التبصرة للخميكتاب التدليس بالعيوب
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب التدليس بالعيوب

النسخ المقابل عليها 1 - (ف) = نسخة فرنسا رقم (1071)

الجزء: 9 - الصفحة: 4349

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم

كتاب التدليس بالعيوب

باب في منع التدليس بالعيوب والحكم فيه إذا نزل

التدليس في العيوب غير جائز؛ لقول الله -عز وجل-: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: 188]، فما زاد ثمن الصحة على العيب يأكله البائع بالباطل.
ولقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا".
وفي كتاب مسلم: أنه - صلى الله عليه وسلم - مر على صُبْرَةِ طعام فأدخل يده فنال أصابعه بلل فقال: "مَا هَذَا؟ " قَالَ: أَصَابَتْهُ السَّمَاءُ يَا رَسُولَ الله، فقال: "أَلاَ جَعَلْتة عَلَى الطَّعَامِ حَتَّى يَرَاهُ النَّاسُ، مَنْ غَشَّ فَليسَ مِنَّا" 1. وقال في المتبايعين: "إِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإنْ كَذَبَا وَكَتَمَا مُحِقَ بَرَكَةُ بَيْعِهَما" 2. فمن كتم عيبًا كان للمشتري أن يرد؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لاَ تُصَرُّوا الإِبِلَ

الجزء: 9 - الصفحة: 4351

وَالغَنَمَ فَمَنِ ابْتَاعَهَا بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ بخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْلِبَهَا إِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا وَإِنْ سَخِطَهَا رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ" (1). وروي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "عُهْدَةُ الرَّقِيقِ ثَلاَثَةُ أَيَّامٍ" (2) وفائدة ذلك الرد بالعيب القديم.

فصل [فيمن باع عبدًا ودلس فيه بعيب]

ومن المدونة قال ابن القاسم -فيمن باع عبدًا ودلس فيه بعيب-: إن للمشتري أن يرد به، فإن أصابه عند المشتري عمى أو عور أو قطع أو شلل، رد معه ما نقصه أو حبسه، ورجع بقيمة العيب، إلا أن يقول البائع أنا أقبله بالعيب الحادث فيكون له ذلك.
وإن كان العيب الحادث خفيفًا مثل الحمى والرمد، رده ولا شيء عليه, وإن ذهبت أصابعه أو إصبع واحدة لم يرده إلا بما نقص، وإن ذهبت الأنملة وكان من العلي رده وما نقصه، وإن كان من الوَخْش 5 لم يكن عليه شيء، وإن34

الجزء: 9 - الصفحة: 4352

ذهب ظفره لم يكن عليه شيء، وإن كان من العلي رده وما نقصه 6. وقد خولف في هذه المسألة في ثلاثة مواضع: أحدها: إذا كان العيبُ مفسدًا.
فقال محمد بن مسلمة: إذا عمي أو أقعد أو هرم أو كانت دابة سمينة فعجفت، أو انقطع ذنبها حتى تصيرَ في غير حدها الذي تراد له، أخذ قيمة العيب ولم يرده.
والثاني: إذا قال البائع: أنا أقبلها بالعيب الحادث ولا شيء عليك، أو تمسك ولا شيء لك.
فقال ابن دينار: ليس له ذلك، فقد يريد العبد ويرغب فيه فيقول له: احبس ولا غرم عليَّ، أو رُدَّ ولا غرم عليك.
وقاله ابن دينار والثالث: إذا حدث به حمى.
فقال سحنون: الحمى مرض من أمراض الموت.
يريد فلا يرد به.
والعيب الحادث عند المشتري ثلاثة: يسير، وكثير لا يبطل الغرض الذي كان يملك لأجله، وكبير يبطل ذلك الغرض منه.
فإن كان يسيرًا كان كالعدم عند ابن القاسم، والمشتري بالخيار بين أن يمسك ولا شيء له، أو يرد ولا شيء عليه.
وإن كان كثيرًا ولم يبطل الغرض منه، لم يمنع من الرد، وكان المشتري بالخيار بين أن يمسك ويرجع بقيمة العيب، أو يرد، ويرد ما نقصه العيب.
وإن كان ذلك العيب قد أبطل الغرض الذي يراد منه، لم يكن له ردٌّ ورجع بقيمة العيب، فالعمى وقطع اليد والشلل، يبطل الغرض من العبد، كما قال ابن مسلمة وذلك فوت، وكذلك الهرم والعجف في الدابة إذا كان لا يرجى ذهابه، وقطع ذنبها إذا كانت تراد قبل

الجزء: 9 - الصفحة: 4353

ذلك للركوب، وكذلك الإصبع والأنملة من العبد الصانع إذا كان يرغب فيه لصنعته، فبطلت صنعته لذهاب الإصبع والأنملة.
وأما الظفر فخفيف في العلي من العبيد، ولا يخفف في العلي من الجواري ولا يردها إلا بما نقص ذلك العيب.
وقول سحنون في الحمى حسن ولا يعجل بالرد، ولأنه في شك مما ينكشف عنه، فقد ينكشف عن عرض مخوف يمنع الرد.
وكذلك الرد لا يعجل برده حتى ينظر ما يؤول إليه.
وقول عيسى في الوجه الآخر حسن إذا زاد سوق العبد أو زاد في نفسه، وإن لم يزد سوقه ولا زاد في نفسه، فقول ابن القاسم أحسن.
والقياس في العيب اليسير إذا كان البائعُ غيرَ مدلس ألا يرد المشتري إلا بما نقصه العيب؛ لأنه قبضه سالمًا فعليه أن يرد سالمًا، وقد حدث العيب وهو في ضمانه، وإن دلس لم يرد عنه شيء؛ لأن الغالبَ أنه لا ينفك من ذلك.
وقال ابن حبيب: إذا حدث عيب في الخُلُق، شرب الخمر أو السرقة أو الزنا أو الإباق، لم يغرم المشتري عنه شيئًا، وهذا خلافُ الأصول، ولا فرقَ بين عيب الخلق وغيره.

الجزء: 9 - الصفحة: 4354

باب فيمن اشترى عبدين فأصاب بأحدهما عيبًا، أو استحق أو اشترى طعامًا فوجد به عيبًا، أو استحق بعضه، أو شاتين فوجد إحداهما غير ذكية أو خلًّا فوجد بعضه خمرًا

ومن اشترى عبدين صفقة واحدة، فأصاب بأحدهما عيبًا وكانا متكافئين، أو كان العيب بأدناهما، رد المعيب ولزمه السالم.
وإن كان العيب بأجودهما، كان له أن يردهما؛ لأن الشأن أن شراء الأدنى إنما كان رغبة في الأعلى، والجواب في الاستحقاق كذلك إن استحق الأدنى، أو كانا متكافئين لزمه ما لم يستحق، وإن استحق الأعلى رد ما لم يستحق.
واختلف إذا اشترى جملة عبيد أو ثياب، وهي متساوية أو متقاربة، فكان العيب أو الاستحقاق في أكثرها، فقال ابن القاسم: له أن يرد السالم وما لم يستحق 7. وقال أشهب: يلزمه ذلك ولا رد له.
وفرق بين هذه المسألة والتي قبلها، إذا كان العيب والاستحقاق في الأرفع؛ لأن الأدنى إنما يشترى لمكان الأجود، وإذا كانوا صفقة سواء أو متقاربة، كان كل واحد مشتريا لنفسه لا مشتريا لغيره، ولو بقي عنده عبد من عشرة لزمه.
ورأى ابن القاسم أن التاجر يرغب في شراء الجملة ولا يرغب في شراء القليل، وليس هذا اختلافا في فقه.
وأرى أن يرجع في ذلك إلى ما يقوله التجار، فإن قالوا: إن الرغبة في

الجزء: 9 - الصفحة: 4355

الجملة، ومتى كان الواحد والاثنان لم يرغب في شرائه، وكان يشتريه بدون ما اشترى به في الجملة، كان له أن يرده.
وإن قالوا: الرغبة والثمن سواء؛ لزمه.
واختلف في خمسة مواضع: أحدها: إذا أراد أن يمسك الأدنى بعد أن مكن من الرد، هل له ذلك؟ والثاني: إذا كان العيب بالأعلى واستحق وفات الأدنى، هل يمضي بالثمن أو بالأقل من القيمة أو الثمن؟ والثالث: إذا كان العيب بالأدنى وأراد رده، وقال البائع إما أن تقبل الجميع أو ترد الجميع.
والرابع: إذا فات المعيب أو استحق وفات الآخر، واختلف في قيمة الفائت.
والخامس: ما الذي يفيت الأدنى إذا رد الأعلى، حوالة الأسواق أو العيوب؟ فمنع ابن القاسم إذا كان رد الأعلى بعيب أو استحق أن يمسك الباقي ورآه بمنزلة من ابتدأ الشراء بثمن مجهول؛ لأنه مَلَكَ الرد، فأمسكه بما يصير له من الثمن في الجملة، وذلك غير معلوم إلا بعد تقويم 8. وأجازه ابن حبيب وله في إجازته وجهان: أحدهما: أنه إنما يتمسك به على العقد الأول ولا ينحل إلا برده؛ لأن مصيبته بعد رد المعيب أو الاستحقاق من المشتري حتى يرده، وهو أصل أشهب فيمن وجد عيبًا فصالح عليه، أنه شراء مرجع وليس كمبتدأ بيع.

الجزء: 9 - الصفحة: 4356

والثاني: أن يكون أجراه على أحد القولين في جمع السلعتين، وإن كان يرى أن البيع الأول قد انحل.
وأرى له أن يتمسك به؛ لأنه باق على العقد الأول لم ينفسخ بعد، ولو كنت أرى قبوله ورضاه به فاسدا فرددت قبوله، لكان بمنزلة من لم يلتزمه، ثم ينظر قيمة الباقي من المعيب أو المستحق فيقبل بعد المعرفة بما ينوبه أو يرد.
واختلف إذا كان العيب بالأدنى فأراد المشتري رده وحده، وقال البائع: إما أن ترضى به أو ترد الجميع، فقيل: القول قول المشتري.
وقال ابن القاسم في المدونة: إذا كان العيبُ في كثير من عدده أو وزنه أو كيله، حتى يضر ذلك بصفقته، لم يكن له أن يحبس ما صح بما ينوبه من الثمن، وإن كان معروفًا؛ لأن البائع إنما باع على أن حمل بعضه بعضًا بخلاف الاستحقاق 9. وإذا جعل للبائع مقالًا أن يحمل الأقل عيبَ أكثر الصفقة، كان ذلك أبين أن يكون له ذلك، إذا كان العيب بالأدنى أن يحمله الأجود.
وقال الداودي: وقد قيل ذلك سواء كان العيب في أقل الصفقة أو أكثرها، فإنه يرد الجميع أو يحبس الجميع.
والأول أحسن، وإذا رد الأجود وفات الأدنى، مضى عند ابن القاسم بما ينوبه من الثمن، وقال- في كتاب محمد: فيمن اشترى شاة وعليها صوف، ثم وجد عيبًا بعد أن جزه وفات-: أنه يرد مثل الصوف أو قيمته ما بلغ 10. فعلى هذا يرد قيمة الأدنى، إلا أن تكون القيمة أكثر فيمضي بالثمن.
وأما الوجه الذي يفيت الأدنى، فظاهر قول ابن القاسم حوالة

الجزء: 9 - الصفحة: 4357

الأسواق (1). وقال محمد: يفيته العيب المفسد الذي يفيت الرد بالعيب، وليس حوالة الأسواق ولا تغير البدن (2). لأنه لما وجد العيب بالمرتفعة من الجاريتين، فكأنه وجده فيهما، وهذا لأن رد الأدنى إذا كان الأجود قائما، من باب العيب عليه في صفقة، والعيوب لا تفيتها حوالة الأسواق ولا العيب الخفيف، وإذا كان العيب كثيرًا كان بالخيار بين أن يمسك ويرد قيمته، ليس مما ينوبه من الثمن من الصفقة الأولى؛ لأن ذلك العقد سقط.
وقال محمد- فيمن اشترى عبدين فوجد بهما عيبًا، فرضي بعيب أحدهما وأراد رد الآخر-: ذلك له (3). وهذا صحيح؛ لأن الرد بالعيب من حق المشتري فيهما، فله أن يقوم بحقه فيهما أو في أحدهما.
وإن اختلفا في صفة الفائت كان القول قول المشتري عند ابن القاسم إن لم ينقد، والقول قول البائع إن انتقد.
وقال أشهب ومحمد: القول قول البائع انتقد أو لم ينتقد (4). والأول أحسن؛ لأن المعيب سقط العيب فيه بالرد، وصار البيع في الباقي وحده.

فصل [في الاستحقاق]

والجواب في الاستحقاق كالجواب في العيب يجده بأحدهما، فإن استحق11121314

الجزء: 9 - الصفحة: 4358

الأدنى أو كانا متكافئين لزمه الباقي، وإن استحق الأجود كان له أن يرد الباقي إذا كان قائمًا.
واختلف هل له أن يحبسه بما ينوبه من الثمن؟ وإن فات هل يمضي بالثمن أو بالأقل من الثمن أو القيمة؟ وهل تفيته حوالة الأسواق أو العيوب؟ وإن كان الاستحقاق على الأجزاى والمبيع عبيدًا أو ثيابًا، وكان ذلك مما يخرجه القسم، كان الجواب على ما تقدم لو كان المستحق شيئًا بعينه، فإن كان المستحق النصف فأقل لزم الباقي، وإن كان أكثر الصفقة كان له أن يرد الباقي أو يمسكه قولًا واحدًا؛ لأن الجزء له ثمن معلوم، وإن كان لا يخرجه القسم كان له أن يرد وإن قل الجزء المستحق؛ لأن بقاء الشركة عيب على المشتري.
وإن كانا عبدين متكافئين فاستحق ربحهما أقرع بينهما، فما صار للبائع لزم المشتري، وفسخ البيع في الآخر للشركة.
وإذا استحق رجل جميع العبدين وكانا متكافئين، فأرى أن يمضي البيع في أحدهما جاز.
وقال أشهب في كتاب محمد فيمن غصب جارية فولدت أولادًا ثم باعها وأولادها ثم استحقت فأراد المستحق أن يجيز البيع في بعض الأولاد، أن ذلك له (1).

فصل [في استحقاق الأقل أو النصف]

ومن اشترى طعامًا فاستحق أقله لزمه الباقي، واختلف في النصف، فقال ابن القاسم: له رد الباقي 16.15

الجزء: 9 - الصفحة: 4359

وقال أشهب -في مدونته-: يلزمه مثل العروض، وأنكر قول ابن القاسم، وأن يكون مالك قاله قط 17، وليس هذا اختلافا في فقه.
وأرى أن يرجع في ذلك إلى العادة في بيع الطعام في ذلك البلد، فإن كان ثمن الخمسين على الانفراد والجملة سواء لو كانت مائة لزم الباقين، وإن كان ثمن الخمسين على الانفراد أرخص كان له أن يرد؛ لأن المشتري يقول: إنما اشتريته بغلاء رغبة في شراء الجملة، ولئلا أتكلف شراء الباقي، ولو علمت أن المبيع هذا لم أشتره بذلك، وإن كان الثمن في الجملة أرخص، كان له مقال؛ لأنه يقول: إذا رددت هذا اشتريت الجملة رخيصة.
وقال محمد -فيمن اشترى صبرتين أو حملين على غير كيل فاستحق أحدهما-: لزمه الباقي كالعبدين بخلاف البيع على الكيل.
قاله في مسألة النصف حمل، والقياس أن يكون الجزاف والمكيل في ذلك سواء، ويرجع في الجميع إلى ما يقوله أهل المعرفة، هل البيع في الجميع والنصف سواء غلا أو رخص؟ وهذا الجواب في الاستحقاق.
وأما العيب فقال مالك وابن القاسم: إن مِن حق البائع أن لا يرد المعيب وحده، والمشتري بالخيار بين أن يقبل جميعه أو يرد جميعه سالمة ومعيبة؛ لأن بعضه يحمل بعضًا ومحمل قوله على أحد الأقوال في العروض أنه يقبل جميع المعيب أو يرده، وعلى القول أنه يرد المعيب وحده ويكون ذلك في الطعام؛ لأنه لا يجوز له أن يخلط الطعام الجيد بالرديء ثم يبيعه، واذا كان الحكم أن لا يخلطا وإن بيعا صفقة صار كالعروض، وإن كان المعيب مما لا ينفك عنه أسافل الصبرة، لزم المشتري قبوله، إلا أن يكون زائدًا على المعتاد فيرد الزائد.

الجزء: 9 - الصفحة: 4360

وقال ابن القاسم -فيمن اشترى شاتين مذبوحتين، فأصاب إحداهما غير ذكية-: له أن يرد الذكية كالطعام يستحق نصفه، وله أن يحبسها بما يصيبها من الثمن.
وعلى قول أشهب تلزمه الذكية، وإن كانت الأدنى كالعروض 18. وهذا إذا كانتا على الوزن، وإن كانتا جزافًا لم يكن له أن يرد على قول محمد، إذا كانتا متكافئتين ولا على قول أشهب، وإن كانت الذكية الأدنى.
وقال سحنون: البيع فاسد؛ لأنها صفقة جمعت حلالًا وحرامًا، وهو أصله أيضًا فيمن تزوج بعبد فثبت أنه حر، أن النكاح فاسد وإن لم يتعمداه 19. وأخذ القاضي أبو الحسن علي بن القَصَّار من هذه المسألة: أنه متى جمعت الصفقة حلالًا وحرامًا نقض البيع الحرام وحده.
وقول ابن القاسم: إذا لم يعلما، أحسن؛ لأن الميتة في ذلك كالمستحقة، وكذلك أراد إذا علما وكانتا متكافئتين؛ لأنه لم يشترِ إحداهما لمكان الأخرى، وكذلك إذا كانت الميتة الأدنى، وكل موضع يكون البيع لازمًا في الاستحقاق، وفيما لم يستحق يكون لازمًا في الذكي؛ لأنه لم يشتره لمكان الميتة، وإذا كان ذلك لزم الذكي.
وكذلك إذا كانت قلالَ خلٍّ فوجد بعضها خمرًا، يختلف هل يكون العقد في الخل صحيحًا أو فاسدًا؟ وإذا كان صحيحًا وكان الخل النصف فأكثر وهو جزاف لزم البيع فيها.
ويختلف إذا كانت على الكيل، فقال ابن القاسم: يكون بالخيار فيها.
وقال أشهب: يلزم البيع في الخل، وإن كانت التي هي خل واحدة من عشرة لزمت.

