التبصرة للخميكتاب الجنائز
أهل الأثرالأرشيف العلمي

النسخ المقابل عليها 1 - (ب) = نسخة برلين رقم (3144) 2 - (ر) = نسخة الحمزوية رقم (115) 3 - (ش) (2) = نسخة أهل ناجم - تيشيت (شنقيط)

الجزء: 2 - الصفحة: 645

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كتاب الجنائز

باب في الصلاة على الميت, وصفتها ومقام الإِمام من الميت

من حق المسلم على المسلم 1 إذا مات أربعة: غسله، وتكفينه، والصلاة عليه، ومواراته، ولا خلاف في هذه الجملة، واختلف في منازل بعضها من الوجوب، فأما تكفينه ومواراته - صلى الله عليه وسلم - فواجبان قولًا واحدًا، واختلف في غسله والصلاة عليه، هل ذلك واجب؟ أو سنة؟ فقال الشيخ أبو 2 محمَّد بن أبي زيد: غسله 3 سنة، وقال أبو محمَّد عبد الوهاب غسله 4 واجب 5، واحتج من نصر هذا القول يقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في ابنته: "اغْسِلْنَهَا..." الحديث 6، وبقوله

الجزء: 2 - الصفحة: 647

في المحرم: "اغْسِلُوهُ..." 7 قال: وهذا أمر، وأمره على الوجوب، وليس في كلا الحديثين أمر بيِّن، فأما الأول فإنما خرج مخرج التعليم لصفة الغسل، وكذلك في المحرم خرج مخرج البيان لصفة ما يجوز أن يعمل بالمحرم وما يجنب 8 من الطيب، وتغطية الرأس، وقد كان غسل الموتى قبل هاتين النازلتين أمرأ معروفًا ومعمولًا به.
وأما الصلاة فقال ابن عبد الحكم في كتاب محمَّد: هي فرض 9 وتلا قول الله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: 84].
وقال 10 أبو محمَّد عبد الوهاب: إنها فرضٌ 11، وقال أصبغ: هي سُنَّةٌ 12، فأمَّا ما ذهب إليه ابنُ عبد الحكم من 13 أنها فرضٌ بالآية فليس بحسن؛ لأن النهي عن الشيء أمرٌ بضده إذا كان له ضدٌّ واحد، كالنهي عن الفطر أمر بالصوم، والأمر بالصوم نهيٌ عن الفطر، وليس كذلك إذا كان له أضداد فضد المنع من الصلاة على المنافقين إباحة الصلاة على المؤمنين، والندب، والوجوب، فليس لنا أن نحمل الآية على الوجوب دون الإباحة والندب، إلا أنه لم تختلف = خمسا أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك بماء وسدر واجعلن في الآخرة كافورا أو شيئًا من كافور فهذا فرغتن فآذننى فلما فرغنا آذناه فألقى إلينا حقوه فقال أشعرنها إياه".

الجزء: 2 - الصفحة: 648

الأمة أن الناس مأخوذون بالصلاة على موتاهم، وأنهم لا يسعهم ترك ذلك واختلف بعد القول إنها فرض في العبارة عنه، فقيل: فرض على الكفاية، وقيل: على الأعيان حتى يقوم به بعضهم، والمعنى في ذلك واحد فهو من فروض الكفاية؛ لأنه يكتفى فيه بقيام بعضهم، وفرض على أعيان تلك الجماعة التي بذلك الموضع حتى يقوم به بعضهم، فيسقط عن الباقين.
والسنة أيضًا 14 أن تصلى جماعة بإمام، وإن 15 صلى واحدٌ أجزأه, ويستحب أن تعاد الصلاة لفضل الجماعة، وقد مُرَّ بجنازة عبد الرحمن بن عوف على أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - فَصَلَّينَ عليه بعد أن صُلي عليه 16. وذكر ابن القصار عن مالك أنه أجاز أن يصلى على الميت في القبر 17، وإن كان قد صُلِّي عليه فهو في هذا أخف.
وقد ندب النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى 18 الاستكثار من الجماعة فقال: "مَا مِنْ مَيِّتٍ يُصَلِّي عَلَيْهِ أُمَّة مِنَ المُسْلِمِينَ يَبْلُغُونَ مِائَةً، كُلُّهُمْ يَشْفَعُونَ فِيهِ، إِلاَّ شُفِّعُوا فِيه" 19، وقال: "مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَقُومُ عَلَى جَنَازَتهِ أَربَعُونَ رَجُلًا.. إِلاَّ شَفَّعَهُمُ اللهُ فِيهِ"، أخرج هذين الحديثين مسلم 20.

الجزء: 2 - الصفحة: 649

وهذا تنبيهٌ منه - صلى الله عليه وسلم - وحضٌّ على هذه العدة، وأرى أن يجتهد في المائة ولا يقصر (1) عن (2) الأربعين.

فصل أركان الصلاة على الميت

الصلاة على الميت تشتمل على ثلاثة: تكبير، ودعاء، وسلام.
فالتكبير أربع، وإن كبر دون ذلك لم تجزئ 23 الصلاة، وزاد تكبيرة وسلم إن لم يبعد، وإن بعد استأنف الصلاة، وإن كبر خمسًا أجزأت الصلاة ولم تفسد.
والأصل في الأربع، صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - على النجاشي فكبر عليه أربع تكبيرات 24، وعلى هذا العمل، وأجزأت إذا كبر خمسًا، لحديث زيد بن أرقم أنه 25 كبر على جنازة خمسًا فقيل له: فقال: "كَانَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يُكَبِّرُهَا" أخرجه مسلم 26. واختلف في المأموم إذا كان الإِمام يُكبّر خمسًا، فقال مالك: إذا كبر الرابعة سلم من وراءه ولم ينتظر تسليمه، وقال ابن وهب، وأشهب، وعبد الملك: يثبتون2122

الجزء: 2 - الصفحة: 650

بغير تكبير حتى يسلموا بتسليمه 27، وهو أبين 28، لحديث زيد بن أرقم 29. واختلف فيمن فاتته تكبيرة والإمام ممن 30 يكبر خمسًا، فقال أشهب: لا يكبرها معه وإن فعل لم يعتد بها مما فاته 31، وقال أصبغ 32: يكبر معه الخامسة, ويحتسب بها من الأربع 33، وعلى أصل مالك لا ينتظر تسليمه, يكبر لنفسه وينصرف.
وقال مالك في المدونة فيمن أتى وقد سبقه الإِمام ببعض التكبير لا يكبر حتى يكبر الإِمام فيكبر بتكبيره 34، وقال في العتبية: يكبر تكبيرة واحدة؛ لأن الأولى بمنزلة تكبيرة الإحرام، ولا يقض ما سبقه به الإِمام 35. يريد: إذا فاته أكثر من واحدة.
وقال في مختصر ابن عبد الحكم: يدخل في الصلاة بالنية بغير تكبير، فإذا كبر كبر معه 36، وقال الشيخ أبو الحسن 37 ابن القابسي: إن مضى أيسر الدعاء كبر، وإن مضى أكثره أمهل.
وليس يجري 38 هذا على أصل المدونة؛ لأنه يقول: وإن فاته بعض التكبير يقضيه بعد سلام الإِمام متواليًا من غير دعاء 39.

الجزء: 2 - الصفحة: 651

وإذا كان كذلك (1)، كان كالتكبير (2) الآن، وإن لم (3) يدرك شيئًا من الدعاء فيكبر الآن أدرك شيئًا من الدعاء أم لا (4)، وأما على القول أنه يصلى على الغائب- فإنه يصح أن يمهل حتى يكبر الإِمام فيكبر بتكبيره، وإذا (5) سلم الإِمام قضى ما فاته به (6)، ويدعو فيما بين ذلك وإن غابت الجنازة عنه.

فصل يرفع الأيدي في التكبيرة الأولى

وقال مالك في المدونة: ترفع الأيدي في التكبيرة الأولى وحدها 46، وروى عنه ابن وهب: أنه يرفع 47 في الأربع 48، وقال ابن القاسم 49 في مختصر ما ليس في المختصر: حضرت مالكًا غيرَ مرةٍ فكان 50 لا يرفع يديه لا في الأولى ولا في الأخيرة 51. وذكر ابن شعبان عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه كان يرفع في التكبيرات الأربع 52.404142434445

الجزء: 2 - الصفحة: 652

فصل الشأن في الصلاة على الميت الدعاء دون القراءة

الشأن في الصلاة على الميت الدعاء دون القراءة، واختلف في الثناء على الله -عز وجل- 53، والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقيل لابن القاسم: هل وقَّت مالكٌ ثناءً على النبي - صلى الله عليه وسلم - وعلى المؤمنين؟ فقال: ما علمت أنه قال إلا الدعاء للميت فقط 54، وروي عن مالك أنه استحسن قول أبي هريرة - رضي الله عنه - 55، وفيه الثناء على الله -عز وجل- والحمد لله، والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم الدعاء، والأحاديث وردت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بالدعاء خاصة.
وأخرج مسلم 56 حديث عوف بن مالك، ومضمونه: الدعاء خاصة 57، غير أن الشأن أن يبتدأ كل أمر ذي بالٍ بحمد الله سبحانه والثناء عليه.
وفي الترمذي: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر من يريد الدعاء أن يبدأ بالحمد لله -عز وجل- والثناء عليه, ثم يصلي على = عُمَر: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا صلى على جنازة رفع يديه في كل تكبيرة, وإذا انصرف سلم): يرويه يحيى بن سعيد الأنصاري، واختُلِفَ عنه؛ فرواه عمر بن شبة، عن يزيد بن هارون، عن يحيى بن سعيد، عن نافع، عن ابن عُمَر، عنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. وخالفه جماعة رووه عن يزيد بن هارون مَوقوفًا، ورواه عمر بن شبة، عن يزيد بن هارون، عن يحيى ابن سعيد، عن نافع، عن ابن عُمَر، عنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وكذلك رواه عبد الرحمن بن اليمان- شيخ يروي عنه الأوزاعي، وأبو شهاب الحناط, وغيرهما، عن نافع، عن ابن عُمَر مَوقوفًا.
وهو الصواب.
وانظر: الزاهي، لابن شعبان، لوحة رقم: [53 / ب].

الجزء: 2 - الصفحة: 653

النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم يدعو 58، ومنه: قول عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: "الدُّعَاءُ مَوْقُوفٌ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لاَ يَصْعَدُ مِنْهُ شَيءٌ حَتَّى تُصَلِّيَ عَلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -" 59. قال ابن سحنون: يدعو ثم يسلم.
قال ابن حبيب: كل 60 ذلك واسع أن يبتدئ بالحمد والثناء بعد كل تكبيرة، أو بعد التكبيرة الأولى فقط.
واختلف إذا كبّر الرابعة هل يدعو؟ فقال سحنون: يدعو ثم يسلم 61، وقال ابن حبيب: يسلم عقب 62 التكبير من غير دعاء 63، والأول أبين، ومحمل التكبيرة الأخيرة محمل ما قبلها، أن عقبها الدعاء، ويستحب إذا كبّر الرابعة أن يقول: اللهم اغفر لنا, ولوالدينا, ولسلفنا الصالحين، والمؤمنين والمؤمنات، ممن كان، ومن هو آت، إلى يوم الميقات 64، وتوفنا مسلمين، وألحقنا بالصالحين، واجعل في الموت راحتنا، وقرة أعيننا، وأسعدنا بلقائك.
وقال مالك في المجموعة في الصلاة على الطفل: يُسأل له الجنة ويُستعاذ له من النار، وقال ابن حبيب: يقال بعد حمد الله -عز وجل- والصلاة على نبيه - صلى الله عليه وسلم -: اللهم إنه عبدك، وابن عبدك، أنت خلقته، وأنت قبضته إليك، وأنت أعلم بما كان

الجزء: 2 - الصفحة: 654

عاملًا وصائرًا إليه، اللهم جاف الأرض عن جنبيه, وأفسح له في قبره, وافتح أبواب السماء لروحه، وأبدل له دارًا خيرًا من داره، وأعذه من عذاب القبر، وعذاب النار، وصيره إلى جنتك برحمتك، وألحقه بصالح سلف المؤمنين في كفالة إبراهيم، واجعله لنا ولأبويه سلفًا وذخرًا وفَرَطًا وأجرًا، وثَقِّل به موازينهما (1)، وأعظم به أجورهما (2)، ولا تحرمنا وإياهما (3) أجره، ولا تفتنا وإياهما (4) بعده، يقول ذلك بإثر كل تكبيرة.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: وقد قيل: لا يعذب، لقوله (5) الله -عز وجل-: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: 15]، ولا يعذب إلا من عصى وخالف بعد توجه الخطاب عليه (6)، وإذا كان ذلك لم يستعذ له من النار.

