التبصرة للخميكتاب الجعل والإجارة
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الجعل والإجارة

النسخ المقابل عليها 1 - (ف) = نسخة فرنسا رقم (1071) 2 - (ت) = نسخة تازة رقم (234 & 243) 3 - (ر) = نسخة الحمزوية رقم (110)

الجزء: 10 - الصفحة: 4913

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم تسليمًا

كتاب الجعل والإجارة

باب في الإجارة والجعالة

1 الأصل في الإجارة قول الله -عز وجل-: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [سورة الطلاق آية: 6]، وقوله -عز وجل- في آية 2 الصدقات: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ [سورة التوبة آية: 60]، والعامل أجير 3 يعطى منها إجارة مثله على قدر شخوصه وتعبه، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "قَالَ -عز وجل- 4: ثَلَاَثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ 5 يَوْمَ الْقِيَامَةِ، رَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِهِ أَجْرَهُ" الحديث 6، وقال: "مَثَلُكُمْ وَمَثَلُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَقَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي 7 عَمَلًا 8 مِنْ غُدْوَةَ إِلَى نِصْفِ النَّهَاَرِ عَلَى قَيراطٍ.
. ." الحديث 9، وقال: أبو مسعود: كَانَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - إِذَا أَمَرَنَا بِالصَّدَقَةِ، انْطَلَقَ أَحَدُنَا فَيُحَامِلُ 10 نَفْسَهُ فَيُصِيبُ الْمُدَّ فَيَتَصَدَقُ بِهِ 11.

الجزء: 10 - الصفحة: 4915

وأما الجعالة فالأصل فيها مساقاة النبي - صلى الله عليه وسلم - خيبر (1). قال سحنون (2): المساقاة كالجعالة؛ لأنه يعمل (3) فإن عجز سلم الثمرة ولا يكون (4) له في العمل شيء (5). والقراض جعالة يعمل فإن لم يربح ذهب عمله باطلًا، وحديث "الرقية" أصل في ذلك (6).

فصل [حكم الإجارة والجعالة]

الإجارة منعقدة 18 كالبياعات.
واختلف في الجعالة على ثلاثة أقوال: فقيل: هي غير لازمة 19 وكل واحد منهما بالخيار ما لم يعمل 20 المجعول له فيسقط خيار الجاعل ويبقى الآخر على خياره، وقيل: تنعقد بالقول على الجاعل خاصة دون المجعول له، وقيل: هي كالإجارة تلزمهما جميعًا بالقول 21. ولم يختلفوا في البلاع أنها تلزم بالقول كالإجارة وهي جعالة؛ لأنه يعمل في سفينته أو على دابته أو على121314151617

الجزء: 10 - الصفحة: 4916

نفسه، فإن (1) بلغ استحق، وإن هلك ما (2) حمل عليه أو تعذر (3) بلوغه لم يستحق (4) شيئًا.
واختلف في المساقاة هل تلزم بالعقد؟ فذكر أشهب في "العتبية" في ذلك قولين (5). وقد تحمل الجعالة على ثلالة أقسام: فإن كان الثمن والعمل مجهولين كالقراض كانا بالخيار، فإن دخلا على الإلزام فسد.
وإن كان الثمن معلومًا والعمل مجهولًا كالجعالة على طلب الآبق وبيع الثوب والعبد كان لازمًا للجاعل؛ لأن الثمن الذي يبذله معلوم وغير لازم للعامل لأن عمله مجهول، وإن كانا معلومين الثمن والعمل كحفر البئر وما أشبهه كان لازمًا لهما.
والقياس أن يلزم بالعقد في جميع هذه الأسئلة لأنها معاوضة ثابتة (6) فأشبهت سائر المعاوضات، وقياسًا على المساقاة لأنه وإن كانا معلومن فإن الغرر يدخله.
ووجه آخر (7) وهو أن يحمل سائر الطريق فإن هلك قبل ذلك بشيء ذهب عمله باطلًا.
والمساقاة العمل فيها معلوم والثمن مجهول (8)، وقد أجيز التزام العقد فيها.

فصل [في اجتماع الإجارة والبيع في عقد]

واختلف في جواز الإجارة والبيع في عقد، والمشهور جوازه، وحكى أبو محمد عبد الوهاب فيها 30 قولًا آخر بالمنع.
فوجه الأول أنها بياعات كلها فأشبه2223242526272829

الجزء: 10 - الصفحة: 4917

لو كانا بيعتين (1) أو إجارتين.
ووجه المنع أن كثيرًا من الإجارات لا ينفك من الغرر، فمن استأجر عبدًا للخدمة (2) أو صانعًا ليبني له (3) اليوم بكذا وكذا، تختلف (4) خدمة هذا وعمل هذا، فيقل ويكثر (5). وليس كذلك اشتراء الأشياء المعينات من الرقاب، فإذا كان ذلك وكانت الإجارة مما تدعو إليها (6) الضرورة لم تضم إلى البيع كما قال مالك: لا يضم بيع الصبرة إلى غيرها من الثياب والعبيد وغير ذلك؛ لأن بيع الصبرة فيه غرر (7)، وليس بيع الجزاف في السلامة من الغرر كالكيل.
وفي جميع (8) الصبرة (9) إلى البيع اختلاف.

فصل (10) [في اجتماع البيع والجعل في عقد واحد]

واختلف في البيع والجعل في عقد واحد 41، وذلك راجع إلى بيع السلعتين إحداهما على بت والأخرى على خيار.
ووجه المنع أن المشتري قد أطمع البائع بشراء ما هو فيه على الخيار ويظهر له 42 الرغبة فيه، فإذا انعقد البيع رد ما كان فيه 43 على خيار، فلو علم البائع ذلك لأمكن ألا يبيعه الآخر إلا أن يزيد عليه 44 في الثمن فوق ما باعه به، وكذلك الجعل قد يترك العمل31323334353637383940

الجزء: 10 - الصفحة: 4918

بعد العقد ولو علم الآخر أنه يترك (1) لم يبعه أو يزيد عليه في الثمن.
ومن أجاز الجعل (2) والبيع فإن ذلك إذا كانت تبعًا للبيع.

فصل (3) [في من باع سلعة بمائة دينار على أن يتجر بثمنها سنة]

من المدونة قال مالك في من باع سلعة بمائة دينار وعلى أن يتجر بثمنها سنة كان ذلك جائزًا إذا 48 كان اشترط 49 إن تلف المال أخلفه له 50 البائع 51. قال: كالذي يستأجر 52 رجلًا يرعى له غنمًا بأعيانها فإن لم يشترط خلفها فلا خير فيه 53. وقال سحنون في الدنانير 54: ذلك جائز وإن لم يشترط خلفها 55. قال الشيخ أبو الحسن - رضي الله عنه - 56: الكلام على 57 هذه المسألة من خمسة أوجه: أحدها: خلف المال وإخراجه من الذمة.
والثاني: معرفة الصنف الذي يتجر فيه وكونه موجودًا في الشتاء والصيف.
والثالث: الحكم في الربح والخسارة.454647

الجزء: 10 - الصفحة: 4919

والرابع: إذا استحقت السلعة 58 المبيعة 59 أو ظهر منها عيب.
والخامس: موت العامل أو 60 مرضه.
وقد تقدم ذكر الاختلاف في خلف الدنانير، وقول سحنون أبين، فإن ضاعت الدنانير كان للبائع أن يخلفها 61 لأنه لم يشترط ألا يخلفها 62، وإنما قال: أتجر 63 بثمنها.
ومحمل الأمر عندهم 64 على السلامة فإن ضاعت كان الحكم الخلف إلا أن يعلم أن البائع لا يقدر على الخلف فتقع المحاسبة، بمنزلة ثوب اللابس يستأجر على خياطته وصناعته 65 فيضيع فإنه لا خلف عليه، وإن شرط ألا يخلف الدنانير إن ضاعت وأن يحاسب بقدر ما عمل جاز ذلك 66 إذا كان ممن يتعذر عليه الخلف، أو 67 كان ممن لا يتعذر عليه 68 وكانت الإجارة كثيرة النصف فأكثر، فإن كانت يسيرة جاز عند ابن القاسم على قوله في من باع نصف ثوب على أن يبيع له النصف الآخر 69، ويؤمر المشتري أن يشهد على إخراج الثمن من ذمته، فإن لم يشهد وكان قد جلس في دكان ليبيع ويشتري النصف 70 الآخر 71 الذي دخل عليه، قام ذلك مقام الإشهاد، فإن ادعى خسارة قبل قوله، وإن أتى بربح أخذ منه، وإن كان تجره مما يخفى هل هو لنفسه

الجزء: 10 - الصفحة: 4920

أو لرب المال؛ لأن تلك كانت تجارته كان ذلك أشكل؛ يقبل قوله أيضًا، وقد قال ابن القاسم في "العتبية" في من أمر غريمه أن يشتري له بما له عليه من الدين سلعة فقال المشتري: اشتريتها فضاعت، أنه يقبل قوله 72. يريد: لأنه 73 مؤتمن على الشراء فكان القول قوله أنه فعل ما اؤتمن عليه وهو الشراء، ومن اشترى لم يتهم أن يقر للبائع بالثمن.
وهو في هذه المسألة أبين لطول الأمد وجلوسه في البيع والشراء أن لا أن يقول: أخرجته فضاع قبل أن يشتري فلا يقبل قوله، وإن أتى 74 بربح كان للبائع أن ياخذه وهو ها هنا بخلاف دين تقرر في الذمة على أن لا يتجر به ثم تجر فيه؛ لأن التجر ها هنا كان شرطًا في أصل البيع قبل أن يتقرر الدين في الذمة فلم يكن ها هنا للتهمة 75 مدخل؛ لأنهما لو شاءا أن يعقدا البيع على ما أتى به 76 الآن من الثمن وربحه لجاز 77. وأمَّا ما يتجر فيه فمن شرطه 78 ثلاثة: أحدها: أن يسمي 79 صنفه.
والثاني: أن يكون موجودًا في الشتاء والصيف.
والثالث: أن يكون ممن يريد متصل التجر.
فإن اشترط أن يشتري شيئًا فيرفعه حتى يتغير 80 سوقه فيبيعه لم يجز؛ لأنه غرر لا يدري هل يتغير سوقه في السنة مرتين أو أكثر أو يكسد فتخرج السنة ولم يبع فلا يدري 81 ما باع من

الجزء: 10 - الصفحة: 4921

منافعه.
ولو شرط أنه يتجر فيه 82 في تلك السنة مرتن لم يجز؛ لأنه نقد بعض السلعة في منافع رجل بعينه ليقبضها إلى أجل.
ولو استأجر رجلًا بدنانير 83 نقدًا ليعمل له عملًا بعضه الآن وبعضه بعد 84 ستة أشهر 85 لم يجز، وهو في هذا بخلاف أن يكون العمل متصلًا.
وأما الربح فإن كان قدره في مثل ما جلس فيه للإجارة متقاربًا جاز أن يشترط دخوله في التجر، وإن كان متباينًا لم يجز.
وكذلك الخسارة إن شرط أنها لا تجبر وكان ذلك 86 مما يكون نادرًا أو 87 يسيرًا جاز، وإن كانت كثيرًا مما ينزل ويتباين 88 قدرها لم يجز.
وأما الاستحقاق، فإن كان بعد أن يعمل نصف السنة كان للمشتري أن يسلم 89 للبائع ما في يديه 90 على هيئته وقت الاستحقاق وإن كان عروضًا ويرجع بالمائة دينار وبأجرة 91 المثل على الشهور الماضية.
وكذلك الجواب إذا ظهر على عيب ولم تفت السلعة فإنه يردها ويرجع بالمائة وبالإجارة، فإن فاتت بهبة أو تلف 92 أو صدقة ورجع بقيمة العيب، فإن كانت قيمته العشر رجع بعشرة دنانير وبعشر قيمة المنافع عن الشهور الماضية، ويسقط عنه العمل في المستقبل في عشر المائة ويكون له أن يتجر لنفسه

الجزء: 10 - الصفحة: 4922

في قدرها، وإن كان لا يقدر أن (1) يتجر فيها ناحية كان له أن يتجر في جميع المائة، ويغرم البائع قيمة عشر المنافع في المستقبل ويصير بمنزلة ما لا ينقسم، وإن فاتت بعيب فأحب أن يتمسك رجع بقيمة العيب (2) حسب ما تقدم لو هلكت أو خرجت من يده، فإن أحب أن يردّ ردّ (3) وما ينوب العيب من الثمن.
فإن قيل: إنه ينقص (4) العشر من أصل الثمن وهو التسع بعد طرح العيب رجع المشتري في تسعين دينارًا وقيمة تسعة أعشار المنافع على الماضي، ويسقط العمل في المستقبل؛ لأنه أقل المنافع فإن كانت قيمة الإجارة مائة كان الباقي عند المشتري قيمة ربع العيب وهو الذي يغرم للبائع (5).

فصل [في موت العامل قبل العمل]

وإن مات العامل قبل العمل نظر إلى قيمة الإجارة، فإن كانت مائة فأكثر والسلعة قائمة رجع شريكًا فيها بقدر الإجارة وينقلب الخيار للمشتري، فإن رضي بعيب الشركة وإلا رد، وإن كانت الإجارة الثلث فأقل رجع بذلك قيمة عند ابن القاسم، وشريكًا عند أشهب، وقال ابن القاسم أيضًا: وتكون 98 الورثة بالخيار لدخول الشركة، وإن كانت السلعة قد فاتت استوى القليل والكثير ورجع عليهم في قيمة ما ينوب الإجارة.
وإن مات بعد أن عمل نصف السنة كان قد صار إلى البائع جلّ الثمن وهو المائة ونصف العمل فيختلف هل9394959697

الجزء: 10 - الصفحة: 4923

يرجع في الباقي شريكًا أو في (1) قيمته (2) حسب ما تقدم؟ وتختلف قيمة (3) الشهور؛ لأنها أكريت بالنقد الذي ينوب الأول أرخص و (4) الذي ينوب الآخر أغلى لأنه بمنزلة سلعة أسلم فيها.
وعلى هذا يجري الجواب إذا مرض (5) قبل العمل أو بعد أن عمل بعض السنة.
وإن قال البائع: أنا آخذ مالي إذا مضى (6) بعض السنة ولا أعطله كان ذلك له إذا كان لا يرجى برؤه إلا بعد طول وما يلحق في مثله الضرر، فإن برأ بعد رجوع المال عن قرب وكان البائع عن قرب (7) وكان البائع موسرًا أتى بمائة أخرى، فإن كان لا يقدر على خلفها فسخت الإجارة.

فصل [في من باع نصف ثوب على أن يبيع له المشتري النصف الآخر بغير البلد]

ومن "المدونة" قال مالك في من باع نصف ثوب على أن يبيع له المشتري النصف الآخر بغير البلد لم يجز، وإن كان بيعه بالبلد جاز إذا ضرب 106 أجلًا، فإن باع في بعض الأجل كان له من الإجارة 107 بحسابه، وإن لم يضربا أجلًا لم يجز لأنه جعل، ولا يجتمع في صفقة واحدة جعل وبيع، وإن كان طعامًا لم يجز وإن ضربا الأجل, وإن شرطا أن يبيع النصف بغير البلد لم يجز في طعام ولا في 10899100101102103104105

الجزء: 10 - الصفحة: 4924

عبد 109. وقال أيضًا في العبد يباع في البلد نفسه يبيعه نصفًا على أن يبيعه 110 النصف الآخر: لا خير فيه إن لم يضربا أجلًا، وإن ضربا الأجل فهو أحرم 111. وقال في "مختصر ما ليس في المختصر": إن ضربا أجلًا فذلك مكروه، وإن لم يضربا أجلًا فلا بأس به 112؛ لأنَّ البيع ثابت فيه 113. فأمَّا إذا ضربا أجلًا فالخلاف فيه يرجع إلى من باع سلعة 114 بدراهم وبعرض يسير، فاختلف فيه إذا استحق ذلك 115 العرض، هل يرجع بما ينوبه قيمة من سلعته أو في عين سلعته؟ فمن قال: يرجع به قيمة أجاز 116 البيع ها هنا وينتقد المشتري جميع النصف فإن باع في بعض الشهور رجع بما ينوب الإجارة 117 قيمة ولم يرجع في عين النصف 118 بما ينوب الباقي من الإجارة؛ لأن الإجارة يسيرة.
ومن 119 قال: الحكم الرجوع في عين السلعة لم يجز البيع على أن ينقد 120 ما ينوب الإجارة، كما لو استأجره على أن يبيع له ثوبًا شهرًا بثوب آخر 121 فإن النقد في ذلك لا يجوز، وإن باع على أن لا ينقد 122 ما ينوب الإجارة جاز فكل ما مضى منه يوم استحق منه بقدر ما ينوب الإجارة، وإن لم يضربا أجلًا كان جعلًا.

الجزء: 10 - الصفحة: 4925

وقد اختلف في بيع وجعل في عقد، وفي إجارة وجعل في عقد 123، وبيع بت وخيار إذا كان الجعل والخيار في اليسير، فإن باع استحق ما ينوب الجعل، وإن اختار ألا يبيعه رده وغرم ما ينوبه قيمة إلا أن يدخل 124 على التزام البيع فيجوز كما قال مالك إذا كان البيع ثابتًا.
ولم يجز ذلك في الطعام وإن ضربا 125 أجلًا؛ لأنه يتبعض فإذا فى خل على أن يقدم جميع ذلك كان ما ينوب الإجارة تارة سلفًا إن باع في بعض 126 الشهر، وتارة بيعًا إن تمَّ الشهر ولم يبع، وأجاز ذلك ابن القاسم في "كتاب محمد" في كل ما يكال أو يوزن، وينتقد الجميع لما كان الذي ينوب الإجارة يسيرًا، فإن باع في بعض الشهر رجع بمثل ما ينوب الإجارة، ورأى 127 أن مثل ذلك ليسارته لا يقصدان فيه إلى بيع وسلف 128 129. وإن قال: أبيعك نصف هذا العبد 130 على أن تبيع جميعه لم يجز، وإن ضربا 131 أجلًا بمنزلة من باع عبدًا على أن يبيعه مشتريه فهو تحجير وغير ممكن من المبيع وما باعه به مشتريه لبائعه الأول.
وقال ابن حبيب: إن قال ذلك فيما لا ينقسم فلا 132 بأس به وإن ضرب أجلًا، ولا خير فيه 133 فيما ينقسم وإن ضرب الأجل 134؛ لأنه إنما اشترى

الجزء: 10 - الصفحة: 4926

منه 135 نصف ذلك حين اشترط بيع جميعه 136. ورأى أن السلعة مخالفة لذلك 137 لما كان للبائع أن يدعو لبيع جميعها، والأول أبين؛ لأن ذلك شرط في أصل البيع.
وقد 138 قال ابن القاسم في من قال: أبيع لك هذه السلعة وهي 139 كثيرة الثمن إلى أجل بكذا 140 على أني متى شئت تركت: فلا بأس به إذا لم ينقد؛ لأن النقد لا يصلح 141 في الخيار وهي إجارة لازمة فيها خيار، ولا يصلح فيها الجعل لأنها كثيرة 142. يريد: لأنها 143 لازمة لصاحب الثياب والخيار للعامل، وهي إجارة لأن له كل ما مضى يوم بحسابه، والجعل لا شيء له في الماضي.
قال: وإن استأجره 144 على أن يبيعها 145 شهرًا ولم يشترط أنه متى شاء ترك لم يجز النقد؛ لأنه إن باع في نصف 146 الشهر رد بقدر ما بقي من الشهر فيدخله بيع وسلف 147. وإذا بلغت 148 تلك السلعة 149 ما يباع به مثلها كان القول قول من دعا إلى ترك النداء عليها؛ لأن العامل يقول: هذا القدر الذي بعت من منافعي والزائد على ذلك لم أبعه إلا 150 إذا لم تبلغ ما تباع به، ولا وجه للقول أنه يلزمه التمادي إذا أحب ذلك المبيع له.