الجزء: 9 - الصفحة: 4361

وقال ابن القاسم -فيمن باع عبدًا بثوبين، ثم وجد أحد الثوبين معيبًا، وهو الوجه وفات الأدنى، والعبد قائم-: رد المعيب وقيمة الأدنى وأخذ العبد، وإن فات العبد بحوالة الأسواق فما فوق وقيمة المعيب من الثوبين الثلث أو الربع، رده وأخذ قيمة ثلث العبد أو ربعه.
فتكلم على وجهين من المسألة، إذا كان المعيب الوجه والعبد قائم، أو كان المعيب الأدنى وفات العبد.
وبقي وجهان: إذا كان المعيب الوجه وفات العبد، أو كان المعيب الأدنى والعبد قائم.
فإن كان المعيب الوجه وفات العبد، رد المعيب وأخذ ما ينوبه من قيمة العبد، ومضى الأدنى بما ينوبه من قيمة العبد.
وعلى القول الآخر يكون للمشتري أن يرد قيمته بدلًا عن عيبه، ويأخذ قيمة عبده إذا كان الذي ينوبه من قيمة العبد أكثر من قيمة الأدنى.
وإن كان المعيب الأدنى والعبد قائم، رد المعيب ورجع بما ينوبه من قيمة صاحبه، ولا يرجع شريكًا في عين العبد، وقاله ابن القاسم مرة، وينقلب الخيار لمشتريه، فيخير بين أن يرضى بالشركة أو يرده، وهو معنى قول أشهب؛ لأنه لم يقل لا خيار لمشتريه.
وما قيل في ذلك: إن الخيار له لأن العيب من سببه- فليس بحسن؛ لأن البائع إذا كان غير مدلس فلم يقصد إلى بقاء الشركة فيه، وإن كان مدلسًا، فإنه يرجو أن بحاله ذلك، أو يطلع فيجري على الأحكام في المبيعات أن لا يؤخذ في العيب بغير ما باع به، كما لم يجبر أن يسقط قيمة العيب مع قيام المبيع، وإن وجد العيب بالعبد رده وأخذ ثوبيه إن كانا قائمين، أو قيمتهما إن كانا فائتين.
وإن فات أحدهما وهو الأعلى كان فوتًا للأدنى ويأخذ قيمتها، إلا أن يحب

الجزء: 9 - الصفحة: 4362

البائع أن يأخذ الأدنى فذلك له؛ لأن المقال له فيه لا عليه.
وإن فات الأدنى أخذ الأعلى، واختلف في الأدنى إذا كان قائمًا، فقيل: يرد قيمته.
وقيل: لمشتريه أن يرده؛ لأن انتزل الأجود من يديه عيب عليه في الأدنى، وقد تقدم ذلك.

فصل [فيمن اشترى ثوبين بطعام فاستحق أحدهما أو وجد به عيبًا]

ومن اشترى ثوبًا بطعام فاستحق أحدهما، أو وجد به عيبًا، فإن كان الأدنى رجع بما ينوبه من الطعام، ولا خيار لواحد منهما، وإن كانا متكافئين رجع في نصف الطعام إن كان قائمًا، وفي مثله إن كان فائتًا، ثم يكون المشتري بالخيار في الباقي -على قول ابن القاسم- بين أن يمسك الباقي، أو يرده ويأخذ ثوبه إن كان قائمًا أو قيمته إن كان فائتًا، ولا خيار له في قول أشهب.
وإن كان المستحق أو المعيب الوجه 20 من الثوبين، كان له أن يرد الأدنى وليس له أن يتمسك به، ويكون المشتري بالخيار، وعلى قول أشهب لا خيار له.
وإن كان الاستحقاق في الطعام، فإن كان يسيرًا لزمه ما لم يستحق ورجع بما ينوبه في الثوبين قيمة على مذهب ابن القاسم، وشريكًا على قول أشهب.
ويرجع الخيار لمن في يده الثوبان.
وإن استحق نصف الطعام فأكثر كان مشتريه بالخيار عند ابن القاسم بين أن يتمسك بالباقي ويرجع بما ينوب المستحق قيمته، وعلى قول أشهب يلزمه في الطعام ويرجع شريكًا في الثوبين، وينقلب الخيار لمشتريهما.

الجزء: 9 - الصفحة: 4363

باب فيمن اشترى سلعة أو عبدًا فهلك بيد البائع، أو شيئًا مما يكال أو يوزن فهلك قبل الكيل والوزن، أوبعد كيله ووزنه وقبل أن يفرغ في وعاء المشتري

ومن اشترى ثوبًا أو عبدًا فهلك بيد البائع، فإنه لا يخلو أن يكون ذلك لا سبب فيه لآدمي، أو يكون هلاكه من سبب البائع أو أجنبي أو مشتر.
فاختلف عن مالك إن كان لا سبب فيه لآدمي، فقال مرة: المصيبة من البائع.
وقال أيضًا: من المشتري.
وسواء كان البيع سلعة أو حيوانًا حاضرًا أو غائبًا.
واستحب ابن القاسم إذا كان المبيع حاضرًا أن يكون من المشتري، وإن كان غائبًا أن يكون من البائع 21. وقال محمد في "مختصر ما ليس في المختصر": إن كان المشتري من أهل البلد وهو موسر، كانت المصيبة من البائع، وإن كان غريبًا وليس بموسر كانت المصيبة من المشتري، وإن كان الأجل عشرة أيام ونحوها فهو من البائع؛ لأنه كالرهن في يديه.
فرأى في القول الأول أن البيع التقابض، أن تعطيني عبدك وأعطيك عشرة دنانير، وما تقدم، فإنما هو عقد أوجب أن أعطيك وتعطيني، ولهذا قال: المصيبة من البائع وإن كان البيع عبدًا أو ثوبًا وقامت البينة على تلفه.
ورأى في القول الآخر أن العقد بيع في الحقيقة، فنقل الضمان بنفس العقد.

الجزء: 9 - الصفحة: 4364

والتعليل بأمر التسليم ليس بحسن؛ لأنه إن كان يرى أن عليه التوفية والتسليم، فإن التراخي عنهما لا يسقطهما كما لا يسقط ما كان باقيًا على الكيل، فإن التراخي عنه لا يسقطه، وإن كان يرى أن البيع عقد في الحقيقة، فعلى المشتري أن يسلم ذلك، وإنما على البائع أن يرفع يده عنه.
واختلف بعد القول إن عليه التسليم، فقال أبو الحسن ابن القصار: الذي يجيء على المذهب أحد وجهين: إما أن يجبر المبتاع على تسليم الثمن، ثم يؤخذ من البائع المبيع، أو يقول لهما: إن لم يتطوع أحدكما فيبتدئ بالتسليم، أو تكونا على ما أنتما عليه.
وأن يجبر المبتاع أقوى.
قال الشيخ -رحمه الله-: أما إذا كان المبيع ثوبًا بثوب، فعلى كل واحد منهما إذا تشاحَّا أن يمد يده بثوبه، فإذا تحاذيا قبض كل واحد منهما ما اشتراه.
وإن بيع ثوب بعين كان على مشتريه أن يزن الثمن ويقلب، فإذا لم يبق إلا تسليمه، مد كل واحد منهما يده بملكه نحو الأول لأنه لا تبدية لأحدهما على الآخر.
وإن كان المبيع دارًا أو أرضًا أو حائطًا أو ما لا بنيان به، جبر المشتري على البداية بدفع الثمن؛ لأنه ليس على البائع أكثر من رفع يده والتسليم، فالقول إذا كان المبيع فارغًا من أشغاله.
وإن كان المبيع منافع دابة أو دار، ولم تكن عادة في تعجيل الكراء ولا تأخيره، كان للمكتري أن يبتدئ بالركوب والسكن، فكلما مضى يوم دفع ما ينوبه؛ لأن المنافع لا يقدر على قبضها كالثوب، ولا يقدر الآخر أن يعطيه كلما مشى خطوة أو ساعة بحسابها، وليس على المكتري أن يَبتدئ بالدفع ثم يقبض ما يتراخى قبضه، فكان لتغليب أحد الأمرين أن يبتدئ بدفع ما يتراخى قبضه،

الجزء: 9 - الصفحة: 4365

وأقل ما يكون في المحاسبة عنه خرج يوم.
وعلى القول: إن العقد بيع في الحقيقة، فإن كان بيع الثوب بعين، كان على بائع الثوب تسليمه ثم يطلب بالثمن، وإلى هذا يرجع قول مالك في "مختصر ما ليس في المختصر": إذا كان المشتري موسرًا ومن أهل البلد.
يريد: أن البائع يصير في حكم المتعدي في إمساكه؛ لأن المبيع صار للمشتري بنفس العقد، وللبائع مطالبته في الذمة بالثمن، فعليه أن يسلم للمشتري ملكه، ويطلب بالذمة، والإمساك حتى يقبض الثمن ضرب من الارتهان، والارتهان لا يكون إلا بشرط.
وإذا كان المشتري على غير ذلك فقيرًا أو غريبًا، كان الإمساك من سبب المشتري فكانت المصيبة منه، ورأى أن الأجل قريب كبياعات النقود، يكون للبائع أن يمسك المبيع حتى يقبض الثمن.

فصل [في المبيع يهلك بيد البائع أو المشتري أو المشتري الأجنبي]

ويختلف إذا أهلك البائع المبيع، فعلى القول: إن المصيبة من البائع، ينفسخ البيع إن أهلكه خطأ، ولا شيء للمشتري عليه.
إن كانت قيمته أكثر من الثمن، فإن أهلكه عمدًا وكانت قيمته أكثر من الثمن، غرم البائع فضل القيمة عن الثمن.
وإن اختلف الثمن من الجنس الذي تقدم به البيع، كان بالخيار بين أن يفسخ البيع عن نفسه، أو يدفع الثمن الذي اشترى به ويرجع بالقيمة.
وعلى القول: إن المصيبة من المشتري، يكون الخطأ والعمد سواء وعلى المشتري الثمن وعليه القيمة، فمن كان له فضلٌ أخذه.
وإن أهلكه المشتري

الجزء: 9 - الصفحة: 4366

خطأ، انفسخ البيع على القول أن المصيبة من البائع، ويغرم القيمة إن كانت أكثر من الثمن، وإن كان الثمن أكثر غرمه؛ لأنه من باب الخطأ على الثوب أبطل الدين.
وعلى القول الآخر يكون عليه الثمن قل أو كثر؛ لأنه كان في معنى المقبوض.
وإن أهلكه عمدًا غرم الثمن قل أو كثر على القولين جميعًا؛ لأنه رضي منه بقبضه على تلك الحال.
وإن أهلكه أجنبي خطأ أو عمدًا، كان عليه على القول أن المصيبة من البائع الأكثر من القيمة أو الثمن؛ لأن خطأه على السلعة أبطل على البائع الدين الذي كان له في الذمة، ذمة المشتري.
وعلى القول الآخر تكون القيمة للمشتري على الذي أهلكه وعليه الثمن للبائع.

فصل [في هلاك ما يوزن أو يكال قبل الكيل أو الوزن أو بعده]

ضمان ما يوزن أو يكال من البائع حتى يكال أو يوزن، واختلف عن مالك إذا كيل أو وزن ثم هلك وهو في المكيال، أو في كفة الميزان قبل أن يصير إلى وعاء المشتري أو يده، فقال مرة: هو من البائع حتى يصير إلى وعاء المشتري 22. وقال في رجل اشترى زيتًا، فأمر البائع من يكيل له، فكال مطرًا 23 وصبه في وعاء المشتري، ثم كال آخر فسقط من يد الأجير على وعاء المشتري فانكسرا

الجزء: 9 - الصفحة: 4367

جميعًا؛ قال: الثاني من البائع، وعلى الأجير ضمان الأول 24. وقال أيضا: ذلك من المشتري وإن لم يصل إلى وعائه 25. وقال ابن القاسم في العتبية: إن مكن البائع المشتري من المكيال، يكيل لنفسه فسقط من يده بعد أن امتلأ المكيال، فهو من البائع حتى يقبضه المشتري.
قال: والقبض أن يحصل في وعاء المشتري أو حيث يأمره بجعله 26. وروى عنه سحنون إذا ولي المشتري الكيل أو وزن الدراهم لنفسه فهلك ذلك بعد أن استوفى الكيل والميزان، أن المصيبة من المشتري 27، بخلاف أن يلي ذلك البائع أو وكيله 28. وقد مضى في كتاب السلم الثالث، ذكر الطعام يباع على كيل فيهلكه البائع أو أجنبي قبل أن يُكال.
واختلف عن مالك في ضمان الصبرة تباع جزافًا، هل تكون مصيبتها إذا كانت محبوسة بالثمن من البائع أو المشتري 29؟ قال محمد: لم يثبت فيها مالك على شيء 30، والصبرة ها هنا كالعبد والثوب.
ويختلف في التمر والزرع إذا أصيب بعد اليبس وقبل الجداد والحصاد؛ فقيل: هو من البائع.
وقيل: من المشتري.
وقيل: إن دخل على أن حصاده وجداده على البائع كان من البائع، وإن دخل على أن ذلك على المشتري كانت

الجزء: 9 - الصفحة: 4368

المصيبة من المشتري.
ومن اشترى زرعًا مذارعة كل ذراع بكذا، فهو من البائع حتى يذرع، إلا أن يدخلا على أن يحصده المشتري ثم يذرع الأرض، فيكون من المشتري بنفس العقد، إلا أن يكون محبوسًا بالثمن.
ومن اشترى عبدًا أو سلعة على صفة على أن الأمر موقوف على أن ينظر إليها، كانت المصيبة من البائع حتى يختبر، إلا أن يكونا دخلا على تصديق البائع أو تصديق غيره، فيكون بمنزلة من اشترى ما عاينه، فيختلف هل يكون من البائع أو المشتري.

فصل [فيمن اشترى سلعة ثم علم بها عيبًا بعد هلاكها]

ومن اشترى سلعة ثم علم أن بها عيبًا بعد أن هلكت، كانت مصيبتها منه، وسواء هلكت بيد المشتري أو بيد البائع قبل أن يقبض منه، وكذلك إن علم بالعيب وهي قائمة، ثم هلكت قبل أن يقوم بالعيب، أو بعد أن قام ليرد ولم يحكم بالرد ولم يقل رددت.
واختلف إذا هلكت بعد الرد وقبل وصولها إلى يد البائع، فقال في المدونة: المصيبة من المشتري حتى يرد بقضاء من السلطان، وسواء كان قبضها من البائع أو لم يقبضها 31. وقاله مالك في كتاب محمد، وقال أيضا: المصيبة من المشتري وإن رد بقضاء من السلطان حتى يقبضه بائعه 32. وقال أبو الحسن ابن القصار: إذا قال المشتري بعد أن وجد العيب قد فسخت البيع، وسواء كان ذلك قبل القبض أو بعده، حكم به حاكم أم لا،

الجزء: 9 - الصفحة: 4369

وبه قال الشافعي، ووافقنا عليه أبو حنيفة إذا كان قبل القبض، يريد إذا كان العيب مما لا يشك فيه أنه يوجب الرد.
وهو قول ابن القاسم فيمن تزوجت رجلا، ثم علمت أنه عبد فردت النكاح عن نفسها من غير حكم، أنه منفسخ، بخلاف أن يكون العيب جنونًا أو جذامًا، أو مما يحتاج فيه إلى اجتهاد أهل المعرفة فيه، هل هو مما يذهبه العلاج؟ فلا يرد إلا بحكم حاكم 33. واختلف فيمن ابتاع عبدًا فقبضه ثم تقايل فيه.
وقال محمد -فيمن اشترى عبدًا بعيد الغيبة فأعتقه-: وجب عليه أن يدفع الثمن ساعة أعتق، وإن كان غائبًا؛ لأن عتقه كقبضه 34. وليس هذا بالبين؛ لأنه في حين العتق لا يدرى هل هو حي أو ميت أو غائب إلى غير ذلك البلد؟ والوجه الذي كان يتخوف منه ولأجله لم يجز البيع بشرط النقد- موجود وقت العتق.

الجزء: 9 - الصفحة: 4370

باب فيمن اشترى سلعة أو عبدًا، فباع أو وهب أو تصدق أو أعتق أو أجرى أو رهن، ثم أصاب عيبًا

ومن اشترى سلعة فباعها وتداولها رجال، ثم اشتراها من أحدهم، ثم أصاب بها عيبًا كان عند البائع منه أو لا، كان له أن يردها على الآخر.
ويختلف هل يردها على الأول قياسًا على من اشترى سلعة شراءً فاسدًا، ثم باعها بيعًا صحيحًا، ثم اشتراها فوجدت في يده, فلم تتغير في سوقها ولا في بدنها؟ فقال ابن القاسم: ينقض البيع الأول.
ولم ير ما حدث بعده من البيع الصحيح فوتًا ليمنع الرد على الأول.
وقال أشهب: لا يرد على الأول 35. وهو أحسن، وقد حال بين الرد على الأول ما حدث بعده من البياعات والعهد.
ومن اشترى سلعةً أو عبدًا، فوجد بها عيبًا بعد أن انتقل ملكه عنها، وصارت إلى آخر بهبة أو بيع أو صدقة أو عتق أو دبر أو كاتب أو اتخذ أم ولد، فإن علم بالعيب قبل خروجه من يده، ثم باع أو وهب أو تصدق لم يرجع بشيء، وإن لم يعلم رجع بقيمة العيب إذا وهب أو تصدق أو أعتق 36. واختلف في البيع على ثلاثة أقوال: فقال مالك: لا يرجع بشيء.
وقال ابن القاسم: لأنه في بيعه على وجهين: إن باع بمثل الثمن فقد عاد إليه ثمنه، وإن باع باقل فإن النقص لم يكن لأجل العيب 37.