فصل [في وقوف الإِمام على الجنازة]

ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصحيحين أنه قام في امرأة عند وسطها 71، قال أبو هريرة: لأنه يسترها عن الناس 72، وروى ابن غانم عن مالك مثل ذلك 73، وكان656667686970

الجزء: 2 - الصفحة: 655

ابن مسعود يقوم عند وسط الرجل ومنكبي المرأة 74. وقال أشهب في المجموعة: عند وسط الميت أحب إليَّ وذلك واسع 75، يريد: حيث شاء منه، قال: وإن تيامن إلى صدره فحسن، ولم يفرق بين الرجل والمرأة، وقال ابن شعبان: وحيث وقف الإِمام من الجنازة في الرجل والمرأة فواسع 76. والذي أستحسنه للأئمة 77 اليوم التيامن 78 إلى الصدر في الرجل وفي المرأة إذا كان على نعشها قبة 79، أو كان كفنها 80 بالقطن، فإن لم يكن فوسطها؛ لأن الكفن إذا لم يكن فيه قطن يصفها، والإمام يسترها، وأول من جعل على النعش قبة للنساء عمر - رضي الله عنه - جعله 81 على زينب بنت جحش سترها 82، وأول من ضرب فسطاطًا على قبر هو 83 ضربه على قبرها 84.

الجزء: 2 - الصفحة: 656

باب في حمل الجنازة، والمشي معها

ومن المدونة قال مالك في حمل سرير الميت: ليس في ذلك شيء مؤقت به، احمل 85 إن شئت بعض الجوانب ودع بعضها 86، وإن شئت فاحمل، وإن شئت فدع 87. وقال أشهب في مدونته: أحب إليَّ أن يُحمل من الجوانب الأربع يبدأ بالمقدم الأيمن من الجانب الأيمن ثم المؤخر، يريد: الأيمن، قال ثم المقدم الأيسر ثم المؤخر الأيسر، وقال ابن مسعود في المدونة: "احْمِلُوا الجَنَازة مِنْ جَوَانِبِهَا الأرْبَعِ فَإِنَّهَا السُّنَّةُ" 88، وإنما تكلم على ما كانت عليه الصحابة أنهم يحملون موتاهم بأنفسهم تواضعًا، وابتغاءً للأجر 89، وإكرامًا للقريب، والحميم، وقد حمل سعد بن أبي وقاص جنازة عبد الرحمن بن عوف 90، وعمر = برقم (11751) دون التنصيص على أنه أول من ضربه.

الجزء: 2 - الصفحة: 657

ابن الخطاب جنازة أُسيد بن الحُضَير (1)، وابن عمر جنازة أبي هريرة (2)، وكان الرجل منهم يرغب أن يكون له أجر (3) العمل، ثم لا يقنع بذلك حتى يريد أن يحرز الأجر بالجوانب الأربع، ثم أجر الصلاة، ثم أجر المواراة.
قال أبو مصعب: أحبُّ إليّ أن يحفن الرجل (4) ثلاث حفنات بيده في قبر الميت عند دفنه، يريد ليكون له أجر المواراة.

فصل في صفة المشي خلف الجنازة

الذين يصحبون الميت ثلاثة 95: رجال مشاة، وركبان، ونساء، فأما الرجال فقيل: يكونون أمامها، وقال مالك في المجموعة: أمامها أفضل 96، وقال أشهب في مدونته هو السنة، والمشي خلفها واسع، وقال أبو مصعب: المشي أمامها ووراءها واسع وكل ذلك فَعَلَه الصالحون، ولم يقدم أحدهما 97 على الآخر وهذا الذي يقتضيه قول مالك في المدونة؛ لأنه 98 قال: لا بأس91929394 = المقدمين، من كتاب الجنائز، برقم (6626) من حديث إبراهيم بن سعد عن أبيه قال: رأيت سعد بن أبي وقاص في جنازة عبد الرحمن بن عوف قائما بين العمودين المقدمين واضعًا السرير على كاهله.

الجزء: 2 - الصفحة: 658

بالمشي أمام الجنازة 99. وقوله: لا بأس، لا يفهم منه أنه أفضل، ولا أنه أولى، وروي عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أنه قال: المشي خلفها أفضل 100. واحتج من قال أمامها 101 أفضل؛ لأنه شافع، والشفيع يكون أمام من يشفع 102 له، وهذا غير صحيح، وليس من الأدب فيمن مشى مع من 103 يشفع (6) له أن يجعله وراءه، وأيضًا فإن الشفاعة حين الصلاة ولم يأت ذلك بعد، ولا خلاف أنه لا يجوز حين الشفاعة وهو وقت الصلاة أن يجعل الميت خلفه ويتقدم ليستشفع له 104، وفي النسائي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "... في المَاشِي حَيْثُ شَاءَ مِنْهَا.." 105. واختلف في الركبان، فقال أشهب في مدونته: أحب إلى أن يتقدموها، وقال غيره: يكونون 106 خلفها مع النساء 107، يريد: أمام النساء 108، وأما النساء فخلف الرجال، وخلف حملة الجنازة؛ لأنهم رجال.

الجزء: 2 - الصفحة: 659

باب في الصلاة على الميت في المسجد

واختلف في الصلاة على الميت في المسجد بالكراهة والجواز والمنع، فكره مالك ذلك في المدونة 109، وقال ابن حبيب: لو صُلِّي عليها في المسجد ما كان ضيقًا، لما روي من الصلاة على سُهَيل 110 وعمر فيه 111، وقال ابن 112 سحنون: ترك ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - وخرج في النجاشي إلى المصلى 113، وقال ابن شعبان: لا توضع الجنازة في المسجد لأنها ميتة 114. وهذا يقتضي أن يكون ممنوعًا، لحرمة المسجد؛ لأنه نجس, وإليه يرجع قول ابن القاسم في كتاب الرضاع في قوله: إن لبن المرأة إذا ماتت نجس لا يحل شربه، فجعله نجسًا لنجاسة الوعاء 115.

الجزء: 2 - الصفحة: 660

وذهبت عائشة - رضي الله عنها - وغيرها من أزواج النبي- صلى الله عليه وسلم - إلى جواز الصلاة عليه في المسجد، وأمرت أن يدخل عليها إلى المسجد 116 سعد بن أبي وقاص لتصلي عليه في المسجد 117، وفي كتاب مسلم: أرسل أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يمروا عليهن بجنازة سعد في المسجد فيصلين عليه, ففعلوا فوقفوا 118 به على حُجَرِهِنّ يصلين عليه، فأنكر ذلك بعض الناس، فقالت عائشة - رضي الله عنها -: "مَا أَسْرَعَ مَا نَسِىَ النَّاسُ مَا صَلَّى رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى سُهَيْلِ بْنِ بَيْضَاءِ إِلَّا فِي جَوْفِ المَسْجِدِ" 119، وهذا أحسن، ولو كان نجسًا ما أدخله النبي - صلى الله عليه وسلم - المسجد، وفي البخاري: قال ابن عباس: "لا يَنْجَسُ المُسْلِمُ حَيًّا وَلاَ ميتًا" 120، وقال سعد بن أبي وقاص: لو كان نجسًا ما مسسته 121، وقيل لعائشة - رضي الله عنها -: يغتسل غاسل الميت؟ فقالت: أو أنجاس موتاكم؟ 122 وليس عدم الحياة يوجب = في دواء, فكيف تقع الحرمه بالحرام؟! قال: اللبن يحرم علي كل حال ألا ترى لو أن رجلا حلف أن لا يأكل لبنا فأكل لبنا قد وقعت فيه فأرة فماتت أنه حانث).

الجزء: 2 - الصفحة: 661

كون الميت نجسًا، ألا ترى أن الشاة تعدم منها 123 الحياة بالذكاة ولا 124 تكون نجسة؛ لأنها حلال، وتموت حتف أنفها فيكون حكمها أنها نجسة 125 لما كانت محرمة الأكل، فلم يكن عدم الحياة ما 126 يوجب كون الحيوان 127 نجسًا، إلا أن يكون عدمه 128 على صفة تمنع أكل، ويكون رجسًا، وتحريم لحوم بني آدم إكرام لهم وتشريف، فكانت حرمته حيًا وميتًا سواء؛ لأن حرمة لحمه بعد موته كحرمته قبل، وكذلك النبيذ قبل الشدة طاهر؛ لأنه حلال، وفي حال الشدة نجس؛ لأنه حرام، وتزول الشدة فيكون حلالًا طاهرًا.
= فاغتسلوا).
قال ابن التركماني في الجوهر النقي (1/ 300): وقد صح عن عائشة إنكار الغسل عن غسل الميت.
اهـ

الجزء: 2 - الصفحة: 662

باب في الصلاة على قاتل نفسه، وعلى من قتل في حَدِّ أو كان حكمه (1) القتل فمات قبل القتل (2)، أو كان حدُّه الجلد فمات منه، وفي الصلاة على اللصوص، وولد الزنا، وعلى (3) أهل الأهواء

وقال مالك: يُصَلَّى على من قتل نفسه، وقال في امرأة خنقت نفسها: يُصلَّى عليها 132. فالصلاة جائزة على كل مسلم أتى كبيرةً، قتلًا كانت أو غيره؛ لأن ذلك لا يخرجه من الإِسلام، وإنما يفترق الجواب في صلاة الإِمام وأهل الفضل، فقال مالك: كل من قتله الإِمام في قصاص أو في حد، وفي المرجوم لا 133 يصلِّي عليه الإِمام، ولا على اللصوص 134، وسواء كان هو القاتل لهم، أو كابروا 135 قومًا فقتلوهم.
قال ابن القاسم: وأما من 136 ضربه السلطان 137 فمات من ذلك الضرب فإن الإِمام يصلي عليه؛ لأن حدّه الجلد ولم يكن القتل 138. وروى ابن وهب عن مالك في الميت يكون معروفًا بالفسق والشر، قال:129130131

الجزء: 2 - الصفحة: 663

لا تصل عليه، واتركه لغيرك 139. قال: وإنما يرغب في الصلاة على الرجل الصالح و 140 الذي يذكر عنه الخير 141. وعلى هذا يكره للإمام أن يصلي على من هذه صفته، وعلى من مات من الضرب، وغير ذلك من عقوبات الكبائر.
ولمحمد بن عبد الحكم في ذلك قول ثالث، قال: يصلي الإِمام على المرجوم إن شاء، واستشهد بالحديث: "أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - صَلَّى عَلَى مَاعِزٍ وَالغَامِدِيَّةِ" 142، وعلى هذا يصلى على من قتله في قود أو حرابة.
وأرى 143 فيمن حكمه الأدب بالضرب أو القتل أو غير ذلك فمات قبل أن يؤدب بذلك، اجتناب الإِمام وأهل الخير والفضل الصلاة عليه، ليكون ذلك ردعًا لغيره من الأحياء, ولا يجتنب الصلاة على من امتثل فيه الحد والأدب بالضرب 144 فمات منه أو القتل؛ لأن فيما فعل به من ذلك كفاية في الردع للأحياء, ولا يجمع على الميت مع ذلك أن لا 145 يجتهد له في المغفرة وحطّ الوزر، وقد "ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه صلى على ماعز، وعلى الغامدية, بعد أن رجما 146 في الزنى".

الجزء: 2 - الصفحة: 664

وقال ابن القاسم في الصلاة على أولاد الزنا: هم في ذلك كأولاد الرشدة 147. أي: لا يجتنب أهل الخير الصلاة عليهم، وقد قيل: إنه خير الثلاثة؛ لأنه لا وزر عليه من ذلك، والوزر على أبويه.
وقال مالك في المدونة، في القدرية والإباضية: لا يصلى على موتاهم ولا يعاد مرضاهم 148. وقال سحنون: أدبًا لهم، فإن خيف عليهم أن يضيعوا غسلوا وصلي عليهم 149. وقال مالك في "مختصر ما ليس في المختصر" فيمن يقول القرآن مخلوق: هو كافر فاقتلوه 150. وقال في رجل خطب إليه رجل من القدرية: لا يزوجه 151، قال الله تعالى: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ [البقرة: 221]، فعلى هذا يوارى ولا يصلى عليه، وقد قال أيضًا فيمن قال بخلق القرآن: يضرب ويسجن حتى يتوب 152.