الجزء: 10 - الصفحة: 4927

باب ما (1) يجوز من الجعل ويفسد

152 الجعل يصح بثلاثة شروط:

  • أن يكون فيما يقل الاشتغال به وإن ترك قبل التمام لم ينتفع المجعول له بشيء 153.
  • وأن يكون الجعل معلومًا.
    فإن كانت ثيابًا كثيرة في بيت صاحبها ويأتي السمسار بمن يشتريها أو يأخذ منها ثوبًا عوضًا 154 يبيع به جملتها 155، أو تنقل 156 إلى دكان سمسار فيبيعها فيه 157 و 158 يستأجر صاحبها من يحملها له وقت المشي بها للمشترين، أو يقول له: بع أيها شئت جاز، وإن كان السمسار يتكلف السعي بها ويبيعها صفقة واحدة لم يجز.
    وقد اختلف في ذلك، فأجاز مالك أن يعطي 159 الأرض لمن يغرسها فإذا بلغت كذا وكذا سنة 160 كانت الأرض والشجر بينهما وهو أمر 161 يطول، وإن ترك بعد أن طلعت ولم يوفه بما 162 شرط انتفع الجاعل لأنه قد يخدمها فتنمو 163. وأجاز الجعل على الآبق وهو مما يطول الشغل فيه 164 والبحث عليه، وقد151

الجزء: 10 - الصفحة: 4928

ينتفع الجاعل إن ترك قبل أخذه وبعد أن كشف عن 165 خبره ومواضعه 166. ويلزم من قال: لا يجوز إلا فيما قلَّ ولم يشغل أن يمنع الغراسة والجعل على الآبق.
وأجاز أن يحمل الأحمال على إبله أو في سفينته من المشرق إلى المغرب على البلاع، فإن وصل أخذ وإلا فلا شيء له، وهو جعل إلا أنه واجب عليهما 167، والجعل المجعول 168 له فيه بالخيار 169. وقال محمد: لا بأس عند مالك وأصحابه بالشراء على الجعل حاضرًا، وعلى السفر قليلًا كان 170 أو كثيرًا وليس بمنزلة البيع 171. وقال عبد الملك بن حبيب في من 172 قال لرجلٍ حضره خروج إلى بلد تاجرًا: هاك 173 مائة دينار فإن ابتعت لي بها ثيابًا 174 كذا وكذا فلك عشرة دنانير وإلا فلا شيء لك: فإن كان الرجل لم يخرج لسبب هذه المائة، وإنما خرج لحاجته 175 فلا بأس به 176، وإن كان خروجه لهذه 177 المعاملة فلا خير فيه إلا بأجل مؤقت وإجارة معلومة 178. وهذا أحسن، ولا فرق بين الجعل على البيع

الجزء: 10 - الصفحة: 4929

أو على الشراء.
ويجوز الجعل على بيع الدار وإن عظم الثمن لأنه شيء لا يتكلف له الجعل 179 ومقامها في هذا والثوب سواء.

فصل (2) [ما يجوز من الجعل] وقال ابن القاسم في من قال: بع دابتي بمائة دينار فما زاد فلك، أو ما بعتها به من شيء فهو بيننا نصفان، فهو 180 فاسد 181. والجعالة الجائزة على ثلاثة أوجه وهي: أن يسمي الثمن والجعل، أو يسمي الجعل 182 ويفوّض إليه في الثمن، أو يسمي 183 الثمن أو لا يسمي الجعل إلا أن العادة جرت في ذلك المبيع على جعل 184 معلوم.
ويجوز أيضًا أن يفوّض إليه في الثمن ولا يسمي الجعل إذا كانت للناس عادة في مثل ذلك المبيع 185 على جعل معلوم.
وإن قال: إن بلغت مائة فبع ولك دينار، وإن بلغت دون ذلك فلا تبع ولا شيء لك جاز، وإن لم يبلغ الثوب الثمن الذي سمّى له رده ولا شيء له.
وإن سمى الجعل وفوض إليه 186 في الثمن جاز، فإن بلغ ما يباع به مثله استحق187

: (فصل ما يجوز من الجعل)

ساقط من (ر) و (ف).

الجزء: 10 - الصفحة: 4930

الجعل، باع صاحبه أو لم يبع، فإن لم يبلغ ما يباع به 188 رد ولا شيء للعامل.
وإن سمّى ما يباع به وسكت عن الجعل وكانت له عادة فيه كالمتاع اليوم جعل الشقة شيء معلوم ولا 189 يزاد فيه لغلاء ولا يحط فيه لنقص جاز، وإن بلغت السلعة تلك التسمية لزم الجعل وكان صاحبها بالخيار بين أن يمضي البيع أو يرد، وإن لم تبلغ التسمية لم يكن له شيء.
والفاسد 190 على أوجه: فإن قال: إن بلغت مائة فبع ولك دينار، وإن بلغت أقل فبع ولا شيء لك، كان فاسدًا.
وإن 191 قال: إن بعتها بمائة فلك دينار وإن كان أكثر فلك أو بيني وبينك أو لك منه دينار 192، وإن سويت دون ذلك فلا تبع، أو ما بعتها 193 به من شيء فلك نصفه أو ثلثه أو عشره، فأي ذلك كان فهو فاسد؛ لأن الجعل فيه غرر لا يدري ما هو، فإن أدرك 194 قبل العمل منع، وإن شرع فيه أمكن 195 من التمادي على القول أن الجعالة الفاسدة ترد إلى الجعالة الصحيحة؛ لأنه إن فسخ قبل ذلك ذهب عمله باطلًا، وعلى القول أنه يرد إلى الإجارة بمنع التمادي وله على الماضي من الإجارة بقدر ما عمل، والأول أحسن، ويرد فاسد كل شيء إلى صحيحه فلا يمنع من التمادي، فإن 196 بلغ

الجزء: 10 - الصفحة: 4931

آخر العمل نظر، فإن لم يأت من الثمن 197 ما تباع 198 به فلا شيء له، وإن أتى بما تباع به 199 كان له 200 جعل المثل، باعها صاحبها أو لم يبع، وهذا الجواب في كل موضع جعل له فيه تنفيذ البيع.
فأما إن سمى له ثمنًا 201 فقال: إن بلغت مائة فبع، وإن لم تبلغ ذلك فلا تبع، فلا تستحق من الجعل شيئًا إن لم تبلغ مائة، وإن قَرَنه 202 بعد ذلك بفساد لقوله: فما زاد فلك أو ما أشبه ذلك لأنه لم يوجب تنفيذ البيع إلا 203 على صفةٍ لم تكن بعد.

الجزء: 10 - الصفحة: 4932

باب (1) في الإجارة والسلف، وفي من استأجر على طحين قمح وثمنه (2) منه أو على ذبح شاة برطل من لحمها

وقال ابن القاسم في من استأجر حائكًا يصنع له ثوبًا بعشرة دراهم 206 على أن يقرضه رطلًا 207 غزلًا ويزيد فيه: لم يجز وهي إجارة وسلف 208. ويختلف إذا عمل، هل يكون الثوب بينهما شركة على قدر ما لكل واحد منهما 209 فيه 210؛ لأن المستقرض لم يقبضه، أو يكون جميعه للمستأجر؟ وعليه مثل الغزل وإجارة المثل على قول سحنون؛ لأن الربا قد تمَّ بينهما 211. وعلى القول إنه شركة بينهما يكون عليه الأقل من المسمى فيما ينوب غزل 212 الأول أو إجارة المثل.
وقال محمد في من دفع إلى صائغ 213 خمسين درهمًا ليصوغ له 214 خلخالين بمائة درهم ففعل: فلا خير فيه، والخلخالان بينهما نصفان، وعليه نصف أجرة مثله ليس نصف ما سمى 215. قال مالك 216: ولو دفع إليه 217 فصًّا وقال: اجعل فيه من الفضة كذا وكذا حتى أعطيكها مع أجرة سماها فلا خير فيه.204205

الجزء: 10 - الصفحة: 4933

قال محمد: فإن صاغه رد الفصّ وحبس فضته.
وإن قال: موِّه هذا الخاتم (1) بعشرين درهمًا وأجرتك (2) عشرة دراهم، كان عليه العشرون درهمًا وأجرة (3) المثل ولا يكون شريكًا، فرآه في الخلخالين شريكًا؛ لأنه لا مزية لإحدى الفضتين على الأخرى.
ولا يكون شريكًا في الفصّ (4) لأن التمويه كالهالك، ولأنه (5) سلم ذلك إلى ما أمر به بمنزلة من استأجر رجلًا يصبغ له ثوبا إجارة فاسدة، فلم يختلف أن ذلك فوت وعلى صاحب الثوب إجارة المثل ولا يكون شريكًا بما وضع فيه من الصبغ.

فصل [في الرجل يشتري القمح على أن عليه طحنه]

ومن استأجر رجلًا يطحن له قمحًا بدرهم وبثمنه منه جاز 223. ومنعه محمد، ولا وجه للمنع، فإن ضاع قبل أن يطحن ببيّنة 224 وكان الدرهم كافيًا لثمنه 225 أو أكثر انفسخت الإجارة فيما ينوب الثمنة لأنه عرض بعرض، ولم ينفسخ ما ينوب الدرهم وعلى المستأجر أن يأتي بمثل ذلك ويطحنه له.
واختلف 226 إذا 227 لم يعلم الضياع إلا من قبل الأجير، فرأى ابن القاسم مرة في هذا الأصل على أنه عيّبه فيغرمه 228 ويطحن جميعه ويأخذ الثمنة منه،218219220221222

الجزء: 10 - الصفحة: 4934

ومرة لم يبلغ به من عينه 229 حقيقة فيحلف على ضياعه ويغرمه ولا يطحن إلا ما قابل الدرهم، فإن طحنه ثم ادّعى ضياعه لم يصدق وغرمه مطحونًا واستوفى الثمنة منه 230. واختلف إذا شهدت البينة على ضياعه، فقال ابن القاسم: لا ضمان 231 عليه ولا أجرة 232، فعلى هذا يأتي ربه بطعام ويطحن الآخر ما ينوب الدرهم فإن طحنه فادعى ضياعه 233 بمنزلة لو لم يطحنه.
وقيل: له الأجرة فيأخذ الدرهم وإجارة المثل فيما ينوب الثمنة.
وإن استأجره على ذبح شاة برطل من لحمها، أو كانت مذبوحة فاستأجره على سلخها برطل من لحمها لم يجز على قول مالك 234؛ لأنه بيع لحم مغيّب، ويجوز على قول أشهب؛ لأنه أجاز في "كتاب محمد" بيع أرطال من لحم شاة قبل ذبحها إذا جسّها وعرف نحرها 235.

الجزء: 10 - الصفحة: 4935

باب في الإجارة على الخياطة، ومن استأجر من يدبغ له جلودًا أو ينسج له غزلًا بنصفه، أو أعطى دابته أو سفينته أو حمامًا أو فرنًا لمن يؤاجره أو يعمل عليه على نصف ما يؤاجره به (1) أو ما (2) يكسب عليه

الإجارة على الخياطة تجوز إذا 238 وصف العمل وسمى الثمن، ولا تجوز إن لم يصف العمل ولم يسم الثمن، فإن كانت خياطة مثل ذلك الثوب معلومة وجرى الناس في ثمن مثلها على شيء معلوم جاز، وإن لم يوصف 239 ولم يسم الثمن لم يجز 240. والأجل في الإجارة على الخياطة على ثلاثة أوجه: فإن كانت الإجارة على ثوب أو أثواب معدودة جاز ذلك 241 إذا لم يضرب 242 أجلًا، وإن ضرب 243 أجلًا، فقال: تخيط لي يومًا أو يومين جاز إذا لم يسم عددًا لما 244 يخيطه في تلك الأيام.
ولا يجوز أن يجمع بين الأجل وعدد ما يخيطه، فإن فعل وكان لا يدري هل يفرغ 245 تلك العدة في ذلك الأجل - لم يجز.236237

الجزء: 10 - الصفحة: 4936

واختلف إذا كان الغالب أنه يخيطها فيه، فقيل: ذلك 246: جائز.
وقيل: لا يجوز؛ لأنه إن فرغ في بعض الأجل سقط حقه في بقيته وهو قد اشترط العمل فيه.
وأرى 247 أن يمضي؛ لأن الغرض أن يشرع 248 بالعمل في تلك الأيام، فإن تأخر وخاطه بعد الأجل نظر إلى خياطته على أن يشرع 249 في ذلك الأجل وعلى أن يخيطه في الوقت الذي خاطه فيه فيحط من المسمى بقدره.
وقال ابن الماجشون في "كتاب ابن حبيب": له إجارة المثل، ولا ينظر إلى المسمى 250. وجعله فاسدًا.
واختلف إذا لم يضرب أجلًا في أصل العقد ثم قال بعد ذلك: عجل لي اليوم وأزيدك نصف درهم، فقال ابن القاسم: لا بأس به.
ولم يره مثل الرسول يزاد لسرعة السير بعد إيجاب أجرته 251. وقال سحنون 252: لا بأس به أيضا 253 في الرسول 254. فإن قال: إن خطته اليوم فبدرهمين، وإن خطته غدًا فبدرهم كان فاسدًا، وهو من شرطين في بيع، فإن عمل كان له إجارته ما بلغت.
وقال غيره: له إجارة مثله ما لم ينقص عن 255 درهم أو يزيد 256 على درهمين.

الجزء: 10 - الصفحة: 4937

فصل [في من استأجر من يدبغ له جلودًا]

وإن قال في جلود: ادبغ هذه الخمسين بهذه الخمسين جاز إذا اشترط نقد الخمسين التي هي أجره 257، وإن اشترط 258 وقفها حتى تفرغ الأخرى من الدباغ لم يجز 259. ويختلف إذا لم يشترط نقدها ولا وقفها 260، فعند ابن القاسم الإجارة فاسدة 261؛ لأن ثمن الإجارة لا يستحق إلا بعد الفراغ، فإذا كانت موقوفة إلى ذلك الوقت كان بيعها فاسدًا، ويجوز على قول ابن حبيب ويتعجل الأجير 262 قبضها، وقد مضى ذلك في كتاب كراء 263 الرواحل إذا استأجر راحلة بثوب بعينه.
وإن قال: ادبغ نصف 264 هذه المائة بنصفها أو شرط 265 نقد النصف جاز ذلك 266 إذا كانت تعتدل في القسم والعدد أو تتقارب، وإن تباين اختلافها لم يجز من أجل الجهل بما يدفع؛ لأنه لا يدري هل يدفع ستين أو أربعين؟ وليس يفسد من أجل الجهل لما يصير للعامل في أجرته؛ لأن شراء بعضها 267 على الشياع جائز وإن لم تعتدل في القسم، فإن لم تفسخ حتى قاسمه ودبغ جميعها كان له النصف الذي أخذه أجرة 268 بقيمته يوم قبضه بعد المقاسمة 269 وله أجرة 270 المثل في

الجزء: 10 - الصفحة: 4938

النصف الآخر.
وإن قال: ادبغ المائة بنصفها لم يجز قولًا واحدًا بخلاف الأول؛ لأن قوله: ادبغها ولك النصف يقتضي دباغ الجميع على ملك صاحبها وله النصف بعد الفراغ، فإن فعل وفاتت بالدباغ كان له إجارة المثل في جميعها، وإن ضاعت قبل ذلك ببينة كانت مصيبتها من بائعها، وإن لم يعلم ضياعها إلا من قوله ضمن جميعها على أحكام الضياع، وإن شرع في العمل مكّن من التمادي حتى يفرغ، وكذلك النسج إن 271 شرط أن ينسج له غزلًا بنصفه، فأخذ في النسج مكّن من التمادي حتى يفرغ 272؛ لأن في نزعها 273 عليه حينئذ مضرةً.
وإن فاتت من يده 274 بعد الدباغ وقد بقيت على أنه شريك فيها، ففاتت بحوالة الأسواق فما فوق ضمن نصف قيمتها يوم الفراغ.
واختلف إن قال له: لك نصفها من اليوم على أن يدبغ جميعها فشرع في الدباغ، هل يكون ذلك فوتًا ويضمن نصف قيمتها، أو ليس بفوت؛ لأنه غير ممكّن من ذلك النصف لما حجر عليه أن يدبغه ولا يبين به؟ والأول أبين أن 275 يكون ضامنًا لنصفها.

الجزء: 10 - الصفحة: 4939

فصل [في من أعطى دابته لمن يؤاجره أو يعمل عليه على نصف ما يؤاجره به أو ما يكسب عليه]

ومن أعطى دابة لرجلٍ وقال: أكرها ولك نصف ما تكريها به، كان الكراء لصاحبها وللآخر إجارة المثل.
ولو قال: اعمل عليها ولك نصف ما تكسب عليها كان كسبه له ولصاحبها إجارة المثل.
واختلف إذا قال: اعمل لي عليها، فقال ابن القاسم في "المدونة" في رواية الدباغ: ما كسب عليها للعامل وعليه إجارتها كالأول 276. وقال ابن الجلاب: ما كسب عليها لصاحبها لقوله: اعمل لي عليها 277، وللعامل إجارة المثل 278. وإن قال: أكرها، فعمل عليها كان ما عمل عليها له ولصاحبها إجارة المثل.
واختلف إذا قال: اعمل عليها، فأكراها، فقال ابن القاسم: ما أكريت به للمستأجر ولصاحبها إجارة المثل 279. وقال في كتاب الشفعة: ما أكريت به لصاحبها؛ لأن ضمان المنافع من صاحبها بخلاف البيع الفاسد.
وإن قال: أكرها ولك نصف ما تكريها به، فأكراها ممن يسافر بها 280 على أن يخرج معها ويسوق به ويقوم بها، نظر إلى كرائها على أن لا أحد معها: فإن كان دينارًا وعلى أن معها سائقًا دينار وربع، كان الكراء بينهما أخماسًا، ثم ينظر إلى إجارة المثل في تولي العقد، فإن كان ثمن دينار رجع الأجير على صاحب الدابة

الجزء: 10 - الصفحة: 4940

بأربعة أخماس ثمن 281 دينار؛ لأنه إجارة لمبيع بعضه لصاحب الدابة وبعضه له وهو ما ينوب سوقه، فإن كان يتولى حفظها بعد انقضاء الكراء وردها 282 كان له في ذلك إجارة أخرى.
وما تقدم ذكره في الكسب فهو في مثل الماء والكلأ والحطب، فإن قال: اعمل عليها ولي نصف ما تكسب عليها كان ثمنه للعامل وللآخر إجارة دابته؛ لأن تلك الأشياء ملك للعامل بنفس أخذه لها.
فإن قال: اعمل لي عليها ولك كل يوم درهم جاز.
ويكون ثمن ما باع به 283 مما عمل عليها لصاحب الدابة؛ لأن الملك يتعيّن 284 في تلك الأشياء بالنية، فإن أخذه على ملكه كان له، وإن أخذه على أنه أجير فيه كان ملكًا لمن استأجره.
وإن قال: اعمل لي، ولك نصف ثمنه كان فاسدًا؛ لأن الثمن يختلف 285 يقل ويكثر.
وإن قال: لك نصف 286 كل نقلة جاز.
قال محمد: وكذلك إن قال: لك نقلة ولي نقلة 287؛ لأنَّ النقلة معلومة بخلاف ثمنها.
وإن قال: ما تعمل 288 عليها اليوم لي وغدًا لك جاز.
وإن قال: تعمل عليها

الجزء: 10 - الصفحة: 4941

اليوم لي وتبيعه لي وتعمل عليها غدًا لك 289 فإن شئت بعته لنفسك جاز، وإنما يفسد إذا قال: تعمله على ملكك كذا 290 والثمن لي؛ لأن الثمن مجهول، وإن أصيب 291 قبل البيع كان من العامل، و 292 إذا كان ذلك كان 293 العمل للعامل 294 وللآخر إجارة دابته.
وإن قال: تعمل على ملكي 295 كانت الإجارة على غير ذلك فلا تبال بعد ذلك بيع أو ترك 296. وإن قال صاحب الدابة: اعمل عليها اليوم لي وغدًا لك فعمل عليها اليوم ثم تلفت الدابة، كان للعامل على صاحب الدابة إجارة المثل وليس 297 له أن يكلفه أن يأتي بدابة أخرى لأنه إنما باع غدًا 298 منافع دابة 299 بعينها والمعيّن 300 لا يخلْف.
واختلف إذا قال: اعمل على أن اليوم لك وغدًا لي، فعمل اليوم الأول ثم تلفت هل يكون لرب الدابة كراء دابته، أو يأتي بدابة أخرى فيعمل عليها لأن المعمول عليه لا يتعّين؟ والأول أبين؛ لأن الخلف في ذلك يتعذر، مثل القول في ثوب اللابس يستأجر على 301 خياطته فيضيع ببيّنة 302 فليس عليه خلفه.