الجزء: 9 - الصفحة: 4371

وقال أشهب: إن باع بمثل الثمن فأكثر لم يرجع بشيء، وإن باع بأقل رجع بالأقل من قيمة العيب، أو ما نقص الثمن 38. ورأى أن الحكم لو علم قبل البيع أن يمسك ولا شيء له، أو يرد ويأخذ الثمن، فقد صار إليه مثل الثمن إن باع به أو بأقل فأتم له، وإن كانت قيمة العيب أقل، أخذ قيمة العيب؛ لأنه الذي يجب له لو هلك ولم يبعه.
وفي مختصر ابن عبد الحكم عن مالك: أن له أن يرجع بقيمة العيب على كل حال، بمنزلة لو وهب وهو أبين فله أن يرجع بالعيب وإن باع بمثل الثمن أو أكثر؛ لأن ذلك يكون لزيادة المبيع في نفسه, أو لغلاء سوق، أو لمغابنة كانت في وقت الشراء، فهو بما في ضمان المشتري أو من سبب تجره، فلا يجبر به ما كان على البائع أن يغرمه إذا علم المشتري الثاني بالعيب والعبد قائم فرضيه 39. واختلف إذا مات عند الثاني ورجع على من باع منه بقيمة العيب، أو باع الأول وهو عالم بالعيب، وهو يظن أنه حدث عنده، ثم ثبت أنه كان عند الأول، أو باعه وكيل المشتري وبيَّن العيب ولم يعلم أنه كان عند البائع الأول، أو قتل العبد عند المشتري الأول فاخذ قيمته معيبًا.
فاختلف في هذه الأربع مسائل، فقال ابن القاسم: إذا علم المشتري الثاني بالعيب بعد فوت العبد ورجع على من باع منه بقيمة العيب، رجع المشتري الأول على البائع الأول بأقل من ثلاث، فما رجع به عليه، أو تمام الثمن، أو قيمة العيب من الصفقة الأولى.
فإن بقي في يد المشتري الأول بعدما رجع به عليه مثل الثمن الأول فأكثر، لم يرجع بشيء 40.

الجزء: 9 - الصفحة: 4372

وعلى قول أشهب، إذا بقي في يديه بعد ما رجع إليه أقل من الثمن، رجع بالأقل من وجهين: من قيمة العيب، أو ما نقص الثمن.
وإن بقي في يديه مثل الثمن، لم يرجع بشيء.
وعلى رواية ابن عبد الحكم، يرجع بقيمة العيب من الصفقة الأولى على كل حال، وإن بقي بيده مثل الثمن فأكثر، وكذلك إذا باعها وبَيَّن العيب وهو يظن أنه كان عنده، أو باعها وكيله وبَيَّن العيب، فقال محمد: يرجع بالأقل من قيمة العيب أو تمام الثمن 41. يريد: إن باع بمثل الثمن لم يرجع بشيء، وإن كان قد حط من الثمن لمكان العيب، وأنه لو كان سالمًا لباع بأكثر، وهو أصل ابن القاسم في قوله: إن باع بغير عيب ثم رجع المشتري الآخر عليه على الأول، وبقي في يديه مثل الثمن، لم يرجع بشيء 42. وقال ابن القاسم في المدونة: إذا قتل العبد رجع المشتري بقيمة العيب 43، ولم يراع القيمة التي أخذ من القاتل، هل هي مثل الثمن أم لا؟ وهذا خلاف قوله المتقدم إذا باع وبَيَّن العيب، ويلزم على قوله في القتل أنه يرجع بقيمة العيب، وإن صار إليه من القاتل مثل الثمن، أن يقول مثل ذلك إذا باع بالعيب، وهو يظن أنه عنده أن يرجع بقيمة العيب، وإن باع بمثل الثمن؛ لأن هذا في يديه ثمن معيب، وهذا أخذ قيمة معيب.
وقال أشهب: إذا قتل وكانت القيمة مثل الثمن، لم يرجع على البائع منه شيء 44، ومضى على أصله في المسألتين جميعًا وساوى بين البيع والقتل.

الجزء: 9 - الصفحة: 4373

فصل [فيمن اشترى عبدًا ثم اشتراه الذي باعه منه فوجد به عيبًا]

ومن اشترى عبدًا ثم اشتراه منه الذي باعه منه بمثل الثمن، ثم وجد به عيبًا كان عند الأول، لم يرجع أحدهما على الآخر بشيء.
وكذلك إذا اشتراه منه بأكثر من الثمن الأول وهو عالم بالعيب، لم يكن للبائع الأول أن يرجع على من باعه منه بشيء، وإن لم يعلم كان له أن يرده على الذي اشتراه منه، إلا أن يرضى المشتري الأول أن يرد عليه ذلك الفضل.
واختلف إذا اشتراه منه بأقل، فقال ابن القاسم: للمشتري الأول أن يرجع على من باعه منه بتمام الثمن؛ لأنه يقول: كان لي أن أرده عليك وها هو ذا في يديك.
وقد اختلف في هذا الأصل، فقيل فيمن خالعت زوجها، ثم علمت أن به عيبًا يوجب: لها الرد.
فقال عبد الملك بن الماجشون: لها أن ترجع عليه بما افتدت به منه 45. وهو قياس قول ابن القاسم ها هنا؛ لأنها تقول: قد كان لي أن أرد هذا النكاح عني ولا أغرم شيئًا.
وقال ابن القاسم: ليس لها أن ترجع بشيء 46. وعلى هذا لا يكون للمشتري أن يرجع على البائع منه بشيء؛ لأنه في يد البائع بعقد ثان، وإن علم المشتري الأول بالعيب وحده ثم باعه من الأول، كان ذلك رضًا منه وسقط قيامه إن باع بأقل، ويكون للبائع الأول أن يرده

الجزء: 9 - الصفحة: 4374

عليه إن شاء، وسواء كان اشتراه منه بمثل الثمن أو أكثر أو أقل، فإن هو رده لزم المشتري الأول ولم يكن له أن يرده عليه وقال محمد: إن كان العيب مشكوكًا فيه، هل كان عند البائع الأول أو الثاني؟ وقد عاد إلى الأول بأقل، حلف الأول، فإن نكل حلف الثاني وارتجع منه بقيمة الثمن.
قال الشيخ: فإن عاد إلى الأول بأكثر من الثمن، حلف الأول أنه لم يكن عنده قديمًا، ثم كان له أن يرده على المشتري الأول ويرتجع ثمنه منه، وإن شك في العيب هل كان عند الأول قبل بيعه، أو حدث عند المشتري الأول، أو حدث عند البائع الأول في البيعة الآخرة؟ فإن بيع بأقل حلفا جميعًا ولم يرجع أحدهما على الآخر بشيء، فيحلف الأول أنه لم يكن عنده، ويسقط الرجوع عليه ببقية الثمن، ويحلف المشتري الأول أنه لم يحدث عنده، ويسقط رده عليه، فإن بيع بأكثر من الثمن حلف المشتري، ولم يرجع عليه بفضل الثمن، إلا أن يعترف أنه كان عند البائع الأول، فيكون عليه أن يرد الفضل.

فصل [فيمن اشترى عبدًا فباعه منه أجنبي ثم اشتراه فوجد به عيبًا]

ومن اشترى عبدًا فباعه منه أجنبيٌّ، ثم اشتراه فوجد به عيبًا كان عند الأول، فإن اشتراه من الآخر بمثل ما كان باعه منه فأقل، لم يكن له أن يرده إلا على الأول، ويكون للآخر وهو الثالث أن يرجع على الأوسط بتمام الثمن إن كان باعه منه بأقل، وإن عاد إلى الأوسط بأكثر من الثمن، وهو عالما بالعيب،

الجزء: 9 - الصفحة: 4375

فكذلك يكون رجوع الأوسط على الأول دون الأخر، وإن لم يكن عالم بعيب كان بالخيار بين أن يرده على الأول أو على الآخر، إلا أن يرضى الآخر أن يرد إليه فضل الثمن، فلا يرده عليه ويرده على الأول.
ومن اشترى عبدًا ثم تصدق به على بائعه منه، ثم علم أن به عيبًا كان عند البائع، كانت الصدقة ماضية، ويرجع المتصدق على البائع بقيمة العيب.
وإن تقدمت الصدقة ثم اشتراه المتصدق به من المتصدق عليه، كان له أن يرده بالعيب ويرتجع الثمن، ويبقى في يد الأول على وجه الصدقة.
وإن باعه المشتري من آخر ثم تصدق به المشتري الثاني على من باعه منه، مضت الصدقة ورجع المتصدِّق على المتصدَّق عليه بقيمة العيب، وكان للمتصدَّق عليه أن يرده بالعيب على الأول.
وإن تصدق به الأوسط على ثالث ثم اشتراه منه، كان بالخيار بين أن يرده على الثالث ويرجع على الأول بقيمة العيب، أو يرده على الأول ويرجع عليه بالثمن، ولا شيء على الآخر.
ومن اشترى عبدًا ثم مات البائع فورثه المشتري وآخر معه، كان له أن يرد بالعيب نصف العبد على أخيه، ويرجع فيما ينوب أخاه من الميراث بنصف الثمن.
وإن مات المشتري والبائع وارثه، فإن كان معه وارث آخر رجع الأخ على أخيه، فرد نصف العبد وارتجع نصف الثمن.
وإن أجر أو رهن ثم وجد عيبًا، كان بالخيار بين أن يرجع بقيمة العيب الآن، أو يمهل حتى تنقضي الإجارة ويفتك الرهن ويرده بالعيب، وإن حدث به عيب مفسد رده وما نقص العيب، وهذا قول ابن القاسم.
وقال أشهب: إن

الجزء: 9 - الصفحة: 4376

افتكه حين علم بالعيب رده، وإلا رجع بما ينوبه بين الصحة والداء 47. والأول أحسن إذا كان أمد الإجارة والرهن الشيء اليسير، وإن كان الأمد البعيد، كان بالخيار بين أن يرجع الآن بقيمة العيب، أو يمهل حتى تنقضي الإجارة والرهن فيرد.

الجزء: 9 - الصفحة: 4377

باب فيمن اشترى جارية فزوجها فولدت ثم وجد بها عيبًا

وقال مالك -فيمن اشترى جارية فزوجها ثم وجد بها عيبًا-: أن له أن يردها وما نقص النكاح، أو يمسك ويرجع بقيمة العيب 48. فلم يجعل النكاح فوتًا، وهذا على القول في العبد إذا عمي أو ذهبت يده أو أقعد أو هرم؛ أنه ليس بفوت.
وعلى قول محمد بن مسلمة يكون النكاح فوتًا، ويرجع بقيمة العيب ولا يرد؛ لأن النكاح يبطل الغرض منها إن كانت من جواري الوطء، وإن كانت من الوَخْش فالزوج يأتي إلى البائع من أجل ما تزوجها له أو تتردد هي إليه، وإن شرط الزوج أن تبوأ كما تبوأ الحرة، كان ذلك أبين؛ لأنها تصير منقطعة، وكل هذا يبطل الغرض منها ولا يكسبها إلا القليل من الناس.
وقد قال مالك -فيمن اشترى عبدًا فباع نصفه ثم وجد به عيبًا-: أن بيعَ النصفِ فوتٌ يمنع المشتري الأول من رد النصف الباقي، والمشتري الأول بالخيار بين أن يقبض منه النصف أو يعطيه قيمة عيبه، فهو في التزويج أبين 49. واختلف بعد القول أن له أن يردها وإن صارت ذات زوج، إن ولدت أو زادت في جسمها، هل يجبر بذلك عيب التزويج والولادة؟ فقال ابن القاسم: يجبر بالولد، فإن كان كفافًا لما حدث عنده من العيب، رد ولا شيء عليه، أو أمسك ولا شيء له، وإن لم يكن فيه كفاف للعيب أتم الباقي، وإن كان فيه

الجزء: 9 - الصفحة: 4378

فضل كان للبائع.
وقال غيره: عليه ما نقص النكاح ولا يجبر بالولد.
قال: وإنما زيادة ولدها كزيادة بدنها.
وقال مالك في مختصر ما ليس في المختصر، في زيادة البدن: إذا زادت قيمتها بقدر ما نقص التزويج، ردها ولا شيء عليه، والنكاح ثابت يجبر العيب بزيادة الجسم.
وقال غيره: لا يجبر والأول أحسن؛ لأن كل ذلك إنما هو حادث في ملك المشتري وفي ضمانه، ولم يتقدم للبائع فيه ملك، وهو ملك للمشتري فوجب أن يجبر به.
وقد حمل بعضُ أهل العلم قولَ مالك في جبره بالولد، أنه يرى أن الولد غلة، وليس كذلك؛ لأنه لا خلاف أن ولد الحرة من العبد حر، وولد الأمة من الحر عبد، وولد المعتق بعضها بمنزلة معتق بعضه، وولد المدبرة مدبر، والمعتق إلى أجل والمعتقة إلى أجل معتق إلى أجل وولد المكاتبة مكاتب، ولو كان الولد غلة والأم طرفًا لبطل جميع ما تقدم ذكره.
وإنما رأى مالك ذلك من باب "لاَ ضَرَرَ وَلاَ ضِرَارَ" 50؛ لأن الأم إذا عادت بالولد على مثل القيمة الأولى، لم يكن عليه ضررة ولذلك راعى في المشتري إذا اطلع على عيب من بعد ما باع بمثل الثمن، لا مقال له على البائع؛ لأنه لو كان بيده فرَدَّه كان له الثمن، فقد عاد إليه فلم ينظر من جهة العيب.
وكذلك إذا باع بأقل، لم يكن ذلك من سبب العيب.
والأمة بعد الولادة على أوجه: إما أن يكونا قائمين، أو ماتا، أو بيعا، أو قتلا، أو نزل ذلك بأحدهما.
وقد تقدم القول إذا كانا قائمين، وهل يجبر

الجزء: 9 - الصفحة: 4379

بالولد؟ وإن ماتا رجع بالعيب، وإن مات الولد لم يضمنه المشتري، وكأنه لم يكن، والمشتري بالخيار بين أن يمسك ويرجع بقيمة العيب، أو يرد وما نقص النكاح، وإن ماتت الأم دون الولد، كان فيها قولان بقول ابن القاسم، يرجع بقيمة العيب بمنزلة ما لو ماتا.
وقال أشهب: البائع بالخيار بين أن يدفع قيمة العيب، أو يخير المشتري بين أن يمسك الولد ولا شيء له، أو يرد ويأخذ الثمن 51؛ لأن الولد كبعضها، بمنزلة لو كانت قائمة وقد حدث بها عيب.
وإن بيعا لم يرجع بشيء على رواية ابن القاسم، وكذلك على قول أشهب إن بيعا بمثل الثمن، وإن بيعا بأقل رجع بالأقل من تمام الثمن أو قيمة العيب، وعلى قول ابن عبد الحكم يرجع بقيمة العيب، وإن باع بمثل الثمن.
وإن بيعت الأم دون الولد لم يرجع على قول ابن القاسم بشيء، وكذلك على قول أشهب إن بيعت بمثل الثمن، وإن بيعت بأقل كان البائع بالخيار بين أن يعطي قيمة العيب أو يخيره بين أن يمسك الولد أو يرده ويتم له الثمن.
وقال ابن القاسم: إن بيع الولد أو قتل، رد الأم وما أخذ من ثمن الولد أو قيمته.
قال: بخلاف المفلس: يبيع الولد ثم يجد البائع الأم، فلا شيء له فيما بيع من ولده.
وقال أصبغ -في العيب-: يرد من ثمنه قدر قيمته كأنه اشتراه مع أمه مولودًا 52. وقال ابن القاسم -في العتبية، فيمن اشترى شاة حاملًا فولدت وأكل

الجزء: 9 - الصفحة: 4380

ولدها ثم أصاب بها عيبًا-: إن أحب ردها وتقاصص بقيمة الولد، وإن أحب أمسك ورجع بقيمة العيب، وإنما جعلت له أن يمسك؛ لأن الولد ربما جاء من ثمنه ما هو أكثر من ثمنها، فإن قاصصه لم يرجع بشيء 53. وإن قتلا أو قتلت دون الولد، رجع على قول ابن القاسم بقيمة العيب، وعلى قول أشهب لا شيء له إن أخذ مثل الثمن، وإن أخذ أقل رجع بالأقل من قيمة العيب، أو تمام الثمن إن قتلا.
وإن قتلت وكانت القيمة أقل كان له أن يعطيه قيمة العيب، أو يخيره بين أن يسلم له الولد ويتم له الثمن، أو يمسكه ولا شيء له.
وإن قتل الولد دون الأم، وكان في قيمته ما يجبر عيب النكاح، خير بين أن يمسك ولا شيء له، أو يرد ويحاسب بالولد، فإن لم يجبر كان له أن يمسك ويأخذ قيمة العيب، أو يرد ويغرم له ما نقص العيب بعد الولادة.
واستحسن إذا فات الولد ببيع أو قتل أن يمسك ويرجع بالعيب على كل حال بمنزلة الصغير يكبر.
واختلف إذا كان صغيرًا فكبر؛ فقال ابن القاسم في المدونة: ذلك فوت ويرجع بقيمة العيب ولا وجه لواحد منهما 54. وقال مالك -في كتاب محمد-: له أن يرده ويرجع بالثمن 55. وهو أحسن؛ لأن النماءَ من حقه لا عليه.
وقال مالك في المدونة: الهرم فوت 56. وقال محمد: هو عيب وليس بفوت 57. وقال

الجزء: 9 - الصفحة: 4381

أصبغ: إن هرم وفني فهو فوت (1). وأرى إن هرم على الحال التي كان عليها يسيرًا كان عيبًا، وإن كان كثيرًا فهو فوت.