الجزء: 2 - الصفحة: 665

باب في الصلاة على ولد النصراني يكون مِلْكًا لمسلم فيموت قبل أن يسلم (1)، أو بعده

154 واختلف في الصغير من ولد أهل الكتاب يموت قبل أن يسلم، وهو ممن لا ذمة له، فقيل: هو على حكم الكافر لا يصلى عليه إلا أن يسلم، ويعرف ما أجاب إليه، وسواء كان معه أبواه أو 155 لم يكونا، صار في سهمانه، أو اشتراه من حربي قدم به 156، أو توالد في ملك مسلم من عبديه النصرانين كان من نية صاحبه أن يدخله في الإِسلام أم لا، وهذا قول مالك وابن القاسم 157. وقال معن: إن اشتراه ومن نيته أن يدخله في الإِسلام صلي عليه 158، وقال ابن الماجشون: إن لم يكن معه أبواه في حين الابتياع ولم ينته إلى أن يتدين أو يدعى، وملكه مسلم فله حكم المسلمين، في الصلاة والمواراة 159، والقود، والمعاقلة والعتق 160. وقال مالك في كتاب ابن حبيب: إن مات بحدثان ملكه وفوره لم يصل عليه، ولم يجزئ عن رقبة واجبة، وإن لم يكن بحدثان ملكه وقد تشرع بشريعة الإِسلام، وزياه بزينة الإِسلام، فله حكم الإِسلام في الصلاة والمواراة 161 والقود153

الجزء: 2 - الصفحة: 666

والعتق عن الواجب 162. قال ابن حبيب: فأما من ولد من الكتابين في ملك مسلم فلا يجبر.
يريد: بخلاف الأول إذا 163 توالد في ملك كافر 164، وعكس أبو مصعب الجواب، فقال: من ولد من النصارى أو اليهود في ملك مسلم فهو على فطرة الإِسلام.
يريد: بخلاف من توالد في ملك كافر، فوجه القول الأول، أنه لما كان على أحكام النصرانية إذا كان لأبويه ذمة 165، أو قبل أن يملكه المسلم 166، فلا ينتقل 167 عنها إلا بالمعرفة بالله سبحانه فحينئذ يكون له حكم الإِسلام، ووجه القول أنه على 168 حكم الإِسلام إذا لم يكن معه أبواه, قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولد عَلَى الفِطْرَةِ، فَأبوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ..." الحديث 169، أي: على 170 السلامة من الكفر حتى يهود أو ينصر، وقيل: على الإِسلام، لقول الله سبحانه: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: 172] أي ذلك كان 171 فإنه ليس بكافر قطعًا ولا مؤمن؛ لأنه من يوم توالد إلى أن 172 يعقل، كالبهيمة لا ينسب إلى معرفة ولا إلى جحود، وهو غير عارف بالله -عز وجل-،

الجزء: 2 - الصفحة: 667

وغير عارف بوجوه الجحود وإذا كان كذلك 173 كان ولد الذمي إذا كان صغيرًا لا يعقل على أحكام من كفر 174، للعهد والذمة التي لأبيه, وأنه لا يعارض في ولده بدين ينقل إليه، ليس لأنه كافر، فإذا كان مسبيًا وحده, أو مع أبويه، أو توالد في ملك مسلم، لم يكن على أحكام الكفر 175؛ لعدم الذمة وعدم العهد في الآباء، وإذا كان الأب عبدًا وتوالد 176 له ولد في ملك مسلم لم يكن له حق إلا في نفسه إلا أن 177 يجبر على الإِسلام؛ لأنه قد اختار في حين القتال الرق 178 على الإِسلام، فأما ولده فلا مقال له في دينه, وأما قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "... اللهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا بِهِ 179 عَامِلِينَ" 180 فإنما أخبر أن الله -عز وجل- يعلم الشيء أن لو كان كيف كان 181 يكون، وذلك مثل قول الله سبحانه: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: 28]، ولم يرد أنهم يكونون 182 في الآخرة على حكم، ما لو عاشوا لفعلوه 183 من إسلام أو كفر؛ لأن الإنسان لا يجازى بما لم يعمل، ولا يثاب ولا يعاقب على ما لم يعمله من خير أو 184 شر، ولا خلاف أنه لو نوى إنسان أن يشرب خمرًا أو يقتل رجلًا ثم لم يفعل أنه لا يقام عليه

الجزء: 2 - الصفحة: 668

حكم من فعل ذلك، والصغير أبين؛ لأنه لم تكن منه نية لفعل شيء، وكذلك أولاد المسلمين إذا ماتوا صغارًا، الله أعلم بما كانوا عاملين لو عاشوا، هل يعملون بعمل أهل السعادة؟ أو أهل الشقاوة؟ وهل يكون مسلمًا أو كافرًا؟ إلا أنه يكون على حكم من لم يعمل شيئًا من ذلك.

فصل لا يصلى على السقط ولا يُغسَّل ولا يحنط

ومن المدونة قال مالك: لا يصلى على الصبي، ولا يغسل، ولا يحنط، ولا يورث حتى يستهل صارخًا 185. قال الشيخ - رضي الله عنه -: للسقط حالتان لا خلاف فيهما، إحداهما: أن تسقطه ميتًا لا حراك به فالحكم فيه كما قال مالك: لا يغسل ولا يحنط ولا يصلى عليه ولا يورث وإن كان قبل ذلك في البطن يتحرك، والثانية: أن يستهل صارخًا فهذا لا خلاف فيه أن له حكم الحياة في جميع أموره وإن مات بالفور وتبين أنه لم يكن ممن له بقاء.
واختلف في الحركة والرضاع والعطاس فقال مالك مرة 186: لا يكون بذلك حكم الحياة 187. قال ابن حبيب: وإن أقام يومًا يتنفس ويفتح عينيه ويتحرك لم يكن حكمه حكم الحي 188 حتى يسمع له صوت وإن كان خفيًا 189 190. وقال إسماعيل

الجزء: 2 - الصفحة: 669

القاضي في الحركة: هي بمنزلة الحركة التي كانت وهو في البطن فلا يحكم له فيها بحياة.
وقيل: 191 إذا تحرك حركة بينة، أو ارتضع، أو عطس، فله بذلك حكم الحي، وهو في الرضاع حسنٌ؛ لأن الرضاع لا يكون إلا من حياة محققة، وأما الحركة فإن لم تكن بينة فلا، وقد يضطرب بعض لحم 192 الشاة بفور السلخ، وأما الحركة البينة وما يرى أنها لا تكون إلا مع تحقق الحياة أو لطول بقائه فله حكم الحي؛ لأنه ليس في الصراخ أكثر من البيان على وجود الحياة، فلا فرق بين أن يكون ذلك من صوت أو غيره، والعطاس 193 أضعفها, لما قيل يمكن أن يكون ريحًا.
وقال أبو محمَّد عبد الوهاب: أمارة الحياة الصراخ أو ما يقوم مقامه من طول المكث إذا طالت به مدة يعلم أنه لو لم يكن حيًا لم يبق إليها, ولا معتبر بالحركة؛ لأنها لا تدل على الحياة، قال: لأن المقتول يتحرك وليس بحي 194. يريد: الحركة التي يمكن وجود مثلها بعد خروج النفس، ولا يختلف في ذلك، وإنما الكلام في الحركة البينة التي لا تكون إلا مع وجود الحياة، وكذلك طول المكث، فإن لم تكن حركة بينة أو عدمت ومضى من المدة ما يرى أنه لو لم تكن حياة لتغير وفسد، ولو لم يشهد ولادته من يوثق بقوله، واختلف ورثته في حياته فقال من ينتفع بحياته: كان صرخ، وقال الآخرون: لم يصرخ، وطالت المدة لما يرى أنه لو لم تكن حياة لتغير وفسد، لكان 195 ذلك دليلًا لمن قال إنه صرّح، وأنه كان حيًا، ويصلى عليه ويورث.

الجزء: 2 - الصفحة: 670

فصل واختلف في الصلاة على ولد المسلم مرتدٌّ قبل البلوغ

اختلف في ولد المسلم 196 يرتد قبل أن يحتلم، فقال ابن القاسم في المدونة: لا تؤكل ذبيحته، وإن مات لم يصل عليه 197. وقال سحنون: يصلى عليه؛ لأنه يكره على الإِسلام بغير قتل ويورث ولو كانت له زوجة ورثته، قال: ومن رأى أنه لا يصلى عليه يجعل ردته فرقة لزوجته 198. وعكسه أن يسلم ابن الكافر قبل البلوغ فاختلف فيه نحو الاختلاف الأول، فقال ابن القاسم مرة: هو إسلام، وإن كانت مجوسية أو مشركة جاز وطؤها، فعلى قوله هذا 199 إذا ماتت يصلى عليها ويرثها ورثتها 200 المسلمون، وتحرم في حال الحياة على زوجها إن كان لها زوج كافر.
وقال أيضًا: ليس ذلك بإسلام، وإن مات له قريب مسلم لم يرثه، وإن كان كافرًا ولم يتماد هو على إسلامه ورثه، والقول الأول أحسن، أن لمن ارتد حكم الكافر، ولمن أسلم حكم المسلم، وقد كان إسلام عليّ بن أبي طالب - رضي الله عنه - وعبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - قبل البلوغ، وكان محملهما عند النبي - صلى الله عليه وسلم - وعند أصحابه على أنهما مسلمان، ولأنه لا يستحيل وجود المعرفة بالله -عز وجل- ممن لم يبلغ، ولا يمتنع أن

الجزء: 2 - الصفحة: 671

يخلق الله -عز وجل- في قلبه المعرفة به، وإذا جاز ذلك لم يكن للمنع وجه، ولأنا نحمل أولاد المسلمين قبل البلوغ على الإِسلام، وعلى المعرفة بالله تعالى، وإن ذلك قد لزم قلوبهم لما نشأوا عليه ولما 201 ربوا عليه من تعلم القرآن وغير ذلك، ولا نقول إنهم لم يسلموا ولا إنهم على غير الإِسلام، وإذا كان إسلام هؤلاء إسلامًا صح أن يكون ارتداد الآخر ارتدادًا، ولأنه لا يستحيل أن يسلبه الله -عز وجل- المعرفة، وإذا جاز ذلك كان ارتداده الآن 202 ارتدادًا، فلم تؤكل ذبيحته ولم يورث ولم يصل عليه، ويفرق بينه وبن زوجته في حال الحياة إلا أن يكون من الصِّغر بحيث لا تمييز عنده.

الجزء: 2 - الصفحة: 672

باب في الصلاة على الغائب والغريق، ومن أكله السبع والمصلوب، ومن دفن بغير صلاة وهل تعاد الصلاة على من صلي عليه؟

اختلف في الصلاة على الغائب، فمنعها 203 مالك في المدونة، وقال: لا يصلى على يد ولا على رجل ولا على رأس، ويصلى على البدن 204، قال ابن القاسم: إذا بقي أكثر البدن، فإن اجتمع الرأس والرجلان بغير بدن فهو قليل 205. وقال أشهب في مدونته: إن وجد نصف بدنه ومعه الرأس لم يغسل ولم يكفن ولم يصل عليه حتى يوجد أكثر بدنه 206، وقال مالك في العتبية: إذا وجد أكثره متقطعًا يصلى عليه 207، وقال في الواضحة: لا يصلى عليه 208، والأول أحسن، وقال عبد العزيز بن أبي سلمة: يغسل ما وجد منه، ويصلى عليه كان رأسًا أو يدًا أو رجلًا، وينوي بالصلاة عليه الميت لا الحي 209. يريد: في اليد والرجل ينوي إن كان ميتًا، لإمكان أن يكونا من حي، وقال عيسى بن دينار في شرح ابن مزين: بلغني أن أبا عبيدة بن الجراح صلى على رؤوس بالشام 210.

الجزء: 2 - الصفحة: 673

ويختلف على هذا في الصلاة على الغريق وغيره ممن هو غائب، فعلى قول مالك لا يصلى عليه، وقال عبد العزيز بن أبي سلمة: يصلى على الغريق ومن أكله السبع كما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - في النجاشي 211، وقال ابن حبيب: قال غيره: هذا من خواص النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يصل أحد على النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد ما ووري 212، وقيل يمكن أن يكون رفع النجاشي للنبي - صلى الله عليه وسلم -. قال الشيخ - رضي الله عنه -: القول بجواز الصلاة على الغائب أحسن، للحديث في النجاشي، ولو كان ممنوعًا لم يفعله 213 النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولو كان جائزًا له 214 خاصة لأبانه لأمته؛ لأنه عالم أن أمته تقتدي بأفعاله، ولم يكن ليتركهم على فعل ما لا يجوز، فتركه إياهم مع ظاهر فعله دليل على أنه أجاز فعل 215 ذلك لهم، ولا يعترض هذا بأنه رفع له؛ لأنه لم يأت بذلك حديث، وإنما قيل: يجوز ذلك، ومحمله على أنه لم يرفع حتى يعلم أنه رفع 216، ولو كان الجواز لأنه رفع له لَأَبَانه، ولا يعترض أيضًا بترك الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد أن ووري؛ لأن ذلك داعية إلى ما حذر منه عند موته في قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لَعَنَ اللهُ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَخذُوا قُبُورَ أَنبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ" 217. = على العظام وعلى الرءوس، من كتاب الجنائز، برقم (11901، 11900).