الجزء: 10 - الصفحة: 4942

وقوله في السفينة: اكرها أو 303 اعمل عليها سواء إذا كان فيها 304 قومة صاحبها؛ لأنه إنما يتولى العقد من الناس فما أكريت به لصاحبها وله إجارة المثل، وإن لم تكن فيها قومة صاحبها 305 ولو 306 كان يسافر فيها بمتاعه كان الربح له ولصاحب السفينة الإجارة.
وأما الحمام والفرن فإن لم يكن فيها دواب ولا آلات 307 بما يطحن 308 كان ما يؤاجران 309 به العامل وعليه لصاحبها إجارة المثل.
وإن كان بدوابهما ويشتري الحطب من عند صاحبهما أو من 310 غلتهما 311 كان ما أصاب فيما 312 لصاحبهما وللعامل إجارة المثل إنما هو قيم فيهما.
وكذلك الفندق فما أكرى به مساكنه لصاحبه 313 والآخر قيم وله إجارة مثله 314 315. وقوله: أكره واعمل عليه سواء.
وإن قال: أكر دابتي ولك نصف ما تكريها به فمضى بها 316 ثم ردها لم يكرها 317 وقد تيسر 318 كراؤها لم يكن عليه شيء؛ لأن ذلك الرضى 319 فاسد والحكم: أن يردها ولا يتم ذلك الفاسد 320.

الجزء: 10 - الصفحة: 4943

فصل [في شريكين في طعام يؤاجر أحدهما صاحبه في حمله وما يجوز من ذلك]

وقد 321 قال ابن القاسم في شريكين في طعام بلغهما 322 نفاقه في بلد، فقال أحدهما لصاحبه: احمله لذلك البلد على أن عليَّ كراء نصفه: فلا بأس بذلك 323 إذا كان للآخر أن يقاسمه أو 324 يبيع حصته متى أحب.
وإن كان لا يقاسمه حتى يبلغا فلا خير فيه 325. وكذلك إن شرط أن يطحنه فلا بأس به 326 إذا كان 327 له 328 إن شاء طحن معه، وإن شرط أن يطحن جميعا 329 فلا خير فيه.
وكذلك الشريكان في الغنم إذا قال أحدهما لصاحبه: ارعها سنة وعليَّ في نصيبي كذا وكذا، فلا بأس به إذا كان له أن 330 يقاسمه متى أحب 331، وتكون الإجارة في نصيب الآخر إذا كان إن 332 ماتت الغنم أو نقصت أخلفها.
وقال غيره: إن اعتدلت في القسم 333. وإن كانا شريكين في غزل لم يجز أن يستأجره على أن ينسجه على أن على صاحبه إجارة نصيبه؛ لأنه لا يقدر على 334 أن يقاسمه ولا يبيع نصيبه قبل

الجزء: 10 - الصفحة: 4944

النسج فحمل 335 الغزل على الفساد؛ لأنه لا يقدر على أن يقاسمه 336 قبل ذلك؛ لأنه التزم نسجه 337. وأرى أن يحمل الطعام 338 في حمله 339 لبلد 340 آخر، وفي طحنه إذا لم يشترطا 341 قسمته ولإبقاء الشركة 342 على الجواز؛ لأنَّ غرض الشريك في ذلك حمل نصيبه للبلد الذي هو 343 به غالٍ، وطحن نصيبه ولا غرض له في غيره، وإنما يريد بقوله: احمله ليباع بذلك البلد؛ لأنه إذا كان غاليًا 344 رغب في الخروج لنفسه وأرخص للآخر في الإجارة.
وقوله في الغنم: أن ذلك جائز إذا كان إن ماتت أو نقصت أخلف غيرها.
فهو أحد قوليه أن المستأجر له يتعيّن، وقوله الآخر أنه لا يتعين 345 وأن الحكم الخلف وإن لم يشترط.
وقول غيره: إذا اعتدلت، خيفة أن يخرج في النصف شيء 346.

الجزء: 10 - الصفحة: 4945

باب في من استأجر رجلًا يبني له دارًا على أن المرمة من عند الأجير

ومن استأجر رجلًا يبني له دارًا على أن الجص والآجر وغيره من آلات البناء من عند الأجير 347 وكل ذلك معين الصانع والذي يصنع منه جاز إذا كان يشرع في العمل أو بعد الأيام اليسيرة.
ويجوز أن يكون الثمن نقدًا أو إلى أجل.
وإن لم يشترط شيئًا نقد ما ينوب الآجر والجص وكان 348 ما ينوب عمل اليد 349 ينتقد منه كل ما مضى يوم 350 بقدر عمله.
وإن كان في جميع ذلك مضمونًا الصانع والذي يصنع منه - جاز على أحكام السلم أو يكون إلى أجل معلوم ويقدّم 351 رأس المال.
وإن كان للبناء عندهم زمن 352 معلوم حملا عليه وإن لم يضربا أجلًا، وإن شرطا الابتداء إلى يوم أو يومن جاز على أحد قولي مالك في جواز السلم إلى مثل ذلك الأجل.
وإن كان الفراغ من العمل في اليومين والثلاثة جاز تأخير رأس مال السلم الأجل 353 البعيد ويصير البناء رأس مال في المؤجل.
وإن كان البناء المدة الكثيرة جاز بشرط 354 تقديم رأس المال.
وإن كان أحدهما معينًا والآخر مضمونًا

الجزء: 10 - الصفحة: 4946

جاز إذا كان يشرع في العمل للأجل 355 المعين أو يبتدئ العمل ليومين أو ثلاثة ويقدم رأس المال لأجل المضمون؛ لأن الغالب أنه يتراخى الفراغ إلى أجل السلم، وسواء كان المعيّن عمل اليد أو الآجر والجص وهذا إذا كان المعيّن والمضمون سواء أو كان المضمون الأكثر، وإن كان المضمون يسيرًا والمعيّن الأكثر جاز أن يكون جميع الثمن مؤجلًا عند أشهب.
واختلف إذا كانا متساويين وشرط أن ينقد ما ينوب المضمون ويتأخر ما ينوب المعيّن هل يجوز ويكون كما اشترط أو يكون مفضوضًا فيفسد؛ لأنه لم ينقد 356 جميع ما ينوب المؤجل، وكل هذا إنما يجوز إذا وصف البناء ووصف عدد المساكن وسعة كل مسكن وعرض الحائط وارتفاعه.
وإن كان المصنوع 357 منه غير معيّن وصف 358 الخشب التي يبني بها والأبواب وما أشبه ذلك.

الجزء: 10 - الصفحة: 4947

باب في من استأجر مسيل (1) ماء أو اشتراه أو أستأجر رحى ماء فانقطع الماء أو قلَّ العمل لشدة أو لقطع طريق، وكيف (2) إن اختلفا في مدة انقطاعه؟

361 ولا بأس أن يستأجر الرجل مسيلًا لجري 362 الماء إلى داره السنة والسنين الكثيرة أو للأبد.
وإن أراد الآخر أن يشتري ماء دار 363 جاره السنة والسنتين 364 لم يجز؛ لأنه لا يدري أيقل أو يكثر.
وإن كان السنين الكثيرة أو للأبد جاز؛ لأن الكثير 365 يحمل بعضه بعضًا.
وقال مالك: لا بأس بإجارة رحى الماء إذا كانت لرجل قد نصبها أو استأجر أرضًا على نهر لينصب هو عليها رحى فإن انقطع الماء ولم ترج 366 عودته، أو كان يرجى بعد بُعد كان له أن يفاسخه الإجارة، وإن كان يرجى عودته عن قرب لم 367 يفسخ 368. واختلف إذا فاسخه وهو يرى 369 أنه لا يعود عن قرب فعاد 370، هل يمضي الفسخ كحكم مضى، أو ترجع الإجارة على حالها؟ وأن 371 تعود359360

الجزء: 10 - الصفحة: 4948

أحسن؛ لأن الأول خطأ في التقدير إلا أن يكون المكتري بعد الفسخ عقد موضعًا غيره وجيبة أو غير ذلك من القدر 372 فيمضي الفسخ، فإن لم يتفاسخا حتى عاد الماء عن قرب كان الكراء على حاله.
وإن عاد عن بعد جرى 373 على قولين: هل ذلك فسخ، أو حتى يفسخ كالذي يكتري السفينة في الصيف فدخل الشتاء، وكان الحكم الفسخ ولم يتفاسخا حتى صار إلى الصيف؟ فقيل: العقد منفسخ 374. وقيل: هو على حاله.
وقال ابن حبيب: وكذلك إن أصاب أهل ذلك المكان فتنة فجلوا 375 عن منازلهم وجلا هذا المكتري أو بقي 376 آمنًا إلا أنه لا 377 يغشاه الطعام، فذلك بطلان 378 كبطلان الرحى من نقصان الماء يوضع عنه الكراء 379. قال: والفنادق التي تكرى 380 في أيام من 381 السنة مثل أيام الحج مثل ذلك 382. وهو على ما وصفنا 383 في الرحى، وأرى ورق التوت يشترى لدود الحرير فيموت دود الناس ذلك العام فيكون له رد البيع.
والطريق يشتريها ليتوصل 384 بها إلى دار أو أرض فتستحق تلك الدار أو الأرض فله أن يرد البيع.

الجزء: 10 - الصفحة: 4949

فصل [في الاختلاف في مدة انقطاع الماء]

فإن عاد الماء فعاد إلى العمل فلما انقضت السنة اختلفا في مدة انقطاع الماء: فإن اتفقا على أول انقطاعه واختلفا في وقت رجوعه 385 كان القول قول المكري 386. واختلف إذا اختلفا في مبتدأ انقطاعه واتفقا في وقت رجوعه 387، فقال ابن القاسم: القول قول المكري؛ لأن المتكاري يريد أن يحط عن نفسه 388. وهو قول من راعى استصحاب الحال، وأنكر ذلك سحنون وقال هذه عراقي، يريد أن القول قول المكتري؛ لأن الأمر مشكل، والأصل براءة الذمة من الدين فلا يثبت بشك.
ويختلف 389 إذا لم يعد حتى انقضت السنة 390، ثم اختلفا في وقت 391 انقطاعه: فعلى قول ابن القاسم يكون القول قول المكري 392، وعلى قول سحنون يكون 393 القول قول المكتري 394. ولو كانت دارًا فاتفقا 395 في وقت انهدامها، واختلفا في وقت إعادتها صدق المكتري 396، وإن اختلفا في مبتدأ انهدامها واتفقا في إعادتها صدق المكري عند ابن القاسم، ولم يصدق على قول سحنون، وكذلك إن لم يعد البناء فعلى مثل ذلك الاختلاف.
وقال ابن المواز: قال أشهب في الأجير إذا قال: عملت السنة كلها، وقال الآخر: قد بطلت ولم تأت، فالقول قول المستأجر

الجزء: 10 - الصفحة: 4950

قال محمد: وسواء كان انقطاعه إليه أو كان يغدو إليه 397. وقال ابن القاسم وأصبغ في "الواضحة": القول قول المستأجر إذا لم يكن مأواه 398 إليه، فإن لم يكن مأواه إليه 399 كان القول قول الأجير، وسواء كان الأجير حرًّا أو عبدًا 400. وقال ابن الماجشون: إن كان عبدًا وكان 401 مأواه إليه كان القول قول المستأجر نقد أو لم ينقد 402. وكذلك إن ادّعى إباقًا؛ لأنه كان أمينًا على ذلك حين أسلم إليه، وإن كان يختلف إليه 403 كان القول قول السيد 404. وهذا عكس ما ذهب إليه ابن القاسم قال: وإن كان حرًّا كان القول قول الأجير، كان يختلف أو كان مأواه إليه 405، قبض 406 الأجرة 407 أو لا، وذكره عن مالك 408. وقول أشهب في هذا أحسن والأجير بخلاف الدار والماء؛ لأن الماء والدار يسلّمان تسليمًا واحدًا، وعلى 409 هذا يجري على ما أجراه الله تعالى، والدار على ما هي عليه حتى يعلم انقطاع ذلك، ومنافع الأجير بيده, وكل يوم يصبح يبتدئ 410 تسليمها فكان القول قول المستأجر أنه لم يسلم إلا ما أقرّ 411 به، إلا أن يأتي من ذلك بما لا يشبه وما يعلم أنه لو عطله لم يسكت عن ذلك وكان منه 412 الشكية وما أشبه ذلك.

الجزء: 10 - الصفحة: 4951

باب في إجارة الثياب والحلي، وفي ضمان المستأجر وهل يؤاجر؟

اختلف في إجارة الثياب والحلي والماعون في أربعة مواضع: أحدها: في جواز إجارتها.
والثاني: هل يصدق المستأجر في ضياعها؟ والثالث: هل يصدق 413 في سقوط 414 الأجرة إذا ادعى بعد انقضاء الأمد أنه ضاع قبل ذلك؟ والرابع: هل للمستأجر أن يؤاجره من غيره؟ فأما جواز الإجارة فهو على ثلاثة أوجه: فمن كان شأنه أن يشتري هذه الأشياء ويوقفها للكراء جاز، وكذلك من لم يكن 415 شأنه ويكريه لمن يطيل استخدامه حتى ينقصه.
واختلف إذا كان الاستعمال الأمد الخفيف مما لا ينقص فيه فأجيز وكُرِه؛ فقال مالك في إجارة الحلي: لا بأس به 416. وقال مرة: ليس هو من الحلال 417 البيّن وليس من أخلاق الناس 418. يريد أنه ليس من مكارم الأخلاق أخذ الأجرة في مثل ذلك.
وكذلك إذا كان الذي يستأجر قليل الثمن، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لَأَنْ يَمْنَحَ أَحَدُكمْ أَخَاهُ أَرْضَهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ عَلَيْهَا خَرْجًا مَعْلُومًا" أخرجه الصحيحان 419. وقيل في قول الله -عز وجل-: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [سورة الماعون آية: 7] ذلك في مثل الدلو والفأس وما أشبه ذلك 420. وقيل: الزكاة 421. وإن ادعى المستأجر

الجزء: 10 - الصفحة: 4952

ضياع ذلك صدّق، وذكر سحنون قولًا آخر: أنه لا يصدّق 422. وقال أشهب في الجفنة يدعي ضياعها: أنه 423 ضامن 424. والأول 425 أبين، وليس الإجارة كالرهن؛ لأن حق المرتهن في الرقاب تباع له إن لم يوفها 426 المطلوب، وحق المستأجر في المنافع والرقاب في يديه 427 أمانة لا حق له فيها، ولهذا قيل في من وهب ما هو في الإجارة أن حوز المستأجر للموهوب 428 ليس بحوز؛ لأنه أمن لربها بخلاف المخدم أنه حائز لنفسه ولم يحزها لربها 429. وإن قال المستأجر في الجفنة: انكسرت 430، ولم يأت بفلقتيها، لم يصدق؛ لأن عدمهما دليل على كذبه إلا أن يكون في سفر فيقول: طرحتهما ولم أتكلف حملهما.
ولو استأجر ثوبًا فقال: احترق، ولم يأت منه بشيء لم يصدق.
واختلف إذا قال بعد الأجل: كان ضاع مني 431 قبل ذلك، فقال ابن القاسم: لا يصدق وعليه الإجارة كلها إلا أن تكون له بينة أو يعلم أنه كان ذكر ذلك قبل، فيحلف ويكون عليه من الأجر إلى الوقت الذي سمع منه ذلك 432. وقال أشهب: القول قوله ولا يكون عليه من الأجر 433 إلا بقدر 434 ما أقرَّ أنه انتفع به، والأول أحسن إذا كان في حضر، وإن كان في سفر كان القول قوله مع يمينه وبرئ.

الجزء: 10 - الصفحة: 4953

باب في الإجارة على الأذان والصلاة, وعلى كتابة المصحف والقراءة (1) فيه وبيعه, وعلى كتابة العلم وتعليمه وبيع كتبه

واختلف في الإجارة على الأذان وصلاة النفل والفرض، فأجازها مالك على الأذان 436 وكرهها على 437 صلاة النفل والفرض 438. ومنعها ابن حبيب على الأذان 439 وقال: إنما يجوز له ذلك من بيت المال، وقد كان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يجري على القضاة أرزاقًا من بيت المال 440، ولا يجوز أن يأخذ من المحكوم له شيئًا 441. وذكر ابن الماجشون عن مالك في "ثمانية أبي زيد" أنه أجاز أن يؤم في رمضان بإجارة.
قال: وهو مثل المؤذن ومعلم الصبيان.
وأجازه محمد بن عبد الحكم في الفرض.
وأجاز مالك في "المدونة" الإجارة على الأذان وصلاة الفرض إذا جمعهما 442 في عقد واحد.
قال ابن القاسم: وإنما جوّز مالك هذه الإجارة لأنه إنما 443 أوقع الإجارة435

الجزء: 10 - الصفحة: 4954

على الأذان والإقامة ولم يقع من الإجارة على الصلاة بهم قليل ولا كثير 444. وقول مالك في الأذان أصوب وليس كالقضاء والفتيا؛ لأن الأذان دعاء إلى الصلاة بقوله: "حي على الصلاة 445 حي على الفلاح 446 " وذلك ما 447 تجوز الأجرة عليه.
والأجرة على القضاء والفتيا رشوة، وكذلك كل ما هو بين رجلين؛ لأنه إن أخذها 448 من أحدهما اتهم بالميل إليه 449. وإن اتفق الخصمان على أجرة لم يجز؛ لأنه باب فاسد، وذلك يؤدي إلى أن يعطي أحدهما 450 أكثر من الآخر، وليس كذلك تعليم القرآن والعلم؛ لأنه لا مدخل له في شيء من هذا المعنى.
والقول إذا اجتمعت 451 الإجارة على الأذان والصلاة ولم يقع من الإجارة للصلاة شيء فغير مسلَّم 452؛ لأن الذي يستأجر به للأذان بانفراده دون ما يستأجر به للجميع، فإن غلب على الأذان دون الصلاة لم 453 يرد جميع الأجرة، وإن غلب على الصلاة لم يستوجب جميعها.
وقوله في منع الأجرة على الصلاة أحسن 454؛ لأنه قد 455 أشرك في عمله إلا أن تكون الأجرة قدر ما يرى أنه 456 لعنائه 457 لبعد داره أو لما يعطل من

الجزء: 10 - الصفحة: 4955

أشغاله (1) فيستخف (2) ذلك.

فصل [في إجارة المصحف]

الإجارة على كتابة المصحف وبيعه جائزة، واختلف في الإجارة على القراءة فيه: فأجازها ابن القاسم في "المدونة" (3)، ومنعها محمد وابن حبيب وقال: قد اختلف الناس في جواز بيع المصحف، فكيف تجوز إجارته؟ وإنما أجاز من أجاز بيعها؛ لأن الذي يؤخذ ثمن للرَّق والخط وليس للقرآن (4). وقول ابن القاسم أحسن، والثمن الذي يؤخذ للإجارة هو لما (5) يلحق من بخس ثمنه لتغيّره عند القراءة فيه (6).

فصل في الإجارة على تعليم القرآن

الإجارة على تعليم القرآن جائزة، لقول النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: "إِنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ الله".
أخرجه البخاري ومسلم 464. والإجارة الجائزة على وجهين: مشاهرة ومسانهة 465 إذا لم يذكر القدر الذي458459460461462463

الجزء: 10 - الصفحة: 4956

يعلمه في تلك المدة وعلى حذقه شيء معلوم ربع أو نصف أو الجميع إذا لم يذكر المدة التي يعلمه (1) ذلك فيها.
ولا يجمع بين الوجهين الأجل والجزء الذي يعلمه (2) في الأجل، فإن فعل وكان لا يدري هل يتعلم ذلك الجزء في تلك المدة أم لا؟ كانت الإجارة فاسدة.
واختلف إذا كان الغالب أنه يتعلمه في تلك المدة (3) فأجيز ومُنع: فإن انقضى الأجل ولم يتعلم فيه ذلك الجزء كان له إجارة (4) مثله ما لم تكن أكثر من المسمى وقال أبو القاسم ابن الجلاب: وقد قيل: إنه لا تجوز الإجارة على التعليم إلا مدة معلومة مشاهرة أو غيرها (5)؛ يريد لأن (6) أفهام الصبيان تختلف فقد يكون بعيد الفهم فلا يتعلم ذلك الجزء إلا في مدة بعيدة، أو يكون حسن الفهم فيتعلمه (7) عن قرب، فالمشاهرة أقل غررًا، وأما الختمة فالأصل أن لا يستحق إلا ما كان عليه.