فصل [في بيعه وهو مريض فصح، أو هزيل فسمن، أو العكس]

واختلف إذا بيع وهو مريض فصح، أو صحيح فمرض، أو هزيل فسمن، أو سمين فهزل، هل ذلك فوت فلا يرد ويرجع بالعيب، أو يكون كالقائم يمسك ولا شيء له، أو يرد ولا شيء عليه؟ فقال محمد -فيمن اشترى جارية مريضة فصحت، أو هزيلة فسمنت وارتفع لذلك ثمنها، أو سمينة فائقة فهزلت وأبضع ثمنها، ثم وجد بها عيبًا-: لم يكن له إلا الرد ولا شيء عليه، أويمسك ولا شيء له 59. قال مالك: إلا أن يكون مثل المرض الذي يبلغ به 60. قال ابن حبيب: رأيت من أرضاه من أهل العلم يقول: السمن البين في الجواري بعد الهزال البين فوتٌ، والهزال البين بعد السمن البيّن فوتٌ 61. وأرى أن يرجع في ذلك إلى أهل المعرفة، فإن قالوا: إن الثمن لا يتغير عن الحال الأول أو يتغير بالشيء اليسير كالزيادة والنقص؛ كان كالقائم، وإن كانت الزيادة أو النقص الشيء الكثير، كان فوتًا يمسك لأجل الزيادة ويرجع58

الجزء: 9 - الصفحة: 4382

بالعيب ويرد بالنقص ما نقصه الثمن.
قال محمد: وأما الدابة تكون سمينة فتعجف فليس كالرقيق، ولم يختلف فيها قول مالك أنه يرد ما نقص، أو يمسك ويرجع بالعيب.
قال: واختلف عنه إذا كانت عجفاء فسمنت هل ذلك فوت فيرجع بقيمة العيب، أو تكون كالقائمة يمسك ولا شيء له، أو يرد ولا شيء عليه؟ والأول أصوب وقد تقدم وجه ذلك.
واختلف إذا علم العبد صنعة أو كانت جارية فعلمها الرَّقْم 62 أو الطبخ وزاد لذلك ثمنها؛ قال مالك -في كتاب محمد-: لا شيء له في ذلك 63. وجعلها كالقائمة يمسك ولا شيء له، أو يرد ولا شيء عليه.
وقال في المبسوط فيمن تزوج على جارية أو غلام ونقد ذلك، فجعلت الزوجة الجارية في المشط، والغلام في العمل وعزمت على تعليمهما، ثم طلق قبل أن يمس-: كان عليه أن يغرم نصف ما أعطت في ذلك، ويأخذ نصفه.
وهذا أحسن فيكون على هذا المشتري بالخيار بين أن يمسك ويأخذ قيمة العيب، أو يرد ويعطيه البائع ما أعطى في ذلك من الأجرة، أو يباع فيكون له من الثمن بقدر ما زادت الصنعة على الثمن الأول، فإن كان لا يزيد شيئًا لم يكن على البائع شيء ولا أن يبيعه، وللمشتري أن يحبس ويرجع بالعيب، وإن كانت الصنعة لا تزيد في ثمنه، لئلا يكثر عمله.
وقد قال ابن القاسم -فيمن غصب طعامًا ثم نقله، فلقيه المغصوب منه بذلك البلد والطعام معه-: ليس له أن يأخذه؛ لأن الغاصب أذن في

الجزء: 9 - الصفحة: 4383

نقله ثمنًا (1). وكذلك قال -فيمن غصب عودًا فشقه أو نجره، أو نحاسا فصنعه-: لا يؤخذ منه لئلا يكثر عمله (2). والمراعى في ذلك هل زادت الصنعة أو لم تزد؟ فالمشتري أحرى أن لا يخسر ما عمله بوجه شبهة.
وقد ذهب بعض أهل العلم، في الجارية يشتريها الرجل ويؤدي عنها القبالة للسلطان: أن له أن يمسك ويرجع بالعيب، لئلا يخسر ما غرمه بوجه شبهة.
وعلى قول مالك: أن لا مقال للمشتري إذا أدى ثمنًا في تعليمها الصنعة، فلا يكون له مقال فيما غرم من القبالة.
وعلى ما ذكرنا في الغاصب يكون ذلك له، إلا أن يكون الشيء اليسير.

فصل [في المشتري يرد ما اشتراه بعيب ورجع في الثمن]

وإذا رد المشتري ما اشتراه بعيب ورجع في الثمن، فإن كان عينًا رجع بمثله، وإن كان عبدًا أو ثوبًا، رجع في عينه إن كان قائمًا، وإن فات بحوالة الأسواق فما فوق رجع بقيمته، فإن كان الثمن شيئًا مما يكال أو يوزن، رجع في عينه إن كان قائمًا ولم يتغير سوقه، ويختلف إذا تغيرت سوقه أو أنفقه؛ فقال ابن القاسم: ليس بفوتٍ وله أن يأخذ العين إن كانت قائمة وإن تغيرت السوق، والمثل إن لم يكن قائمًا 66.6465

الجزء: 9 - الصفحة: 4384

وعلى قول ابن وهب في البيع الفاسد في المكيل، أن حوالة الأسواق تفيته ويرجع بالقيمة، ولا يأخذ ها هنا عين ذلك الطعام ويرجع بقيمته.
وقال أشهب: إذا وجد بالمكيل عيبًا بعد أن أفاته، أنه بالخيار بين أن يتكلف شراء المثل أو لا يتكلف ذلك، ويرجع بقيمة العيب، فعلى هذا يكون المشتري بالخيار، بين أن يغرم المثل أو القيمة ولا يتكلف الشراء.

الجزء: 9 - الصفحة: 4385

باب فيمن باع عبدًا من رجلين، فأصاب به عيبًا، أو باع أحدهما نصيبه من صاحبه أو من غيره ثم أصاب العيب

اختلف عن مالك في الرجلين يشتريان عبدًا، ثم يجدان به عيبًا، فقال مرة: من أراد منهما رد، ومن أراد منهما أمسك، وإن للبائع ها هنا مقالا 67. وروى عنه أشهب في كتاب بيع الخيار أنه قال: إما أن يأخذا جميعًا أو يردا جميعًا.
ولم يذكر المقالة بين المشترين، ويصح أن يقال لمن أراد الرد: أن يجبر صاحبه على الرد؛ لأنه يقول: دخلنا على صفقة واحدة، وعلى أحكام العيب أن يُرَدَّ به متى وُجِدَ، ولأن التزام المعيب ضرر بمن أراد الرد.
وأن يقال: لا يلزمه ذلك، ويكون البائع بالخيار بين أن يعطي من أراد الرد قيمة عيب نصيبه، أو يقيله ويعطيه نصف ثمنه؛ لأن مقال البائع لأجل التبعيض، فيكون بمنزلة من باع عبدًا من رجل فباع نصفه ثم علم بالعيب.
وقال ابن القاسم: إن باع أحدهما نصيبه من الآخر ثم علما بالعيب، لم يرجع مَن باع نصيبه بشيء، وكان للآخر أن يرد نصفه على البائع الأول 68. ويجري الخلاف في النصيبين جميعًا، فيكون لمن باع أن يرجع بالأقل من قيمة العيب، أو تمام الثمن إن كان باع بأقل.
وعلى رواية ابن عبد الحكم يرجع بالعيب وإن باع بمثل الثمن.

الجزء: 9 - الصفحة: 4386

ويختلف فيمن لم يبع، فعلى رواية أشهب لا يكون له أن يرد؛ لأنه يبعض على البائع بيعه، ويكون للبائع أن يعطيه نصف قيمة العيب، أو يقبل منه الرد، وكذلك إن باع أحدهما نصيبه من غير شريكه، فهو بمنزلة لو باعه من شريكه.

الجزء: 9 - الصفحة: 4387

باب فيمن اشترى عبدًا على صفة فوجد غيرها

ومن اشترى عبدًا على صفة فوجده على أدنى منها، كان له أن يرد، وإن كان أجود لم يرد، وإن كانت صفة تختلف فيها الأغراض -فمن الناس من يريد الأول لمعنى في الآخر، ومنهم من يقدم الآخر- كان له أن يرد.
وقال ابن القاسم -فيمن اشترى جارية، على أنها بربرية فأصاجها خراسانية-: كان له أن يرد.
قال محمد: وإن اشتراها خراسانية فأصاجها بربرية كان له أن يرد 69. يريد: لأنه مما تختلف فيه الأغراض.
وكل واحدة تترجح بوجه ليس في معنى الأخرى 70. وإن شرط أخها بربرية أو خراسانية، فأصابها صقلية أو آبُرِيَّة أو أشبَانِيَّة 71 رد 72؛ لأنها دون التي وصف.
وإن شرط أنها أحد هذه الثلاث، فوجدها بربرية أو خراسانية لم يرد؛ لأنها أفضل.
قال ابن القاسم: إلا أن يعلم أن المشتري يكره البربرية، لما يخاف من أصولهن أو حريتهن 73. وقد قيل: حريتهن وسرقتهن.

الجزء: 9 - الصفحة: 4388

قال سحنون: يريد أنهم كانوا يسرقونهم، ولم يرد أنهن يَسْرِقْن، وهذا يؤيد من قرأ الأول حريتهن، وأي ذلك كان عند الناس يتقى ويجتنبن لأجله، فأراد أن يرد لأجله، كان له ذلك.
وإن اشترى أمة على أنها مسلمة فوجدها نصرانية رد، وكذلك إن لم يشترط فله أن يرد، ومحملها على أنها مسلمة، إلا أن تكون من السبي.
وإن شرط أنها نصرانية فوجدها مسلمة لم يرد.
وقال محمد: إلا أن يقول: أردت أن أزوجها لعبدي النصراني 74، ويعلم ذلك فيرد 75. وأرى إن قال البائع: إنها النصراني، على وجه البراءة فوُجِدَت مسلمة لم ترد، وإن قال المشتري أردتها لعبدي النصراني؛ لأن ذلك لم يكن على وجه الشرط.
وإن ذكر أنها نصرانية فوجدها يهودية، وكان الناس إلى النصرانية أميل، كان له أن يرد، ولا يرد إذا ذكر أنها يهودية فوجدها نصرانية.
وإن وجد العبد النصراني أغلف 76 وكان ممن يختتن وجاوز سن الاختتان، كان عيبًا، وإن كان ممن لا يختتن أو لم يجاوز سن الاختتان، لم يكن عيبًا.
وإن وجد الأمة غير مخفوضة 77 كان أخف، وفي كتاب محمد: أنه كالغلف في العبد 78.

الجزء: 9 - الصفحة: 4389

باب فيمن باع عبدًا وبه عيب فهلك منه, أو تقاصَّا به وهو في يديه أو يدي غيره

ومن باع عبدًا وبه عيب فهلك منه، أو تنامى إلى أكثر، فإن لم يدلس البائع رجع بقيمة العيب إن هلك، وإن تنامى إلى أكثر كان له أن يمسك ويرجع بقيمة العيب، أو يرد ويرد له قيمة ما تنامى عنده.
وإن دلس بالعيب رجع بجميع الثمن إن مات، وله أن يرده إن تنامى عنده.
وإن دلس بمرض فمات منه رجع بجميع الثمن.
وقال أشهب -في كتاب محمد-: لو علم أنها ماتت من النفاس لكانت من البائع 79. والأول أحسن؛ لأن ذلك مما يدرك معرفته، كالسل والاستسقاء يدوم بصاحبه حتى يموت 80، والنفاس تموت بفوره، وتُرَدُّ بهذه العيوب إذا ماتت منها، أو تنامت قبل معرفته بها، أو قام بقرب ما علم، وإن تراخى ما يُرى أنه راضٍ لم يكن له قيام، وإن أتى من ذلك ما يشكل أمره، هل هو راضٍ أم لا؟ حلف أنه لم يكن رضي، وقام.
وإن دلس بالسرقة فسرق فقطعت يده رده أقطع، ورجع بجميع الثمن، وإن كانت السرقة لا قطع فيها لأنها من غير حرز، رده ورجع بجميع الثمن، وكانت معاملة المسروق منه في تلك الجناية مع البائع، يفتدي منه أو يسلمه.
وإن كان البائع غير مدلس كان المشتري بالخيار بين أن يمسك ويأخذ

الجزء: 9 - الصفحة: 4390

قيمة العيب، أو يرده وما نقصه القطع، وإن لم يقطع كان بالخيار بين أن يسلمه للمجني عليه ويرجع بالعيب، أو يعتد به ويرده على البائع.
واختلف إذا كانت سرقته من المشتري، فقال مالك: ذلك في ذمته.
وقال سحنون: في رقبته.
وقال ابن حبيب: ذلك ساقط وليس في ذمته، ولا في رقبته؛ لأنه عبده حتى يحكم برده 81. والأول أحسن؛ لأن كل ما فعله العبد، مما دلس به السيد كأنه فعله عند بائعه فلا يسقط، فإن سرق من موضع أذن له فيه كان في ذمته، وإن لم يؤذن له فيه كان في رقبته.
وإن ذهب ليسرق فسقط من موضع فهلك في ذهابه أو في رجوعه كان من بائعه.
وإن دلس بالإباق فأبق رجع بالثمن بنفس إباقه، وإن كان جنى كان على بائعه أن يطلبه وكذلك إن مات.
وقال ابن دينار: إن لم يهلك من سبب الإباق رجع بالعيب، وإن هلك من سببه مثل أن يقتحم نهرًا أو يدخل بئرًا فتنهشه حية أو يتردى في مهواة أو من جبل فيهلك رجع بالثمن.
وأما إن مات موته أو يكون سالمًا في إباقه، أو يجهل أمره فلا يُدْرَى ما آلت إليه حاله، فلا أرى أن يرجع إلا بقيمة عيب الإباق.
والأول أحسن؛ لأنه بنفس الإباق وجب رجوع الثمن؛ لأنه الوجه الذي دلس به وذهب به من يد مشتريه.
وقال مالك -في كتاب محمد-: إن قال المشتري: أبق مني، وقال البائع: بعته أو أعتقته، كان القول قول المشتري مع يمينه، ويرجع بالثمن؛ لأنه ادعى ما يشبه، والظالم أحق أن يحمل عليه 82.

الجزء: 9 - الصفحة: 4391

واختلف إذا باعه مشتريه من آخر فأبق عند الثاني، فقال ابن القاسم: يؤخذ الثمن من الأول فيعطاه الآخر، إلا أن يكون الثاني أقل فيكون الفضل للمشتري.
وقال أيضًا: يؤخذ الثمن من الأول فيعطى منه الآخر قيمة عيبه فقط، فانتزع جميع الثمن من الأول؛ لأنه مدلس، ولم يكن للآخر إلا قيمة عيبه؛ لأن الأوسط غير مدلس.
وقال محمد: للآخر على الأوسط قيمة عيبه، وبه يرجع على الأول ما لم يكن أكثر من الثمن الأول.
والقول الأول أصوب؛ لأن ذلك غرور من البائع الأول على المشتري الأول، وعلى كل من صار إليه، وإن كان الأول معسرًا غرم الأوسط للآخر قيمة العيب من ثمنه فقط، فإن أيسر الأول عاد الجواب فيما يغرمه إلى ما تقدم لو كان موسرًا.
ويختلف إذا أعتق المشتري، ولم يبع أو أولد ثم مات من ذلك العيب، فذكر أبو الزناد عن السبعة: سعيد بن المسيب، وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، والقاسم بن محمد، وخارجة بن زيد، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وعروة بن الزبير، وسليمان بن يسار أنهم قالوا: كل عبد أو أمة دلس فيها بعاهة فظهرت وقد فات رد العبد أو الأمة بموت أو عتق أو حملت من سيدها، فإن ماتت من تلك العاهة التي دلس بها، فهي من البائع ويأخذ المبتاع الثمن كله منه 83. قال الشيخ: أما إذا أولد فالجواب صحيح، يرجع بجميع الثمن؛ لأنها على ملكه بعد.

الجزء: 9 - الصفحة: 4392

ويختلف إذا أعتق أو وهب، فعلى القول أنه باع فهلكت عند الثاني، أنه يؤخذ من البائع الأول جميع الثمن، يرجع عليه به إذا أعتق أو أوجب.
وعلى القول أنه يغرم في البيع قيمة العيب أو ما رجع به على الأوسط، لا يغرم ها هنا إلا قيمة العيب.
وإباق الصغير إذا بيع في صغره عيب، وكذلك سرقته، يرد بذلك؛ لأنه باق على تلك العادة، إلا أن يكون من الصغر بحيث لو اجتنب ذلك منه، فلا ينتقص من ثمنه.
واختلف إذا كبر وانتقل عن تلك العادة، هل يسقط حكم العيب؟ وأرى أن يرجع في ذلك إلى أهل المعرفة، فإن كان ذلك مع قدمه يجتنب أو يحط من الثمن، رد به وإلا فلا.

الجزء: 9 - الصفحة: 4393

باب فيمن قام بعيب في غيبة البائع أو ادعى أن البيع فاسد

ومن اشترى عبدأ فأصاب به عيبًا في غيبة البائع، رفع ذلك إلى السلطان، فإن كان قريب الغيبة [كتب إليه.
قال مالك: وإن كان بعيد الغيبة] تلوّم له، فإن لم يطمع بقدومه، وأثبت المشتري أنه اشترى على العهدة، باعه وقضى المشتري ثمنه، فإن فضل للغائب فضل وقفه، وإن عجز أتبع به 84. وقال ابن القاسم في كتاب محمد: إن أثبت أنه دفع الثمن، وإلا لم يدفع له 85. وأرى إن كانت العادة البيع على البراءة، لم يحكم له بالرد، إلا أن يثبت أنه اشترى على العهدة، دن كانت العادة العهدة، أو لا يذكر عهدة ولا براءة، فهو على العهدة ويستظهر بيمينه في مكانه.
وأما دفع الثمن فإنما يكلف البينة فيما لو كان البائع حاضرًا، وأنكر القبض قُبِل قوله، ولا يكلف ذلك فيما يكون القول فيه قول المشتري إن أنكر البائع، وإذا كان ذلك نظر إلى عادة البلد في عادة الرقيق، فإن كانت على النقد وغاب أو طال مقام البائع قبل سفره، أو كان المشتري غريبًا، أو البائع لم يكلف المشتري البينة، وإذا رد بالعيب والبائع غائب ووجد البائع مال الغائب، لم يكن للمشتري الأجير أن يرد على البائع؛ لأن البائع الأول يقول: قد رضي المشتري مني بالعيب ولا يرد عليَّ، إلا أن يكون الغائب معدمًا، فيكون له أن يرد على الأول؛ لأن الغائب لو كان حاضرًا فرضي بالعيب والسلعة لا توفي بالثمن لمنعه، ولو استحقت من يد الآخر،

الجزء: 9 - الصفحة: 4394

لكان له أن يقوم على الأول؛ لأنه غريم غريمه, بخلاف العيب في يد المشتري.
وإن ادعى المشتري الفساد والبائع بعيد الغيبة، وأثبت أن شراءه كان فاسدًا، فإن كان العقد قائمًا نقض البيع وبيع على ملك الغائب وقضي للمشتري ثمنه، فإن كان فضل وقف للغائب، وإن عجز أتبع به، وإن لم يكن نقد وقف ثمنه للغائب، وإن فات قُوِّم وتركت القيمة في الذمة، وسواء دفع الثمن أو لم يدفعه؛ لأن البائع رضي أن يغيب ويبقى الثمن في الذمة، وهو في ذلك بخلاف أن يكون قائمًا.
وقال ابن القاسم -في كتاب محمد، فيمن اشترى عبدًا، أو أقام في يديه ستة أشهر لغيبة البائع 86 -: وإن لم يرفع إلى السلطان حتى مات العبد، فله أن يرجع بالعيب وعذر بغيبة البائع؛ لأن الناس يستثقلون الخصومة عند القضاة، ويرجو إذا جاءه البائع أن لا يكلفه ذلك.