الجزء: 2 - الصفحة: 674

وإذا كان الغريق ومن أكله السبع في غير القبلة، استقبل في حين الصلاة عليه القبلة، وإن استدبروا موضع الميت، وهذا الظاهر من صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - على النجاشي أنه استقبل بالناس القبلة والحبش (1) عن يمين من المدينة إذا استقبلوا (2) القبلة، وكذلك من أكله السبع وذهب لغير القبلة، وأما المصلوب فيستقبل قبلة خشبته (3).

فصل [واختلف فيمن دُفِنَ من غير صلاة]

اختلف فيمن دفن من غير صلاة على أربعة أقوال: فقال مالك في المبسوط: لا ينبش ولا يصلى على قبره ولكن يدعون.
وقاله سحنون، قال: ولا أجعل ذلك ذريعة إلى الصلاة على القبور 221. وقال أيضًا: إن لم يكن في إخراجه ضرر ولا طول ولا تغير أخرج، وإلا لم يخرج ولم يصل على قبره 222. وقال ابن وهب 223 ويحيى بن يحيى 224: لا يخرج كان قرب ويصلى على قبره.
قال ابن وهب: بأربع تكبيرات وإمام 225، وقال ابن القاسم في العتبية: إن كان عندما دفن أخرج وصلي عليه، وإن خافوا تغيره صلوا عليه وهو في القبر 226، وقول218219220 = كتاب الجنائز، برقم (1265)، ومسلم: 1/ 376، في باب النهي عن بناء المساجد على القبور، من كتاب المساجد ومواضع الصلاة برقم (529).

الجزء: 2 - الصفحة: 675

ابن وهب في هذا أحسن، فلا يخرج وإن قرب لإمكان أن يكون حدث عليه أمر من الله سبحانه فلا ينبغي أن يكشف، فإنه قد ذكر أن بعض الناس وجد قد حول وجهه عن القبلة، وبعضهم قد أزيل عنه كفنه، وعلى صفات مختلفة، ويصلى على القبر كما روي في الصحيحين: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى على الذي كان يخدم المسجد بعد ما دفن وهو في قبره 227. ومن دفن ولم يغسل وقد صلي عليه لم يخرج.
ولمالك في العتبية في الإِمام يتابع التكبير من غير دعاء: أنه تعاد الصلاة ما لم يدفن، قال: كالذي يترك القراءة في الصلاة، قال: ولو ترك بعض التكبير أنزل وأتم ما بقي من التكبير ما لم يدفن 228. واختلف أيضًا فيمن دفن بعد أن صلي عليه، فالمشهور من المذهب أن لا تعاد الصلاة عليه 229، وذكر ابن القصار عن مالك: أنه أجاز ذلك، ورأى ما وارى اللَّحد منه بمنزلة ما وارى الكفن 230، فيصير بمنزلة من أعيدت عليه الصلاة قبل الدفن، وقد فعل ذلك أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - صلين على سعد بن أبي وقاص 231، وعبد الرحمن بن عوف 232 بعد صلاة الناس عليهما، وإنما يتقى ذلك بعد الدفن حماية أن تتخذ مساجد، لما في الحديث 233.

الجزء: 2 - الصفحة: 676

باب في اجتماع الجنائز ومنازل الأولياء

ومن المدونة: قال مالك في الجنازتين تجتمعان للصلاة فقدم 234 إحداهما للصلاة: ليس بحسن 235، وإن صُلِّي على جنازة ثم أتي بأخرى فنحيت الأولى ووضعت حتى يُصلَّى على الأخرى 236، قال: هذا خفيف، وإن أتي بالثانية قبل 237 أن يسلم من الأولى لم تدخل في صلاة الأولى، فإن نوى ذلك أجزأت عن الأولى وأعادوا الصلاة على الثانية 238. وفي المبسوط قيل لمالك: فإن صلوا 239 على الأولى ثم أتي بأخرى فأرادوا أن يصلوا على الأخيرة؟ قال: إن بقي مع الأولى من يكتفى به حتى لا يحتاج إلى من انصرف عنها فلا بأس.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: إذا لم تكن إحدى الجنازتين جارًا أو قريبًا كان بالخيار بين أن يمضي مع الأولى، أو يصلي على التي جيء بها, للحديث أن الأجر 240 في الصلاة والدفن سواء، وإن كانت الأولى لقريب أو جار والثانية لأجنبي مضى مع الأولى، وإن كانت الأولى لأجنبي والثانية لقريب أو جار صلى على الثانية ومضى معها، وإن كانتا لجارين أو قريبين لم يمض مع الأولى وصلى على الثانية ومضى معها, ليكون قد قام بما يجب لهما.

الجزء: 2 - الصفحة: 677

وقال مالك في الجنائز تجتمع: إن كانوا رجالًا كلهم جعلوا صفًا 241 واحدًا خلف واحد، ويقوم الإِمام ويبدأ بأهل السِّنِّ والفضل، ثم قال: ذلك واسع إن شاؤوا جعلوهم صفًا واحدًا، ويقوم الإِمام عند وسط الأوسط منهم 242، وإن (ب) شاؤوا واحدًا خلف واحد، قال: وإن كن نساء فكذلك يصنع بهن كما يصنع بالرجال بعضهن خلف بعض، أو صفًا واحدًا 243، وهو في النساء أحسن ليبعد بهن عن الجماعة.
وكذلك الرجال إذا لم يكثر الكفن ولم يكن قطن.
وإن كانوا رجالًا ونساءً أو صبيانًا وعبيدًا وجعل بعضهم خلف بعض قدم 244 الرجال، ثم الصبيان، ثم العبيد، ثم الخناثى، ثم النساء، ثم الصبايات، ثم الإماء، ويجعل أفضل الرجال مما يلي الإِمام، وإن لم يكن فضل أو لم يعلم 245 فالأسن، ويراعى مثل ذلك في العبيد والنساء يكون الأفضل مما يلي الإِمام 246، فإن لم يكن فضل أو لم يعلم فالأسن.
واستحب إذا كان فيهم خصي وهو حر أن يقدم على الصبيان؛ لأن الذي نزل به لم ينقله عن الذكورية، وقد قيل: إنه يكون إمامًا راتبًا في الفرائض لمن 247 هو غير خصي، فهو في الجنازة أبين ألا يقدم الصبي عليه.

الجزء: 2 - الصفحة: 678

فصل في اختلاف الأولياء

واختلف إذا اختلف 248 أولياء الجنائز فقيل: يقدم 249 أفضل الأولياء، وإن كان ميته مؤخرًا، وقيل: يقدم 250 ولي أفضل الميتين؛ لأنه هو الذي يلي الإِمام، ومثله إذا كان رجلًا وامرأة, وكان ولي المرأة أفضل، فقول مالك يتقدم ولي المرأة 251، وقول ابن الماجشون: يتقدم ولي الرجل؛ لأنه يقول هذا وليي 252، فأنا أتقدم عليه 253، وغيره تبع، وأرى إن تشاحا أن يتقدم كل واحد على وليّه ولا يجمعون 254 في صلاة واحدة, ويقرع بينهم في أيهم يبتدئ إلا أن يتراضيا أن يبدأ بأحدهما.

الجزء: 2 - الصفحة: 679

باب في منازل الأولياء في المتقدم (1) على الميت الواحد (2) والوصيّ (3)، والسلطان

الصلاة على الميت إلى الأولياء، وأولاهم الابن، ثم ابن الابن، ثم الأب، ثم ابنه وهو الأخ، ثم ابن الأخ، ثم الجد، ثم ابنه وهو العم، ثم ابن العم وإن سفل، ثم المولى الأعلى، وكل هؤلاء أول من الزوج، والزوج أولى منهم بغسلها وإنزالها في قبرها، وهذا قول مالك وأصحابه 258، وأنزلوا 259 هذا منزلة التعصيب والقيام بالدم، وأرى أن يندب ابن الميت أن يقدم أبا الميت؛ لأنه جده, واستحب لأخي الميت أن يقدم جده, ولا ينبغي أن يتقدم ولد 260 الوليّ 261 جده؛ لأنه أب كما لا يتقدمه في صلاة الفريضة، إلا أن يكون الابن أو 262 الأخ ممن له الفضل والصلاح، وليس كذلك الجد.
وإن اجتمع وليّ ومن أوصاه الميت بالصلاة عليه كان الموصى إليه بالصلاة 263 أولى؛ لأن ذلك من حق الميت وهو أعلم بمن يستشفع له، قال مالك في العتبية: إلا أن يعلم أن ذلك كان من الميت لعداوة بينه وبين ولده، وإنما أراد أن يغيظه, فلا تجوز وصيته، يريد: إذا كان الوليّ ممن له دين وفضل، وإلا كان الموصى إليه أولي؛ لأن الولي إذا لم يكن معروفًا بالخير، وكانت العداوة؛ اتهم في255256257

الجزء: 2 - الصفحة: 680

التقصير له في الدعاء، وإذا لم يكن له ولد وكان ابن عم مع العداوة كان ذلك ابن، وأرى إذا كان الوليّ معروفًا بالدين والفضل أن يقدم على الموصى له وان لم تكن عداوة؛ لأن في تقدمة الأجنبيّ وصما 264 على الوليّ.
وإن كان موصى إليه على الصلاة وسلطان كان الموصى إليه أولى؛ لأن ذلك من حق الميت وهو الناظر لنفسه.
وإن كان ولي وسلطان كان السلطان أولى إذا كان الأمير الأعلى.
واختلف فيمن سواه على ثلاثة أقوال: فقال مطرف وابن عبد الحكم وأصبغ: الولي أولى، وإنما ذلك للأمير الذي تؤدى إليه الطاعة دون من إليه الصلاة من قاضٍ أو صاحب شرطة أو خليفة الوالي الأكبر 265. وقال مالك في المدونة: ذلك إلى أمير المصر إذا حضر، وكذلك القاضي وصاحب الشرطة إذا كانت إليهما 266 الصلاة 267. قال في المجموعة: فإن كان القاضي لا يصلي فليس بأحق, قال 268 سحنون: وكذلك أمير الجند إذا كانت له الخطبة, والقاضي إذا لم تكن له الصلاة كغيره من الناس، وإنما يكون صاحب الصلاة والمنبر 269 أحق من الأولياء، إذا كان إليه سلطان الحكم من قضاء، أو شرطة، وإلا فهو كسائر الناس 270. فلم يجعل ذلك إليه إلا باجتماع

الجزء: 2 - الصفحة: 681

شيئين 271: أن تكون بيده أسباب السلطنة وهو القضاء أو الشرطة، والآخر: أن يكون الأمير الأعلى جعل ذلك إليه وهذا راجع إلى الاختلاف في الولي الأقرب يجعل ما بيده من الصلاة للأجنبي، فقيل: ذلك له وإن كره الأبعد.
وقيل: ليس ذلك له، والأبعد أحق, وكذلك السلطان هو بنفسه أحق, فإن جعل ذلك إلى غيره كان الولي أولى على أحد القولين، وإذا كان الابن أو الأخ أو غيرهما من الأولياء غير بالغ كان كالعدم، ليس إليه صلاة ولا استخلاف، وذلك إلى من بعده من ولي لو لم يكن هو، فإن لم يكن ولي فأحد صالحي المؤمنين.