فصل في الإجارة على تعليم العلم وتعليمه وبيع كتبه

ويختلف في الإجارة على تعليم العلم وكتبه وبيع كتبه.
فقال مالك 473 في "المدونة": أكره 474 بيع كتب الفقه، قال: ولا يعجبني الإجارة على تعليمه 475.466467468469470471472

الجزء: 10 - الصفحة: 4957

وعلى قوله تكره الإجارة على كتابته، ومنع مالك في "كتاب محمد" بيعها في الدين 476. وقال في غير "كتاب محمد": الوارث وغيره فيها سواء إذا كان ممن هو أهل لها.
واليه ذهب سحنون 477. وعلى هذا لا تجوز الإجارة على تعليمه ولا على كتابته.
وقيل: ذلك جائز وتباع في الدين وغيره 478. وقال محمد بن عبد الحكم: بيعت كتب ابن وهب بثلاث مائة دينار وأصحابنا متوافرون فلم ينكروا ذلك 479. وقال في موضع آخر: وكان أبي وصيَّه.
فعلى هذا تجوز الإجارة على تعليمه وكتابته، وهو أحسن ولا أرى أن يختلف اليوم في ذلك أنه جائز 480؛ لأن حفظ الناس وأفهامهم نقصت، وقد كان كثير ممن تقدم ليس لهم كتب.
قال مالك: ولم يكن للقاسم ولا لسعيد كتب، وما كنت أقرأ العلم على أحد ولا نكتب 481 في 482 هذه الألواح، وقد قلت لابن شهاب 483: أكنت تكتب 484 العلم؟ فقال: لا.
فقلت: أكنت تسألهم أن يعيدوا عليك الحديث؟ فقال: لا.
فهذا كان شأن القوم، فلو سار الناس في ذلك اليوم بسيرهم 485 لضاع العلم وأمكن أن لا يبقى منه رسمه والناس 486 اليوم يقرأون كتبهم ثم هم في التقصير على ما هم عليه! وأيضًا فإنه لا خلاف عندنا في مسائل الفروع أن القول فيها بالاجتهاد والقياس واجب، فإذا كان

الجزء: 10 - الصفحة: 4958

ذلك وكان 487 إهمال كتبهم 488 كتبها وبيعها يؤدي إلى التقصير في الاجتهاد 489 وأن لا يوضع مواضعه؛ لأن معرفة أقوال المتقدمن والترجيح بين أقاويلهم قوة وزيادة في وضع الاجتهاد مواضعه.
ويجوز للمفتي أن يكون له أجر 490 من بيت المال فلا 491 يأخذ أجرًا عن فتيا 492 وقد تقدم ذلك.
واختلف في الإجارة على تعليم الشعر والرسائل 493 والنحو، فكرهه ابن القاسم 494. وقال ابن حبيب: لا بأس بالإجارة على تعليم الشعر والرسائل وأيام العرب 495، ويكره من الشعر ما فيه الخمر والخنا والهجاء 496. ويلزم على قوله أن يجيز الإجارة على كتابته ويجيز 497 بيع كتبه.
وأما الغناء والنوح فممنوع على كل حال.
واختلف في إجارة الدفاف في العرس، فكرهه مالك 498. وقال 499 ابن القاسم في "العتبية" في أجر المعازف واللهو في العرس 500 أيقضى به؟ فقال: أما اللهو الذي يرخص فيه 501 وهو الدف فيقضى به.
وأما المزمار والعود فلا يقضى به 502. وقد تقدم ذكر الجارية المغنية في كتاب العيوب.

الجزء: 10 - الصفحة: 4959

باب في الإجارة على القتل والجراح، وفي إجارة الطبيب وأجر القاسم

(1) الإجارة على القتل والجراح جائزة إذا كانت على (2) قصاص ولحق الله تعالى، ولا يستأجر لذلك إلا من يرى أنه يأتي بالأمر على وجهه ولا يعبث في القتل ولا يجاوز القدر (3) في الجراح.
فإن كان ظلمًا لم تجز الإجارة، فإن فعل اقتص من الأجير ولا إجارة (4) له، ويعاقب المستأجر، ولو أجبر على ذلك اقتص من القاتل.
واختلف في المجبر هل يقتص منه أو يعاقب؟ وكذلك السيد يجبر عبده أو يأمره، وإن لم يجبره يقتص من للعبد.
ويختلف في السيد لأنه كالمجبر وإن لم يجبر.
وروى ابن وهب عن ما وأنه قال: إن كان العبد أعجميًّا قتل السيد دون العبد، وإن كان فصيحًا قتل العبد وحده (5). وقال أيضًا: يقتلان جميعًا (6). وبه أخذ ابن القاسم (7).

فصل [في إجارة الطبيب]

عمل الطبيب على الإجارة جائز إذا ضرب أجلًا، فإن برئ قبل تمامه كان له من الأجر بحسابه، وإن تمّ الأجل استحق الأجر، برئ عند انقضاء503504505506507508509

الجزء: 10 - الصفحة: 4960

الأجل 510 أو لم يبرأ.
ولا يشترط النقد لإمكان أن يبرأ في بعض الأجل، ولا بأس أن يشترط 511 من النقد ما الغالب أنه لا يبرأ قبله.
واختلف في عمله على الجعالة.
فقيل: جائز 512. وقال أبو القاسم ابن الجلاب: قد قيل إنه لا يجوز 513 إلا إلى أجل 514. والمعروف في غير المسألة الجواز.
والمعروف 515 في الأصل المنع؛ لأن فيه ثلاثة أوجه تمنع الجواز للجعل: أحدها: أن يكون مما 516 يطول ويشغل، فقد يكون 517 عليلًا الأشهر.
والثاني: أنه فيما يملك، وقد قالوا في الجعل في حفر البئر 518 لا يجوز في أرض يملكها الجاعل.
والثالث: أن المجعول له وهو الطبيب بالخيار بعد العمل بين التمادي أو الترك، فقد يترك في نصف البرء أو بعد أن 519 أشرف على البرء، فيكون قد انتفع العليل بذلك القدر من ذهاب علته ولا يدفع شيئًا.
ويختلف بعد القول بالجواز، إذا ترك قبل البرء فجعل لآخر جعلًا فبرئ، هل يكون للأول بقدر ما انتفع من عمله أو لا شيء له؟ وهذا قياس على المساقاة إذا عجز قبل تمام العمل.
فقال مالك 520: لا شيء له 521 فإذا لم يكن له

الجزء: 10 - الصفحة: 4961

شيء مع العجز كان من ترك التمام اختيارًا أولى أن لا شيء له.
ولا يجوز اشتراط النقد 522 إذا دخل على وجه الجعل.
ويختلف إذا تطوّع بذلك، فقال أشهب في "كتاب محمد": لا خير فيه 523. ومنع النقد لما كان 524 العامل بالخيار فيصير بمنزلة من ابتدأ أخذ منافع من دين.
وقيل: لا يكون كمبتدئ 525 الأخذ 526 إلا أن يختار الترك ثم يعود إلى العمل.
ويجوز أن يكون الدواء من عند الطبيب، فقال مالك في "شرح ابن مزين" في الطبيب يؤاجر على العلاج، فيقول: إن برئت فلك عشرة دراهم وإن لم أبر 527 فلك ثمن أدويتك.
قال: إن 528 هذا من شرطين في بيع.
قال: وإنما تجوز المجاعلة 529 على أنه 530 إن برئ فله، وإن لم يبرأ فلا شيء له 531. فأجاز الجعل وإن كان الدواء من عند الطبيب، وكذلك الجعل على الآبق إن وجد العبد أنفق عليه وكان له الجعل دون النفقة وقد تكثر النفقة أو يأبق العبد قرب المدينة فلا يكون له شيء.

الجزء: 10 - الصفحة: 4962

فصل [في أجر القاسم]

وأجر القاسم 532 على ثلاثة أوجه: جائز وهو أن يكون لهم جار 533 من بيت المال إذا كان نصبا نفسه 534 لذلك.
ولا يجوز أن يكون لهم جارٍ 535 من أموال الناس 536. ويجوز أن يأخذوا 537 الأجرة ممن يقسمون له 538 من غنائم أو يتامى أو رشداء أو غيرهم.
واختلف كيف يقتضون 539 الشركاء تلك الأجرة بينهم؟ فقيل: على قدر الأنصباء، وقيل: على قدر العدد، وأرى أن يكون أجر القاسم والكاتب والسمسار في ما 540 بيع شركة على قدر الأنصباء؛ لأن العادة اليوم أن الجعل على المبيع على قدر ثمنه ليس على قدر 541 التعب فما كثر ثمنه كثر جعله وإن قل تعبه، وما قلَّ ثمنه قلَّ جعله وإن كثر تعبه.

الجزء: 10 - الصفحة: 4963

باب في إجارة المسجد والدار والارض لتتخذ مسجدًا والبيت ليصلى فيه

ومن بنى مسجدًا وحيز عنه وصلى الناس فيه سقط ملكه عنه، وإن بناه ليكريه جاز ولم يسقط ملكه عنه بصلاة الناس فيه 542، وله بيعه ويورث عنه.
وإن بناه ليصلي فيه فلم يحز عنه ولا صلي فيه وامتنع من 543 أن يخرجه من 544 يده لم يجبر 545. قال في كتاب الصلاة من "المدونة": لا يورث المسجد إذا كان صاحبه قد أباحه للناس 546. يريد: إن 547 لم يبحه ورث.
وهذا الأصل في كل ما أوجبه الإنسان لله تعالى ولم يعينه 548 أن لا يجبر على إنفاذه.
وقال ابن القاسم مرة فيما جعل لمساكين في غير يمين: يجبر على إنفاذه 549. فعلى 550 هذا يجبر باني المسجد على إنفاذه، وإن مات قبل إجباره 551 أو كان على 552 إنفاذه فمات قبل حوزه كان على قولين: هل يمضي ذلك 553 حبسًا أو ميراثًا قياسًا على الصدقات إذا لم يفرط في حوزها حتى مات؟ وعلى هذا يجري الجواب إذا أحب أن يبني فوقه، فإن بناه لله وأحيز عنه لم يكن له ذلك، وإن بناه

الجزء: 10 - الصفحة: 4964

ليكريه وعلم ذلك كان له أن يبني فوقه ولا يمنع من ذلك صلاة الناس فيه.
وإن بناه لله 554 ولم يحز عنه كان على الخلاف المتقدم.
فمن لم يجبره على إنفاذه لم يمنعه من البناء فوقه، ومن أجبره منعه.
وإن قال: أنا أبنيه لله تعالى وأبني فوقه مسكنًا وعلى هذا أبني جاز.
وكذلك إن 555 كانت دارا علوًا وسفلًا وأراد أن يحبس السفل مسجدًا ويبقي 556 العلو 557 على ملكه جاز.
ومن أكرى 558 بيته أو داره ممن يصلى فيه, فإن كان الكراء على أوقات الصلاة 559 خاصة، وهو باق على منافعه فيما سوى تلك الأوقات كره له ذلك، وليس من مكارم الأخلاق أن يأخذ على ذلك أجرًا ولا يفسخ إن فعل ولا تسقط الأجرة 560، وإن أخلى 561 ذلك البيت وسلمه إليهم جاز.
وإن أكرى أرضًا ممن يتخذها مسجدًا وضرب أجلًا جاز، فإن انقضى الأجل كان للمكتري أن ينقض من ذلك ما لا يصح 562 بقاؤه للسكنى ولا يوافق بناء الدار.
ويفترق الجواب فيما يصح بقاؤه مسكنًا 563، فإن لم يجعله حبسًا كان لصاحب الأرض أن يأخذه بقيمته منقوضًا.
واختلف إذا كان حبسًا هل يأخذه بقيمته؟ وأن ذلك له أحسن.

الجزء: 10 - الصفحة: 4965

باب في من آجر داره ممن يتخذها كنيسة أو دابته ممن يمضي بها إلى الكنيسة أو يحمل عليها خمرًا، أو يبيع عنبه ممن يعصره خمرًا، أو شاته من نصرانيٍّ يذبحها لعيده, وهل تجوز (1) الكنائس في بلاد المسلمين

565؟ ومن "المدونة" قال مالك: لا يعجبني أن يكري الرجل داره ممن يتخذها كنيسة ولا يبيعها ممن يتخذها كنيسة 566، ولا يبيع شاته من مشرك يذبحها لعيده 567، ولا يكري حانوته لمن يبيع فيها خمرًا، ولا يؤاجر نفسه ولا دابته في حمل خمر، فإن فعل فلا أجر له، ويفعل فيه إن قبض أو لم يقبض بمنزلة ما وصفت لك 568 في 569 ثمن الخمر 570، فجعله بمنزلة من باع خمرًا.
وجحل ابن القاسم الصدقة بالثمن أدبًا له 571، وقال أيضًا: لا يحل له ذلك 572. وقال في "العتبية": إن أكرى دابته لمن يصل عليها 573 إلى الكنيسة، أو باع شاته من نصراني ليذبحها لعيده مضى، ولم يرد 574 وإن أكرى حانوته ممن يبيع فيه خمرًا564

الجزء: 10 - الصفحة: 4966

أو عنبه ممن يعصره خمرًا 575 فسخ، فإن فات مضى ولم يرد 576. فأباح له أخذ 577 الثمن، وقال أشهب: إن باع عنبه ممن يعصره خمرًا بيع عليه بمنزلة النصراني يشتري من 578 المسلم 579. قال الشيخ أبو الحسن 580: أخف هذه الأشياء كراء الدابة لمن يصل عليها 581 إلى الكنيسة، وبيع الشاة لعيده، ثم بيع العنب ممن يعصره خمرًا، وبيع الدار ممن يتخذها كنيسة، ثم كراء الحانوت ممن يبيع فيها خمرًا 582، وكذلك 583 الدار ممن يتخذها كنيسة، ثم إجارة الإنسان نفسه ممن يحمل له خمرًا 584 أو يرعى له خنازير، وهذا أشدها 585. فكان كراء الدابة ممن يصل عليها إلى الكنيسة أخفها؛ لأن المنافع تنقضي 586 قبل أن يصل بها 587 إلى الحرام، فأشبه من أكرى دابته من مسلم ليصل عليها 588 إلى من يعامل 589 بالربا، أو يشتري منه خمرًا فالإجارة ثابتة إذا فاتت.
وكذلك الشاة يذبحها 590 لعيده؛ لأنها بعد الذبح ذكية يجوز للمسلم أن يأكلها، وكان بيع العنب ممن يعصره خمرًا وبيع الدار ممن

الجزء: 10 - الصفحة: 4967

يتخذها كنيسة أشد؛ لأن عين المبيع يصرف 591 فيما لا يحل، وهما 592 أخف من كرائهما في ذلك؛ لأنه في البيع يفعل بعد انتقال الملك، وإنما باع دارًا أو عنبًا بدنانير وبعد انتقال ملكه يفعل 593 ذلك المشتري وفي الإجارة يفعل المنافع 594 وهي 595 في ضمان 596 بائعها حين 597 يعمل ذلك فيها.
وإجارة المسلم نفسه أشد؛ لأن فيه زيادة إذلال نفسه في مثل ذلك.
ولا أرى أن يحرم عليه ثمن العنب ولا ثمن الدار، وهو في الدار كنيسة أخف؛ لأن إباحة عمل الكنيسة ليس إلى البائع؛ لأنهم إن كانوا أعطوا ذلك وعوهدوا عليه فعلوها وإن لم يشترط له 598 ذلك البائع، وإن لم يكونوا عوهدوا على ذلك منعوا.
وقول أشهب في العنب يباع على النصراني، 599 ليس بحسن؛ لأن النصراني يقول: هو كافر ممن لا يدين بتحريمه 600، بخلاف شراء 601 المسلم فإن البيع عليه لحرمة المسلم.
ولو كان المشتري للعنب مسلمًا وعلم أنه يريد 602 للخمر، بيع عليه، ويتصدق بالإجارة عن 603 حامل الخمر وراعي الخنازير 604.

الجزء: 10 - الصفحة: 4968

فصل [في من قال: هذا الزق زيت فاحمله بعشرة, فحمله ثم علم أنه زق خمر]

وإن قال: هذا الزق زيت فاحمله بعشرة دراهم (1)، فحمله (2) ثم علم أنه زق (3) خمر كانت العشرة للذي حمله، ثم ينظر إلى ما تزيد (4) الإجارة لكونه خمرًا فيتصدق به.
وإن كانت الإجارة على زق زيت غير معين فأحضره (5) زقًا فحمله، ثم علم أنه خمر كانت له فيه (6) إجارة المثل لو كان زيتًا (7) وما يزاد له في كراء (8) الخمر يتصدق به، وتبقى الإجارة بينهما منعقدة على (9) زق زيت يأتيه به (10) يحمله بالمسمى الأول.
وإن كانت الإجارة على زق بعينه على أنه خمر، ثم علم أنه زيت كان له (11) في إجارة المثل، والإجارة الأولى ساقطة.
وكذلك إن كان زقًا غير معين فأتاه بزق زيت كان فيه إجارة المثل، والعقد الأول ساقط.

فصل [هل تجوز الكنائس في بلاد المسلمين؟]

واختلف في الكنائس في بلاد المسلمين في العنوة إذا أقروا 616 فيها أهلها،605606607608609610611612613614615

الجزء: 10 - الصفحة: 4969

وفيما اختطه المسلمون فسكنه أهل الذمة على ثلاثة أقوال: فقال ابن القاسم: ليس لهم أن يحدثوا كنيسة في 617 بلاد المسلمين كانت 618 عنوة، فأقروا 619 فيها، أو اختط ذلك المسلمون فسكنها أهل الذمة معهم إلا أن يكونوا أعطوا ذلك فيوفَّى لهم 620. وقال غيره: لهم أن يحدثوا ذلك في أرض العنوة إذا أقروا فيها 621. وظاهر قوليهما 622 أن القديم منها 623 يترك.
وقال ابن القاسم: وأما أهل الصلح فلا يمنعوا من أن يحدثوا الكنائس؛ لأنها بلادهم 624. وقال ابن الماجشون في "كتاب ابن حبيب": أما أهل العنوة فلا يترك لهم عند ضرب الجزية كنيسة إلا هدمت ثم لا يحدثوا 625 كنيسة وإن كانوا معتزلين عن بلاد الإسلام 626 627. قال: وأما أهل الصلح، فلا يحدثوا كنيسة في بلاد المسلمين، وإن شرط لهم ذلك لم يجز 628، ويمنعوا من رمّ 629 كنائسهم القديمة إذا رثت إلا أن يكون شرط لهم ذلك فيوفى 630 لهم، ويمنعوا من الزيادة الظاهرة والباطنة 631. وإن كانوا منقطعين عن بلاد المسلمين وليس بينهم مسلمون كان لهم أن يحدثوا الكنائس.

الجزء: 10 - الصفحة: 4970

باب في إجارة الفحل للإنزاء

وقال مالك في من اسْتأجرَ فرسًا أو تيسًا أو بعيرًا للإنزاء أعوامًا معلومة 632 أو شهرًا: فلا بأس به، ولا يستأجر حتى تعق 633 الرمكة 634 والناقة 635. وقال ابن حبيب: إن سمى يومًا أو شهرًا لم يجز إن لم يسم 636 نزوات.
وهذا فاسد.
ولا يجوز إلا أن 637 يسمي نزوات معلومة 638؛ لأن الإجارة تختلف بقلة ذلك وكثرته.
وقال مالك في "كتاب ابن حبيب": يكره بيع عسيب الفرس 639 والحمار، وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - النهي عن بيع عسيب 640 الفحل 641. ومحمل 642 الحديث على الندب، وليس من مكارم الأخلاق أن يؤخذ على ذلك أجر، فإن فعل لم تفسخ الإجارة، وإن أخذها لم ترد منه.
وقال سحنون في من استأجر فحلًا ينزيه مرتين فعقت الدابة بعد مرة لم تلزمه الثانية، وانفسخت 643 الإجارة بمنزلة الصبي في الرضاع 644.