الجزء: 9 - الصفحة: 4395

باب في المكاتب يبتاع أو يبيع ثم يعجز فيوجَد بذلك المبيع عيب والعبد المأذون له يبتاع أو يبيع ثم يعجز عليه فيوجد العيب

وقال ابن القاسم -في مكاتب اشترى عبدًا ثم باعه من سيده ثم عجز، فأصاب السيد به عيبًا-: فللسيد أن يرده بالعيب، وإن كره العبد، كذلك لو لم يشتره السيد منه ثم علم بالعيب، فله رده وإن رضي به العبد.
قال: لأن المكاتب حين عجز صار محجورًا عليه 87. وقد قال -في موضع آخر-: إن ذلك انتزاع 88. وقوله ها هنا أحسن؛ لأنه ليس في عجزه أكثر من نقض الكتابة، ويبقى ماله في يديه، فإن كان قبل الكتابة محجورًا عليه عاد على الحجر، وإن كان مأذونًا له بقي على الإذن، وإن كان ذلك، فإن كانت السلعة في يد العبد ولم يشترها منه السيد فرضي العبد بالعيب، لم يكن للسيد ردها إلا أن يسبق السيد بالرد، وإن مات المكاتب على كتابته فوجد السيد بالسلعة عيبًا، كان له أن يردها، وإن قال البائعُ: كنت تبرأت له منها، لم يقبل قوله، وإن باع المكاتب عبدًا فوجد المشتري به عيبًا بعد أن عجز، كان له أن يرده على العبد ويباع له، فإن لم يوف أتبع بما عجز، وإن كان فضل كان له.
وقال مالك -فيمن اشترى عبدًا فوجد ورثتُه عيبًا، فقال البائع: كنت

الجزء: 9 - الصفحة: 4396

تبرأت له منه-: لم يقبل قوله ويحلف ورثته إن كان يظن بهم العلم 89. يريد: ما لم يكونوا صغارًا أو عصبة لم يخالطوه فلا يحلفوا.
وقال ابن القاسم: وإن مات البائع والمبتاع وجهل الثمن والعبد قائم فرد العبد، رجع ورثة المشتري بالوسط من قيمته يوم قبض.
ثم رجع فقال: مجهلة الثمن فوت، ويرجع بقدر العيب من القيمة التي هي الوسط 90. وإن فات العبد بعتق أو بما لم يقدر على رده، رجع بالعيب من أوسط القيم قولًا واحدًا، وإذا اشترى المأذون له ثم حجر عليه سيده ثم وجد بما اشتراه عيبًا، كان للسيد أن يرد به.
ويختلف إذا قال العبد: قد كنت علمته قبل الشراء أو عليه اشتريت، هل يقبل قوله؛ لأن كل ذلك كان موكولًا إليه ولم يعلم إلا من قوله، أو لم يقبل قوله الآن؛ لأنه محجور عليه، ولأنه يتهم فيما بينه وبين السيد فيما حجر عليه؟ وكذلك المكاتب إذا عجز وقال: قد كنت عالمًا بالعيب.

الجزء: 9 - الصفحة: 4397

باب فيمن اشترى دارًاً فوجد بها عيبًا أو جارية

وقال مالك -فيمن اشترى دارًا فأصاب بها صدعًا-: فإن كان يخاف انهدامها منه رد به، وإن كان لا يخاف على الدار منه لم يرد.
قال: وقد يكون بالحائط الصدع ويمكث زمانًا (1). قال محمد: ويرجع بقيمة العيب، وكذلك كل عيب.
وأرى إن كان الصدع في حائط واحد أن لا يرد، وإن خشي سقوطه؛ لأنه لو استحق ذلك الحائط لم يرد الدار به، وإن كان ذلك الحائط يلي دار البائع، فإن رد إليه انتفع به، رده ويحط من الثمن بقدره، وتُقَوَّم الدار على أنه داخل في المبيع، وقيمة أخرى على أنه غير داخل وعلى أنه سترة له، فيرجع بما بينهما، ولو كان عيبًا شاملًا رد به، وإن قل ما ينوبه مثل أن يستحق ماجنها أو مَطْمَرَها (2)، أو سُقُوفَها أو قَناةَ سقيها.

فصل [فيما يكون عيبًا في العبيد والإماء, وما لا يكون]

وقال ابن القاسم فيمن اشترى جارية رَسْحَاء 93 -يريد: زَلَّاء-: لم ترد9192

الجزء: 9 - الصفحة: 4398

به 94. ومحمل قوله على الشيء الخفيف الذي لا يحط من الثمن.
قال محمد: إلا أن تكون ناقصة الخلق 95. يريد: أن يكون شيئًا فاحشًا في الزلل، والقول قول المشتري إنه خفي عليه، إن خالفه البائع في ذلك، والقول: إن ذلك مما لا يخفى- ليس بشيء 96. وقال: إن كانت زعراء العانة 97 ردَّ به 98. قال محمد: وغير العانة إذا لم ينبت في جسدها وساقيها 99. وهذا لأن الجسد الذي هذه صفته كثير الأمراض.
ومن اشترى عبدًا ثم تبين أن له وَلَدًا أو وَالِدًا كان عيبًا يرد به، وإن اشترى الولد فمات الأب ذهب العيب، وإن مات الولد رجع بالعيب؛ لأنه مات معيبًا.
وقال ابن حبيب -في الأخ-: ليس بعيب 100. يريد ما لم يكن يخشى مثله ويجتنب الشراء لأجله.
وقال مالك -فيمن اشترى صغيرة لم تبلغ حد التفرقة فقال بعد الشراء: هذه صغيرة لم تبلغ حد التفرقة، فأين أمها؟ فقال: ماتت.
فقال: هات البينة على موتها- قال مالك: لا أرى ذلك على الناس 101. وإنما لا يفرق بين الصغير وبين أمه فيما علم.

الجزء: 9 - الصفحة: 4399

والزوجة عيب فيمن اشترى عبدًا فتبين أن له زوجة، أو أمة فتبين أن لها زوجًا، كان له أن يرد، والطلاق لا يرفع العيب؛ لأن كل واحد منهما يركن إلى الرجوع إلى الآخر، وقد يتخلق على مولاه، واتفق مالك وغره من أصحابه: أن الطلاق لا يرفع العيب 102. واختلف إذا مات أحدهما، فقال مالك -في كتاب محمد-: يرد.
قال عبد الملك -ثمانية أبي زيد-: لأنه عيب يتقى منه وجوه، فأما الخادم فيقول: لا أنتظرها حتى تنقضي عدتها، وقد تطول العدة أو يظهر حمل، أو يكون لها منه ولد لا أعرفه، وأما العبد فلعل ثَمَّ ولد أو أم ولد بيعا.
وقال ابن حبيب: إن مات زوج الأمة، أو ماتت زوجة العبد قبل أن يرد، فقد انقطع الرد 103. وهو أحسن إذا كانت من العلي، ولأنها تكتسب لمثل ذلك، وإن كانت من الوَخْش ردت؛ لأنها قد ضريت 104 الزوج فلا ينتفع بها، مثل من لم يتقدم لها زوج.
وأما العبد الفار فإن كان الذي شأنه التسري فلا يرد بعد موت الزوجة، وإن كان من الوَخْش كان له أن يرد.
وقال ابن القاسم -فيمن اشترى أمة في عدة من طلاق وهو لا يعلم 105، فلم يردها حتى انقضت العدة-: فلا رد له 106.

الجزء: 9 - الصفحة: 4400

وهذا خلاف قول مالك أن الطلاق لا يرفع العيب، إلا أن يُحمل قوله على أنه علم بتقدم الزوجية والطلاق، وظن أنها في غير عدة واشتراها وهي في الطهر الأول، وإن كان الشراء وهي في الطهر الثاني لم ترد؛ لأن الأمة تشترى على أنها تحبس حتى تحيض حيضة.
وقال ابن حبيب -فيمن باع أمة وقال للمشتري: كان لها زوج فطلقها، أو مات عنها، وقالت الأمة ذلك-: فقد برئ البائع ولا يصيبها المشتري ولا يزوجها حتى تشهد البينة على الطلاق أو الوفاة 107. يريد إذا لم تكن طارئة، أو قدمت من موضع قريب يقدر على استعلام ذلك، وإن كان الموضع بعيدا لم تحرم على السيد ولا على الأزواج.
وقال ابن القاسم -فيمن اشترى عبدًا فظهر أنه زانٍ، أو أمة وهي من العلي، أو الوَخْش-: فذلك عيب يرد به 108.

الجزء: 9 - الصفحة: 4401

باب جامع العيوب

الاستحاضةُ عيبٌ في العليِّ والوَخْش؛ لأن ذلك مما يضعف الجسم ويؤدي إلى الهلاك، ويزيد في العلي وجهًا آخر أنه عيبٌ في الوطءِ.
وارتفاع الحيض إذا كانت شابة عيب في العلي والوَخْش؛ لأن في خروج ذلك صلاحًا لأجساد النساء، وفي العلي وجه آخر وقفها في المواضعة ثلاثة أشهر فهو عيبٌ على المشتري الآن؛ لأنه ممنوع منها طول هذه المدة، وعيب عليه إذا أراد البيع؛ لأنه لا يقدر على الانتقاد إلا بعد مضي ثلاثة أشهر، وبعد ما بين الحيضتين عيب.
قال ابن حبيب: إذا كانت لا تحيض إلا فوق ثلاثة أشهر، فله أن يرد 109. يريد: لأنه فيه عيبٌ على المشتري الآن؛ لما كان ممنوعًا منها حتى يمضي ذلك القدر، ولو اشتراها في أول دمها لكان عيبًا عليه؛ لأنه إذا أراد البيع لم يقدر على قبض الثمن إلا بعد مضي تلك المدة.
واختلف إذا كانت حيضتها على المعتاد، فتأخرت في أيام المواضعة، فقال ابن القاسم -إذا مضى لها من حين اشتراها شهران 110 - قال مالك: الحيض يتقدم ويتأخر الأيام اليسيرة، فإن أراد هذا أن يردها بعد مضي أيام حيضتها بالأيام اليسيرة، لم أَرَ ذلك له، إلا أن يتطاول فلا يقدر المشتري على وطئها ولا الخروج بها، فذلك ضرر وترد 111.

الجزء: 9 - الصفحة: 4402

وقال مالك والمغيرة وابن دينار في -مختصر ما ليس في المختصر-: إذا فات خمسة وأربعين يومًا ولم تحض، كان القولُ قولَ من دعا إلى فسخ من بائعٍ أو مشترٍ، أما البائعُ فلا ينفق، وأما المشتري فلحبس ذمته.
وفي كتاب محمد: إذا مضى لها ثلاثة أشهر نظر إليها القوابل، فإن قلن: لا حمل بها، فقد صارت للمشتري (1). وفي كتاب محمد: إذا مضى أربعة أشهر كان له أن يرد (2). وكل هذا خارج عن الأصل، والقول الأول أصوب، أنه إن زاد على المعتاد بالأمر البين، كان له أن يرد؛ لأن الخارج عن المعتاد بالشيء البين، أو كان عادة لها فهو عيب، أو شك هل انتقلت عادتها عن ذلك؟ فهو عيب أيضًا.
وإن حاضت ثم تمادت استحاضة لم يرد على القول: إن المحبوسة بالثمن من المشتري، وعلى القول: إنها من البائع ترد.
وإن قبضها في أول الدم ثم تمادى استحاضة، كان له أن يرد؛ لأنه لا يدري هل كانت مستحاضة قبل هذا الحيض؟ بخلاف أن يشتريها وهي في نقاء من الحيض والاستحاضة، إلا أن يشهد له أنها لم يكن أو يكون عليها دليل ذلك مما يحدث للنساء من الشحوب لكان أبين أنه قديم.

فصل [في إجماع أهل المعرفة واختلافهم في الرد بالعيب]

ومن قام بعيب فشك في قدمه، رجع فيه إلى ما يقوله أهل المعرفة، وكذلك112113

الجزء: 9 - الصفحة: 4403

إن علم أنه قديم وشك هل هو عيب؟ أو هل ينقص من الثمن؟ قال محمد: ولا يرد من العيوب إلا ما أجمع عليه رجلان عدلان من أهل المعرفة والنظر.
قال: ومن ذلك ما يجوز فيه قول المرأتين بلا رجل؛ مثل: عيوب الفرج، والحبل، وما لا يطلع عليه الرجال 114. قال: فإن وجد المشتري عيبًا فرآه أهل البصر، فقال بعضهم: هو عيب يرد به، وقال بعضهم: لا يرد به، وقال بعضهم: قديم، وقال بعضهم: حديث، لم يرد؛ لأن البينة تسقط في التكاذب، فلا يرد 115. وكذلك الذي يبيع ثوبًا وينسبه إلى جنس، فيريه المشتري أهلَ البصر فيختلفوا فيه، فإذا تكافؤوا في العدالة لزم المشتري 116. قال الشيخ - رضي الله عنه -: أما إن لم يشترِ على التصديق وإنما اشتراه بشرط إن كان من ذلك الجنس، فلا يلزمه إذا اختلف فيه، وألزمه ذلك إذا اشتراه على التصديق ثم اختلفوا.
وأرى أن له أن يرد، وإن قبضه على التصديق؛ لأن اختلاف أهل المعرفة هل هو من ذلك الجنس؟ عيب فيه.
وإن شك في قدمه وهل كان قبل البيع أو بعده؟ كان القول قول البائع؛ لأن البيع منعقد، فلا ينقض بشك.
وإن كانا عيبين قديمًا ومشكوكًا فيه، كان القول في المشكوك فيه قول المشتري؛ لأن له نقض البيع بالقديم، ويعود على ملك البائع، فكان القول قول

الجزء: 9 - الصفحة: 4404

الغارم فيه، وهو المشتري.
وإن كان قديمًا وحديثًا ومشكوكًا فيه، وأحب المشتري التمسك كان القول قول البائع في المشكوك فيه، وإن أحب الرد كان القول فيه قول المشتري.
وإن كان قديمًا ومشكوكًا فيه، وقال المشتري: هو حديث وإنما أتمسك به وأرجع بقيمة القديم.
وقال البائع: هو قديم، فإما أمسكتَ ولا شيء لك، أو رددتَ ولا شيء عليك، كان القول قول البائع على قول ابن القاسم.
وعلى قول ابن وهب وعيسى يكون القول قول المشتري مع يمينه ويرجع بالقديم (1). وإذا كان الحكم في المشكوك فيه أن يبدأ البائع أو المشتري فنكل عن اليمين، كان له أن يرد اليمين على صاحبه، وهذه المسألة أصل في أيمان التهم، أنها ترد إذا كان قبل المدعي منهما مثل ما قبل المدعى عليه؛ لأن حالهما في الدعوى سواء.

فصل [في صفة اليمين في العيب المشكوك فيه]

واختلف في صفة اليمين في العيب المشكوك فيه، فقال ابن القاسم: يحلف في الظاهر على البت، وفي الخفي على العلم 118. وقال أشهب: يحلف فيهما جميعا على العلم 119، وهو أحسن؛ لأنه لا يقطع بحدوثه.
وقال محمد -فيمن باع سلعة ثم اشتراها مشتريها بأقل، ثم وجد عيبًا117

الجزء: 9 - الصفحة: 4405

مشكوكًا فيه-: فعلى من هي في يديه وهو البائع الأول اليمينُ، فإن لم يحلف حلف الآخر وارتجع بقية الثمن.
يريد: إذا شك فيه هل هو في الصفقة الأولى، أو حدث عند المشتري الأول وأحب التمسك؟ وإن أحب الرد حلفا جميعًا، فإن نكل من هي في يديه، وحلف المشتري ارتجع بقية الثمن، وإن حلف البائع ونكل المشتري ردها عليه وأخذ الثمن الثاني الذي اشتراها به منه.
وإن شك هل كان عند المشتري، أو عند البائع في الصفقة الأخيرة خاصة؟ حلف المشتري الأول وحده وبرئ، فإن نكل حلف من هي في يديه أنه لا يعلم أنه حدث عنده ويرد.
وإن شك هل كان عند البائع الأول قبل البيع، أو في الصفقة الثانية، أو عند المشتري؟ حلفا جميعًا، ويحلف البائع أنه لا يعلمه كان عنده قبل ولا حدث بعد، ويحلف المشتري أنه لا يعلمه حدث عنده ويبرآن.
فإن نكل البائع عن الوجهين جميعًا، حلف المشتري ورجع على البائع ببقية الثمن.
وإن حلف ونكل المشتري، كان للبائع أن يرد عليه ويرجع بالثمن ولا يغرم هو شيئًا.
وإن حلف البائع أنه لا يعلمه كان في الصفقة الأولى، ونكل أنه لا يعلمه حدث في الآخرة، لم يغرم ولم يرد، ولا يمين على المشتري؛ لأنه نكل فيرد تلك اليمين على من نكل عنها.