الجزء: 2 - الصفحة: 682

باب في الشهيد هل يغسل، أو يكفن أو يصلى عليه

ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أمر بقتلى أُحدٍ فدفنوا على هيئتهم ولم يغسلوا ولم يكفنوا ولم يُصلَّ عليهم 272. وقال مالك في الشهيد في المعترك: لا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه ويدفن بثيابه 273. ولا خلاف في المذهب في ذلك إذا مات بحضرة القتل بأرض الحرب 274. واختلف إذا لم يمت بفور القتل، وإذا قتله العدو بأرض الإِسلام، وهل يزاد على ما عليه؟ وفيما ينزع عنه؟ فأما حياته بعد القتال 275، فقال مالك: إن عاش فأكل أو شرب، أو عاش حياة بينة غسل وكفن وصُلي عليه, وإن كان إنما هو رمق وهو 276 في غمرات الموت فلا يغسل ولا يصلى عليه 277، وقال أشهب: إنما ذلك فيمن مات في المعترك فقضى، فأما من حمل إلى داره فمات، أو مات في أيدي الرجال، أو بقي في المعترك حتى مات، فإنه يُغسّل ويصلى عليه 278، وقال سحنون: إذا بقي في المعترك وكانت له حياة بينة حتى لا يقتل قاتله إلا بقسامة غسل وصلي عليه 279، وقال

الجزء: 2 - الصفحة: 683

ابن القصار: إذا عاش يومًا أو أكثر فأكل أو شرب 280 غُسل وصُلي عليه، فأما قول أشهب فليس بالبين؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يصل على قتلى أحد وهم سبعون 281. والغالب أن موتهم مختلف فلم يفرق.
وقد قيل: إن ترك الصلاة عليهم؛ لأنهم أحياء عند ربهم يرزقون، فعلى هذا يكون قول سحنون حسنًا؛ لأنه مات بقتل العدو فدخل 282 بذلك في عموم الآية بخلاف من لم تنفذ مقاتله، لإمكان أن يكون مات من غير ذلك، ولأنه لو كان ذلك القتل من مسلم لم يقتل قاتله إلا بقسامة.
وقال ابن القاسم: إذا أغار أهل الحرب على قرية من قرى المسلمين فدفع المسلمون عن أنفسهم أنه يصنع بهم ما يصنع بالشهداء 283. وقال في العتبية: إن قتلوهم 284 في منازلهم في غير معترك ولا ملاقاة فإنهم 285 يغسلون 286 ويصلى عليهم، بخلاف من قتل في المعترك 287، وقال ابن وهب: هم بمنزلة من قتل في المعترك 288، وقاله أصبغ قال 289: وكذلك إن غافصوهم أو قتلوهم وهم نيام،

الجزء: 2 - الصفحة: 684

وكذلك إذا كانت فيهم 290 امرأة أو صبي صغير قتلوا بسلاح أو غيره، يفعل بهم ما يفعل بالشهيد 291، وقال ابن شعبان: الشهيد من قتل بأرض الحرب خاصة، من الرجال والنساء والصبيان 292. فحمل ابن وهب الأمر على عمومه فيمن قتله العدو، وحمل ابن القاسم ذلك فيمن نزل به ما نزل بمن لم يصلَّ 293 عليهم، وأنهم كانوا في ملاقاة، فما خرج عن ذلك بقي على الأصل في الموتى أنهم 294 يغسلون ويصلى عليهم، ولم يفرق بين أن تكون الملاقاة بأرض الحرب أو بأرض الإِسلام، وقد كان قتلى أحد بأرض الإِسلام وكان العدو 295 هو الزاحف إليهم، وقد صُلي على عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، وكان القاتل له كافرًا، فيحتمل أن يكون ذلك؛ لأنه قتل في غير معترك، أو يكون ذلك؛ لأنه عاش وأكل وشرب وإن كان قد أنفذت مقاتله، أو يكون لأنهم رأوا أن ترك الصلاة على الشهيد منسوخ، لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه خرج إلى قتلى أحد قبل موته فصلى عليهم صلاته على الميت.
296 أخرجه البخاري ومسلم 297. وسئل ابن عمر عن غسل الشهيد فقال: قد غسل عمر وكفن وحنط وصلي عليه، وكان شهيدًا 298.

الجزء: 2 - الصفحة: 685

فصل [تكفين الشهيد]

لا خلاف في الشهيد يوجد 299 عُريانًا أنه يوارى بثوب، وإن كان عليه ما لا يستر جميع جسده أنه يعم بقية ذلك بما يستره، والأصل في ذلك حديث مصعب بن عمير: قُتل يوم أحد ولم يترك إلا نَمِرَة له إن غطي بها رأسه بدت رجلاه وإن غطيت بها رجلاه بدا رأسه فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "غَطُّوا رَأْسَهُ وَاجْعَلُوا 300 عَلَى رِجْلَيْهِ مِنَ 301 الإِذْخِرِ" 302. وإن لم يوجد إلا دون ذلك غطي من سرته إلى ركبتيه 303، فإن كان فيه 304 فضل غطي ما فوق ذلك إلى صدره.
واختلف إذا كان عليه ما يواري جميع جسده 305 فقال مالك: لا يزاد عليه شيء 306، وقال أشهب في مدونته وأصبغ في العتبية: لا بأس بذلك 307، والأول أحسن وأتبع للأثر، ومحمل الحديث أنه يبعث يوم القيامة على هيئة ما قتل عليه, لله سبحانه، وكما قال في المحرم: "لا تخمِّرُوا رَأْسَهُ وَلاَ تَمسّوهُ بِطِيب وَكفِّنُوهُ في ثَوْبَيْهِ 308 فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ القِيَامَةِ مُلَبِّيًا" 309، وقال: "لا يُكْلَمُ أَحَدٌ في سَبيلِ اللهِ- واللهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ في سَبِيلِهِ- إِلاَّ جَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ وَجُرْحُهُ يَثْعَبُ دمًا

الجزء: 2 - الصفحة: 686

اللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ وَالرِّيحُ رِيحُ المِسْكِ 310 " 311، واختلف فيما ينزع عنه، فقال ابن القاسم: ينزع عنه الدرع والسيف والرمح، يريد: آلة الحرب، ولا ينزع الفرو ولا القلنسوة ولا الخفان 312، وقال في العتبية: ولا المنطقة إلا أن يكون لها خطب 313، وقال مالك في مختصر ما ليس في المختصر: يدفن في الثوب الحديد 314 الذي يلبسه للنشاب 315 والمنطقة، يريد بالحديد 316: الدرع، وعلى هذا لا تنزع 317 عنه الفاتخة.
وقال ابن القاسم في العتبية: لا ينزع عنه 318 الخاتم إلا أن يكون نفيس الفص 319، وعلى قوله لا ينزع عنه الثوب الجديد إلا أن يكون كثير الثمن.
وقال أشهب في مدونته: تنزع عنه القلنسوة والخفان والحشو، وليس هذا بحسن، وأرى ألا ينزع عنه شيء، إلا السيف، والرمح، ونزع الخاتم خفيف.
وقال أشهب في العتبية فيمن مات في المعترك وهو جنب: لا يغسل ولا يصلى عليه 320، وقاله 321 ابن الماجشون 322، وقال سحنون: يغسل 323.

الجزء: 2 - الصفحة: 687

باب في تلقين الميت, وغسله, وتجريده, والماء الذي يغسل به، والثوب الذي ينشف به، واغتسال غاسله

يلقن الميت عند الاحتضار 324: لا إله إلا الله؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللهُ" 325 أخرجه مسلم، ولقوله: "مَنْ كانَ آخِرُ قَوْلهِ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللهُ دَخَلَ الجَنّة" 326، ويعاد ذلك عليه مرة بعد مرة، ويجعل بينهما مهلة.
ويستحب أن يقرأ عنده القرآن، ويكون عنده طيب، ويجتنبه الحائض والجنب، واختلف في ذلك، والمنع أولى؛ لما روي: "أن المَلاِئكَةَ لا تَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ جُنُب" 327. ويغمض إذا قضى، وغمض النبي - صلى الله عليه وسلم - أبا سلمة 328، وقيل: إن أبا بكر غمَّض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وليس بصحيح، والذي في الصحيح 329 أنه كان غائبًا عند موته وأتى

الجزء: 2 - الصفحة: 688

وعمر يقول: إنه لم يمت، فتلا: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: 30] 330. وقال ابن شعبان: لا يؤخر غسل الميت بعد خروج روحه 331، يريد: خيفة تغير الرائحة 332 والانفجار، ولا حجة في تأخير غسل النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لأن ذلك مأمون عليه.
ويبتدئ الغاسل بالميامن ومواضع الوضوء؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في ابنته: "ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِعِ الوُضُوءِ مِنْهَا" 333، "واغْسِلْنَهَا ثَلاَثًا أَوْ خَمْسًا... بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَاجْعَلْنَ فِي الآخِرَةِ كَافُورا..." 334 وفي حديث آخر: "... أَوْ سَبْعًا..." 335، وقد تضمن هذا الحديث البداية بالميامن، وأن يوضأ، وأن يكون وترًا من الثلاث إلى ما بعد، وجواز غسله بالماء المضاف، ثم يفيض الماء على سائر جسده، ويخص بالإنقاء الفم والأنف والأرفاغ كالإبطين وغيرهما, ولا بأس أن يفضي باليد إلى الفرج إذا كانا زوجين، أو ملك يمين، وإن كانا أجنبيين لف على يده ثوبًا كثيفًا لا يجد معه حس 336 ما تمر عليه اليد.

الجزء: 2 - الصفحة: 689

واختلف إذا كان في الموضع أذى لا يزيله إلا مباشرة (1) اليد، فأجاز مالك (2) في المدونة أن يباشر ذلك (3)، ومنعه ابن حبيب، وهو أحسن، ولا يكون الميت في إزالة تلك (4) النجاسة أعلى رتبة من الحي إذا كان لا يستطيع إزالتها لعلة أو لغيرها إلا بمباشرة غيره لذلك الموضع، فإنه لا يجوز أن يوكل من يمس فرجه لإزالة ذلك، ويجوز أن يصلي على حاله، فهو في الميت أخف، ولا يكشف ويباشر ذلك منه.
ولا يقتصر الغاسل على دون الثلاث؛ لأن الاقتصار على الواحدة لا يأتي على ما يراد من الإنقاء، والاقتصار على اثنتين خلاف ما تضمنه الحديث من أن يكون وترًا، وإن أنقى في أربع زاد خامسة، وإن أنقى في ست زاد سابعة.

فصل في تجريد الميت عند الغسل وستر عورته

تجريد الميت عند الغسل، وستر عورته أو جميع جسده, أو منع غسله جملة, يختلف 341، وذلك راجع إلى صفة المغسول والغاسل، وهما على سبعة أوجه: غسل الرجل الرجل، والمرأة المرأة، والرجل المرأة 342، والمرأة الرجل إذا كانا زوجين، أو بينهما محرم، أو أجنبين لا زوجية بينهما ولا محرم 343، وغسل الصبي والصبية.
فأما غسل الرجل الرجل، فاختلف فيه على ثلاثة أقوال: فقيل: يجرد ما سوى السوأتين 344، وهو قول مالك في المدونة 345، وقال ابن حبيب: من السرة337338339340

الجزء: 2 - الصفحة: 690

إلى الركبة 346، وهذا راجع إلى ما تقدم في كتاب 347 الصلاة، هل الفخذ عورة، أم لا؟ والسترة 348 في ذلك أحسن.
وصفة ستر العورة أن يجمع ثوبًا ويجعل هناك، وليس يبسط؛ لأنه يصف، وقال محمَّد بن سحنون 349: استحب أن يجعل على صدره خرقة 350، وهذا أحسن فيمن طال مرضه، ونحل جسمه؛ لأن منظره حينئذٍ يقبح، والميت يكره أن يرى ذلك منه في حال الحياة.
وأما غَسل المرأة المرأة، فالظاهر من المذهب أنها تستر منها ما يستر الرجل من الرجل من السرة إلى الركبة، وعلى قول سحنون تستر جميع جسدها؛ لأنه قال في المرأة تدخل الحمام: إنها تدخل في ثوب 351 يستر جميع جسدها، وقد يستخف ذلك في المتجالة.
واختلف في غسل أحد الزوجين الآخر مجردًا 352، فقال مالك في المدونة: يستر كل واحد منهما عورة صاحبه 353، وأجاز ابن حبيب أن يغسل كل واحد منهما صاحبه بادي العورة 354، والأمر في ذلك واسع، إلا أن يحتاج الغاسل في ذلك إلى معونة غيره فليستر 355 العورة بلا خلاف، ثم ينظر فيما بعد ذلك، فإن غسل الزوج زوجته وكان المشارك له في الغسل أحدًا من ذوي محارمها أعني 356 في صب الماء، ستر جميع جسدها، فإن كانت امرأة متجالة ستر من

الجزء: 2 - الصفحة: 691

السرة إلى الركبة، وكذلك إذا كانت امرأة من ذوي محارمه 357، ولا ينبغي أن يعاونه في ذلك أحد من ذوي محارمها من النساء إذا كانت متجالة 358، ويباعد بين أنفاس الرجال والنساء 359. وأما غسل المرأة زوجها فلا بأس أن يشاركها في ذلك النساء في صب الماء من غير مس، أو أحد من ذوي محارمها من الرجال، وتستر منه من السرة إلى الركبة، ولا يشاركها في ذلك أحد من 360 أولياء الرجل، إلا أن تكون الزوجة متجالة.
وأما غسل الصبي، فإن كان صغيرًا، أو في الإثغار، فلا بأس أن يغسل مجردًا 361، وأن يغسله النساء مع وجود الرجال، فإن ناهز الحلم جرى على حكم الرجل، فيغسله الرجال مستور السوءة 362، ولا يغسله النساء.
وأما غسل الصبية، فإن لم تبلغ أن تشتهى جاز أن يغسلها النساء مجردة، وستر العورة 363 أفضل، ولا بأس أن يغسلها الرجال عند عدم النساء، وتستر سوءتها 364، وإن بلغت أن تشتهى جرت على أحكام المرأة.
واختلف إذا ماتت المرأة مع الرجال وليس هناك نساء، أو مات رجل مع نساء وليس هناك رجال وبينهم 365 رحم محرم، فأجاز مالك في المدونة أن يغسل كل واحد منهما الآخر من فوق الثوب 366، وقال أشهب: أحب 367 إليّ في أمه

الجزء: 2 - الصفحة: 692

وأخته أن ييممهما، وكذلك المرأة في ابنها 368، وقاله ابن نافع في المبسوط.
وقال مالك: لا أرى أن يغسل زوج المرأة أم امرأته ولكن ييممها.
وفرق بين أن يكون التحريم من 369 النسب أو 370 الصهر.
وهذا أحسن، وليس ذلك في نفوس 371 الناس كتحريم النسب، وإذا كان بينهما محرم من النسب، وغسلت المرأة الرجل، فلا بأس أن تلصق الثوب بالجسد، وتحرك الثوب وتغسل به 372. وإن غسل الرجل المرأة صب الماء من تحت الثوب ولم يلصقه بها لئلا يصف، ويلف على يده ثوبًا كثيفًا، ويمرها من تحت الثوب.
وإذا 373 لم يكن بينهما محرم رجع إلى التيمم فتُيَمِّم المرأةُ الرجلَ، الوجه واليدين إلى المرفقين، وييمم الرجلُ المرأةَ إلى الكوعين.