الجزء: 10 - الصفحة: 4971

باب في الإجارة بين الأب وولده وبين (1) الوصي ويتيمه

يكره للوصي 646 أن يؤاجر نفسه من يتيمه، فإن فعل نظر السلطان في ذلك، فإن كان خيرًا لليتيم أمضاه وإلا ردّه، فإن فات بالعمل كان له الأقل من المسمى وإجارة المثل.
وإن آجر يتيمه من نفسه وكان خيرًا له أمضى 647 وإلا رد 648، فإن فات بالعمل كان لليتيم الأكثر من المسمى أو إجارة المثل 649. وكذلك الأب يؤاجر نفسه من ابنه 650، فإن كان خيرًا مضى 651 وإلا رد، فإن فات كان له الأقل من المسمى أو إجارة المثل 652 إلا أن يكون الأب فقيرًا ممن تلزم الابن 653 نفقته فيكون له 654 المسمى، وإن كان أكثر من إجارة المثل إذا كان للمسمى مثل 655 ما يقضى له به 656 من النفقة، وإن كان أكثر سقط الزائد 657. وإن آجر الأب ولده من نفسه، فإن كان مثله لا يؤاجر فسخت الإجارة 658، وإن كان فقيرًا أنفق الأب عليه، وإن كان موسرًا أنفق عليه من ماله، فإن كان في سن من يؤاجر وآجره فيما لا معرة عليه 659 فيه والولد موسر، فإن كان خيرًا له أمضيت 660 الإجارة، وإن فاتت كان له الأكثر.645

الجزء: 10 - الصفحة: 4972

باب في من استأجر صغيرًا بغير إذن وليه, أو استأجر (1) عبدًا بغير إذن سيده, أو استأجر حرًّا في مخوف فهلك فيه

ومن استأجر صبيًا صغيرًا 662 بغير إذن وليه نظر فيه وليه 663: فإن كان حسن نظر أمضاه وإلا رده، فإن فات بالعمل كان له الأكثر من المسمى أو إجارة المثل، وإن أصابه في حين العمل عيب أو هلك لم يكن العمل سبب ذلك لم يضمن من استأجره.
وكذلك إن 664 نقله من بلد إلى آخر 665؛ لأن الحر لا تضمن 666 رقبته بنقله بخلاف العبد.
وإن أصابه ذلك من سبب العمل كان له الأكثر من المسمى أو إجارة المثل إلى وقت نزل به ذلك ثم له قيمة ذلك 667 الشين 668، وإن هلك ضمن الدية.
وأمَّا العبد يستعمله بغير إذن سيده فإنه لا يخلو من ثلاثة 669 أوجه: إما أن يكون استعانه ولم يستأجره 670، أو استأجره ولم يأذن له السيد في الإجارة، أو أذن له فاستعمله في غير الصنف الذي أذن له فيه، فإن استعانه كان لسيده إجارة المثل، فإن أصابه عيب من سبب العمل كان له الأكثر من إجارة المثل أو 671 ما نقصه العيب.
وإن استأجره كان له الأكثر من المسمى أو إجارة661

الجزء: 10 - الصفحة: 4973

المثل أو ما نقصه العيب.
وكذلك إن أذن له في الإجارة فاستأجر نفسه في غير ما أذن له في 672، وإن أصابه في جميع هذه الوجوه عيب من غير العمل، لم يكن عليه شيء عند ابن القاسم إذا لم تنقل 673 رقبته عن بلده.
وقال سحنون: يضمنه.
والأول أحسن ولا تضمن الرقاب إلا أن تنقل.
وأما الحر يستعمل في نحوف من العمل فإن غرّه ولم يكن صاحب العمل الذي أدلاه في ذلك العمل 674 فهلك أو نزل به شين كان كالغرور 675 بالقول.
واختلف في ضمانه لذلك، وأن يضمن أحسن، وإن كان هو الذي أدلاه ضمنه قولًا واحدًا لأنه غرور بالفعل.
وإن أدلاه آخر معه والآخر غير عالم ضمن العالم نصف الدية بمباشرته.
ويختلف هل يضمن النصف الآخر لأنه من باب الغرور 676 بالقول 677؟ وإن لم يغره وأعلمه بما يخاف منه لم يضمنه؛ لأنه أهلك نفسه.
وهو في هذا بخلاف من أذن لرجل في قتله؛ لأن المقتول في ذلك ترك القصاص قبل وجوبه، وهذا قادر على أن يأمره فيطلعه، فإذا رضي بالتمادي كان قد أهلك نفسه.

الجزء: 10 - الصفحة: 4974

باب في من استأجر حرًّا او عبدًا على أن يعمل ويأتيه بخراجه أو بما يكسب فيطلقه, في إجارة الرجل المرأة للخدمة

678 ومن "المدونة" قال ابن القاسم في من استأجر عبدًا على أن يجيئه 679 بالغلة أو حجّامًا على أن يجيئه 680 بالغلة 681 فلا بأس إذا لم يستأجره على أن يضمنه خراجًا معلومًا 682. وذكر الشيخ أبو محمد بن أبي زيد في "المختصر" 683 عن مالك أنه قال: لا خير في أن يستاجر العبد على أن يجيئه 684 بالخراج 685. وهذا القول هو 686 أصل مالك في كل من اشترى 687 شيئًا على أن يعمله بائعه أنه ينظر إلى ما يصير إليه ذلك المشترى، فإن كان مجهولًا لم يجز، كالزرع على أن على البائع حصاده ودراسه، والثوب على أن يصبغه، والزيتون على أن يعصره، فكل هذا ممنوع؛ لأنه 688 لا يدري كيف يخرج هذا ولا كم يخرج الآخر.
وكذلك هذا يدفع دنانير أو دراهم ليأتيه بثمن منافعه شهرًا فهو لا 689 يدري بكم يبيعها.
وقد

الجزء: 10 - الصفحة: 4975

قالوا في من اشترى سلعة على أن يبيعها بائعها: أن البيع فاسد؛ لأنه لا يدري كم الثمن الذي بيع به.
وكذلك هذا إذا (1) اشترى منه منافعه على أن يبيعها، وإن جعل عليه خراجًا مضمونًا جاز ذلك (2) إذا كان الثمن عرضًا أو يأتيه بدنانير أو دراهم معلومة، أو الثمن عينًا والمضمون غير عين (3).

فصل (4) في إجارة الرجل المرأة للخدمة

694 إجارة الرجل المرأة للخدمة 695 على خمسة أوجه: فإن كان عزبًا لم يجز، مأمونًا كان أو غير مأمون؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لَا يَخْلُون رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا مَحْرَمٌ" 696. وإن كان له أهل وهو مأمون جاز، وإن كان غير مأمون في هذا الوجه لم يجز وإن كان له أهل.
وإن كانت متجالة 697 لا أرب للرجال فيها 698 جاز، وكذلك إن كانت شابة وهو شيخ فان.690691692693

الجزء: 10 - الصفحة: 4976

ولا يعادل الرجل المرأة في المحمل وإن كان مأمونًا لما روي عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: أنه قال 699: "بَاعِدُوا بينَ أَنْفَاسِ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ" 700 لأن ذلك لا يدعو إلى خير، وقد يقذف الشيطان 701 في قلبه شرًّا 702، وسواء كان معها زوج 703 أم لا 704. وإن كان 705 المحمل مغطى 706 دخل في 707 النهي عن الخلوة، وإن كانت عجوزًا متجالة كان أخف.

الجزء: 10 - الصفحة: 4977

باب في أمد الإجارات

708 الأمد في المستأجر يختلف باختلاف الأمن والخوف في تلك المدة، فأوسعها في الأجل الأرضون، ثم الديار، ثم العبيد، ثم الدواب 709 ثم الثياب 710، فيجوز كراء الأرض ثلاثين سنة وأربعين سنة 711 بغير نقد إلا أن تكون مأمونة الشرب فيجوز بالنقد، ويجوز مثل ذلك في الديار 712 إذا كانت جديدة مأمونة البناء، وإن كانت قديمة فدون ذلك بقدر ما يرى أنه تؤمن 713 سلامتها في الغالب.
واختلف في العبيد فأجيز في كتاب محمد النقد العشرين سنة 714 715، وفي "المدونة" خمس عشرة سنة 716، ومنعه غير ابن القاسم في العشر 717. وأرى أن ينظر في ذلك إلى سن 718 العبد، فإن كان شابًّا مثل ابن عشرين سنة أو ما قارب ذلك لم تمنع إجارته عشرين سنة على استثقال فيه، وإن كان صغيرًا أو كبيرًا أو كهلًا لم يجز من ذلك إلا ما قارب، فيمنع الصغير لأنه لا يدرى كيف يتغير عند البلوغ من نشاطٍ وقوةٍ أو غير ذلك، ويمنع الكبير لأنه دخل في سن من يتوقع انتقاله وذهابه، ولا يدرى 719 إن حيي السنين الكثيرة

الجزء: 10 - الصفحة: 4978

كيف يهجم عليه الكبر، فقد يبقى على قوة أو يصير إلى ضعف، والخمس سنين ونحوها في ذلك حسن.
وكذلك الحيوان يختلف الأجل 720 في إجارتها باختلاف العادة في أعمارها.
فالبغال أوسعها أجلًا لأنها أطول أعمارًا، والحمير دون ذلك والإبل دونها، والملابس في الأجل مثل ذلك يفترق الأجل في الحرير والكتان والصوف، والجديد والقديم فيضرب من الأجل 721 لكل واحد بقدره.

الجزء: 10 - الصفحة: 4979

باب في من استأجر عبدًا ليعمل له (1) عملًا هل يستعمله في غيره أو يسافر به أو يستعمل (2) بالليل؟

ومن "المدونة" قال 724: ومن استأجر أجيرًا لعمل 725 فأراد أن يستعمله في غيره من جنس الأول وفي مثل مشتقة جاز وإن لم يرض الأجير 726. وإن لم يكن من جنسه لم يجز.
واختلف إذا رضي, فأجازه ابن القاسم إذا كان يسيرًا 727 , وأجازه ابن حبيب في الكثير، ومنعه سحنون وإن قلَّ 728. وأرى أن يجوز وإن كثر؛ لأن منافع المعيّن كالسلعة المعينة، ولو 729 كانت كالشيء المضمون لم يجز أن يستأجر 730 بدين؛ لأنه يكون دينًا بدين.
واختلف إذا أراد أن يجعل غيره يعمل 731 مكانه.
فقال ابن القاسم في من استأجر أجيرًا يرعى له غنمًا فأتى الراعي بمن يرعى مكانه لم يجز؛ لأن صاحب الغنم إنما رضي أمانة الأول وجزاءه 732 وكفايته 733. فجعل المنع من مقال صاحب الغنم، قال ابن حبيب: فإن رضي جاز، وقال سحنون: لا يجوز وإن رضي.
وهذا من الأصل الأول، والجواز أصوب؛ لأن المنافع ليست كالدين، وقال ابن القاسم: إن حول العبد في عمل آخر بغير رضى سيده فعطب لم يضمنه إلا أن يكون ذلك العمل مما يعطب في مثله 734، وقال سحنون: يضمنه 735. والأول أحسن إذا لم يكن ذلك من سبب العمل؛ لأنه لم ينقل الرقبة فيضمنها بالنقل ولا أتى من سبب العمل.722723

الجزء: 10 - الصفحة: 4980

فصل [في من استأجر عبدًا ليعمل عملًا هل يسافر به؟]

وإن كانت الإجارة ليخدمه في الحضر فأحب أن يسافر به 736 ليخدمه في السفر لم يكن ذلك 737 له بغير رضاه.
واختلف إذا رضي، فعلى قول ابن القاسم: يجوز في ما قلَّ من السفر 738. وعلى قول سحنون: لا يجوز وإن قرُب.
وقول ابن حبيب يجوز وإن بعُد.
وإن استأجره ليخدمه شهرًا إن شاء في السفر وإن شاء في الحضر لم يجز لأنه غرر.
وإن شرط شهرًا في الحضر وشهرًا في السفر جاز إذا لم ينقد 739 شيئًا؛ لأن الشهر الثاني 740 إذا كان من غير جنس الأول لم يجز النقد فيه، فإذا لم يجز ذلك 741 لم يجز أن يقدم شيئًا؛ لأن الذي يقدم مفضوض 742 على الشهرين بعضه عن 743 المؤخر فلا يجوز النقد فيه.
وإن استأجره شهرًا في الحضر ثم استأجره بعد ذلك شهرًا في السفر جاز بغير نقد، وهو ها هنا بخلاف من اكترى راحلة يركبها بعد شهر.
فقال غير ابن القاسم: لا يجوز لأجل التحجير، وهو لا يدري هل يسلم أم لا؟ 744 وهذا ممنوع بعقد الشهر الأول قد حجر عليه البيع فلم يدخل بالعقد الثاني تحجير.
ومن استأجر عبدًا ليخدمه نهارًا ثم يأوي إلى مواليه، أو كان حرًا 745 ينصرف 746 إلى أهله لم يكن له أن يستخدمه ليلًا، وإن كان منقطعًا إليه ومبيته عنده يستخدمه بالليل فيما خف على حسب العادة في أمثاله.

الجزء: 10 - الصفحة: 4981

باب في الإجارة على رعاية الغنم، والحكم في ألبانها وأولادها وما ضاع منها أو ذبح

الإجارة على الرعاية جائزة، وهي على أربعة أوجه: أحدها: أن يقول له 747: أستأجرك على 748 أن 749 ترعى لي غنمًا ولا يسمي عدة.
والثاني: أن يسمي عدة ويعيّنها فيقول: ترعى لي هذه الغنم وهي 750 مائة.
والثالث: أن يشترط عدة 751 ولا يعينها.
والرابع: أن يسمي عدة معيّنة أو غير معينة ويشترط ألا يرعى معها غيرها، فإن قال: أستأجرك ترعى لي غنمًا ولم يسم عدة جاز، وحملا في ذلك على جميع منافعه، ولربِّ الغنم أن يأتيه من ذلك بما يقدر على رعايته، وهذا إذا كان المستأجر يعلم قدر رعاية مثله، ثم لا يكون للراعي أن يرعى معها غيرها، فإن فعل كان ما آجر به نفسه في الثانية للأول 752. فإن قال: ترعى مائة معينة أو غير معينة 753 كان للراعي أن يؤاجر نفسه في غيرها إذا كان لا يضر بالأول 754، وإن شرط عليه الأول أن لا يرعى معها غيرها كان شرطًا جائزًا وعليه أن يفي بذلك الشرط، فإن رعى معها 755 غيرها كان في الإجارة الثانية قولان، فقال ابن

الجزء: 10 - الصفحة: 4982

القاسم: هي للأول 756. ورأى أن الأول قد استحق جميع منافعه.
وقال غيره: الإجارة للراعي إذا لم يدخل على الغنم مضرة 757. وفي كلا القولين نظر فلا يصح أن يقال: هي للراعي 758؛ لأن الأول قد 759 زاد في الأجرة احتياطًا لغنمه فلا يبطل مقاله في تلك الزيادة.
ولا يصح أن يقال: جميعها لصاحب الغنم؛ لأنَّ الأجير يحط من الأجرة 760 لمكان راحته ورعيه القليل 761، فلكل واحد منهما مقال.
وأرى أن يكون صاحب الغنم بالخيار بين ثلاثة أوجه 762: فإن أحب فسخ عن نفسه ما زاد لمكان الشرط، وإن أحب أخذ قيمة تلك الزيادة، وإن أحب أخذ 763 ما باعها به.
فإن قيل: إجارته على الأولى 764 بانفرادها عشرة وعلى 765 أن يرعى الثانية معها ثمانية وكان المسمى اثني عشر فسخ عن نفسه خُمس المسمى لأنه أكثر، وإن كان المسمى أقل من عشرة أخذه بدينارين لأنه أكثر من خمس المسمى، وإن أحب أن يأخذ ما 766 باعها به قيل: كم إجارة مثله في الثانية؟ فإن قيل: أربعة دنانير، كانت أجرة الثانية بينهما نصفين؛ لأن للأولى 767 فيها ما قيمته ديناران.
فإن آجر نفسه في الثانية بأكثر من أربعة أخذ نصفه وإن نقصت الأولى لمكان رعي الثانية معها، وإن 768 أحب أن يأخذ نصف ما آجر به نفسه في الثانية 769 لم يكن له أن يأخذ مع ذلك 770 ما نقصها؛

الجزء: 10 - الصفحة: 4983

لأنه إذا أخذ ما آجر به (1) نفسه كان قد أجاز فعله وسقط حكم التعدي، وإن أحب فسخ عن نفسه ما ينوب ذلك الشرط، أو يأخذ قيمة تلك الزيادة كان ذلك مع قيمة (2) النقص.
وهذا ظاهر المذهب وليس بالقياس؛ لأنه إذا أخذ معها قيمة النقص صار كأنه أخذها سالمة وهو لم يكن يقدر أن يأخذها بعد شهر أو سنة سالمة إذا كان ذلك أمد الإجارة إلا بأن يرعى فلا يصح أن يأخذها سالمة من العيب بغير أجر.
وإن كان النقص كثيرًا ضمن قيمتها (3) يوم أخذ الأخرى معها، ويصح ها هنا أن يسترجع الأجرة أو يأخذ قيمتها بخلاف أن يكون النقص يسيرًا فلا يغرم قيمتها، وكذلك إن ترك الأجير الأولى (4) فلم يرعها ورعى غيرها كان ربها بالخيار بين ثلاثة أوجه (5): بين أن يفسخ الإجارة عن نفسه، أو يأخذ قيمتها، أو ما آجر به نفسه، فإن أخذ ما آجر به نفسه (6) وقد نقصت الأولى لم يضمّنه النقص لأنه إذا أخذ ما آجر به نفسه صار (7) مجيزًا لفعله فسقط حكم التعدي.

فصل [إذا قال: أستأجرك على أن ترعى هذه الغنم]

واختلف إذا قال: أستأجرك على أن ترعى هذه الغنم.
فقيل: الإجارة جائزة، وقوله: هذه، كالصفة، فيخلف 778 غيرها إن أصيبت ولا تتعيّن.
وقيل: تتعيّن والإجارة فاسدة؛ لأن فيه تحجيرًا على صاحب الغنم فلا يقدر على بيعها.
وقيل: جائزة وتتعيّن؛ لأن رب الغنم يشترط ذلك لئلا يتكلف ذلك 779 الخلف.771772773774775776777

الجزء: 10 - الصفحة: 4984

وقيل: إن قرُب أمد الإجارة جاز، وإن بعُد لم يجز.
وكذلك الأحمال إذا قال: تحمل هذه الأحمال إلى بلد كذا، فقال في "كتاب الرواحل": لا تتعيّن (1). وعلى قوله ها هنا في الغنم تتعيّن.
ثم يختلف هل تكون إجارة جائزة أو فاسدة؟ وعلى القول الآخر: يجوز فيما قرب دون ما بعُد.
قال الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه (2): وأرى أن يجوز فيما قرب؛ لأنه (3) ليس فيها (4) بتحجير وكذلك لما بعد إذا كان الشرط من رب الغنم؛ لأنه يكره أن يتكلف الخلف، فإن كان الشرط من الراعي كان فاسدًا.

فصل [في الحكم في ألبان الغنم المرعية]

وكره مالك لمن مر بالراعي 784 أن يستسقيه من لبنها 785. يريد: إذا كان الغالب إباحة ذلك فيكره 786 لإمكان أن يكون صاحبها ممن يمنع ولا يحرم؛ لأن الغالب الإباحة، وإن كانوا يمنعونه أو أكثرهم 787 لم يجز.
وإن كانوا يبيحونه ولا يمنعونه لم يكره.
وعلى الراعي إذا ولدت الغنم أن يرعاها مع الأمهات؛ لأن هذه العادة، ومن لم تكن لهم عادة لم يكن عليه رعيها.
وإن ادعى الراعي الضياع وأن الوحش ذهب بشيء منها صدق ما لم يأت بأمر يتبّين فيه كذبه أو يكون منه تفريط.
وإن نام عنها فذهب منها شيء ضمن إذا خرج عن المعتاد في النوم، فإن نام780781782783

الجزء: 10 - الصفحة: 4985

في الشتاء ضمن، وفي الصيف في أول النهار أو في (1) آخره ضمن (2). وإن نام وقت (3) القائلة عند الرعاة لم يضمن إلا أن يطول فيضمن، أو كان في موضع يخاف عليها لكثرة الوحش العادي (4) أو ترجع إلى منزلها ويدعها (5).