فصل [في صفة اليمين على ما خفي من العيوب وما كان ظاهرًا لا يخفى]

واختلف في صفة اليمين في العيب المشكوك فيه، فقال ابن القاسم: يحلف في الظاهر على البت وفي الخفي على العلم.
وقال أشهب: يحلف فيهما جميعًا على

الجزء: 9 - الصفحة: 4406

العلم.
وهو أحسن؛ لأنه لا يقطع بحدوثه ولا بقدمه، ويجوز أن يكون الحق عليه فيه للآخر، فكيف يحلف على البت وهو مقر أنه شاكّ، ولأنه إن حلف أنه لا يعلم وهو عالم كان آثمًا.
وفي كتاب محمد: إن شهد شاهد بقدم العيب عند البائع، حلف المشتري مع شاهده على البت، وإن كان العيبُ مما يخفى، ويرد.
قال أصبغ: فإن نكل حلف البائع على العلم.
وقال محمد: يحلف على البت، وهي اليمن التي نكل عنها المشتري 120. وليس هذا بالبين، وأرى إن كانت الشهادة على قِدَمِه وعلى علم البائع به وقال المشتري: يعلم صحة الشهادة؛ لأن البائع اعترف عندي بذلك، كانت يمين المشتري على البت، ورَدُّها عند النكول على البت.
فإن قال الشاهد: علمته قبل البيع، ولا أدري هل رآه البائع؟ وقال المشتري: لا علم لي سوى قول الشاهد، لم يحلف مع شهادته على الصحيح من المذهب؛ لأنه يكلف اليمين على بت الشهادة، ولا علم عنده من صدق الشاهد، واليمين ها هنا في جنبة البائع على العلم، وكأنه لن يشهد بذلك شاهد.
وإن قال الشاهد: علم بذلك البائع ولا علم عند المشتري من صدقه، كانت اليمين في جهة البائع، فيحلف على البت في تكذيب الشاهد، وعلى العلم في قِدَم العيب.
فإن نكل عن العيب وحلف على تكذيب الشاهد، رجعت اليمين على المشتري على العلم بمنزلة لو لم يشهد بذلك شاهد.
وإن نكل عن تكذيب الشاهد، وإن نكل عن تكذيب رد البيع ولم يرد اليمين، وإن قطع المشتري بصدق الشاهد ولم يقطع بمعرفة البائع، حلف المشتري على البت، فإن

الجزء: 9 - الصفحة: 4407

نكل حلف البائع على العلم.
وقال ابن القاسم -فيمن قام بعيب، فقال البائع: احلف أنك لم تره وما رضيت به أو ما تسوقت به بعد أن علمت-: فلا يمين عليه إلا أن يدعي أنه أراه إياه 121. واختلف إذا قال: أخبرني مخبر أنك رأيته أو رضيته أو تسوقت به، فقال ابن القاسم: يحلف 122. وقال أشهب -في كتاب محمد-: لا يمين له، وإن ادَّعى أن مخبرًا أخبره بذلك 123. وهو أصوب؛ لأنه قد يكذب ليتوصل إلى يمينه، وعليه أن يحضر من أخبره، فإن كان عدلًا كان له أن يحلف معه أو يرد اليمين، وإن كان حسن الحال وليس بعدل كان لَطْخًا يحلف به، وإن كان ساقط الحال لم يكن لطخًا.
وقال مالك: يرد بالعيب القديم من غير يمين، كان العيبُ مما يخفى أو ظاهرًا مما لا يخفى.
قال محمد: طالت إقامته أو لم تطل.
قال ابن القاسم: لا يمين له إلا أن يكون من الظاهر الذي لا يشك أنه لا يخفى، مثل: قطع اليد أو الرجل، أو العور 124. قال الشيخ: أما العور: فإن كان قويم العين وقد ذهب نورها فيصح أن يرد به وإن طال.
وإن كان مطموس العن لم يرد به وإن قرب، إلا أن يكون بفور الشراء.
ولو قيل: إنه لا يصدق أنه لم يره لكان وجهًا.
وكذلك أقطع اليد

الجزء: 9 - الصفحة: 4408

إذا كان قد قلب يده، وإن قال: كتمني العبد هذه اليد، حلف على ذلك فيما قرب.
وقطع الرجل أَبن أن لا يُمَكَّن من الرد، إلا أن يكون بفور ما يصرف بين يديه عند العقد، وكان الشراء وهو جالس.
وقال مالك -في كتاب محمد-: لو ابتاع بعض النخاسين عبدًا، فأقام عنده ثلاثة أشهر حتى صرع ونقص حاله فوجد عيبًا، لم أر أن يرد؛ لأنه يشتري فإن وجد ربحًا باع وإلا خاصم، فأرى أن لا يلزم هؤلاء فيما علموا وما لم يعلموا (1). قال ابن القاسم: والذي هو أحب إليَّ إن كان عيبًا يخفى، حلف أنه ما رآه ورد، وإن كان على غير ذلك لزمه (2).

فصل [فيمن اشترى عبدًا فقام فيه بسرقة أو إباق]

ومن اشترى عبدًا فقام فيه بسرقة أو إباق، فإنه على ستة أوجه: إما أن يقول: يمكن أن يكون سرق عندك أو أبق فاحلف لي على ذلك، ولم يطلع هو منه على مثل ذلك.
أو يقول: أخبرت أنه سرق عندك أو أبق.
أو يقول: سرق عندي أو أبق، فاحلف لي أنه لم يحدث مثل ذلك عندك.
أو يقول: قد فعل ذلك عندي، وأخبرت أنه أحدث مثل ذلك عندك، أو يعلم أنه سرق عند المشتري أو أبق، فيقول: احلف أنه لم يكن أحدث مثل ذلك عندك.
أو يقول: علمت أنه أحدث مثل ذلك عندك، فعليه اليمين في هذا القسم؛ لأنه اجتمع فيه الوجهان ثبوت السرقة والإباق ودعوى العلم أنه فعل مثل ذلك عند البائع، ولا يمين125126

الجزء: 9 - الصفحة: 4409

في القسم الأول، ولا خلاف في هذين.
واختلف فيما سوى ذلك، فأصل ابن القاسم إذا قال: أخبرني مخبر، أنه يحلف.
وقال أشهب: لا يمين عليه.
وقال ابن القاسم -في كتاب محمد-: إذا طعن المشتري أن العبد كان عند البائع آبقًا أو سارقًا أو حُدَّ أو زانيًا، أو غير ذلك من العيوب التي لا يعلم بها إلا بقوله، فليحلف البائع على علمه فيها 127. وقال أشهب: لا يمين عليه 128. وهو ظاهر قول ابن القاسم في المدونة 129. وكذلك إذا قال: أحدث هذه الأشياء عندي، فاحلف أنه لم يعملها عندك، فعليه اليمين على قول ابن القاسم الأول، ولا يمين عليه على قول أشهب.
وكذلك إذا قال: أحدث ذلك عندي، وأخبرت أنه فعل ذلك عندك، فعليه اليمين على قول ابن القاسم، ولا يمين عليه على قول أشهب، فأحلف مرة في القول الأول لأن المشتري ادعى ما يشبه, ولم يحلف في القول الآخر حماية من استماع الدعوى على البائعين؛ لأن المشتري إذا كره العبد أو الجارية أو استغلاها، ادعى مثل ذلك ليرد، فحمي باب الدعوى في ذلك، إلا أن يأتي بلطخ.
وقال ابن القاسم: إذا لم يقم العبد عند المشتري إلا أيامًا حتى أبق، فقال المشتري: أخاف ألا يكون أبق مني في قرب إلا وقد أبق عندك.
فقال: قال مالك: لا يمين عليه.
قال ابن القاسم: وإنما بيع الناس على الصحة، وما جهل هل دلس فيه

الجزء: 9 - الصفحة: 4410

البائع؟ فهو على الصحة حتى تشهد البينة بخلاف ذلك (1). وقال محمد: إذا ظهر به هكذا، فلابد من اليمين، وإلا رد عليه، وأما أن يطلب منه اليمين في عيب ليس به، فلا تجري حتى يظهر العيب (2)، فيخاف أن يكون أصله قديمًا.
وقول محمد في هذه المسألة أحسن؛ لأن ظهور هذا العيب كالمشكوك فيه، هل هو قديم؟ وكذلك أرى إذا قال المشتري: سرق عندي وكان من أهل الدين والثقة؛ لأن سرقة العبد من مال سيده وما يأخذه من بيته، لا تشهد عليه البينة في الغالب، فأرى أن يحلفه وإن لم تشهد بينة.
وقال مالك: إذا قال العبد كنت أبقت عند الأول، حلف البائع.
وكذلك أرى إذا قال: كنت سرقت عنده، ويحلف.
واختلف فيمن اشترى عبدًا أو أمة فتبين أنهما زنيا، فقال مالك -في المدونة-: يردان بذلك العيب.
وقال سحنون: ذلك عيب وإن كانا من الوَخْش.
وقال أشهب -في كتاب محمد-: إن كانا من العلي وكان ينقص من الثمن فهو عيب، وإن كانا من الوَخْش فلا.
وقال ابن شعبان: هو عيب في الجارية؛ لأنها تتخذ للولد، بخلاف العبد.
يريد إذا كانت من العلي، وهذا أحسنها.

فصل [في الصهوبة وهل هي من العيوب؟]

وصهوبة الشعر 132 إذا كان مخالفًا للونها، وما يرى أن شعر مثلها يكون130131

الجزء: 9 - الصفحة: 4411

أسود عيب، وإن كان موافقًا لمثلها فليس بعيب، إلا أن يسود وإن سود ما تحت الوقاية ولم يكشف المشتري عند الشراء عن ذلك فليس بعيب، وإن جعد شعرها وكان ذلك مما يزيد في ثمنها رد به، والشيب الكثير في الرائعة إذا لم تبلغ سن الشيب عيب.
واختلف في قليله؛ فظاهر قول مالك في الدونة أنه عيب؛ لأنه قال: يرد به 133، ولم يفرق.
وقال ابن عبد الحكم -في كتاب محمد-: لا يرد 134. ولا يرد به الوَخْش من قليله.
واختلف في كثيره، فقال ابن القاسم -في المدونة-: لا يرد به جملة 135. وذكر أشهب -في كتاب محمد-: أن لا يرد إلا من كثيرٍ 136. وأرى أن ترد الرائعة من قليل وكثير؛ لأنه يكره ويحط من الثمن، وإن لم يحط أو بلغت سن المشيب لم ترد رائعة كانت أو من الوَخْش، إلا أن يتفاحشَ عما يكون في سن مثلها، وإن سود الشعر ولم يكشف عن ذلك في حين البيع، كان كمن لم يسود؛ لأنه لم يغره، وإن كشف عنه في حين الشراء كان له أن يرد به، وسواء كانت من العلي أو من الوَخْش، وإن كانت بلغت المشيب؛ لأنه يظن أنها صغيرة، وهي في العلي أبين وإن كان عالمًا بمبلغ عمرها؛ لأن تأخيرَ المشيبِ يزيد في ثمن العليِّ، قال مالك: والبخرُ عيبٌ 137.

الجزء: 9 - الصفحة: 4412

فصل [في أن من العيوب ما تختلف الأغراض فيها وقال مالك والبخر عيب]

ومن العيوبِ ما تختلفُ الأغراضُ فيها، فيرغب فيها بعض الناس ولا يكون فيها عيبٌ، فإن اطَّلع عليه من يكون عنده عيبًا رد به، وإن كان ممن يرغب فيه لم يمكن من الرد، وقيل: أنت نادم، فمن اشترى عبدًا فوجده صقلبيًّا، فإن كان ممن لا يكسب مثله، كان له أن يردَّ؛ لأنه يضعف عن العمل، ولا يتصرف فيما يتصرف فيه غيره، وإن كان ممن يعلم أنه ممن يرغب في مثله، لم يمكن من الرد؛ لأنه أثمن، وقيل له: أنت نادم، إلا أن يعلم أنه قصد بشرائه لغير ما يراد له الصقليبي.
وإن وجد الجارية مغنية، وعلم أنه ليس ممن يرغب في ذلك كان له أن يرد وإن كان ذلك أزيد في ثمنها عند بعض الناس؛ لأنه يتقي منها وجوهًا لعوده أمثالها، وإن علم أنه ممن يرغب في ذلك، لم يمكن من الرد؛ لأنه ليس بعيب عنده، وقيل له: أنت نادم ولا فساد في البيع؛ لأنه لم يشترط ولا علمه المشتري، وتباع عليه إذا خشي أن يستعملها في مثل ذلك.
والحمل في الوَخْش اليوم عيب عند الحاضرة دون البادية، وإن كان المشتري من الحاضرة رد، وإن كان من البادية لم يرد؛ لأنهم لا يكرهون ذلك، إلا أن يعلم منه الصلاح والفضل، وأنه ممن لا يكسب مثلها، فيرد.

الجزء: 9 - الصفحة: 4413

فصل [في العيوب يكرهها المشتري ولا تحط من الثمن]

واختلف في كل عيب يكرهه المشتري، ولا يحط من الثمن لأجله، فقيل: لا قيام للمشتري به.
وقيل: له الرد.
وهو أحسن إذا كانت الكراهية فيه توقفه عن الشراء، وإن فات مضى بالأقل من الثمن أو القيمة.
ويختلف هل تفيته حوالة الأسواق أو العيوب كبيع الكذب؟ فقال -في كتاب كراء الدور-: إذا وجد في الثوب عيبًا خفيفًا لا ينقص من الثمن، لم يرد وإن كان عند الناس عيبًا، مثل: العبد يصيب به عيبًا خفيفًا لا ينقص من الثمن، فليس له أن يرد، وإن كان عند النخاسين عيبًا، كالكية والأثر 138. وقال محمد: كل أمر إذا علمه الناس كان عندهم له كراهية، كان عيبًا 139. وقد يحمل هذا إذا كان مما يوقف المشتري عن الشراء، فإن كان ذلك مما لا يثني عزمه عن الشراء بذلك الثمن فهو خفيف.
وقال مالك -في كتاب محمد فيمن اشترى رقيقًا عددًا فوجد بأحدهم عيبًا-: فإن كان ينقص من جملة الثمن شيئًا، رد ذلك الرأس وحده بما ينوبه من الثمن، وإن كان لا ينقص ذلك من جملة الثمن لم يرد، وإن كان لا ينقصه لو بيع بانفراده 140. قال محمد: وأنا أستحسن ذلك في الحمل خاصة 141. ولا وجه لهذا، وقول مالك أحسن، أنه إذا كان لا ينقص من جملة الثمن، ولا يتجسس لمثله في جملة الصفقة، لم يرد من أي العيوب كان.

الجزء: 9 - الصفحة: 4414

باب فيمن اشترى معيبًا قد ذهب قبل القيام به، أو بعد القيام وقبل الحكم أو ذهب عند البائع وقبل الشراء، أو كان العيب بأحد الآباء

ومن اشترى عبدًا أو أمة بها عيب قد ذهب قبل أن يقوم به، لم يكن له الرد.
واختلف إذا علم ثم ذهب، هل يرد به؟ فقال ابن القاسم: لا رد له 142. وقال أشهب: له أن يرد 143. والأول أصوب.
وإن ذهب قبل الشراء لم يرد إلا أن يكون ممن لا يؤمن ظهوره في الولد.
قال ابن القاسم -فيمن اشترى أمة في عدة من طلاق، فلم يردَّها حتى انقضت العدة-: فلا رَدَّ له 144. وكذلك أرى إذا كان شراؤه بعد مضي حيضة؛ لأنه دخل على أنها توقف حتى تحيض حيضة، فلم تدخل عليه مضرة، إلا أن تكون من الوَخْش؛ لأنها تُشترى على أنها تقبض بالحضرة، ومحمل قوله على أنه قد كان علم أن لها زوجًا طلقها ورأى أنها في غير عدة، وإن لم يعلم بتقدم الزوج كان له الرد وإن انقضت العدة.
وتزويج العبد بغير إذن سيده عيبٌ وإن فسخه السيد قبل الدخول أو طلق العبد؛ لأن تعديه في مثل ذلك عيبٌ، وإن تزوج بإذن سيده ثم طلق قبل الدخول لم يرد، إلا أن يكون العبدُ يخلق على سيده حتى زوجه فذلك عيبٌ، وإن طلق قبل البناء، وتقدم القول إن الطلاق بعد البناء لا يسقط القيام.

الجزء: 9 - الصفحة: 4415

والاختلاف في الموت، وأرى أن يرد وإن ماتت الزوجة؛ لأن الزوجة من العبد مفسدة، وعادة تطلبه نفسه بها ومطالبة مولاه بالتزويج أو يتخلق عليه، وكذلك الأمة.
والدين على العبد عيب، إلا أن يسقطه الطالب أو يقضيه السيد، قال سحنون: إلا أن يكون مداينته في سفه فيرد وإن أسقط عنه 145. وأرى إن كانت بغير إذن سيده أن يرد وإن أسقط الدين، وإن كان في غير سفه؛ لأن دخوله في المداينة وتعمير ذمته بها عيب، وإن علم المشتري بعد العقد أن في رقبته جناية فافتكه السيد سقط العيب إن كان خطأ، وإن كانت عمدًا لم يسقط.
واختلف إذا اشتراه على عهدة الثلاث فحدث في تلك الأيام حمى ثم ذهبت، فقال ابن القاسم: لا يرد 146. وقال أشهب: يرد 147. قال: وكيف يعرف ذهاب ذلك؟ وأرى أن يستأنى به، فإن استمر برؤه لم يرد، وإن عاوده عن قرب رد 148. ولا يخلو ذهاب العيب من ثلاثة أوجه: إما أن يكون الغالب عودته، أو أنه لا يعود، أو أشكل أمره هل يعود أم لا؟ فإن كان الغالب العودة أو أشكل أمره رد وإن كان الغالب أن لا يعود لم يرد.
والغالب من الحمى الخفيفة البرء، والاستثناء حسن، إلا أن يكون

الجزء: 9 - الصفحة: 4416

بموضع به حمى الرِّبْع 149 كثير فيرد.
وإن تبين أن الجارية أو العبد يبول في الفراش رد 150، كان من العليِّ أو من الوَخْش.
واختلف إذا أنكر ذلك البائع؛ فقال مالك -في الجارية-: توضع على يد من يوثق به ويقبل في ذلك النساء، وليس مما يحدث ويسأل عنه أصحاب الرقيق 151. وقال محمد بن عبد الحكم: يحلف البائع ويبرأ، فقد تكره الأمة المشتري فتفعل ذلك عمدًا 152. واختلف إذا وقع البيع بعد أن طال انقطاعه، فقال ابن القاسم: يرد؛ لأنه لا تؤمن عودته 153. وقال أشهب: لا يرد إذا طالت السنون 154. وهذا أشبه، وما أظن الناس يتقون ما طالت سنوه، وإن علم أنه كان به جذام أو برص ثم ذهب، كان له أن يرد؛ لأنه لا تؤمن عودته 155. واختلف إذا قال أهل النظر: نرى به جذامًا ولا يظهر إلى سنة، فقال ابن القاسم: لا يرد 156. وقال محمد: يرد، ألا ترى أن العبد والجارية يُردان إذا قيل: هو ساريٍّ 157

الجزء: 9 - الصفحة: 4417

لما يخاف من الجذام بعد اليوم 158. وقال مالك -في كتاب محمد-: إذا كان أبوه مجذومًا، كان له أن يرد؛ لأن الناس يكرهونه، وهو أمر يخاف 159، وكذلك الأم على قوله إذا كانت مجذومة، له أن يرد 160؛ لأنه يكره ويخاف حدوث مثل ذلك في الولد.
وإن جن العبد ثم ذهب عنه رد؛ لأنه لا تؤمن عودته 161، وإن كان أحد الأبوين مجنونًا، فإن كان ذلك من لمم الجان لم يرد، وإن كان من فساد الطباع رد.
وإن كان أحد الأبوين أسود، لم يرد في العبد ولا في الوَخْش من الإماء 162. واختلف في العلي يشتريها ليتخذها أم ولد، فقال مالك في كتاب ابن حبيب: يرد 163. وفي العتبية: لا يرد 164. والأول أبين؛ لأن ذلك مما يتقى، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "وَلَعَلَّ هَذَا عِرْقٌ نَزَعَهُ" 165. وإن كان لا يريدها للولد لم ترد 166، وإن كانت من العليِّ.
= الأمة إذا قيل: إنه سيَّاريّ، فإنه يرد لما يخاف به من الجذام.
قال غيره: السيَّاريّ: الذي لا حاجبان له".