الجزء: 2 - الصفحة: 693

فصل [في الماء الذي يغسل به]

واختلف في الماء الذي يغسل به فقال مالك في المدونة: يغسل بماء وسدر، ويجعل في الآخرة 374 كافورًا إن تيسر 375، فأجاز غسله بالمضاف من الماء، كما في الحديث 376. وقال ابن حبيب: يغسل في الأولى 377 بالماء وحده، وفي الثانية بماء وسدر، وفي الثالثة بغير سدر 378 ويجعل فيه كافورًا، والأول أبين للحديث، وللاختلاف في وضوء الحي بالماء المضاف.
وقال ابن شعبان: لو غسل بماء الورد والقرنفل لم أكرهه إلا من ناحية السرف 379؛ لأنه لا يطهر فيختار 380 له من الماء ما يطهر به 381، وقول 382 مالك: إنه 383 ييمم عند عدم الماء 384، دليل على أن ذلك عبادة.
قال: ولا يغسل بماء زمزم 385، وهذا يصح على أصله؛ لأنه يقول: إن

الجزء: 2 - الصفحة: 694

الميت نجس, ولا يقرب ذلك الماء للنجاسة (1)، وقد ذكر أن بعض الناس استنجى به فحدث به الباسور (2)، وأهل مكة يتوقون ذلك ولا يرون (3) الاستنجاء به، وعلى القول إن الميت طاهر يجوز أن يغسل بماء زمزم، بل هو أولى؛ لما يرجى من بركته.

فصل لا ينجس الثوب الذي ينشف به الميت

وقال سحنون: لا ينجس الثوب الذي ينشف فيه 389 الميت 390، وقال محمَّد بن عبد الحكم: 391 ينجس 392، وتقدم قول ابن القاسم إن الميت نجس, وعلى قوله، ينجس الثوب الذي ينشف فيه، والقول إنه طاهر أحسن، وقد مضى بيان ذلك، ويختلف فيما يصيب الإنسان من مائه على الاختلاف المتقدم في نجاسته.
وقال مالك في العتبية: يغتسل غاسل الميت وعليه أدركت الناس 393، واستحب ذلك ابن القاسم وأشهب 394، وقال ابن حبيب: لا غسل عليه 395، وقاله386387388

الجزء: 2 - الصفحة: 695

جملة (1) من الصحابة والتابعين - رضي الله عنهم -، وذكر حديث أسماء (2)، فقيل: الوجه في استحباب اغتساله الثلاث (3)، لئلا يتوقى غاسله ما يصيبه، فلا يبالغ في غسله لتحفظه منه.

فصل أولياء الميت أولى بغسله

والأولياء أولى بغسل الميت، وأولاهم بغسله أولاهم بالصلاة عليه، وأما المرأة فأولى النساء بغسلها ابنتها، ثم ابنة الابن، ثم على مثل منازل الرجال لغسل الرجل.
والزوجان أولى بغسل بعضهما بعضًا، والأصل في ذلك غسل أسماء لأبي بكر 399، وغسل علي لفاطمة 400 رضوان الله عليهما 401، وقالت عائشة - رضي الله عنها -: "لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا غَسَّلَ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إِلا أَزْوَاجُهُ" 402.396397398

الجزء: 2 - الصفحة: 696

ويغسل الرجل 403 زوجته وإن كان عبدًا وهي حرة، وتغسله زوجته وإن كانت أمة وهو حر.
قال سحنون: وتغسل النصرانية زوجها المسلم بحضرة المسلمين، قال: ويقضى للرجل بغسل زوجته الحرة، إذا كان الزوج حرًا أو عبدًا وأذن له سيده.
ولا يقضى للمرأة بغسل زوجها على أوليائه، وقال محمد: يقضى لها، قال سحنون: ولا يقضى للزوج بغسل زوجته إذا كانت أمة 404. ففرق بين القضاء له ولها مع وجود الأولياء؛ لأن غسل الرجل إلى أوليائه، فلا ينتزع 405 ذلك منهم، وغسل المرأة إلى النساء دون 406 أوليائها، فكان الزوج أحق منهن 407، فإن لم يكن للزوج ولي، أو كان وعجز عن الغسل، أو 408 أحب أن يجعل ذلك إلى غيره، كانت الزوجة أحق 409 وقضي لها بذلك 410، قولًا واحدًا، ولهذا قضي للزوج إذا كان عبدًا وأذن له سيده، وإن كانت الزوجة حرة؛ لأن القضاء بذلك على النساء ليس على الأولياء.
ولم يُقضَ للزوج بغسل زوجته إذا كانت أمة؛ لأن القضاء بذلك على وليها وهو السيد، وكأنه أجاز للسيد غسلها والاطلاع عليها، وليس بالبين، والزوج أحق منه، وأما قوله 411: لا يقضى للزوجة إذا كان الزوج عبدًا، فصحيح على أصله إذا كان السيد رجلًا، أو كان للعبد أولياء، والسيد يقدم = (26349)، والحاكم: 3/ 61، في كتاب المغازي والسرايا، برقم (4398)، والبيهقي: 3/ 387، في باب ما يستحب من غسل الميت في قميص، من كتاب الجنائز، برقم (6413)، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه وسكت عنه الذهبي في التلخيص.

الجزء: 2 - الصفحة: 697

على الأولياء، فإن أسقط حقه كان الأمر إلى الأولياء، وإن كان العبد (1) ملكًا لامرأة كان الأمر إلى أولياء العبد، ابنه أو (2) أخيه أو (3) ما أشبه ذلك، فإن لم يكن ولي قضي للزوجة، ولم يكن لسيدته (4) منعها إن قالت: أنا أُولِّي ذلك أجنبيًا، وعلى قول محمد يقضى للزوجة على جميع من ذكر من مولى أو ولي، وهو أحسن، والزوجة أستر لزوجها، ولا يؤمن عند تقليبه أن ينكشف.

فصل [وإذا كان النكاح مجمعًا على فساده لم يغسِّل أحدهما الآخر]

وإذا كان النكاح فاسدًا مجمعًا على فساده لم يغسل أحدهما الاخر، وإن كان مختلفًا فيه 416 مما يمضي بالعقد، مضى على حكم الصحيح، وإن كان مما 417 يفسخ قبل ويثبت بعد مُنعا الغسل قبل، ولم يمنعاه بعد، وقال سحنون: إذا كان النكاح في المرض لم يغسل أحدهما الآخر؛ لأنهما لا يتوارثان، ولأن من أصحابنا من يفسخه إذا صح 418، وهذا أحسن 419 مع وجود من يجوز 420 منه الغسل، فإن عدم وصار الأمر إلى التيمم، كان غسل أحدهما الآخر من فوق 421 الثوب أحسن؛ لأن غير واحد من أهل العلم أجازه.
قال سحنون: وإن ظهر بأحدهما عيب، جنون أو جذام أو برص فالغسل بينهما جائز 422،412413414415

الجزء: 2 - الصفحة: 698

وهذا يصح على قول ابن القاسم؛ لأنه يقول: إذا وقع الطلاق أو 423 الموت فات موضع الرد 424، وأما على قول عبد الملك فإنه إذا مات الزوج وكان العيب به غسلته؛ لأن الإجازة خير لها، فتأخذ الصداق، والميراث 425. وإن كان العيب بها 426 كان لأوليائه أن يقوموا بالعيب ويمنعوها الميراث، والصداق، فلا تغسله، وإن كانت هي الميتة والعيب بها وقام الزوج بالعيب ليسقط 427 عن نفسه الصداق وكانت فقيرة لم يغسلها.
وكذلك إذا كان العيب به 428 وقام أولياؤها بالعيب ليمنعوه الميراث لم يغسلها.
وإن زالت العصمة بطلاق بائن ثلاثًا، أو واحدة بخلع، ومات أحدهما في العدة، لم يكن بينهما غسل.
واختلف في الرجعي، فمنع ذلك في المدونة، وأجازه في المبسوط؛ لبقاء الموارثة، والأول أحسن؛ لأن المراعى التحريم في حال الحياة، وقد كانت حرامًا لا يجوز له مسها قبل أن يحدث رجعة، فكذلك بعد الموت لا يجوز له أن يمسها، ولا لها أن تطلع عليه.
وأما الملك، فيجوز أن يغسل كل واحد منهما الآخر، إذا كانت الإصابة جائزة في حال الحياة كالأمة والمدبرة، وإن لم يجرِ بينهما من ذلك شيء في حال الحياة، وأم الولد، وهم في ذلك كالزوجين وإن انتقل ملك الأمة إلى الورثة بنفس الموت، ولا يجوز ذلك فيمن لا تجوز بينهم 429 الإصابة كالمعتقة إلى أجل، والمعتق بعضها، ومن له فيها شرك، والمكاتبة، ولا غسل بين المرأة وعبدها ولا مدبرها.

الجزء: 2 - الصفحة: 699

باب في الحنوط للميت

ويحنط الميت بالمسك والكافور، والعنبر، وغير ذلك من الطيب، وكل جنس طاهر يتطيب به وكذلك العنبر، وإن صح أنه تقذفه دابة من دواب البحر فإنه طاهر.
ومواضع الحنوط خمسة: على ظاهر جسد الميت، وفيما بين أكفانه، ولا يجعل فوق الكفن، وهو 430 قول مالك في المدونة 431. والثالث: أن يجعل على 432 المساجد السبع 433: الجبهة 434، والأنف والركبتين، وأطراف أصابع الرجلين، واليدين 435، وهو قول ابن القاسم في شرح ابن مزين للموطأ 436. والرابع: أن يجعل في منافذ الوجه السبعة: الأذنين، والعينين، والفم، والمنخرين.
والخامس: أن يجعل في المغابن، وهي: الأرفاغ، وهو: كل موضع يجتمع فيه الوسخ: الإبطين 437، ومراجع الركبتين، وهي المآبض، وهو قول عطاء.
وهذا مع اتساع الطيب، فإن قل فالبداية عند ابن القاسم في شرح ابن مزين بالمساجد السبعة، وأراه فعل ذلك إكرامًا لتلك المواضع لما كان يتقرب بها 438 إلى الله سبحانه.
قال: فإن كثر فعلى الجسد، وبين الأكفان، ولم يزد على ذلك 439.