فصل [في اشتراط ضمان الراعي]

وإذا شرط 793 على الراعي ضمان ما هلك أو أنه 794 مصدق فيما ادعى ضياعه كان الشرط باطلًا ولا ضمان عليه فيما علم هلاكه وهو مصدق فيما يقول أنه ضاع.
وكذلك الجواب عند مالك إذا اشترط عليه أن يأتي بسمة ما مات منها 795 وإلا كان ضامنًا فالشرط باطل 796. وقال ابن القاسم 797: وله الأكثر إن عمل من المسمى أو إجارة المثل 798. وقيل: له إجارة المثل قلَّت أو كثُرت؛ لأنه شرط فيه غرر.
ويجري فيها قول آخر أن الشرط جائز ويضمن إن لم يأت بالسمة؛ لأنه قادر على ذلك كما قال في الجفنة 799 إذا قال فيها المستأجر: انكسرت، ولم يأت بفلقتها 800 801، بخلاف أن يقول: ذهبت الشاة وهي حية أو ضاعت الجفنة.
وإن ذبح الراعي شاة وقال: خفت عليها، أو أتى بها مذبوحة، أو قال: سرقت بعد الذبح صدق عند788789790791792

الجزء: 10 - الصفحة: 4986

ابن القاسم 802. وقال غيره: لا يصدق وهو ضامن 803 بالذبح.
وقال ابن حبيب في من استعار ثورًا ليحرث عليه فأتى به مذبوحًا وقال: خفت عليه الموت، فهو ضامن 804، إلا أن يأتي بسبب ذلك ولطخ ظاهر قال 805 بخلاف الراعي؛ لأن الراعي مؤتمن على ما استرعي فيفوض إليه النظر فيه 806 مما يحضر فيه ويغيب عليه من أمرها.
فإن ذبح الراعي شاة كانت مريضة صدق قولًا واحدًا، وإن كانت صحيحة رأيت أن يصدق؛ لأنه لا يتهم في ذلك إذ لا فائدة له في ذلك 807 إلا أن يكون قد 808 جرى بينه وبين صاحب الغنم شنآن فيتهم أن يقصد ضرر 809 صاحب الغنم بذلك، وقد ذكر أن العادة عند قوم فيما سقط وذبح أن الراعي يأخذ سواقطه، فمن تلك عادته كان الأمر فيه 810 أشكل: هل فعل ذلك تعديًا لمنفعة نفسه أو لأنه خاف عليها؟

الجزء: 10 - الصفحة: 4987

باب في اجارة الظئر, وإذا ماتت (1) أو مات الصبي أو الأب، أو استاجر ظئرين فماتت إحداهما، أو صبيين فمات أحدهما

الإجارة على الرضاع جائزة لقول الله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [سورة الطلاق آية: 6]؛ لأن ذلك مما تدعو إليه الضرورة وبه تقوم حياة أمثاله، ولا خلاف في ذلك.
وتجوز الإجارة بالدنانير، والدراهم 812، والعروض، والطعام ولا يدخل ذلك في النهي عن الطعام بالطعام 813؛ لأنه طعام مخصوص لأعيان، ومعلوم أن المراد بالنهي 814 غير هذا، فتجوز الإجارة إذا كان الصبي حاضرًا ليرى نحو سنه، وإن كان غائبًا لم يجز إلا أن يذكر سنه؛ لأن الرضاعة تختلف، فليس رضاع من له شهر كرضاع من له سنة.
وإن جرب رضاعه 815 لتعلم 816 قوة رضاعه من ضعفه كان أحسن، فإن لم يفعلا جاز لأن الرضاع يتقارب, ولا يجوز على قول سحنون إلا بعد معرفة رضاعه؛ لأنه قال في الظئر تستأجر لرضاع صبيين فمات أحدهما: تنفسخ الإجارة لاختلاف الرضاع، قال: لأنها إن آجرت نفسها لترضع آخر مكان الميت لم تدر 817 هل رضاعه مثل 818 الميت أم لا؟ وليس لذات الزوج أن تؤاجر نفسها في الرضاع إلا بإذن زوجها، فإن811

الجزء: 10 - الصفحة: 4988

فعلت فسخه الزوج إن أحب؛ لأن عليه في ذلك معرةً أو مضرة لاشتغالها عنه به إن كان رضاعه عند أبويه، وإن كان عندها أفسد عليه 819 كثيرًا من حاله، وإن كان له ولد أضر 820 ذلك برضاع ولده.
واختلف إذا كانت الإجارة بإذنه هل للزوج أن يصيبها؟ فمنع ذلك ابن القاسم في "المدونة" وحمل استئذانه أن ذلك لأجل حقه في الإصابة 821. وأجازه أصبغ في "كتاب ابن حبيب" 822، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إنَّ ذَلِكَ لَا يَضُرُّ الْوَلَدَ" 823، 824، وحمل استئذان الزوج لأن له المنع مع بقائه على الإصابة لما يلحقه من المعرة أو 825 المضرة.
وإذا انعقدت الإجارة بإذنه منع أن يحدث 826 أمرًا يوجب في ذلك فسخًا أو عيبًا.
وإن آجرت ذات شرف نفسها في الرضاع لزمها ذلك 827 عند مالك 828. وأرى إن كان لها من يدركه من 829 ذلك معرة من أب أو ولد أو أخ أن تنفسخ 830 الإجارة.
وعلى الأب ما يحتاج إليه الولد من ريحان أو زيت أو عسل، وهو 831 غير داخل في الإجارة إلا أن تكون العادة أن تتولى ذلك من مالها، ورضاع الولد في

الجزء: 10 - الصفحة: 4989

بيتها إلا أن تكون العادة إرضاعه (1) عند أبويه؛ لأن من باع سلعة معيّنة لم يكن عليه نقلها إلى دار مشتريها.

فصل [في من استأجر ظئرا فماتت أو حملت]

تنفسخ الإجارة بموت الظئر وبحملها؛ لأن رضاع الحامل مضر بالولد أو مهلك 833، أو بمرضها إن لم يرج برؤها عن قريب، فإن كان يرى أنه لا يذهب 834 عن قرب، ثم تبين 835 خلاف ذلك وذهب قريبًا لم تنقض الإجارة إن لم يكونا تفاسخا، ويختلف إن 836 كانا 837 تفاسخا، هل ذلك حكم مضى، أو يرد لأنهما أخطئا فيما ظنا من تأخر 838 البرء وقد اختلف في هذا الأصل إذا أخذ دية العين بنزول الماء ثم ذهب، وإذا أخطأ الخارص - ولم تُنقض الإجارة؛ لأن المرض قريب الذهاب، فإن لم 839 يوجد من يرضع إلا بعقد بقية رضاعه أجبرت على 840 أن تبيع القدر الذي اضطرت 841 إليه من رضاعها.
وإن تكفلت بكفالة قبل الإجارة و 842 وجب سجنها سجنت، ثم ينظر في الفسخ حسب ما تقدم، هل يطول سجنها أو يقرب؟ وإن تكفلت بعد الإجارة لم تسجن؛ لأن ذلك تطوع 843، وليس لها أن تتطوع بما يمنع من قبض ما باعته.832

الجزء: 10 - الصفحة: 4990

واختلف في فسخ الإجارة بموت الصبي، فقال ابن القاسم: يفسخ؛ لأن الخلف يتعذر 844. وفي "كتاب ابن سحنون": الإجارة لازمة وعليه أن يأتي بخلفه، وجعله على الأصل أن المستأجر لا يتعّين، وكذلك الإجارة له على تعليمه وعلى رياضة الفرس فيموتان فليس عليه خلفهما 845 عند ابن القاسم وهو أحسن؛ لأن الخلف يتعذر 846، وإن رضي الأب بخلفه لم يكن ذلك له وهو قول ابن القاسم، ويجري فيها قول آخر 847: أن ذلك له؛ لأن الفسخ من حق الأب لا من حق 848 الظئر، فإذا تكلف ذلك ووجده 849 لزمها، وإن مات الأب قبل أن تنقد الإجارة انفسخ العقد عنه، وسواء مات موسرًا أو معسرًا.
واختلف إذا نقد، فقال مالك في "المدونة": يكون ما بقي من الرضاع بين الورثة 850، وقال أيضًا: ما بقي مما 851 قدم الأب بين الورثة 852. وكذلك في "كتاب محمد" قال: وليس بمنزلة العطايا والهبات 853 ولكنه بمنزلة النفقة يقدمها وهو يظن أنه سيبلغها 854. وروى عنه أشهب أنه قال: ذلك للصبي دون الورثة 855. قال أشهب: وكذلك معلم الكتابة 856 يستأجره ليعلم ولده بعشرة دنانير يقدمها ثم يموت الأب قبل ذلك فهي للصبي دون الورثة، وإن مات الصبي

الجزء: 10 - الصفحة: 4991

قبل الأب رجع ذلك إلى الأب إن كان حيًا و 857 إلى ورثته إن كان ميتًا يوم مات الصبي 858. قال أشهب: وذلك بمنزلة الذي يخدم الرجل عبده حياته، فإن مات المخدم والعبد في يديه رجع العبد إلى سيده، وإن مات السيد قبل لم يخرج من يد المخدم حتى يستكمل ما جعل له، فإن مات رجع العبد إلى ورثة سيده إن كان ميتًا أو إليه إن كان حيًّا 859. قال محمد 860: وأبى ذلك ابن القاسم في الظئر والمعلم وقال: إنما ذلك بمنزلة النفقة قدمها الأب 861 ثم مات قبل أن تستحق 862، وكلا الروايتين عن مالك وفي "كتاب محمد" إذا كانت الإجارة في الرضاع إلى 863 أربع سنين 864. وأرى إن مات الأب بعد مضي سنتين أن يكون للابن ما بقي لأنها هبة.
وإن مات الأب 865 في أول العقد كانت السنتان الأوليان ميراثًا؛ لأنَّ الأب كان يرى أنها واجبة عليه وله ما بعد ذلك لأنها هبة.
واختلف بعد القول أن ذلك ليس للصبي، هل يورث اللبن أو الأجرة 866 التي تقدمت 867؟ والأجرة أحسن؛ لأن سقوط ذلك عن الأب كموته ويبقى اللبن، وإذا لم يلزم الأب اللبن إذا مات الصبي لم يلزم الورثة اللبن.
وقوله: يكون ما بقي من الرضاع

الجزء: 10 - الصفحة: 4992

ميراثًا، يحتمل أن يكون ذلك لما كان الصبي حيًّا وأن الوصي يأخذه له بالثمن بلا (1) مضرة على الورثة، أو يكون قال مرة كقول سحنون: إن الصبي يخلف فيكون (2) من حق الظئر، أن الإجارة منعقدة وللوصي أن يأخذ ذلك من نصيبه بالثمن أو يبيعوه منه (3) بما أحبوا.
والقياس إذا كانت الإجارة ميراثًا أن يكون للظئر أن تذهب بنفسها ولا يلزمها العقد المتقدم، وكذلك إن رضيت بالبقاء وكره الوصي وأتى بغيرها.
وإذا قيل: إن الخلف إذا مات الصبي من حقِّ الأب، فإن أخلفه لزم الظئر كان الخيار ها هنا للوصي دونها (4). وكذلك إذا استأجر الأب ظئرًا من ماله ثم ماتت الأم وصار للصبي مال، فالقياس أن الأب يستأنف له عقدًا منها أو من غيرها؛ لأنَّ يُسْره يسقط (5) عن الأب رضاعه، ويستأجر له من ماله.
والاستحسان أن يمضي ذلك ويأخذ الأب ما كان قدمه من مال الصبي إلا أن يكون في الأجرة محاباة فيسقط التغابن عن الابن.

فصل [في من استأجر ظئرين فماتت إحداهما]

وإن استأجر ظئرين لرضاع 873 صبي فماتت إحداهما انفسخت الإجارة عن الميتة ولم يستأجر من مالها من يرضع مكانها، وعلى الأب أن يأتي بمن868869870871872

الجزء: 10 - الصفحة: 4993

يرضع مكانها، وذلك من حق الحية؛ لأنه لم يكن عليها إلا نصف رضاعه، فإن عدم 874 من يستأجره مكان الميتة كان لهذه أن تفسخ الإجارة إلا أن يتراضيا في رضاعه على شيء معلوم.
وإن قالت: أنا أرضعه بالأجرة 875 التي كنت أرضعته 876 مع الميتة لكان 877 ذلك لها.
وإن استأجرهما في عقدين فماتت الأولى أخلف مكانها، وإن ماتت الآخرة لم يخلف مكانها 878. وإن استأجر ظئرًا لترضع صبيين فمات أحدهما انفسخ ما ينوبه، وإن كان موته بعد سنة قوّم ما ينوب السنة الماضية من الباقية؛ لأن رضاع الكبير أكثر 879. ويختلف هل يكون 880 لها أن تؤاجر نفسها في رضاع آخر مكان الميت؟ فأجازه ابن القاسم 881. ومنعه سحنون وقد تقدَّم ذلك.

الجزء: 10 - الصفحة: 4994

باب في تضمين صاحب الحمام والحارس فيه, وفي حامل (1) الطعام والأجير يدعي الضياع أو يهلك ذلك (2) من سببه

اختلف في تضمين صاحب الحمام في 884 ما ذهب من الثياب، فقال مالك في "المدونة": لا ضمان عليه 885. وقال في "كتاب محمد": يضمن إلا أن يأتي بحارس 886. وإذا أتى بحارس سقط الضمان عنه، وعاد الخلاف في الحارس.
فقال في "المدونة" وفي "كتاب محمد": لا ضمان 887 عليه 888. وقال ابن حبيب: يضمن لأنه أجير مشترك 889. وأن لا ضمان عليهما أحسن؛ لأن صاحب الثياب إنما اشترى منافع هو يتولى قبضها بنفسه، وهو الانتفاع بالحمام والثياب خارج وديعة لا صنعة فيها ولا إجارة عليها.
وإذا 890 دفع صاحب الثياب أجرة الحارس 891 كانت الأجرة 892 للأمانة، وهو بمنزلة من أودع وديعة بإجارة فليس أخذ الأجرة 893 عليها مما 894 يخرجه عن أن يكون أمينًا إلا أن يظهر على الحارس الخيانة فينتقل الحكم فيه ويضمن.882883

الجزء: 11 - الصفحة: 4995

وقال ابن القاسم في "العتبية": إذا قال الحارس: جاءني إنسان فشبهته بك ودفعت إليه الثياب ضمن 895. وكذلك أرى إذا أتى إنسان فأخذ 896 ثيابًا فتركه 897 ظانًّا منه 898 أنه صاحبها فإنه يضمن، وإن سرقت من الحارس لم يضمن، ولا يضمن حارس الطعام لأنه أمين.
قال محمد في من استؤجر يحرس بيتًا 899 فنام فسُرق البيت فلا ضمان عليه، وسواء كان مما يغاب عليه أم لا وله أجره كله 900، قال: وكذلك جميع الحراس لا ضمان عليهم طعامًا كان أو غيره 901. وهذا في سقوط الضمان أبين من حارس الحمام؛ لأن هذا أقامه المالك واختاره لنفسه، وحارس الحمام مُقام من صاحب الحمام ولم يختاروه لأنفسهم.
وكذلك حارس 902 الأندر 903 لا ضمان عليه إلا أن تلجئ 904 قومًا ضرورة إلى من يخاف من 905 الطعام منه فيستأجر تقاية لشره 906 وليدفع شر قوم آخرين فيضمن، أو تعلم منه الخيانة فيضمن.

الجزء: 11 - الصفحة: 4996

وإذا هلك المستأجر عليه؛ لأنه سقط عن حامله أو من يده أو عثر به كان من صاحبه دون الحامل إلا أن يكون حمل فوق طاقته أو على صفةٍ لا يحمل عليها أو كان شأنه العثار فيضمن.
واختلف إذا مشى على شيءٍ فأفسده، فقال ابن القاسم: لا شيء عليه، وقال غيره: هو ضامن 907. وهو أحسن؛ لأنها جناية على ملك الغير 908.

الجزء: 11 - الصفحة: 4997

باب في الإجارة على البنيان (1) والحفر وكيف إن انهدم شيء من ذلك؟ وإن (2) مرض الأجير أو مات

وقال ابن القاسم في من استأجر رجلًا يبني له حائطًا فانهدم فله من الأجرة 911 بقدر 912 ما عمل وليس عليه أن يبنيه ثانية، وقال غيره: إن كان مضمونًا كان عليه أن يتم العمل 913. والعمل على البناء على وجهين: إجارة، ومقاطعة، فإن عمل على الإجارة كان له كل ما بنى شيئًا بقدره من الأجر 914، وليس عليه أن يؤخر 915 قبض ذلك حتى يتم العمل.
وإن انهدم ما بنى قبل تمامه كان له من الأجر بقدر ما عمل 916 وينفسخ الباقي إذا كان يتعذر 917 على صاحب العمل موضع يتم فيه مثل ذلك، وإن لم يتعذر أتمه، فإن أراد 918 صاحب العمل أن يعيد له ذلك النصف الذي انهدم909910

الجزء: 11 - الصفحة: 4998

عوضًا من الباقي لزم ذلك (1) الأجير؛ لأن بناء الأسفل أهون من بناء النصف الأعلى.
وإن كان مقاطعة فقال: إن بنيته كاملًا كان لك أجر وإلا فلا شيء لك جاز كالمقاطعة على الخياطة، فإن بنى بعضًا (2) لم يستحق شيئًا إلا بتمامه، وإن انهدم لزمه أن يبنيه من أوله.
والدلو والفأس والقفاف إن كانت إجارة على صاحب الدار، وإن كانت مقاطعة فعلى العامل إلا أن تكون العادة على صاحب الدار.

فصل [في حفر الآبار وما يجوز فيه]

حفر 921 الآبار يجوز 922 على ثلاثة أوجه: إجارة، ومقاطعة، وجعالة، فالإجارة والمقاطعة يلزمان بالعقد ويَجوزان فيما يملك من الأرض وفيما لا يملك، والجعالة لا تلزم بالعقد، والمجعول له بالخيار بعد العمل على المشهور من المذهب، ويجوز 923 فيما لا يملك من الأرض.
واختلف هل يجوز 924 فيما يملك؟ وأجاز ابن القاسم الجعالة على الغراسة فيما يملك والحفر مثله يجوز على هذا 925. والإجارة على حفر الآبار 926 تختلف باختلاف الأرض من الشدة واللين919920

الجزء: 11 - الصفحة: 4999

وبُعد الماء 927 والمعرفة بذلك والجهل به، فإن كان المستأجر والأجير عالم بصفة الأرض وبُعد الماء 928 جازت الإجارة على الإطلاق من غير شرط، فإن قال: أستأجرك على أن تحفر لي بئرًا في هذه الأرض ولم يزد على ذلك جاز، إلا أن تختلف العادة في سعته فيذكر 929 السعة.
وإن كانا عالمين بصفة الأرض ويختلف بُعْد الماء لم يجز إلا مزارعة.
وإن اختلفت صفة الأرض دون 930 بُعْد الماء جاز إذا سموا للشديدة 931 أجرة وللرخوة أجرة، فما حفر من كل صنف كان له بحسابه.
وكذلك إن اختلف الوجهان: صفة الأرض، وبعد الماء 932، كانت الإجارة مزارعة حسب ما تقدم.
وإن حفر على الجعل فلما تمَّ انهار كل ما حفر 933 كان للحافر جعله، وإن انهار قبل تمامه لم يكن له شيء.
وإن حفر البعض ثم ترك لم يكن له شيء، فإن جعل فيه الجاعل 934 لآخر جعلًا فأتمه كان للأول أن يرجع 935 على من جعله بقيمة 936 عمله يوم أتمه الثاني، وسواء كانت القيمة الآن مثل جميع المسمى أو أقل أو أكثر.
وهو 937

الجزء: 11 - الصفحة: 5000

قول مالك وابن كنانة (1). فإن حفر نصف البئر ثم ترك وكان الجعل الأول (2) عشرة دنانير وقيمته يوم تمّ ديناران (3) لم يكن له (4) إلا ذلك؛ لأن الجعل لم يكن في ذمة الجاعل، ولو هلك الحفار لم يكن له شيء.
وإن غلت أجرته فصارت أجرة ذلك النصف يوم تم عشرة؛ أخذها لأن مصيبته منه فله نماؤه، وقد كان قول ابن (5) القاسم أن له قيمته يوم عمله فسألا مالكًا فقضى لابن كنانة (6).

