليقيم، ويكون ذمة.
وقال مالك في كتاب محمد فيمن أقبل من العدو إلى بلاد الإسلام فسكنها: تُضرب عليه الجزيةُ، وهو بالخيار: إن شاء أقام على الجزية، وإن شاء رجع إلى بلده، قال ابن القاسم خيره 527: وأنا أستحسن ذلك.
قال محمد: إنما يكون بالخيار قبل أن يلتزم الجزية، فأما إن اختار الجزية، وألزم نفسه ذمة الإسلام- لم يمكَّن من الرجوع 528. قال 529: وكذلك العبد النَّصراني يعتقه النَّصراني، فتلزمه الجزيةُ كما تلزم مولاه.
وليس له الخروج من ذلك، كما ليس ذلك للذي أعتقه، وإن أعتقه مسلم لم تكن عليه جزيةٌ، وليس له الرُّجوعُ إلى دار الكفر 530. يريد: خوفًا من أن يخبر بثغرة تكون في بلاد الإسلام.
ولو أراد الذمّي أن ينتقل بعد ضرب الجزية إلى بلد آخر من بلاد المسلمين، تكون له ذمة بالبلد الآخر، وتضرب عليه الجزية لم يمنع.

الجزء: 3 - الصفحة: 1454

[باب] (1) في فداء الأسارى وفي وجوبه، وعلى من يجب، وما يجوز الفداء به

532 قال مالك في العتبية: يجب على المسلمين فداء أساراهم بما قدروا عليه، كما عليهم أن يقاتلوا حتى يستنقذوهم، وإن لم يقدروا على فدائهم إلا بكل ما يملكون- فذلك عليهم 533. يريد أن القتال لاستنقاذهم واجب؛ لقول الله -عز وجل-: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ [النساء: 75].
فإذا رضوا بالفداء وأخذ المال كان واجبًا؛ لأنَّ بذل النفوس في القتال لاستنقاذهم أعظم من بذل المال.
وأرى أن يبتدأ بمال الأسير، فإن لم يكن فبيت المال، فإن لم يكن، أو كان لا يتوصل إلى الفداء منها فمن الزكوات على المستحسن من المذهب، فإن لم تكن فعلى جميع المسلمين على قدر الأموال إذا كان ما يفدى به لا يستغرق أموالهم، وإن كان يستغرقها افتدوا بجميعها.
واختلف إذا لم يقبلوا في الفداء إلا الخيل والسّلاح أو الخمر والخنزير والميتة: فقال أشهب: يفدى بالخيل والسّلاح، ولا يفدى بالخمر ولا الخنزير531

الجزء: 3 - الصفحة: 1455

ولا الميتة 534. وعكسه ابن القاسم في كتاب محمد فقال: لا يصلح فداؤهم بالخيل، وهو بالخمر أخف 535. وأجازه سحنون في كتاب ابنه بالخمر والخنزير والميتة، قال: ويأمر الإمامُ أهل الذمة بدفع ذلك إليهم، ويحاسبهم بذلك في الجزية 536 وهو أحسن، وقد أُبيح للمسلم استعمال هذه عند الضرورة.
ومعونة الكافر على استعمالها أخفُّ، ولا بأس به في الخيل.
وكذلك، إذا لم يقبلوا في الفداء إلا عُلُوجًا، وفي كتاب مسلم أنَّ النَّبي - صلى الله عليه وسلم - فدى أسيرين من المسلمين بأسير مشرك 537. وقال أصبغ في العتبية: إن لم يرضوا إلا بالمشرك الذي له نجدة أو بعلوج لهم نكاية؛ فلا بأس بذلك 538. يريد: ما لم يخش بتسليمهم الظهور على المسلمين.
وأمَّا إن كان إنمَّا يخشى وقوع الضرر بالقتال الذي يحدث بتسليمهم فلا بأس؛ لأنَّ القتال لاستنقاذهم يجب مع وقوع القتل حينئذٍ، إلا أن يعطوا عهدًا ألا يقاتلوا معهم، ويرى أنَّهم يوفون بذلك.

الجزء: 3 - الصفحة: 1456

قال سحنون: لا بأس أن يفدوا بصغار أطفالهم إذا لم يسلموا، وبالذمّي إذا رضي الذّمّي، وكانوا لا يسترقونه (1).