الجزء: 2 - الصفحة: 700

باب في كفن الميت وهل يكون من رأس المال؟ وتكفين من لا مال له وتحسين (1) الكفن وصفته

الكفن من رأس المال مبدًّى على الورثة والغرماء، فإن لم يخلف الميت إلا قدر كفنه كفن منه 441، ولم يكن للغرماء ولا للورثة في ذلك مقال، إلا أن يكون رهنًا فإن المرتهن أحق به.
والأصل في كونه من رأس المال حديث مصعب بن عمير: قتل يوم أحد ولم يترك إلا نمرة كفن فيها 442، ولا خلاف في ذلك.
واختلف إذا سرق كفنه بعد الدفن، فقال مالك في المبسوط: يجدد له كفن.
وقال ابن القاسم في العتبية: من رأس المال، وإن كان عليه دين، كالأول 443. وقال سحنون: ليس ذلك على ورثته 444. وقال أيضًا: إن لم يقسم ماله كُفِّنَ من رأس المال، وإن قسم فلا شيء على ورثته، وإن 445 أوصى بثلثه لم يجدد كفنه من ثلث ولا غيره 446. قال: وإن وجد بعد ذلك الكفن المسروق بعد أن دفن كان ميراثًا.
قال محمد بن عبد الحكم: إلا أن يكون عليه دين فيكون للغرماء.440

الجزء: 2 - الصفحة: 701

فصل يكفن الميت من تلزمه نفقته

وإذا لم يكن للميت مال، وكان له من تلزمه 447 نفقته من والد أو ولد، كان كفنه عليه، فعلى الأب أن يكفن ولده الصغير، والكبير الزَّمِن، وعلى الابن أن يكفن أبويه، وهو قول ابن القاسم وابن الماجشون.
وإذا لم يكن له والد أو ولد، أو كانوا فقراء فعلى بيت المال، فإن لم يكن بيت مال، أو لم يقدر على ذلك منه 448 فعلى جميع المسلمين.
وقال أصبغ: ليس ذلك على الابن ولا على الأب.
وفرق بين النفقة في الحياة والكفن، واختلف في ذلك قول سحنون فقال مرة: ذلك على الأب في ابنه الصغير وفي ابنته البكر.
وقال مرة: ليس ذلك عليه، وقال أيضًا: استحسن ذلك في الولد، وأما الأبوان فلا شيء عليه فيهما، والقول الأول أحسن.
ولا فرق بين النفقة، والكسوة، والكفن، والمؤن، حتى يواريه في قبره، وقد فهم من الشرع أن الله سبحانه خص كل واحد من هؤلاء بالقيام بالآخر عند العدم لدفع المعرة، ولا يتكفف الناس، والإجماع 449 على أن على السيد 450 أن يكفن عبده 451 وإن سقط الملك 452 بالموت.
واختلف في الزوجة على ثلاثة أقوال: فقال مالك مرة 453 في الواضحة: يقضى على الزوج بكفن زوجته وإن كانت موسرة 454، وقال في العتبية: إن كانت موسرة فمن مالها، وإن كانت معسرة فعليه 455. وقال ابن القاسم

الجزء: 2 - الصفحة: 702

وسحنون: لا شيء على الزوج بحال 456، وهو أحسن؛ لأن النفقة كانت على وجه المعاوضة لمكان الزوجية، وقد انقطعت بالموت.
وإن اجتمع أبي وزوج، فإن لم يكن دخل الزوج فعلى الأب، وإن دخل بها 457 سقط عن 458 الأب، ويختلف في الزوج حسب ما تقدم.
وإن اجتمع أب وابن كان الكفن على الابن؛ لأن نفقته كانت في حال الحياة على الولد دون الأب.
واختلف إذا كان زوج وابن، فقال مالك في العتبية: ذلك على الزوج 459، وقال ابن القاسم: على الابن 460 وهو أبين 461، فإن كان للأم 462 خادم، وكان الابن ينفق عليها 463 فإنه يختلف هل يكون كفنها على الابن؟

الجزء: 2 - الصفحة: 703

فصل [في تحسين كفن الميت]

أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يُحسَّنَ كَفَنُ المَيِّتِ.
أخرجه مسلم 464، فإن اختلف الورثة عند ذلك 465 كان القول في ذلك قول من دعا إلى ذلك، دون من دعا إلى دون ذلك مما فيه معرة أو تقصير، ودون من دعا إلى سرف.
واختلف إذا أوصى الميت أن يكفن في سرف، فقال مالك 466: الزائد على ما هو 467 سداد ساقط، ويرجع ميراثًا 468. وقال أيضًا: يجعل الفضل في ثلثه، وقال سحنون: إن أوصى أن يكفن في ثوب واحد فزاد بعض الورثة آخر وأنكر الآخرون فلا ضمان عليه إذا كان في تركتهم 469 محمل لذلك 470، يريد: لأن عليهم في كفنه في ثوب واحد وصمًا، وإن كان عليه دين لم يوسع كالأول.
وإن كان كفنه من بيت المال وسع عليه، وإن كان مواساة من الناس كان دون ذلك في باب ما يجبرون عليه.
وقال عيسى في شرح ابن مزين: يجبر الورثة والغرماء على ثلاثة أثواب من مال الميت، وإن قالوا: تكون غليظة، لم يكن ذلك لهم إذا كانت لا تشبهه 471.

الجزء: 2 - الصفحة: 704

فصل المراعى في الكفن ثلاثة

المراعى في الكفن ثلاثة: عدده، ولونه، وصفته 472. فأما عدده، فيستحب أن يكون وترًا ثلاثا إلى ما فوق ذلك 473 سبع أو خمس، ولا يكفن في واحد إلا أن لا 474 يوجد غيره، والاثنان وإن كان 475 شفعًا أولى من الواحد وإن كان وترًا؛ لأن الواحد يصف 476 والاثنان أستر، وثلاثة أولى من أربعة، وخمسة أولى من ستة 477، ولا أرى أن يجاوز السبعة؛ لأنه في معنى السرف، وإن كانت السبعة مدارج من غير قميص ولا عمامة فحسن.
واختلف في شيئن 478: العمامة والقميص، فقال مالك قي المدونة: من شأن الميت عندنا أن يعمم 479. وقال ابن حبيب أحب إلى مالك ثلاثة أثواب، تُعَدُّ فيها العمامة، والمئزر، والقميص، ويلف 480 في ثوبين، وذلك في المرأة ألزم؛ لأنها تحتاج إلى مئزر، ودرع، وخمار، وثوبين تدرج فيهما 481. واستحب في المدونة العمامة 482، وفي الواضحة: القميص، وقيل لابن القاسم في العتبية: أيجعل في الكفن عمامة أو قميص 483، أو يؤزر الميت؟ فقال:

الجزء: 2 - الصفحة: 705

أحب ما في كفن الميت إلي (1) ثلاثة أثواب لا يجعل فيها قميص ولا عمامة ولا مئزر ولكن يدرج فيها إدراجًا، وكذلك كُفِّن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (2). قال الشيخ - رضي الله عنه -: وكل ذلك واسع فيجوز أن يقتصر على المدارج (3) من غير قميص، وأن يكفن في قميص ومدارج، ولا يقتصر على قميص من غير مدارج (4)، وليس الشأن الاقتصار على العمامة والمدراج من غير قميص.

فصل ندب لون الكفن أن يكون أبيضًا

وأما الألوان 488 فيستحب البياض، فإن كان مصبوغًا فما كان بالطيب مثل: الورس، والزعفران دون الأزرق والأخضر والأسود، والرجال والنساء في ذلك سواء.
واختلف في المعصفر فكرهه مالك في المدونة 489؛ لأنه ليس بطيب، وأجازه في المجموعة.
وأما جنسه: فالكتان والقطن.
واختلف في الحرير والخز فمنع ذلك في المدونة 490 للرجال والنساء ورأى 491 أن ذلك إنما جاز لهن في الحياة 492؛ لأنه زينة، كما جاز لهن لباس الذهب، والموت يقطع ذلك، ويعدن فيه كالرجال في الحياة؛ لأنه سرف، ولأن484485486487

الجزء: 2 - الصفحة: 706

مصيره الآن 493 إلى المهنة والصديد، وكما لا يلبس الآن الحي 494، وأجاز في سماع ابن وهب الحرير للرجال والنساء، وقال: لا أحب ذلك وإن فعل فواسع، ورأى أن المنع سقط بالموت؛ لأنه حينئذٍ غير مخاطب، فأشبه لباس الصبيان له في حال الحياة 495، وقال ابن حبيب: يجوز 496 ذلك للنساء، ويمنع للرجال 497، وأجراهم فيه على حكم الحياة.
وأرى أن يجوز من ذلك 498 كل ما فيه جمال من غير سرف، والخز الذي يعمل الآن بالأندلس داخل في جملة الحرير؛ لأن سداه أو 499 طعمته حرير، وليس كالذي يعمل بالمشرق.
وقال أبو محمد عبد الوهاب: يجوز لباس الخز؛ لأنه ليس بحرير، وقد لبسه السلف، وكرهه مالك لأجل السرف 500.

الجزء: 2 - الصفحة: 707

باب في خروج النساء الى الجنائز

النساء في خروجهن إلى الجنائز ثلاث 501: متجالة: يجوز ذلك لها وإن كان الميت منها أجنبيًا.
وشابة: يجوز لها أن تخرج إذا كان الميت زوجًا أو ولدًا 502 أو أخًا أو ما أشبه ذلك 503، ولا يجوز إذا كان أجنبيًا.
وقال أيضًا: لا بأس بشهودهن الجنائز 504، ما لم يكثرن 505 كُنَّ ركبانًا أو مشاة، وقد كن يخرجن على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكانت أسماء تقود فرس الزبير وهي حامل حتى عوتب في ذلك 506، والأول أحسن، وقد قالت عائشة - رضي الله عنها -: "لَوْ أَدْرَكَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - مَا أَحْدَثَ النِّسَاءُ لمنَعَهُنَّ المَسْجِدَ 507 " 508. وامرأة برزة رائعة جسيمة 509 يكره خروجها، وإن كان الميت أحد أقاربها، ويكره لها التصرف بحال.

الجزء: 2 - الصفحة: 708

وإذا مات ميّت مع نسوة ولا رجل 510 معهن صلين عليه 511، قال ابن القاسم في المدونة: أفذاذًا، ولا تؤمهن واحدة منهن 512. وقال أشهب: يصلين عليه جماعة وتؤمهن واحدة منهن 513، وهو أحسن.
وقد روى ابن أيمن عن مالك أنه أجاز إمامة المرأة للنساء في الفريضة، فهن في الصلاة على الجنائز أولى.

الجزء: 2 - الصفحة: 709

باب في السلام من الصلاة على الجنائز

وقال مالك في المدونة: يسلم الإمام ومن خلفه تسليمة واحدة، وُيسمع الإمام من خلفه، ويسمع من خلفه 514 أنفسهم، فإن أسمعوا من يليهم فلا بأس 515. وقال في العتبية: يرد المأموم على الإمام تسليمة أخرى 516، وقال أشهب في مدونته: يسلم الإمام تسليمتين عن يمينه وشماله، ويسلم القوم كذلك، وهو أحسن أن يجري السلام في العدد على ما يجري في غيرها من الصلوات، فيرد المأموم على الإمام وعلى من على شماله بعد التسليمة التي يخرج بها 517؛ لأنّ ردّ التحية فرض، والإمام يسلّم على من خلفه فيردون عليه، وكل واحد من المأمومين قد سلم عليه 518 بالتي خرج بها صاحبه من الصلاة.

الجزء: 2 - الصفحة: 710

باب في تجصيص القبور، وتسنيمها ومن حفر قبرًا لميته (1) فدفن فيه غيره

كره مالك تجصيص القبور 520؛ لأن ذلك من المباهاة وزينة الحياة الدنيا، وتلك منازل الآخرة، وليس بموضع المباهاة، وإنما يزين الميت عمله.
واختلف في تسنيمها، والحجارة التي تبنى عليها، فكره ذلك مالك في المدونة 521، وقال ابن القاسم في العتبية: لا بأس بالحجر، والعود 522 يعرف به الرجل قبر وليه، ما لم يكتب فيه 523. وقال أشهب في مدونته: تسنيم القبر أحب إلي، فإن رفع فلا بأس 524، يريد: إن زيد على التسنيم، وقال محمد بن مسلمة: لا بأس بذلك، قال: وقبر النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر - رضي الله عنهما - مسنمة وهو أحسن.
وفي البخاري ومسلم: "أَنَّ قَبْرَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - مُسَنَّمٌ" 525. وقال خارجة بن زيد في البخاري: "رَأَيْتُنِي وَنَحْنُ شُبَّانٌ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ، وَإِنَّ أَشَدَّنَا وَثْتةً الَّذِي يَثبُ قَبْرَ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ حَتَّى يجاوِزَهُ" 526، وهذا الذي أراد أشهب بقوله: إن رفع.
ويمنع من بناء البيوت على الموتى؛ لأن ذلك مباهاة، ولا يؤمن ما يكون فيها من فساد.
وقيل لمحمد بن عبد الحكم 527 في الرجل يوصي أن يبنى على قبره، فقال: لا ولا كرامة يريد: بناء البيوت، ولا بأس بالحائط519

الجزء: 2 - الصفحة: 711

اليسير الارتفاع، ليكون حاجزًا بين 528 القبور؛ لئلا يختلط 529 على الإنسان موتاه مع غيرهم، ليترحم عليهم، ويجمع إليهم 530 غيرهم.
وليس لأحد أن يدفن في مقبرة غيره، إلا أن يضطر إلى ذلك فإن اضطر لم يمنع؛ لأن الجبانة أحباس لا يستحق فيها أحد شيئًا، ويمنع مع الاختيار؛ لأن للناس أغراضًا في صيانة موتاهم، وتعاهدهم بالترحم.
وقال سحنون: سألت بعض أهل العلم عمن 531 حفر قبرًا في الجبانة 532 فدفن غيره فيه؟ قال: على الثاني أن يحفر للأول قبرًا مثله في ذلك الموضع 533. وقال أبو بكر بن اللباد: عليه قيمة حفر ذلك القبر 534. وقال الشيخ أبو الحسن 535: عليه الأقل مما يحفر به الأول 536 أو قيمة الأول 537. وقال الشيخ - رضي الله عنه -: القياس أن يكون عليه الأكثر من قيمة الأول، أو ما يستأجر به الثاني؛ لأنه بتعديه أدخله 538 في الأجرة الثانية، وإن كان الحفر الأول في موضع مملوك أخرج منه الميت إذا كان بالفور.