الجزء: 9 - الصفحة: 4418

باب في العيوب في العروض والطعام والمكيل والجزاف وما لا يقام فيه بعيب

وإذا وجد المشتري بالثوب عيبًا بعد القطع وقبل الخياطة والبائع مدلس، رده ولا شيء عليه للقطع، أو أمسك ولا شيء له في العيب 167، إلا أن يكون القطع مما يؤدَّى له ثمن، فيكون له أن يمسك ويرجع بقيمة العيب، على أحد القولين فيما غرمه المشتري في صناعة عملها العبد؛ لأن القطع ليس بعين قائمة.
وإن كان غير مدلس كان له أن يمسك ويرجع بالعيب، أو يرد ويرد عيب القطع.
وإن خاطه وأحب أن يمسك اتفق الجواب في المدلس وغير المدلس، أن له أن يرجع بالعيب، وإن أحب الرد افترق الجواب، فإن كان مدلسًا لم يرد للقطع شيئًا، وإن كان شريكًا بالخياطة يوم الرد دلس يوم كان اشترى فيُقَوَّم اليوم قيمتين، يُقَوَّم مقطوعًا معيبًا غير مخيط، ومقطوعًا معيبًا مَخيطًا، فإن كانت الأولى مائة والثانية تسعين كان شريكًا بالعشرة، وإن لم يرد بالخياطة لم يكن له شيء 168. وقيل: تكون الشركة بقيمة الخياطة ليس بما زادت.
والأول أصوب؛ لأن الثوب هو الأصل وهو المقصود بالشراء، فوجب أن يأخذ ما كان يستحق قبل أن يخاط.
وإن كان البائع غير مدلس واختار المشتري الرد، قُوِّم ثلاث قيم: غير

الجزء: 9 - الصفحة: 4419

معيب، وقائمًا معيبًا، ومقطوعًا معيبًا مخيطًا.
فإن قيل: الأولى مائة، والثانية تسعون، والثالثة ثمانون، علم أن الباقي عند المشتري ما قيمته عشرة رده وعشر ثمنه.
وإن قيل: تسعون رده ولا شيء عليه؛ لأن الخياطة جبرت النقص.
وإن قيل: مائة، كان شريكًا بالعشر.
هذا إذا لم يتغير سوقه من يوم اشتراه إلى يوم رده.
ثم يُقَوَّم الآن قيمتين: مقطوعًا معيبًا غير مخيط، والثانية قيمته مخيطًا.
فإن زادت الخياطة عشرة، لم يكن عليه شيء لأن الخياطة جبرت القطع، وإن زادت خمسة كان الباقي عنده نصف قيمة العيب بنصف عشر الثمن، وإن زادت خمسة عشر كان شريكًا بثلث قيمته.

فصل [فيمن اشترى توبًا وصبغه ثم وجد به عيبًا]

وإن صبغه ولم يقطعه فأحب التمسك به رجع بقيمة العيب كان البائع مدلسًا أو غير مدلس 169، وإن أحب أن يرد وكان الصبغ يزيد في قيمته كان شريكًا بقدر تلك الزيادة يوم الرد، مدلسًا أو غير مدلس 170، وإن كان ينتقص افترق الجواب، فإن كان مدلسًا لم يغرم عن ذلك النقص شيئًا، وإن كان غير مدلس غرم.
الاعتبار في الزيادة والنقص يوم البيع، فإن كان ذلك ينقصه يوم البيع غرم النقص، وإن كان يوم الرد لا ينقص، وإن كان يزيده ذلك اليوم وينقص اليوم برئ المشتري من غرم النقص؛ لأنه لو رده ذلك اليوم لم يغرم المشتري شيئًا، ولم

الجزء: 9 - الصفحة: 4420

يشارك اليوم بشيء؛ لأنه لا فضل فيه الآن، وإن كان فيه زيادة يوم الرد كان شريكًا بالأقلِّ من زيادته يوم البيع أو اليوم.
والقطع والصبغ إذا كان نقص والبائع مدلس، على ثلاثة أقسام: فإن كان ذلك الثوب يراد لمثل ذلك القطع والصبغ، رد ولا شيء عليه، وإن كان خارجًا عما يراد له وليس بمتْلِفٍ، كان له أن يرد ويغرم قيمة النقص، وإن كان متلفًا مثل أن يقطعه قلانس أو تبابن، أو يصبغ الثوب النفيس لونًا وصبغًا يبطل الغرض الذي كان يكسب له، منع الرد وكان له قيمة العيب، وإن لبسه وغسله، رده وما نقص، مدلسًا كان أو غير مدلس 171؛ لأنه صَوَّن مالَه باللباس، واللباس مخالف للقطع والصبغ ومن اشترى أمة فأصابها، فإن كانت ثيبًا ردها ولا شيء عليه، مدلسًا كان أو غير مدلس، وإن كانت بكرًا والبائع غير مدلس كان له أن يمسك ويرجع بالعيب، أو يرد ويرد ما نقص 172. ويختلف إذا كان مدلسًا هل يغرم ما نقصه؛ لأنه انتفع بذلك، أو لا يغرم بخلاف اللباس.
والأول أحسن؛ لأنه صَوَّن به مالَه، وله بذل الثمن وإياه اشترى.
وإن كانت بكرًا ذات زوج، فباعها السيد قبل الدخول ثم دخل بها عند المشتري، ثم وجد بها عيبًا ردها ولا شيء عليه، مدلسًا كان أو غير مدلس 173؛ لأن ذلك الوجه لم يكن دخل في البيع، وقد كان البائع باعه وأخذ ثمنه فلا يغرم عنه المشتري شيئًا.

الجزء: 9 - الصفحة: 4421

فصل [في المشتري يجد في المبيع عيبًا وكان مما يكال أو يوزن]

وإن كان المبيع يكال أو يوزن ووجد المشتري به عيبًا، رد إن كان قائمًا ولا تفيته حوالة الأسواق.
وإن فات ببيع رجع إلى الخلاف المتقدم في السلع، فعلى قول ابن القاسم لا يرجع على البائع بشيء.
وعلى قول أشهب إن باع بمثل الثمن لم يرجع على البائع بشيء، وإن باع بأقل كان بالخيار بين أن يرجع بالأقل من قيمة العيب أو ما نقص الثمن، أو يرد المثل معيبًا، أو يتمسك.
وعلى رواية ابن عبد الحكم هو بالخيار بين أن يمسك ولا شيء له، أو يغرم المثل معيبًا ويرجع بالثمن، إلا أن يتعذر وجود المثل فيغرم قيمة العيب كالسلع.
وإن وهبه أو أكله كان عند ابن القاسم بالخيار بين أن يغرم المثل معيبًا، أو يتمسك ولا شيء له.
وقال أشهب -في كتاب محمد-: المشتري بالخيار إن شاء غرم المثل، وإن شاء رجع بقيمة العيب ولم يغرم المثل.
وهو أحسن؛ لأن على المشتري في شراء المثل كلفة.
فإن كان المعيب لا يحاط بمعرفة مثله كان كالسلع، فالغالب من الكتان أنه لا يحاط بمعرفته؛ لأن الغزل مختلف وسطه وأجنابه، والرأس الواحد مختلف، لا يقدر أن يقال: هذا مثل هذا حقيقة، وكذلك ما شاكله.
فإن كان طعامًا طحن، كان ذلك فوتًا عند ابن القاسم، فقال -في المدونة في كتاب القسم-: يرد قيمته 174. يريد: إذا كان لا يقدر على رد مثله.
وقال

الجزء: 9 - الصفحة: 4422

سحنون: ليس الطحين فوتًا ويكون شريكًا بقيمة الطحين (1). وأرى أن يكون بالخيار بين أن يتكلف غرم المثل، أو يرد هذا ويكون شريكًا بما زاد الطحين، فإن لم يزد في الثمن لم يكن له شيء.
وإن كان الطعام جزافًا وعلم بالعيب بعد أن أفاته، كان بالخيار بين أن يمسك ويرجع بالعيب، أو يرد قيمته ويرجع بالثمن.

فصل [فيمن اشترى شعيرًا وشرط أنه يريده للزراعة]

ومن اشترى شعيرًا واشترط أنه يريده للزراعة، فوجده لم ينبت والبائع عالم رجع بجميع الثمن، وكذلك إذا كان البائع شاكًّا هل ينبت، رد جميع الثمن، وإن كان مما ينبت فدخله فساد ولم يعلم، رجع بقيمة العيب (2)، وكذلك إن لم يشترط المشتري أنه للزراعة، إلا أنه في إبان الزراعة، وباعه بأثمان ما يراد للزراعة فهو كالشرط، وإن كان على غير ذلك لم يرجع به، وإن اشتراه ليأكله ثم بدا له قى فزرعه ولم ينبت لم يرجع بشيء، إلا أن يكون ذلك نقص من طعامه، أو من فعله فيرجع بقيمة ما ينقصه لو اشتُرِيَ للأكل.

فصل [في الرد بالعيوب الباطنة في بعض السلع كالخشب والجلود وأشبهها]

ومن العيوب ما لا يرد بها إلا مع التدليس، كالخشب والجلود وما175176

الجزء: 9 - الصفحة: 4423

أشبهها، قال محمد: التدليس في الخشب بالعيب كالتدليس في الثياب والجلود، فلا يضمن المبتاع ما أحدث من نشر أو نحت أو قطع أو ينحته صاريًا، أو خرطه أقداحًا، ويرد ولا شيء عليه، وإن لم يدلس فيما كان من عيب يمكن علمه لو طلب فله الرد، وما نقص من نشر إلا أن يقطعها قطع التلف، مثل الكوى والأبواب أو يدخلها في بنيانه، فليس له إلا قيمة العيب، دلس أو لم يدلس 177. واختلف إذا كان العيب مما لا تبلغ معرفته في حين البيع على ثلاثة أقوال: فقال مالك -في كتاب محمد-: إذا كان مما لا يمكن معرفته إلا بعد القطع، والنحت لم يرد، وكذلك الفصوص.
قال مالك: وهذا أمر ثابت في هذه الأشياء معروف، عليه يشتري المشتري وعليه يبيع البائع.
وقال ابن حبيب: إن كان العيب من أصل الخلقة ولم يحدث بعد القطع، فلا قيام به، وأما ما حدث بعد الصحة من عفن أو سوس، فهذا مما يعلمه بعض الناس وإن جهله آخرون، فله الرد 178. قال الشيخ رضي الله عنه أبو بكر الأبهري: له أن يرد في جميع هذه الوجوه.
وجعل العيب فيها كالعيوب في جميع الثياب وهذا أقيس، إذا دخل المتبايعان على السلامة وجهلا الحكم في ذلك الرد بالعيب؛ لأن ثمن السالم وما يدخلان فيه على القيام بالعيب ليس كثمن البيع ما بيع على أن لا يقام بالعيب فيه، إلا أن يشترط البائع ألا قيام فيه بالعيب، أو تكون تلك العادةَ، ولا يخفى مثلها

الجزء: 9 - الصفحة: 4424

على المتبايعين، وعلى هذا الوجه تكلم مالك، فقال: هذا أمر معروف، عليه يبيع البائع وعليه يشتري المشتري، وأما مع جهل المشتري بذلك فلا؛ لأنه يقول: اشتريت وأنا أرى أن لي الرد مثل سائر المبيعات، ولو علمت أن لا قيام لي ما اشتريته، إلا بدون ذلك الثمن، فله الرد إن لم يفت المبيع إلا أن يرضى البائع أن يكون على حقه في العيب متى وجده، وإن لم يعلم حتى فات وتبين أنه سالم فلا مقال له، وإن تبين أنه معيب رجع بقيمة العيب.
واختلف في الجلود، فقال ابن القاسم: إن قطعت خفافًا أو نعالًا، فهي مثل الثياب يقوم بالعيب (1). وقال ابن حبيب: هي مثل الخشب فما كان من أصل كالحوري فلا قيام له، وإن كان حادثًا من قلة الملح أو حرارة الشمس أو ماء بحر، رد كسائر العيوب، ومثل جلود الفراء يظهر للمبتاع عند الدباغ ساست ولم يطل مقامها ما تسوس فيه، ولم يظهر للمشتري أنها ساست؛ لأنها يابسة وربما كانت غير يابسة، والسوس بين الجلد والصوف فإذا دبغت تبين، فهذا يرد (2).

فصل

وقال مالك -في الجوز والرَّانج وهو الجوز الهندي-: هو مثل الخشب لا قيام فيه 181. وقال محمد: هذا فيما كثر كالأحمال، إلا أن يكون كله فاسدًا أو أكثره فله رده، وأما مثل الجوزتين والثلاثة فله رده, من الرانج كان أو غيره 182؛ لأنه179180

الجزء: 9 - الصفحة: 4425

يمكن أن يدير فيقدر على معرفته.
واختلف في القثاء والفقوس يوجد مرًّا؛ فقيل: لا رد له كالجوز، قيل لمالك: فأهل السوق يردونه، فأنكر ذلك ولم يرده على البائع 183. وقال أشهب -في كتاب محمد-: إن كان يوصل إلى معرفة مره بإدخال عود رقيق، فله الرد ما كان يشتري، مثل القثا والأسس، وأما الأحمال فلا ترد 184. قال محمد: إلا أن يكون أكثره مرًا 185؛ لأنه إذا كان هكذا لم يخف على بائعه.
وعلى قول الأبهري يرد، وإن لم يكن أكثره مرًّا.
قال أصبغ في كتاب ابن حبيب في لوز الحرير لا يعلم فساده حتى يدخله العمل-: فإن كان الفساد أصليًّا ليس بسبب حدث بعد تمامه، وكان لا يعرف حتى يدخله العمل لم يرد، وإن كان يعرف قبل العمل رد 186 وأما البيض فيقام بعيبه؛ لأن فساده يعلم قبل كسره، وهو قول مالك 187. فإن كان البائع مدلسًا رد ولا شيء عليه في كسره.
قال محمد: وإن كان غير مدلس لم يرده، ورجع فيما بين الصحة والداء 188. يريد: إذا كان ممروقا، وإن كان مما لا يجوز أكله فهو ميتة، يرد جميع الثمن دلس أو لم يدلس.

الجزء: 9 - الصفحة: 4426

وقال ابن القاسم -في كتاب محمد-: إن وجد مفسودًا وكان بحضرة البيع رد، وإن بعد أيام لم يرد؛ لأنه لا يدرى، أَفَسَدَ عند البائع أو المشتري 189؟

الجزء: 9 - الصفحة: 4427

باب في المشتري يغتل ثم يجد عيبًا وفي المشتري يستعمل بعد المعرفة بالعيب

وإذا اغتل المشتري في المبيع ثم أصاب عيبًا، رد المبيع وحده دون غلته، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "الخَرَاجُ بِالضَّمَانِ" وهذا حديث حسن السند، ذكره الترمذيُّ 190، وهذا إذا كان المبيع لا غلة فيه يوم البيع ولا يوم الرد، واغتل فيما بين ذلك وأخذ الغلة.
ويفترق الجواب إذا كانت فيه يوم الرد، أو كانت يوم الشراء، فإن اشترى شاة ولا صوف عليها، فصار ذلك عليها فجزها ثم وجد بها عيبًا، رد وكان له ما جز، وسواء جزه وقت جزازه أو قبل ذلك.
ويختلف إذا قام بالعيب قبل أن يجزه، هل يكون غلة بالتمام أو حتى يتعسل، أو يجز قياسًا على الثمار؟ وهل تكون غلة المشتري بالطيب أو باليبس أو بالجذاذ؟ فتمام الصوف يصير كالطيب في الثمار، والتعسيل كاليبس، والجزاز كالجذاذ، والتمام للطيب أحسن.
واختلف إذا اشتراها وعليها صوف قد تمَّ فجزه، فقال ابن القاسم: يرده إن كان قائمًا، ومثله إن كان فائتًا، وجعله مشترى 191. وقال أشهب: لا شيء عليه فيه، والأول أحسن؛ لأنه يزاد في الثمن لأجله فهو مشترى والمشتري بالخيار بين أن يغرم مثله أو قيمته؛ لأن خطبه قريب، كما قال في الجلد يستثنى: إنه يغرم مثله أو قيمته

الجزء: 9 - الصفحة: 4428

وإن وجد العيب بعد أن عاد عليها الصوف وتم، ردها ولاشيء عليه للصوف الأول؛ لأن هذا كالأول وهو في هذا أبين من جبر العيب بالولد؛ لأن الولد ليس بغلة وليس له حبسه، فكان جبره بما له حبسه أولى.
وإن احتلبها لم يغرم ذلك إذا لم تكن حين البيع مصراة، وإن كانت وقت الرد مصراة كان له أن يحتلبها ثم يرد؛ لأنه قد جمع ولم يبق إلا احتلابه كالجزاز أو الجذاذ، وكذلك إذا كانت يوم الشراء مصراة، فهو مبيع على الصحيح من المذهب.
واختلف إذا كانت نخلًاا شتراها ولا ثمرة فيها فنمت فينتظر بها ثمرتها، هل يكون غلة بالطيب أو باليبس أو بالجذاذ؟ والطيب أحسن، وقد تقدم ذلك.
واختلف إذا كانت فيها ثمرة مأبورة أو غير مأبورة فنمت وحدها ثم وجد عيبًا، فقال ابن القاسم: إن كانت مأبورة ردها وإن جذت، وإن فاتت رد المكيلة إن عُرِفَت، أو القيمة إن لم تُعْرَف، ورأى أنها مشتراة 192. وقال أشهب: لا شيء عليه فيها.
والثمار ها هنا أشكل من الصوف، فإن كان لا يتحسس لثمنها وقت البيع، ولا يزيد فيه أو يزيد الشيء اليسير الذي لا خطب له، كانت له بغير ثمن، وإلا كانت مبيعة، وأرى أن يمضي بما ينوبها من الثمن يوم البيع؛ لأنها نمت في ضمان المشتري.
وأصل مالك وابن القاسم في العيوب، أن لا يحملا على التهمة في البيع وإذا لم يتهما على أن يكونا أظهرا العيب في الرقاب، ليتوصلا إلى بيع الثمار قبل صلاحها، مضت بما ينوبها من الثمن يوم البيع، وإن كان ذلك مضت بما ينوبها

الجزء: 9 - الصفحة: 4429

من الثمن إذا هي طابت وإن لم يجذ.
وإن كانت غير مأبورة فنمت عند المشتري لم يكن لها قسط من الثمن.
ولأشهب -في كتاب الشفعة من كتاب محمد-: إن لها قسط من الثمن وإن كانت غير مأبورة (1)، وليس هو المعروف من المذهب.