فصل (7) [في من استأجر أجيرين فمرض أحدهما]

ومن استأجر رجلين يحفران له بئرًا فمرض أحدهما وحفر الآخر، كان للصحيح نصف الإجارة 945، واختلف في نصف الإجارة 946، فقال ابن القاسم: هو للمريض ويقال له: أرضِ صاحبك، فإن أبى لم يقض له بشيء 947.938939940941942943944

الجزء: 11 - الصفحة: 5001

وقال سحنون: هو لصاحب البئر.
فمحمل قول ابن القاسم على أن الإجارة كانت على الذمة، ومحمل قول سحنون على أنها على أعيانها، فإذا كانت على الذمة وحفر الصحيح في أول مرض صاحبه 948 صحَّ قول ابن القاسم أنه في حكم المتطوع؛ لأن المريض يقول: من الحق فيما بيني وبينك أن تصبر لأحفر معك 949، فإن حفر بعد أن طال المرض كان له أن يرجع على صاحبه بالأقل من إجارة مثله أو إجارة غيره ممن كان يعمل معه، فإن كانت إجارته أقل لم يكن له غير ذلك، وإن كانت إجارة غيره أقل لجودة صنعة الصحيح قال المريض: قد كان لي أن آتي بما 950 هو دون صنعتك ولم يكن لرب البئر علي مقال إذا كان لا عيب على 951 فيها، ولا مقال لرب البئر عليهما في ذلك قرب المرض أو طال؛ لأن عمله مضمون، وإنما عمله فيما بين الأجيرين.
وإن كانت الإجارة على أعيانهما لم يستحق المريض على صاحب البئر عن حفر صاحبه أجرة، وسواء حفره 952 في أول المرض أو آخره، ثم يختلف فيما بين صاحب البئر وبن الصحيح هل يستحق قبله أجرة 953 على 954 ذلك العمل؟ وفيما بينه وبين المريض هل ينفسخ العقد أو يستعمله في موضع آخر؟ وفيما بين الأجيرين هل يغرم الصحيح للمريض أجرته؟ فأما فيما بي رب البئر

الجزء: 11 - الصفحة: 5002

والصحيح، فقال سحنون: لا شيء له 955 عليه.
وقال أصبغ في "كتاب ابن حبيب" في من خاط ثوب رجل أو حصد زرعه أو سقى شجره ولم يستأجره، ثم طلب أجره، فإن كان الذي عمل له لابد له من الاستئجار عليه كان له أجره فقد كان هذا محتاجًا إلى ذلك 956 ومستأجرًا 957 عليه 958 فيكون له على قوله إجارته 959. وأما فيما بين رب البئر والمريض فإن كان خلف ذلك لا يتعذر أخلف له موضعًا يحفر له مثله؛ لأن المستأجر له لا يتعّين، وإن كان يتعذر خلفه انفسخ العقد فيما بينهما، ثم يعود المقال فيما بين الأجيرين: فإن حفر الصحيح بعد طول المرض لم يكن للمريض على صاحبه مقال؛ لأنه لم يكن عليه الصبر 960 ليصح، وإن كان حفره في أول المرض كان للمريض أن يغرمه المسمى، وللصحيح أن يؤاجره أو 961 يستعمله في مثل ذلك العمل 962، وهو بمنزلة من باع سلعة فحال رجل بين البائع وبين دفعها وقبض الثمن حتى 963 غاب المشتري أو افتقر أو أشهد أنه أقاله منها ثم رجع عن الشهادة فإن للبائع في جميع ذلك أن يرجع بالثمن على من أبطله عليه ويسلم إليه المبيع، وإن

الجزء: 11 - الصفحة: 5003

أحب ترك القيام وبقيت منافعه له (1).

فصل [في القضاء في تقديم الإجارة وتأخيرها]

وقال ابن القاسم في الخياط وغيره من العمال: يستأجره ولا يشترط نقدًا ولا تأخيرًا 965، يحملون على سنتهم فإن لم تكن لهم 966 سنة فلا شيء له حتى يفرغ من العمل 967. وإن خاط نصف الثوب لم يكن له شيء حتى يفرغ منه 968. وقال مالك في "العتبية": كل شيء اشترط عمله 969 بيده فطلب تقديم أجره 970 فليس ذلك له 971 حتى يبدأ في عمله فيقدم له أجره حينئذ 972. واختلف إذا ضاع الثوب بعد أن 973 تمَّ العمل، فقال ابن القاسم: لا أجر له إن ضاع 974. فعلى قول 975 هذا لا يستحق بخياطة بعضه شيئًا.
وقال محمد: له الأجر إن ضاع 976. فعلى قوله يكون له من الأجر بقدر ما عمل إلا أن يكون مقاطعة فلا شيء له حتى يفرغ؛ لأنه لو 977 هلك بعد أن عمل بعضه لم يكن له شيء.964

الجزء: 11 - الصفحة: 5004

باب في (1) الدعوى في الإجارة

وقد تضمن هذا الرسم من الكتاب خمسة أسئلة: أحدها: أن يقر صاحب الثوب للصانع أنه سلطه على العمل ويقول: عملته باطلًا.
والثاني: أن يقر له 979 بوضع يده عليه 980 دون العمل فيقول: استودعتك، ويقول الآخر: استعملتني 981. والثالث: أن يقول: لم أضع يدك عليه وقد سرق مني.
ويقول الآخر: استصنعتني.
والرابع: أن يقر له 982 بوضع اليد وبالعمل 983 ويخالفه في الشيء الذي يعمل 984. والخامس: أن يتفقا في العمل ويختلفا 985 في قدر الأجرة.
فإن اتفقا على 986 الإذن في العمل وقال: عملته لي باطلًا كان القول قول978

الجزء: 11 - الصفحة: 5005

الصانع أنه لم يهبه.
قال ابن القاسم: يحلف 987 ويأخذ المسمى 988. وقال غيره: له الأقل من المسمى أو إجارة المثل، فإن كان المسمى أقل حلف الصانع وحده واستحق المسمى، وإذا كانت إجارة المثل أقل حلف 989 الصانع أنه لم يعمله 990 باطلًا، وحلف الاخر أنه لم يستأجره بتلك التسمية وغرم إجارة المثل 991. وهذا إذا كان بينهما ما يشبه أن يعمل له باطلًا، فإن لم يكن أخذ المسمى إن كان أقل بغير يمين، وإن كانت إجارة المثل أقل حلف صاحب الثوب 992 وحده ودفع إجارة المثل، فإن نكل حلف الصانع وأخذ المسمى.
وهذا إذا اختلفا بعد أن سلمه، فإن لم 993 يسلمه حلف الصانع وحده على التسمية وأخذها 994 قولًا واحدًا إذا أتى بما يشبه؛ لأنه لو أقرَّ أنه استأجره بثمانية.
وقال الآخر: بعشرة، كان القول قول الصناع إذا كان الثوب في يده فهو إذا قال: باطل، أبين 995 أن يكون القول قول الصانع 996. واختلف إذا قال: أودعتك، وقال الآخر: استعملتني 997. فقال مالك: القول قول الصانع، قال: ولو أجاز 998 هذا الناس لذهب ما يعملون باطلًا،

الجزء: 11 - الصفحة: 5006

وقال غيره: العامل مدع 999. يريد 1000 أنه يكون على حكم المتعدي؛ لأنه لم يفرط، وأصل سحنون أن القول قول الصانع 1001 في طرح العداء، والقول قول الآخر في طرح التسمية ويكونان شريكين.
والأول أحسن؛ لأن الغالب فيما يدفع إليهم أنه للاستصناع، والإيدل نادر، والنادر لا حكم له.
وهذا الاختلاف إذا أراد التضمين.
فأما إذا أخذ ثوبه وكانت 1002 إجارة المثل مثل المسمى فأكثر أخذه ودفع المسمى ولا أيمان بينهما، وإن كانت إجارة المثل أقل من المسمى كان فيها قولان: فقول 1003 مالك: يحلف الصانع ويأخذ المسمى 1004. وعلى قول غيره يحلف صاحب الثوب ويدفع 1005 إجارة المثل 1006. واختلف إذا قال: سرق مني، وقال الآخر: استعملتني، فقال ابن القاسم: يتحالفان ثم يقال لصاحب الثوب: إن أحببت 1007 فادفع 1008 الأجرة وخذ متاعًا، فإن أبى قيل للعامل: ادفع قيمته غير معمول، فإن أبى كانا شريكين 1009. وقال غيره: العامل مدع 1010، ويضمن قيمة الثوب؛ لأن القول قول صاحب الثوب أنه لم يستعمله والصانع مقرّ أنه عمله وهو عالم أنه له، ففارق من عمل ما 1011 اشتراه و 1012 استحق لأنه غير عالم.

الجزء: 11 - الصفحة: 5007

وأرى أن يبدأ بصاحب الثوب قبل الأيمان فيقال (1) له: أتحب أن تأخذ متاعك أو تضمن؟ فإن قال: أنا (2) آخذ، نظر إلى قيمة الصنعة، فإن كانت مثل المسمى الذي ادعى الصانع فأكثر قيل له: لا فائدة في مناكرتك فادفع المسمى وخذ مشاعك من غير يمين على (3) واحد منكما، وإن كانت إجارة المثل أقل حلف صاحب المتاع وحده فدفع إجارة المثل وأخذ متاعه، فإن نكل حلف الصانع وأخذ المسمى.
وإن قال صاحب المتاع (4) (5): أنا أضمنه (6)، دخل الخلاف المتقدم.
وقول ابن القاسم أحسن؛ لأن اختلافهما شبهة.
وإن قال: سرقته (7) مني، وقال الآخر: استعملتني (8) فيه (9)، فإن كان ممن تشبهه (10) السرقة وهو صانع منتصب كان الجواب كالأول، الشبهة قائمة ويجري الخلاف المتقدم، وإن كان مثله لا يشبه ذلك (11) كان القول قول الصانع، وعوقب صاحب المتاع.

فصل [فى من استاجر حجامًا يقلع له ضرسًا]

واختلف الناس 1024 في من استأجر حجامًا يقلع له ضرسًا فلما قلعه قال: لم آمرك بهذا 1025، وإنما أمرتك بالذي يليه، فقال ابن القاسم: القول قول10131014101510161017101810191020102110221023

الجزء: 11 - الصفحة: 5008

الحجام وله المسمى؛ لأن الآخر يعلم ما يقلع منه (1). وقال غيره: الحجام مدع (2). ومحمل الاختلاف إذا كانت المقلوعة والتي بقيت معتلتين فيكون كل واحد منهما قد أتى بما يشبه.
فأمَّا إذا (3) كانت الباقية (4) سالمة فإن القول قول الحجام؛ لأن الآخر أتى بما لا يشبه وإنما أراد إسقاط الأجرة، فإن كانت المقلوعة سالمة يتبين ذلك فيها وفي موضعها، والباقية معتلة، كان القول قول المقلوعة ضرسه؛ لأن الآخر (5) أتى بما لا يشبه، فيحلف المقلوع ضرسه (6) لإمكان أن يكون غلط فيما (7) أراه لمقاربة الألم ويستحق دية (8) ضرسه ويقلع الأخرى (9) إلا أن يكون في الباقية دليل لفسادها (10) واسودادها وصفاء المقلوعة فلا يكون على صاحب الضرس يمين.

فصل [في رجل لتَّ سويقًا بسمن]

وقال ابن القاسم في رجل لتّ سويقًا بسمن وقال لصاحبه: أمرتني أن ألته بسمن 1036 بعشرة دراهم وقال الآخر: لم آمرك بشيء 1037، يقال لصاحب السويق: إن شئت فاغرم عشرة دراهم وخذه، فإن أبى قيل للآخر: اغرم له مثل سويقه غير ملتوت وخذ هذا الملتوت، فإن أبى سلمه ولم يكن له شيء؛1026102710281029103010311032103310341035

الجزء: 11 - الصفحة: 5009

لأن الطعام يوجد مثله فلا تكون 1038 فيه شركة 1039. وقال غيره: إن أبى صاحب السويق أن يعطيه ما لتّ 1040 به كان على اللاتّ 1041 أن يغرم له مثل سويقه غير ملتوت 1042. ومحمل المسألة على أن ربه قال: سرق مني 1043. فرأى ابن القاسم الاختلاف شبهة 1044 فلا يكون على حكم المتعدي.
وجعله غيره متعديًا فيحلف صاحبه ويغرم مثله جبرًا 1045. والأول أحسن أن ذلك أشبه 1046 مع أنه من أهل الصنعة 1047. وأرى إن أخذه صاحبه ودفع الأجرة أن يباع ويشترى من ثمنه مثل سويقه فإن بقي مثل الأجرة فأقل أمسكه، فإن فضل أكثر وقف الفضل للآخر 1048، ولا يجوز أن يمسك السويق فيكون على قوله قد سلم سويقًا غير ملتوت ودراهم والأجرة بسويق ملتوت 1049. وكذلك إذا حلف صاحبه فنكل اللتات 1050 يباع هذا ويشترى من ثمنه سويقًا غير ملتوت 1051، فإن فضل منه مثل أجرته كان له، وإن فضل أكثر من

الجزء: 11 - الصفحة: 5010

الأجرة وقف الزائد إلا أن يقول 1052 اللتات 1053: هذا السويق 1054 صنعته 1055 كالأبزار في اللحم، والزيت في الإسفنجة فيجوز لمن صار إليه منهما 1056 أن يحبسه ولا يبيعه.
وإن قال: استأجرتك على 1057 لتاته 1058 بخمسة، وقال الآخر: بعشرة ولم تعمل فيه إلا ما شارطتك عليه.
أو 1059 قال: عملت فيه بعشرة ولم آمرك إلا بخمسة 1060، كان القول قول اللاتّ مع يمينه أنه أمره بعشرة وأنه 1061 فعل ما أمره به.
فإن نكل حلف الآخر أنه لم يأمره إلا بخمسة ودفع خمسة وأخذه، فإن صدقه أنه عمل فيه بعشرة كان بالخيار بين أن يغرم عشرة ويأخذ، أو يحلف أنه لم يأمره إلا بخمسة ويغرمه مثله إلا أن يرضى الصانع أن يسلمه ويأخذ خمسة.
وإن قال صاحبه: قد كان لي فيه سمن بخمسة وأنكره الآخر، فإن كان سلمه إليه ولته في غيبته حلف اللات أنه لم يكن فيه شيء وأخذ عشرة، وإن لم يسلمه أو أسلمه 1062 ولم يغب عليه حلف صاحبه أنه كان له فيه سمن مثل ما يقول وأنه لم يستأجره إلا بخمسة وأخذه.
وكذلك إن استأجره على صباغ ثوب، فقال: استأجرتك بخمسة.
وقال الآخر.
بعشرة، وأتى بما يشبه.
وقال صاحبه 1063: هذه الصفة التي وافقتك 1064 عليها 1065 بخمسة، أو قال: بعشرة 1066 دون ذلك الصبغ وأنت صبغت ما يساوي 1067 عشرة، فحلف الصباغ أو نكل أو قال صاحبه: كان لي فيه صبغ بخمسة وقد غاب عليه الصباغ أو لم يغب؛

الجزء: 11 - الصفحة: 5011

فالجواب على (1) جميع ذلك على ما تقدم في اللتات (2). فإن قال: الثوب الذي دفعته إليك (3) غير هذا وهذا دون متاعي حلف الصباغ أن هذا هو (4) الذي قبض منه وأنه استأجره صاحب الثوب (5) عليه (6) بعشرة إذا أتى بما يشبه في الصبغ وأخذ عشرة ولا ضمان عليه.
وإن نكل حلف صاحب الثوب أن صفة الثوب الذي كنت دفعت إليك كان على ما حلف عليه ويغرمه قيمته وتنفسخ الأجرة فيه إذا كان يتعذر خلفه.

فصل [في اليتيم يؤاجر سنين، ثم يحتلم قبل ذلك]

وقال ابن القاسم: إذا آجر 1074 الوصي يتيمه ثلاث سنين وهو يرى أنه لا يحتلم دون ذلك فاحتلم ورشد، كان له أن يفسخ الإجارة عن نفسه 1075 إلا أن يكون الباقي 1076 يسيرا الأيام أو الأشهر.
وإن آجر عبده أو أرضه أو دابته ثلاث سنين وهو يرى أنه لا يحتلم دون ذلك فاحتلم ورشد لزمه ذلك 1077. وقال غيره: لا يلزم اليتيم من ذلك إلا ما قلّ 1078. وهو أبين إلا أن يكون فعل الوصي ذلك لأنه احتاج إلى الإنفاق عليه في زمن إن لم يفعل باع تلك الأرض أو الدار فيلزم وإن كثر قال ابن القاسم: وكذلك الأب في ولده لا 1079 يؤاجر أرضه أو ماله السنين الكثيرة الذي يعلم أن المولود يحتلم قبل انقضائها.106810691070107110721073

الجزء: 11 - الصفحة: 5012

باب الجعل (1) على الآبق أو (2) جماعة العبيد، وفي الحكم في الجعل إذا كان معينًا أو مضمونًا

الجعل على الآبق جائز، علم المجعول له بموضعه 1082 أو جهله، كان ممن يعرفه قبل ذلك أم لا، ويجوز أيضًا مع جهل السيد بمن يطلبه.
فقال ابن القاسم في "العتبية": إذا قال: من جاءني بعبدي الآبق 1083 فله عشرة دنانير.
فجاءه به من سمعه فله عشرة دنانير، وسواء كان ذلك 1084 من شأنه أم لا، وإن جاء به 1085 من لم يسمعه لم يكن له شيء، إلا أن يكون ذلك شأنه فله جعل مثله 1086. وقال ابن حبيب: من طلبه بعد قول سيده فالجعل له ثابت وإن لم يعلم بالجعل ولا كان ذلك شأنه.
وهو أحسن إذا قال: عملت 1087 على الجعل ولم أتطوع، ويكون له الأقل من جعل مثله أو ما جعل فيه سيده.
وإن جاء به من ذلك شأنه وقد علم بقول 1088 سيده.
وقال: لم أعمل على تلك التسمية - لأن لي طلب مثل ذلك من غير قول سيده، وإنما أفادني قول سيده المعرفة أن قد ذهب له عبد- حلف على ذلك وكان له جعل مثله 1089 إذا كان أكثر من ذلك 1090 المسمى.10801081

الجزء: 11 - الصفحة: 5013

واختلف إذا طلبه من علم موضعه ثم أتى سيده.
فقال: اجعل لي جعلًا (1) هل يكون له شيء؟ فقال ابن حبيب: إنما يكون له (2) الجعل على الجهل من المجعول له بموضعه، فأما من علم موضعه ثم أتى سيده فقال: اجعل لي في عبدك الآبق أو متاعك الذاهب، وأنا آتيك به أو أدلك عليه فجعل له فلا شيء له (3)؛ لأنه واجب عليه أن يدل صاحبه عليه أو يرده إن وجده.
وقال ابن القاسم في "العتبية" يعطى قدر عنائه فيه (4) إلى ذلك الموضع (5). وهذا أحسن (6) إذا كان صاحبه لا يخرج ليأتي به، وإن كان لو علم موضعه لخرج بنفسه أو ولده أو خديمه (7) فلا شيء له.

فصل [في الغرر في ثمن الجعل]

ولا يجوز الغرر في ثمن الجعل وإن 1098 كان العمل مجهولًا؛ لأن الغرر في العمل مما تدعو إليه الضرورة، ولا ضرورة في الغرر في الثمن.
والجعل على وجهين: مضمون، ومعّين، فإن كان مضموثًا موصوفًا 1099 عينًا أو عرضًا أو1091109210931094109510961097

الجزء: 11 - الصفحة: 5014

مكيلًا أو موزونًا، جاز وإن لم يضربا أجلًا، والأجل وصوله بالآبق 1100 فيستحق الجعل ولا يجوز ضرب الأجل؛ لأنه لا يدري هل يحل الأجل قبل وجوده فلا يجوز له قبضه.
وإن جعلا مبتدأ الأجل بعد 1101 وجوده فقال: إن أتيت به فلك بعد ذلك دينار تقبضه إلى شهر أو شهرين جاز.
وإن كان الجعل معينًا وهو عين لم يجز، و 1102 للجاعل أن ينتفع به ويغرم المثل إذا أتى بالعبد، وإن كان ثوبًا أو مكيلًا أو موزونًا لا يخشى تغيّره فيما بينه وبين وجود الآبق جاز ويوقف 1103، وإن كان يخشى تغيره كالدابة وغيرها من الحيوان لم يجز.
والنفقة على الآبق داخلة في الجعل، قال مالك في "العتبية": وإن جاء به وقد أنفق عليه فالنفقة من 1104 الذي جاء به وله الجعل فقط 1105. وإن قال: إن جئتني به فلك نصفه لم يجز.
وقال ابن القاسم: لأنه لا يدري كيف يجده أقطع أو أعور أو غير ذلك فإن عمل على ذلك 1106 وجاء به كان له إجارة مثله، فإن لم يأت به فلا جعل له 1107. وقال في "كتاب محمد" في من جعل في آبق أو اقتضاء 1108 دين جعلا فإن لم يجده أو لم يقبض الدين 1109 فله نفقته كان فاسدًا، فإن وجده أو اقتضى 1110 فله جعل مثله وإلا فلا شيء له 1111. وقال في "العتبية": إن لم يجده فله أجر مثله 1112. فرده 1113 إلى الإجارة الفاسدة لما

الجزء: 11 - الصفحة: 5015

جعل له شيئًا ثابتًا على كل حال، وجده أو لم يجده.
ورده في القول الآخر إلى الجعل الفاسد (1) وأن لا شيء له إن لم يجده.
يريد إذا كانت النفقة يسيرة في جنب الجعل فجعل الحكم للغالب.