الجزء: 2 - الصفحة: 712

باب في إمام الجنائز (1) تنتقض (2) طهارته، وهو يصلى عليها بالتيمم، أو بثوب نجس؟

ومن المدونة: قال ابن القاسم في إمام الجنازة يحدث بعد أن كبَّر: إنه يأخذ بيد رجل فيقدمه فيتم 541 بهم الصلاة فاستحب أن يقدمه من غير كلام وإن كان هو في غير صلاة؛ لأنه أتم 542 لصلاة المأمومين فقد يجهلون ويتكلمون عند كلامه.
واختلف فيمن أحدث ولم يجد ماءً، هل يتيمم؟ أو كان على غير طهارة، هل يبتدئ الصلاة بالتيمم؟ فقال ابن وهب: إن خرج معها على طهارة فانتقضت ولم يجد ماء تيمم، وإن خرج معها على غير طهارة لم يتيمم.
يريد: لأن من تعمد الخروج معها بغير طهارة بمنزلة من تعمد الصلاة عليها بالتيمم مع القدرة على الماء 543، ويجوز على قوله إذا 544 لم يخرج معها وكان في موضعه حتى أتي بها 545 وهو على غير طهارة أو كان الماء موجودًا فمتى 546 تشاغل بالوضوء فاتته الصلاة عليها، أو كان دخل في الصلاة بالوضوء فانتقضت 547 طهارته 548 وهو في هذا أبين.
وقال مالك في مختصر ابن عبد الحكم: لا يصلى على الجنازة في الحضر بالتيمم وهو يجد الماء، وقوله: وهو يجد الماء، مثل قول ابن وهب: إنه يجوز539540

الجزء: 2 - الصفحة: 713

مع عدمه 549. وقال أشهب في كتاب محمد فيمن رأى في ثوبه نجاسة، أو رعف في الصلاة على الجنازة، أو العيدين- فإنه يخرج ولا يتكلم، فيغسل الدم، ثم يرجع فيقضي بقية التكبير، وكذلك في العيدين، وإن قضى ما فاته من صلاة العيدين في بيته فحسن، فإن لم يكن دخل في صلاة الجنازة، ولم يعقد من صلاة 550 ركعة، وخاف إن ذهب يغسل الدم فوت صلاة العيد والجنازة، دخل كما هو في الصلاة، ولم ينصرف 551.

الجزء: 2 - الصفحة: 714

باب في الأوقات التي تصلى فيها الجنائز

552 ويصلى على الميت في الليل والنهار، وبعد العصر ما لم تصفرّ الشمس، وبعد الصبح ما لم يسفر، فإن اصفرت الشمس أخَّر حتى تغرب، فإن أسفر الصبح أخر حتى تطلع الشمس وتحل النافلة، وهذا قول مالك في المدونة 553. وفي التفريع لابن الجلاب: إن ذلك جائز إلا عند غروب الشمس وطلوعها 554. ولأبي مصعب في ذلك قول ثالث، قال: الصلاة على الجنائز جائزة في الساعات كلها.
وأرى أن تصلى ما لم تدن الشمس للغروب، أو تبرز الشمس حتى يحل النفل، لحديث عقبة بن عامر الجهني قال: "ثَلاَثُ سَاعَاتٍ نَهَى النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - أَنْ يُصَلَّى فِيهِنَّ وَأَنْ نَقْبُرَ فِيهِنَّ مَوْتَانَا: حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةً حَتَّى تَرْتَفِعَ، وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرة حَتَّى تَمِيلَ الشَّمْسُ، وَحِينَ تَصْفَرُّ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ حَتَّى تَغْرُبَ".
أخرجه مسلم 555، فإذا نهى عن أن نقبر في ذلك الوقت فالصلاة حينئذ أولى بالمنع.

الجزء: 2 - الصفحة: 715

وقال مالك: إذا حضرت المغرب والجنازة فإن بُدئ بالمغرب فهو أصوب، وإن بُدئ بالجنازة لم أر في ذلك بأسًا، يريد: ما لم يُخش على الميت فساد فيبدأ به، أو يخشى فوات المغرب فيبدأ بها وإن خشي على الميت.
وإن حضرت العشاء والجنازة، أو الظهر والجنازة بدأ بأيهما شاء، فيبدأ بالجنازة؛ لأن الوقت في الصلاة واسع ويبدأ بالصلاة إن أحب؛ لأن التنفل بعدها جائز إلا أن يخشى تغيّر الميت فيبدأ به، أو يخشى فوات وقت الصلاة بذهاب نصف الليل، أو تدخل القامة الثانية فيبدأ بالصلاة، وإن حضرت الصبح، أو العصر والجنازة، استحب البداية بالجنازة؛ لأن التنفل بعدهما مكروه، إلا أن يخشى طلوع الشمس في الصبح، أو اصفرارها في العصر، فيبدأ بالصلاة.
فصل وإذا ماتت المرأة وجنينها يضطرب في بطنها وإذا ماتت امرأة حامل وجنينها يضطرب، فإن كان غير متم، وفي وقت العادة أنها 556 إذا أسقطته وهي حية لم يعش، لم يُبْقَر عنه.
واختلف إذا كان في شهر يعيش فيه الولد إذا وضعته، كالتي دخلت في السابع أو التاسع أو العاشر، وكان متى بُقِرَ عليه رُجيت حياته، فقال مالك: لا يبقر عليه 557، وقال أشهب وسحنون: يبقر عليه 558.

الجزء: 2 - الصفحة: 716

فقدم مالك حق الأم؛ لأن في ذلك مثلة بها.
وقدم الآخران حق الولد، وهو أحسن، وإحياء نفس أولى من صيانة ذلك 559 من ميت.
وقال مالك في المبسوط: يخرج إن استطيع ذلك من مخرج الولد، وهذا مما لا يستطاع.
وإن ابتلع رجل دنانير غصبًا أو كانت وديعة فلم تخرج منه، غرمها الغاصب، موسرًا كان أو معسرًا، وإن مات الغاصب 560 ولا شيء على المودعَ إذا فعل ذلك خوفًا عليها موسرًا كان أو معسرًا وإن مات الغاصب ولا شيء له بقر بطنه وأخذت وإن خلَّف مالًا أخذت من تركته 561، ثم يعود المقال في ذلك لورثته بمنزلة ما إذا ابتلع مال نفسه، فإن كان المال يسيرًا لم يَبْقُرْ ورثته عنه.
واختلف إذا كان كثيرًا، فقال ابن القاسم في رجل لقيه لصوص ومعه جوهر له أو وديعة فابتلعه ثم قتل: فإنه يشق بطنُهُ إذا 562 لم يوصل إليه إلا بذلك، وقال في الدنانير يبتلعها: كذلك إلا أن تكون يسيرة؛ 563، وقال ابن حبيب: لا يشق بطنه وإن كانت قيمة الجوهر ألف دينار، واستشهد بقول مالك في الجنين 564، وهذا أحسن إذا كان الميت ممن له عبادة، أو رجل فقيه، أو ما أشبه

الجزء: 2 - الصفحة: 717

ذلك، فإنه يغلب حقه في دفع المثلة عنه.
وقال ابن القاسم: إذا دفن الميت في ثوب ليس له، نُبِشَ ونُزِعَ عنه إلا أن يطول أو يروح 565، وقال سحنون: إذا كان لصاحبه بيِّنة، أو صدَّقه أهل الميت، أو ادَّعى رجل أنه سقط خاتمه في القبر، أو دنانير كانت في كُمِّه، أن له أن يستخرج ذلك ما لم يتغير الميت.
تم كتاب الجنائز من التبصرة بحمد الله وحسن عونه ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم

الجزء: 2 - الصفحة: 718

فصول الكتاب · 100 فصل
فصول التبصرة للخمي
المقدمةكتاب الطهارةكتاب الصلاة الأولكتاب الصلاة الثانيكتاب الجنائز
باب في الصلاة على الميت, وصفتها ومقام الإِمام من الميتفصل أركان الصلاة على الميتفصل يرفع الأيدي في التكبيرة الأولىفصل الشأن في الصلاة على الميت الدعاء دون القراءةفصل [في وقوف الإِمام على الجنازة]باب في حمل الجنازة، والمشي معهافصل في صفة المشي خلف الجنازةباب في الصلاة على الميت في المسجدباب في الصلاة على قاتل نفسه، وعلى من قتل في حَدِّ أو كان حكمه (1) القتل فمات قبل القتل (2)، أو كان حدُّه الجلد فمات منه، وفي الصلاة على اللصوص، وولد الزنا، وعلى (3) أهل الأهواءباب في الصلاة على ولد النصراني يكون مِلْكًا لمسلم فيموت قبل أن يسلم (1)، أو بعدهفصل لا يصلى على السقط ولا يُغسَّل ولا يحنطفصل واختلف في الصلاة على ولد المسلم مرتدٌّ قبل البلوغباب في الصلاة على الغائب والغريق، ومن أكله السبع والمصلوب، ومن دفن بغير صلاة وهل تعاد الصلاة على من صلي عليه؟فصل [واختلف فيمن دُفِنَ من غير صلاة]باب في اجتماع الجنائز ومنازل الأولياءفصل في اختلاف الأولياءباب في منازل الأولياء في المتقدم (1) على الميت الواحد (2) والوصيّ (3)، والسلطانباب في الشهيد هل يغسل، أو يكفن أو يصلى عليهفصل [تكفين الشهيد]باب في تلقين الميت, وغسله, وتجريده, والماء الذي يغسل به، والثوب الذي ينشف به، واغتسال غاسلهفصل في تجريد الميت عند الغسل وستر عورتهفصل [في الماء الذي يغسل به]فصل لا ينجس الثوب الذي ينشف به الميتفصل أولياء الميت أولى بغسلهفصل [وإذا كان النكاح مجمعًا على فساده لم يغسِّل أحدهما الآخر]باب في الحنوط للميتباب في كفن الميت وهل يكون من رأس المال؟ وتكفين من لا مال له وتحسين (1) الكفن وصفتهفصل يكفن الميت من تلزمه نفقتهفصل [في تحسين كفن الميت]فصل المراعى في الكفن ثلاثةفصل ندب لون الكفن أن يكون أبيضًاباب في خروج النساء الى الجنائزباب في السلام من الصلاة على الجنائزباب في تجصيص القبور، وتسنيمها ومن حفر قبرًا لميته (1) فدفن فيه غيرهباب في إمام الجنائز (1) تنتقض (2) طهارته، وهو يصلى عليها بالتيمم، أو بثوب نجس؟باب في الأوقات التي تصلى فيها الجنائز
كتاب الصيامكتاب الاعتكافكتاب الزكاة الأولكتاب الزكاة الثانيكتاب الحج الأولكتاب الحج الثانيكتاب الحج الثالثكتاب الجهادكتاب الصيدكتاب الذبائحكتاب الضحاياكتاب العقيقةكتاب الأطعمةكتاب الأشربةكتاب الأشربةكتاب النذور والأيمانكتاب النكاح الأولكتاب النكاح الثانيكتاب النكاح الثالثكتاب الرضاعكتاب العدة وطلاق السنةكتاب المفقودكتاب الظهاركتاب الإيلاءكتاب اللعانكتاب إرخاء الستوركتاب الأيمان بالطلاقكتاب التخيير والتمليككتاب الصرفكتاب السلم الأولكتاب السلم الثانيكتاب السلم الثانيكتاب السلم الثالثكتاب التفليسكتاب اللقطةكتاب المأذون له في التجارةكتاب حريم الآباركتاب الشفعةكتاب الهبةكتاب الحبس والصدقةكتاب الصدقة والهبةكتاب الوصايا الأولكتاب الوصايا الثانيكتاب العتقكتاب العتق الأولكتاب العتق الثانيكتاب المدبركتاب المكاتبكتاب أمهات الأولادكتاب الولاء والمواريثكتاب بيع الآجالكتاب البيوع الفاسدة وما يفيتهاكتاب البيوع الفاسدة وما يفيتهاكتاب العراياكتاب التجارة إلى أرض الحربكتاب التدليس بالعيوبكتاب البيع على الصفةكتاب البيع على الصفة أو على رؤية تقدمتكتاب الاستبراءكتاب بيع الخياركتاب المرابحةكتاب الوكالاتكتاب الصلحكتاب المساقاةكتاب الجوائحكتاب الشركةكتاب تضمين الصناعكتاب الجعل والإجارةكتاب كراء الدور والأرضينكتاب الرواحلكتاب القراضكتاب الأقضيةكتاب الشهاداتكتاب الشهادات الثانيكتاب المديانكتاب الحجركتاب الحمالةكتاب الحوالةكتاب الرهنكتاب الغصبكتاب الاستحقاقكتاب القسمكتاب الوديعةكتاب العاريةكتاب العاريةكتاب القطع في السرقةكتاب القطع في السرقةكتاب المحاربينكتاب الرجمكتاب القذفكتاب الحدود (1) في القذفكتاب الجناياتكتاب الجراحكتاب الجراحكتاب الديات
جارٍ التحميل