فصل [فيما يجوز الفداء به]

ثبت عن النَّبي - صلي الله عليه وسلم - أنه قال: "لاَ يَبْقَيَنَّ دِينَانِ بِجَزِيرَةِ العَرَبِ" 540. يريد: إخراج أهل الكفر منها، أهل كتاب كانوا أو غيرهم.
وأجلى عمر - رضي الله عنه - أهل خيبر إلى تيماء وأريحا 541، وأجلى أهل نجران وفدك 542، وأجلى النصارى 543، وذكر الطبريُّ أنَّه كان لا يدع اليهودَ والنَّصارى والمجولس يمكثون بالمدينة إلا ثلاثة أيام، قدر ما يبيعون سلعهم.
واختلف في العبيد: قال عيسى بن دينار: يُخرجون كالأحرار.
قيل له: فما539

الجزء: 3 - الصفحة: 1457

بال أبي لؤلؤة؟ قال: قد أراد عمر - رضي الله عنه - إخراجه مع من أخرج، حتَّى طلب إليه ناسٌ من الصحابة أن يقره لرفقه 544 بالأعمال، ولحاجة الناس إليه، وقال يحيى بن مزين: لا يخرج العبيد.
قال: وإنما كره عمر- رضي الله عنه - أبا لؤلؤة ومثلَه من الأعاجم لغوائلهم، وللذي كان.
والخُلْفُ في منتهى جزيرة العرب: فقال مالك: مكة والمدينة واليمن وأرض العرب.
وقال الطبري في تهذيب الآثار: قال معمر بن المثنى: جزيرة العرب ما بين حفر أبي موسى إلى أقصى اليمن في الطول، والعرض ما بين رمل يبرين إلى منقطع السماوة 545. وقال الأصمعي: هي ما بين أقصى عدن إلى ريف العراق في الطول، والعرض من جدة وما والاها من ساحل البحر إلى أطراف الشام 546. قال الطبري: والصواب عندي أن ابتداءها طولًا مما يلي العراق وما جزر عنه بحر البصرة من الأرض من حفر أبي موسى إلى أقصى اليمن.
والعرض ما جزر عنه هذا البحر بحر البصرة من جدة إلى أداني أرض الشام، قال: وإنما قيل لها جزيرة العرب تعريفًا وفرقًا بينها وبين سائر الجزائر غيرها، وإنما قيل لها جزيرة لانقطاع ما كان قابضًا عليها من ماء البحر عنها، ولذلك سمي الجزر الذي يكون بنهر البصرة بعقب المدّ فيه جزرًا.
وأصل الجزر في كلام العرب: القطع 547، ومنه سمي الجزار.

الجزء: 3 - الصفحة: 1458

وقال: إنما ترك عمر من بأطراف العراق والشام ضرورة لعمارة الأرض؛ لأنَّهم كانوا مشاغيل بالحرث، ولو أُجْلوا عنها خربت الأرضون.
[باب الحكم في الخوارج] 548. [تم كتاب الجهاد بحمد الله وعونه وصلى الله على محمد نبيه وسلم تسليمًا]