فصل [في من أبق له عبد فجعل فيه جعلين لرجلين]

وقال ابن القاسم في من أبق له عبد فجعل فيه 1115 1116 جعلين لرجلين، لواحد عشرة ولآخر خمسة فأتيا به: فالعشرة بينهما أثلاثًا 1117. وقال ابن نافع: لكل واحد منهما 1118 نصف ما جعل له؛ لأن كل واحد منهما أتى بنصفه 1119. وهو أحسن ولا وجه للأول.
واختلف إذا جعل لرجل في عبدين أبقا له عشرة دنانير فأتى بأحدهما.
فقال ابن القاسم: الجعل فاسد وله فيه بقدر عنائه وطلبه 1120. وقال ابن نافع: له نصف العشرة 1121. وقال أشهب في "كتاب محمد": تقسم العشرة على قدر1114

الجزء: 11 - الصفحة: 5016

قيمتهما فيعطى منها بقدر قيمته من قيمة صاحبه 1122. يريد: يوم أبق؛ لأن الجعل إنما 1123 يلزم 1124 على ما يعرف منه يوم أبق ليس يوم يوجد؛ لأنه لا يعرف على أي صفة يجده.
وقول ابن القاسم أبين؛ لأنههما لم يدخلا على أن الجعل على العدد ولا على القيم، ولو جعلاه على العدد جاز وكان له خمسة كما قال ابن نافع، أو على القيم يفض 1125 على قيمته كما قال أشهب، وهو ها هنا أخف من جمع السلعتين إلا أن يقول على القيم يوم الوجود فيفسد قولًا واحدًا.
وإن سمى لكل عبد 1126 جعلًا مختلفًا على قدر قيمته من قيمة صاحبه والمجعول له يعرفه جاز.
واختلف إذا كان الجعل مختلفًا وهو لا يعرفهما 1127 أو 1128 سواء وهو يعرفهم أو يجهلهم 1129 فأجاز في "كتاب محمد" أن يجعل في ناصح دينارًا وفي مرزوق نصف دينار أو ما أشبه ذلك وإن كان الطالب لا يعرفهم، ثم قال: لا 1130 يجوز.
وهو أحسن؛ لأن من شرط الجعل أن يكون معروفًا 1131 فقد يقصد إلى طلب عبد في بلد ولا يدري هل هو 1132 ناصح أو مرزوق؟ واستخف ذلك مرة؛ لأنه يدخل مثل ذلك بعد معرفته بهم فقد يدل على عبدٍ له في بلد أو يسمع به ولا يعرف أيهم هو فيجوز له أن يمضي لطلبه 1133 قبل معرفته هل هو ناصح أو مرزوق؛ لأن هذه ضرورة، ولهذا أجاز في "كتاب محمد" أن يكون الجعل مختلفًا

الجزء: 11 - الصفحة: 5017

من غير مراعاة (1) لقيمتهم هل هي سواء أو مختلفة (2)؟ واختلف إذا كان الجعل سواء وقيمتهم مختلفة (3)، فأجازه في "كتاب محمد" ومنعه في "العتبية" (4).

فصل [فيما إذا هرب العبد من المجعول له أو استحق قبل أن يقبض الجعل]

وإن 1138 أتى المجعول له بالعبد ثم ذهب في بعض الطريق أو ليلة قدومه به 1139 على سيده أيكن له شيء من الجعل ولا من نفقته عليه، فإن ترك العمل ثم جعل فيه سيده لآخر بعد أن عاد إلى موضعه الذي أخذ منه أو قريب منه لم يكن للأول شيء، فإن أخذه في الموضع الذي أوصله 1140 الأول 1141 إليه أو قريبًا منه وقد جعل الثاني 1142 في طلبه من مثل ذلك الموضع الذي هرب منه للثاني، كان للأول بقدر ما انتفع به 1143 سيده فإن جعل للآخر طلبه حيث وجده 1144 قرب أو بعد وكان الجعل فيه الآن مثل الأول لم يكن للأول فيه شيء، وإن كان الثاني أقل لأنه لا يطلبه إلا في المواضع القريبة كان للأول 1145 بقدر ما انتفع بطلبه 1146.1134113511361137

الجزء: 11 - الصفحة: 5018

وقال ابن القاسم في "العتبية" وذكره محمد عنه في من جعل في عبد آبق له جعلًا فأتى به فاستحق قبل أن يقبض الجعل وقبل أن يقبضه ربه: فالجعل على الجاعل ولا شيء على المستحق 1147. وقال محمد: يرجع الجاعل على مستحقه بجُعل مثله إلا أن يكون الذي جعل فيه أقل 1148. وهو أبين إلا أن يكون المستحق ممن يطلبه بنفسه أو بغير ذلك بغير أجرة 1149. وإن استحق بحرية كان الجعل على الجاعل ولا يرجع به 1150 عليه ولا على أحد.

الجزء: 11 - الصفحة: 5019

باب في من استأجر أجيرًا ليجذ نخله (1) أو يحصد زرعه أو يحرك (2) زيتونه بجزء منه

1153 ومن "المدونه" قال ابن القاسم: و 1154 إن قال: جذ نخلي أو احصد زرعي أو القط زيتوني ولك نصفه جاز 1155. وإن قال: فما جذذت من شيء أو حصدت أو التقطت فلك نصفه جاز عند مالك 1156. وقال غيره: لا يجوز 1157. وإن قال: جذ اليوم أو احصد اليوم 1158 أو القط فما جذذت أو حصدت أو لقطت 1159 فلك نصفه لم يجز.
قال مالك: لأنه لو قال: أبيعك ما ألقط اليوم بكذا 1160 لم يكن له 1161 فيه خير 1162، فإذا لم يجز أن يبيعه لم يجز أن يستأجر به ولا يجعله جعلًا؛ لأن الجعل لا يجوز في وقت إلا أن يقول متى شئت تركت فيجوز.
فأجاز 1163 الإجارة على نصف 1164 جميعه بنصفه؛ لأن نصفه معلوم يجوز بيعه بالعين 1165 وغيره فجاز أن يكون ثمنًا لحصاد نصفه، جازت الإجارة على البعض وإن كان لا يدري هل يحصد قليلًا أو كثيرًا؛ لأن الأجير عالم بما يبيع 1166 به منافعه؛ لأنه كلما أراد أن يقطع عرجونًا أو يحصد موضعًا فإذا وضع يده عليه ليجذه علمه11511152

الجزء: 11 - الصفحة: 5020

حينئذ قبل أن 1167 يجذه إذ يجذ 1168 على علم أن له نصفه، وإن قال: احصد اليوم وأوجب عمل 1169 جميع ذلك اليوم، كان الأجير كما قال غير عالم بما ينال 1170 ذلك اليوم، فلم يجز أن يكون نصفه 1171 ثمنًا لمنافعه.
فإن قال: متى شئت تركت، عاد الجواب إلى ما تقدم إذا قال: فما حصدت من شيء فلك 1172، فأجازه مالك ومنعه غيره 1173؛ لأنه يختلف عنده إن جذ أو حصد كان جزؤه 1174 نخلا 1175 بخلاف من يستأجر على من يعمل يسيرًا وهو لا يدري هل يترك بعد عمل 1176 يسير أو كثير 1177؟ وإن قال: احصده وادرسه ولك نصف ما يخرج لم يجز.
وقال في "العتبية": إن قال: احصده وادرسه على النصف جاز 1178. ففرق بين السؤالين؛ لأن قوله على نصف ما يخرج منه 1179 يقتضي أن يحصد جميعه ويدرسه على ملك صاحبه ليكون له نصف ما يخرج وذلك مجهول.
وإن قال: على النصف ولم يقل على 1180 نصف ما يخرج منه 1181 كان له النصف على هيئته الآن، وهو شريك يحصد النصف ويدرسه على ملكه وفارق من اشترى ثوبًا على أن يصبغه بائعه؛ لأن المشتري ها هنا هو المتولي لعمل ما اشتراه، وهو بمنزلة إذا كان المشتري 1182

الجزء: 11 - الصفحة: 5021

للثوب هو الذي يصبغه.
وقال ابن القاسم في من قال: احصد زرعي على أن لك نصفه فحصده 1183 أو بعضه، ثم أصابته جائحة 1184 أو بعض ما يتلفه 1185، قال 1186: ضمانه منهما جميعًا وعلى الأجير 1187 إن لم يكن حصده كله أن يحصد مثل 1188 ما بقي.
وقال سحنون: عليه قيمة نصف الزرع وليس له 1189 أن يحصد مثله 1190. يريد: إذا كان تلفه قبل الحصاد وتعذر الخلف عنه.
وإن قال: حرّك شجري فما سقط فلك نصفه لم يجز.

الجزء: 11 - الصفحة: 5022

باب في الجعل (1) على الخصومة وعلى اقتضاء الديون

اختلف عن مالك في الجعل على الخصومة، فروى ابن القاسم عنه أنه كرهه 1192. وقال سحنون: وقد روي عنه أنه أجازه 1193. والمعروف من قولهم في هذا الأصل المنع، وأن الجعل إنما يجوز فيما قلَّ ولم يشغل 1194 العامل، وإن ترك قبل التمام لم ينتفع الجاعل.
وفي الجعل على الخصومة وجهان: أحدهما: أنه يطول ويشغل العامل 1195 ولا يدري متى تنقضي الخصومة، وإن ترك قبل التمام وبعد إقامة البينات أو إنفاد 1196 الحجج انتفع الموكل.
ويختلف إذا وكل آخر فأتم الخصومة هل يكون للأول بقدر ما انتفع الطالب من عمله؟ وقال مالك في "كتاب محمد": إذا كان 1197 الجعل ثلث ما يقتضي من الدين ثم صالح بعد ذلك الطالب المطلوب 1198 على أن أخذ 1199 ثلثي الحق وأخَّرَ ثلثه 1200، وأراد الأجير 1201 أن يأخذ ثلث ما أخذ ويكون على شرطه في الباقي 1202. فقال1191

الجزء: 11 - الصفحة: 5023

مالك: هو الذي اقتضى حين 1203 جاءك به فصالحته؟ قال: نعم.
قال مالك: أرى ذلك له 1204 كما قال الأجير 1205. قال محمد 1206: ولو قال الأجير: لا أجيز تأخير 1207 الحق كان 1208 ذلك له أن يقتضيه 1209 جميع ما بقي، حتى 1210 يأخذ ثلثه إلا أن يرضى منه، وهو مثل ما لو أسقط صاحب الحق حقه كله 1211. وأرى أن يكون الجواب مثل ذلك إذا كان الصلح بعد أن خاصم وإن لم يكن ذلك الطلب سببا للصلح 1212؛ لأنه بعد أن شرع في الخصومة ليس له أن يعزله عنها، فإن رضي الطالب بأن يدخل معه الوكيل بجزء له 1213 فيما تعجل ويكون على حقه في المتأخر 1214 وإلا رد الصلح وكان للوكيل أن يخاصم حتى يثبت الحق أو يسقط الأول 1215 إلا أن يرى أنه لا يقدر على إثباته فلا يرد؛ لأن نقض 1216 ذلك لصلح 1217 ضرر على الطالب من غير منفعة للمجعول له.
تمَّ كتابُ الجعلِ والإجارةِ بحمدِ اللهِ وعونه 1218 = ذلك، فله ثلث ما قبض، وهو على شرطه ما لم يقبض".

الجزء: 11 - الصفحة: 5024

فصول الكتاب · 100 فصل
فصول التبصرة للخمي
المقدمةكتاب الطهارةكتاب الصلاة الأولكتاب الصلاة الثانيكتاب الجنائزكتاب الصيامكتاب الاعتكافكتاب الزكاة الأولكتاب الزكاة الثانيكتاب الحج الأولكتاب الحج الثانيكتاب الحج الثالثكتاب الجهادكتاب الصيدكتاب الذبائحكتاب الضحاياكتاب العقيقةكتاب الأطعمةكتاب الأشربةكتاب الأشربةكتاب النذور والأيمانكتاب النكاح الأولكتاب النكاح الثانيكتاب النكاح الثالثكتاب الرضاعكتاب العدة وطلاق السنةكتاب المفقودكتاب الظهاركتاب الإيلاءكتاب اللعانكتاب إرخاء الستوركتاب الأيمان بالطلاقكتاب التخيير والتمليككتاب الصرفكتاب السلم الأولكتاب السلم الثانيكتاب السلم الثانيكتاب السلم الثالثكتاب التفليسكتاب اللقطةكتاب المأذون له في التجارةكتاب حريم الآباركتاب الشفعةكتاب الهبةكتاب الحبس والصدقةكتاب الصدقة والهبةكتاب الوصايا الأولكتاب الوصايا الثانيكتاب العتقكتاب العتق الأولكتاب العتق الثانيكتاب المدبركتاب المكاتبكتاب أمهات الأولادكتاب الولاء والمواريثكتاب بيع الآجالكتاب البيوع الفاسدة وما يفيتهاكتاب البيوع الفاسدة وما يفيتهاكتاب العراياكتاب التجارة إلى أرض الحربكتاب التدليس بالعيوبكتاب البيع على الصفةكتاب البيع على الصفة أو على رؤية تقدمتكتاب الاستبراءكتاب بيع الخياركتاب المرابحةكتاب الوكالاتكتاب الصلحكتاب المساقاةكتاب الجوائحكتاب الشركةكتاب تضمين الصناعكتاب الجعل والإجارة
باب في الإجارة والجعالةفصل [حكم الإجارة والجعالة]فصل [في اجتماع الإجارة والبيع في عقد]فصل (10) [في اجتماع البيع والجعل في عقد واحد]فصل (3) [في من باع سلعة بمائة دينار على أن يتجر بثمنها سنة]فصل [في موت العامل قبل العمل]فصل [في من باع نصف ثوب على أن يبيع له المشتري النصف الآخر بغير البلد]باب ما (1) يجوز من الجعل ويفسد: (فصل ما يجوز من الجعل)باب (1) في الإجارة والسلف، وفي من استأجر على طحين قمح وثمنه (2) منه أو على ذبح شاة برطل من لحمهافصل [في الرجل يشتري القمح على أن عليه طحنه]باب في الإجارة على الخياطة، ومن استأجر من يدبغ له جلودًا أو ينسج له غزلًا بنصفه، أو أعطى دابته أو سفينته أو حمامًا أو فرنًا لمن يؤاجره أو يعمل عليه على نصف ما يؤاجره به (1) أو ما (2) يكسب عليهفصل [في من استأجر من يدبغ له جلودًا]فصل [في من أعطى دابته لمن يؤاجره أو يعمل عليه على نصف ما يؤاجره به أو ما يكسب عليه]فصل [في شريكين في طعام يؤاجر أحدهما صاحبه في حمله وما يجوز من ذلك]باب في من استأجر رجلًا يبني له دارًا على أن المرمة من عند الأجيرباب في من استأجر مسيل (1) ماء أو اشتراه أو أستأجر رحى ماء فانقطع الماء أو قلَّ العمل لشدة أو لقطع طريق، وكيف (2) إن اختلفا في مدة انقطاعه؟فصل [في الاختلاف في مدة انقطاع الماء]باب في إجارة الثياب والحلي، وفي ضمان المستأجر وهل يؤاجر؟باب في الإجارة على الأذان والصلاة, وعلى كتابة المصحف والقراءة (1) فيه وبيعه, وعلى كتابة العلم وتعليمه وبيع كتبهفصل [في إجارة المصحف]فصل في الإجارة على تعليم القرآنفصل في الإجارة على تعليم العلم وتعليمه وبيع كتبهباب في الإجارة على القتل والجراح، وفي إجارة الطبيب وأجر القاسمفصل [في إجارة الطبيب]فصل [في أجر القاسم]باب في إجارة المسجد والدار والارض لتتخذ مسجدًا والبيت ليصلى فيهباب في من آجر داره ممن يتخذها كنيسة أو دابته ممن يمضي بها إلى الكنيسة أو يحمل عليها خمرًا، أو يبيع عنبه ممن يعصره خمرًا، أو شاته من نصرانيٍّ يذبحها لعيده, وهل تجوز (1) الكنائس في بلاد المسلمينفصل [في من قال: هذا الزق زيت فاحمله بعشرة, فحمله ثم علم أنه زق خمر]فصل [هل تجوز الكنائس في بلاد المسلمين؟]باب في إجارة الفحل للإنزاءباب في الإجارة بين الأب وولده وبين (1) الوصي ويتيمهباب في من استأجر صغيرًا بغير إذن وليه, أو استأجر (1) عبدًا بغير إذن سيده, أو استأجر حرًّا في مخوف فهلك فيهباب في من استأجر حرًّا او عبدًا على أن يعمل ويأتيه بخراجه أو بما يكسب فيطلقه, في إجارة الرجل المرأة للخدمةفصل (4) في إجارة الرجل المرأة للخدمةباب في أمد الإجاراتباب في من استأجر عبدًا ليعمل له (1) عملًا هل يستعمله في غيره أو يسافر به أو يستعمل (2) بالليل؟فصل [في من استأجر عبدًا ليعمل عملًا هل يسافر به؟]باب في الإجارة على رعاية الغنم، والحكم في ألبانها وأولادها وما ضاع منها أو ذبحفصل [إذا قال: أستأجرك على أن ترعى هذه الغنم]فصل [في الحكم في ألبان الغنم المرعية]فصل [في اشتراط ضمان الراعي]باب في اجارة الظئر, وإذا ماتت (1) أو مات الصبي أو الأب، أو استاجر ظئرين فماتت إحداهما، أو صبيين فمات أحدهمافصل [في من استأجر ظئرا فماتت أو حملت]فصل [في من استأجر ظئرين فماتت إحداهما]باب في تضمين صاحب الحمام والحارس فيه, وفي حامل (1) الطعام والأجير يدعي الضياع أو يهلك ذلك (2) من سببهباب في الإجارة على البنيان (1) والحفر وكيف إن انهدم شيء من ذلك؟ وإن (2) مرض الأجير أو ماتفصل [في حفر الآبار وما يجوز فيه]فصل (7) [في من استأجر أجيرين فمرض أحدهما]فصل [في القضاء في تقديم الإجارة وتأخيرها]باب في (1) الدعوى في الإجارةفصل [فى من استاجر حجامًا يقلع له ضرسًا]فصل [في رجل لتَّ سويقًا بسمن]فصل [في اليتيم يؤاجر سنين، ثم يحتلم قبل ذلك]باب الجعل (1) على الآبق أو (2) جماعة العبيد، وفي الحكم في الجعل إذا كان معينًا أو مضمونًافصل [في الغرر في ثمن الجعل]فصل [في من أبق له عبد فجعل فيه جعلين لرجلين]فصل [فيما إذا هرب العبد من المجعول له أو استحق قبل أن يقبض الجعل]باب في من استأجر أجيرًا ليجذ نخله (1) أو يحصد زرعه أو يحرك (2) زيتونه بجزء منهباب في الجعل (1) على الخصومة وعلى اقتضاء الديون
كتاب كراء الدور والأرضينكتاب الرواحلكتاب القراضكتاب الأقضيةكتاب الشهاداتكتاب الشهادات الثانيكتاب المديانكتاب الحجركتاب الحمالةكتاب الحوالةكتاب الرهنكتاب الغصبكتاب الاستحقاقكتاب القسمكتاب الوديعةكتاب العاريةكتاب العاريةكتاب القطع في السرقةكتاب القطع في السرقةكتاب المحاربينكتاب الرجمكتاب القذفكتاب الحدود (1) في القذفكتاب الجناياتكتاب الجراحكتاب الجراحكتاب الديات
جارٍ التحميل