الجزء: 3 - الصفحة: 1459

فصول الكتاب · 100 فصل
فصول التبصرة للخمي
المقدمةكتاب الطهارةكتاب الصلاة الأولكتاب الصلاة الثانيكتاب الجنائزكتاب الصيامكتاب الاعتكافكتاب الزكاة الأولكتاب الزكاة الثانيكتاب الحج الأولكتاب الحج الثانيكتاب الحج الثالثكتاب الجهاد
باب في فرض الجهاد، وهل يتعيَّنُ القتالُ على من نزلَ به العدو؟ وهل يجب النصرُ على من قارب من نزل به عدوٌ؟فصل [في تعيّن القتال على من نزل به العدو]باب في الدعوة قبل القتالفصل في صفة الدعوة قبل القتال وأقسامهافصل في دعاء السلابة قبل القتالباب في الجهاد مع ولاة الجورباب في الغزو بالنساء والقرآن إلى أرض العدوباب فيمن يجوز قتله، أو يمنع في حين القتال أو بعدهفصل [في الخلاف في قتل الأجراء والحراثين]فصل [في الخلاف في قتل الرهبان]فصل [في الخلاف في قتل الزّمنَى]فصل [في الخلاف في قتل العلْج]فصل [في أهل الحرب تردهم الريح إلى بلد غير الذي أخذوا فيه الأمان]فصل [فى الجاسوس من مسلم أو حربى]باب في قسمة الغنائم في أرض الحرب وفي صفة القسمباب فيما يوجد الغنائم من أموال المسلمين وأموال الذميينفصل [في حكم أموال أهل الذمة]باب فيمن اشترى من أرض الحرب متاعًا لمسلم أو حر, ومن فيه عقد حرية: أم ولد أو مدبر أو مكاتب أو معتق إلى أجل، أو اشترى زوجته, أو أحدًا من أقاربهفصل [في شراء أحد الزوجين صاحبه, وفداء الأقارب]باب (1) في الحرة المسلمة والذّمّية والأمَة يأسرهن العدو, ثم يغنمهن المسلمون بعد أن ولدن، والحربي يسلم ثم يغنم المسلمون ماله وولدهفصل [في الحربي يسلم ويقدم أرض الإسلام]باب في الذّمّيّ يخرج على المسلمين متلصصًا أو ناقضًا للعهدباب في تحريق العدو بالنار والتدخين عليهم, وإذا أحرقواهم مراكب المسلمين هل يلقي المسلم نفسه في البحر؟فصل [هل يلقي المسلم نفسه في البحر]باب في قسم الفيء والخمس والغنائم (1) وفيمن تصرففصل [في أنواع ما يغنم في الحرب وما يفعل به]فصل [في أموال أهل الكفر]باب في الأنفالفصل [فيمن يعطى السلب]باب في سُهمان (1) الخيل ومن لا يسهم له منهاباب فيمن يسهم له من أهل الجيش ومن لا يسهم لهباب في الطعام يكون في المغانم وما لا يُستطاع نقله من الأمتعة والطعام والحيوان والناسفصل [فيما عجز الجيش عن نقله من غنائم الحرب]باب في الاستعانة بالمشركين في القتال وغيرهباب في أمان المسلمين لأهل الحربفصل [في أمان الذّمّي]فصل [فيمن أُسر مسلمًا وأُمّن]باب في الديوان والجعائلباب في الجزيه, ومن لا يصحُّ أن تقبل منه، ومن لا يخاطب بقتال، ولا بجزيةفصل [فيمن تؤخد منه الجزية]فصل [في مقدار ما يفرض من الجزية][باب] (1) في فداء الأسارى وفي وجوبه، وعلى من يجب، وما يجوز الفداء بهفصل [فيما يجوز الفداء به]
كتاب الصيدكتاب الذبائحكتاب الضحاياكتاب العقيقةكتاب الأطعمةكتاب الأشربةكتاب الأشربةكتاب النذور والأيمانكتاب النكاح الأولكتاب النكاح الثانيكتاب النكاح الثالثكتاب الرضاعكتاب العدة وطلاق السنةكتاب المفقودكتاب الظهاركتاب الإيلاءكتاب اللعانكتاب إرخاء الستوركتاب الأيمان بالطلاقكتاب التخيير والتمليككتاب الصرفكتاب السلم الأولكتاب السلم الثانيكتاب السلم الثانيكتاب السلم الثالثكتاب التفليسكتاب اللقطةكتاب المأذون له في التجارةكتاب حريم الآباركتاب الشفعةكتاب الهبةكتاب الحبس والصدقةكتاب الصدقة والهبةكتاب الوصايا الأولكتاب الوصايا الثانيكتاب العتقكتاب العتق الأولكتاب العتق الثانيكتاب المدبركتاب المكاتبكتاب أمهات الأولادكتاب الولاء والمواريثكتاب بيع الآجالكتاب البيوع الفاسدة وما يفيتهاكتاب البيوع الفاسدة وما يفيتهاكتاب العراياكتاب التجارة إلى أرض الحربكتاب التدليس بالعيوبكتاب البيع على الصفةكتاب البيع على الصفة أو على رؤية تقدمتكتاب الاستبراءكتاب بيع الخياركتاب المرابحةكتاب الوكالاتكتاب الصلحكتاب المساقاةكتاب الجوائحكتاب الشركةكتاب تضمين الصناعكتاب الجعل والإجارةكتاب كراء الدور والأرضينكتاب الرواحلكتاب القراضكتاب الأقضيةكتاب الشهاداتكتاب الشهادات الثانيكتاب المديانكتاب الحجركتاب الحمالةكتاب الحوالةكتاب الرهنكتاب الغصبكتاب الاستحقاقكتاب القسمكتاب الوديعةكتاب العاريةكتاب العاريةكتاب القطع في السرقةكتاب القطع في السرقةكتاب المحاربينكتاب الرجمكتاب القذفكتاب الحدود (1) في القذفكتاب الجناياتكتاب الجراحكتاب الجراحكتاب الديات
جارٍ التحميل