فصل [في الانتفاع بالمعيب بعد معرفة العيب]

الانتفاع بالمعيب بعد معرفة العيب على ثلاثة أوجه: فإن كان فى دارًا أو حائطًا، كان له أن ينتفع بالغات في حالة المخاصمة، والغلات له حتى يحكم بالفسخ، فيجني الثمار ويأخذ غلة الدار، وليس عليه أن يخرج المكري ثم يخاصم، وكذلك إذا كانت للسكنى.
وإن كانت جارية أو ثوبًا لم يطأ ولم يلبسه بعد المعرفة بالعيب، ولا يطأ ما لا يختار إمساكه، ولأن اللباس ينقص الثوب والنقص ليس بغلة، فإن وطئ أو لبس كان رضًى ويسقط قيامه.
واختلف إذا كان عبدًا أو دابة، فاستخدم وركب بعد علمه بالعيب، أو بعد أن قام، أو كان في سفر، أو كان البائع غائبًا؟ فقال مالك: إذا كان البائع والمشتري حاضرين فقد سقط قيامه 194. وقال ابن حبيب: له ذلك حتى يحكم له بالرد 195. وهو أحسن؛ لأن له الخراج بالضمان وعليه النفقة، فلا يلزم بالاتفاق ويمنع من الانتفاع ومن الخراج.193

الجزء: 9 - الصفحة: 4430

واختلف قول مالك في كتاب محمد إذا علم بالعيب وهو في سفره، فقال مرة: يسقط قيامه.
ومرة: له أن يقوم وإن ركب، ولم يكن عليه أن يقودها ويكري غيرها.
قال: وليس عليه أن يكريها، وإن أكراها كان رضى (1). وعلى قول ابن حبيب يكريها، وعلى هذا يجري الجواب إذا وجد العيب بعد غيبة البائع، ولم يسافر هو، أن له أن يركب ويكري، حتى يقدم البائع، ولأن الرفع إلى القاضي مما يشق على الناس.

فصل [فيمن نقل المبيع ثم وجد به عيبًا]

واختلف إذا نقل المبيع ثم وجد به عيبًا، فقال محمد بن سحنون -فيمن اشترى خشبًا أو مطاحن، ثم وجد عيبًا دلس به البائع، بعد أن بان بها-: تنازع أصحابنا فيها، فقال قائلون: على المشتري ردها والكراء على ردها.
وقال آخرون: ذلك على البائع؛ لأن ذلك غرور، ولو علم المشتري ما نقلها.
وهو أحسن، وأرى عليه أن يغرم للمشتري ما كان نقلها به حين قبضها إلى أن أوصلها إلى داره.
واختلف أيضًا إذا لم يدلس بذلك البيع، فقال ابن حبيب -فيمن نقل ماله حمولة إلى بلد آخر، وإن تكلف رده إلى بلد البائع، جاء عليه غرم كثير في الكراء والمؤنة-: يرفع إلى سلطان ذلك البلد، فيسمع من بينته على الشراء، وأنه اشترى على بيع الإسلام وعهدته، يريد في الجارية ثم يأمر من يبيع ذلك على البائع، ويكون له فضله وعليه نقصانه 197. فعلى هذا يكون على البائع، إذا نقلت196

الجزء: 9 - الصفحة: 4431

في البلد نفسه، أن يقبض ذلك بحيث هو، وإن لم يدلس.
وعلى ما ذكره سحنون يكون نقله إلى البلد الآخر فوتًا، ويرجع المشتري بقيمة العيب، ولا يلزم البائع قبوله في البلد الآخر، وهو أحسن إلا أن يكون المبيع دابة أو عبدًا لا يتكلف في رجوعه كراء، والطريق إن رده مأمونة، فلا يكون نقله فوتًا.
ويختلف إذا وجد البائع في البلد الذي نقل إليه ما له حِمْل، فرضي البائع بقبضه، وقال المشتري: أنا أمسك وأرجع بالعيب؛ لأني غرمت في نقله ثمنًا، فعلى قول ابن حبيب ذلك للبائع، وروى أبو قرة عن مالك أنه قال: المشتري بالخيارة إن شاء رد، وإن شاء وضع عنه قدر العيب، وهو أحسن.
وقد اختلف في الغاصب ينقل ما له حِمْل، هل يكون له مقال لأجل الحمل؟ فالمشتري أحرى أن يكون له ذلك، فلا يلزم تسليم ما له حِمْل بالبلد الذي نقل إليه، إلا باجتماع منهما؛ لأن للمشتري مقالًا لما غرم في نقله، وللبائع مقال فيما يغرم في رده.
وإن كان لا حمل له، كان المقال للبائع إذا كان الطريق غير آمن، فإن كان آمنًا فلا مقال لواحد منهما.
وإن كان البائع مدلسًا وعالمًا أن المشتري ينقله ويسافر به، كان للمشتري أن يجبره على قبوله في الموضع الذي نقل إليه، ولا يراعي حمل ولا خوف.
وإن كان مما يكال أو يوزن، كان للمشتري أن يحبس هذا ويغرم المثل معيبًا في البلد الذي اشترى به، وله أن يسلمه ها هنا ويجبر البائع على قبوله إن كان مدلسا، وليس ذلك له إن لم يدلس.

الجزء: 9 - الصفحة: 4432

باب فيمن باع معيبًا وتبرأ من عيبه ولم يُبَيِّن جنسه، أو بَيَّنَه ولم يذكر قدره أو سماه مع غيره

ومن باع عبدًا أو تبرأ من عيب به أو جارية, أو ذكره ولم يذكر جنس العيب، لم يبرأ وكان البيع فاسدًا.
واختلف إذا سماه ولم يذكر قدره، أو تبرأ من السرقة والإباق ولم يذكر المعاني التي يسرق بها والمواضع التي يسرق منها أو يأبق إليها، أو تبرأ مِن كَيٍّ بالجارية أو بعرجها أو رتق بها، ولم يبن قدر هذا ولا صفة الآخر، أو كان بعيرًا فتبرأ من دبرته، ولم يبين قدر هذا ولا صفة الآخر وهل هو مخوف أو قليل أو كثير؟ فقال ابن القاسم: البيع جائز، فإن كان قليلًا لزم المشتري.
وإن كان كثيرًا، أو كانت سرقة الآخر من غير بيت سيده، يسرق الناس أو يثقب بيوتهم، أو يأبق الآخر إلى الشام أو إلى مصر والمشتري يظن أنه يأبق إلى العوالي، أو يكون رتق الجارية بعظم 198 أو ما يعالج، أو يكون الكي الشنيع، أو الدَّبَر مُنْغَلًا 199، فله الرد 200. وقال أشهب -في كتاب محمد -: إن لم يصف ذلك وقَدْر كل كية، فالبيع

الجزء: 9 - الصفحة: 4433

مفسوخ، وإن كان الدَّبَر يختلف ولم يبين قدرها وغورها فالبيع مفسوخ 201. وهو أحسن في هذا وفي جميع هذه العيوب، ولا أعلم يحمل ذلك على القليل وجهًا؛ لأن اللفظ لا يقتضيه ولا يفهم ذلك منه، وقوله في جميع هذه العيوب يدخل تحته القليل والكثير، ويحتمل أن يكون أراد أحدهما، وإذا كان ذلك كان البيع غررًا، وإذا سمى العيب وذكر معه عيوبًا ليست بالعبد ولا بالدابة، فقال: أبرأ إليك من كذا وكذا، فعَدَّ عيوبًا به أحدُها، لم يبرأ منه وذلك تلفيق على المشتري.
قال محمد: وكذلك إن قال: بها كذا وكذا عيبًا، وذكره مع غيره، لم ينفعه.
قال: ولا ينفعه إن انفرد، وقال: أبيعك بالبراءة من كذا حتى يقول ذلك به، ولا يخلطه بغيره 202. وأرى إذا أفرده أن يبرأ وإن لم يقل أنه به، وإنما لم تنفع البراءة إذا ذكر عيوبًا كثيرة؛ لأن العادةَ أنَّ النخاسين يفعلون ذلك فيما ليس، إرادةَ الاحتياطِ أو لا يُقام بشيءٍ.

الجزء: 9 - الصفحة: 4434

باب في البيع على البراءة, وما لا تصح منه البراءة أو تصح

واختلف في ذلك في خمسة مواضع، هل تجوز البراءة من العيوب القديمة؟ واذا أجيزت، هل ذلك في جميع المبيعات أو في بعضها؟ وهل يجوز ذلك فيما قرب ملك بائعه له، أو حتى يطول ملكه له؟ وهل تصح البراءة من كثير العيب أو لا تجوز إلا من قليله؟ وهل تجوز من جميع البائعين، أو من بعضهم دون بعض؟ فقال مالك مرة: لا يجوز بيع البراءة ولا يبرأ البائع، أي صنف كان المبيع.
وقال أيضًا: يجوز في كل المبيعات 203. وقال ابن حبيب: يجوز ذلك في كل شيء، الرقيق والحيوان والعروض 204. وبه حكم عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان ومروان بن الحكم، وعمل به عبد الله بن عمر، وقال به مالك في أول زمانه، وأخذ به ابن وهب وغيره ثم رجع فقال: لا يجوز ذلك إلا في الرقيق وحده 205. وقال مالك -في كتاب محمد-: يجوز في الرقيق والحيوان دون غيرهما 206. واختلف بعد القول بالمنع إذا وقع البيع بشرط البراءة، فقال أشهب -في كتاب محمد-: إن وقعت البراءة في الحيوان لم أفسخه، ويفسخ في العروض إلا أن يتفاوت ويتباعد فلا يفسخ.
قال محمد: وابن القاسم يخالفه ويقول: الشرط

الجزء: 9 - الصفحة: 4435

باطل 207. والقول بفسخ جميع ذلك وأنه غرر أحسن.
وقال مالك: لا أحب البراءة في رأس لم تطل إقامته عنده ولم يختبره 208. وقال في المدونة: لا أرى البراءة تنفع في بيع الميراث ولا غيره، ومن ذلك: الرجل يأتيه الرقيق قد جلب إليه فيقول: أبيعكم بالبراءة ولا علم لي، فقد صدق فلا علم له ولم يكشف ثوبًا، فهو يريد أن يذهب بأموال الناس بهذا الوجه، فلم أر البراءة تنفعه 209؛ لأنه لم تطل إقامته.
وقال ابن القاسم: الذي آخذ به أنَّ كلَّ رأس يُعْرَف أنه كان يختبره، فالبراءة تنفعه 210. وقال أشهب: إن وقعت البراءةُ في رأسٍ لم تطل إقامته ولم يختبره لم أفسخه 211. وقال ذلك عبد الملك بن الماجشون، قال: وقد يبيع الورثةُ ما ورثوا، ومنهم الغائب والقاصي فلم يطلع فيبيع مكانه فيكون بيعُه بيعَ براءةٍ 212. وأما القدر الذي تصح البراءة منه، فقال مالك -في كتاب محمد -: ليس فيه حدٌّ لصغرِ عيبٍ ولا لِكِبرِه 213. وقال -في كتاب ابن حبيب-: يبرأ وإن أتى العيب على جُلِّ ثمنه 214. وعن المغيرة أنه قال: إن جاوز العيب ثلث ثمنه،

الجزء: 9 - الصفحة: 4436

رد 215. وقال ابن القاسم عن مالك: أنه رجع إلى أنه لا يجوز إلا أن يكون خفيفًا 216. يريد: أنه كان يجيزه وإن كان كثيرًا.
وأما مراعاة البائعين فساوى بينهم في الإجازة والمنع مرة، وفرق مرة فأجازه إن كان بيع السلطان للغرماء ولأهل الميراث؛ لأن الديون تقضى والوصايا تنفذ 217، وقال أيضًا: إنما كانت البراءة لأهل الديون يفلسون، فيبيع السلطان عليهم 218. وذكر ابن القاسم: أنه اختلف قوله في بيع السلطان 219، قال سحنون: وكان قوله القديم في بيع الرقيق بيع ميراث، وبيع سلطان على من قد فلس: إن أصاب بهم عيبًا أو ماتوا في الأيام الثلاثة، أو أصابهم جنون أو جذام أو برص في السنة، لزم المشتري.
يريد: أنه اختلف قوله في ذلك وإن كان بيع سلطان.
وقال أيضًا -فيمن فلس فاشترى رجل من السلطان عبدًا، فأصاب به عيبًا-: رده على الغرماء.
فأما إجازته البراءة في سائر المبيعات، ومن جميع البائعين، وفي قليل العيب وكثيره، فاستسلامًا لما ذكره ابن حبيب من العمل.
ومنع ذلك جملة في القول الآخر؛ لأنه غرر، يقول: إن كان سالمًا فلك، وإن كان معيبًا فعليك.
ومعلوم أن ثمن المعيب غير ثمن السالم، فقدم

الجزء: 9 - الصفحة: 4437

القياس.
وفرق في القول الآخر بين القليل والكثير، لعظم الغرر في الكثير، وخفته في اليسير.
وفرق بين الحيوان وغيره؛ لأن الغالب من الحيوان أنه يُطَّلَع على عيبه، فالعبد يذكر ما يجده أو يظهر المرض عليه، والدابة يظهر ما يرى من كللها أو قلة أكلها، والغالبُ إذا لم يظهر ذلك السلامةُ، وليس كذلك الثوب إذا كان مطويًّا، فلا يدري البائع ولا المشتري على ماذا وقع البيع، فرأى أنَّ الغررَ ينتفي عن الحيوان والرقيق، ورأى مرة أن ذلك يعلم من الرقيق؛ لأنه يخبر عن نفسه بخلاف غيره من الحيوان.
وقال أبو محمد عبد الوهاب: وجه التفرقة أن الرقيق يخفون عيوبهم، فلا يصل المالك إلى علم ذلك، وسائر الحيوان بخلافه؛ لأنه لا قدرة له على كتمان عيوبه 220. فعكس العلة وليس كذلك.
وقد أبان مالك وجه المنع، فقال -في كتاب محمد-: إنما رأيت أن لا تنفع البراءة في الثياب والحيوان؛ لأنه مما لا تستطاع معرفته 221. وقال: لا أحب البراءة في رأس لم تطل إقامته ولم يخبره 222. ولا شك أن الغررَ فيما لا يكتم عيوبه وطال ملكه فلم يعلم منه عيبًا أخفُّ مما يكتم عيوبه ولم تطل إقامته.
وأما تفرقته بين بيع الإنسان لنفسه، وما يقسم ثمنه للغرماء والوصايا، فلأن فيه ضربًا من الضرورة، وكل هذا في تفرقته بين ما تمكن معرفة عيبه وغيرها وبين ما يفرق ثمنه أو لا يفرق - جنوحٌ إلى تقدمة القياس، وأن ما كان

الجزء: 9 - الصفحة: 4438

عليه العمل ليس على عمومه، وأنه في بعض التملكات مما يرتفع فيه الغرر أو الضرورة.
وأما البراءة من عهدة الثلاث، أو السنة فهو أخف؛ لأن حمى الرِّبْع من النادر، وكذلك الجنون والجذام والبرص، ولو علم من رجل الصلاحَ والخيرَ.
فقال- فيما طال ملكه لم أختبره وما علمت فيه إلا خيرًا، أو باع على البراءة، لجاز في جميع المبيعات، حسبما ذكر عن الضرر الأول.
قال مالك: إن لم يعلم المشتري أنه بيع ميراث أو بيع سلطان حتى استوجبه، كانت له العهدة إلا أن يستفاق لذلك، فَيُخَيَّرُ المشتري إن شاء أخذه بالعهدة، وإن شاء رد مكانه 223. وأرى إن علم المشتري أنه بيع سلطان أو ميراث، أو جهل أن ذلك بيع براءة، أن تكون له العهدة، ولا أرى أن يبيع السلطان بالبراءة حتى يسأل الذي يباع عليه، هل علم به عيبًا أم لا؟ فإن قال: لا عيب به، ثم قال بعد البيع: علمت فيه ذلك العيب، لم يصدق.
وإن لم يسأل عنه ولم يعلم بالعيب، صدق.
وإن كان حاضرًا للبيع ولم يسأل ولم يذكر أنه عالم بالعيب، وهو عالم أن البيع بيع براءة إلا ما علمه، لم يصدق وإن كان يجهل أن ذلك بيع براءة، وقال: سكت وأنا عالم بالعيب، بمنزلة لو كنت أنا البائع لنفسي دلست به، يحلف ورد البيع وانتزع من الغرماء الثمن.
وقال ابن القاسم -فيمن اشترى عبدًا من مال رجل قد فلسه السلطان- قال: قال مالك: يرده على الغرماء 224. وهذا أحد قوليه أنه لم يرَ بيعَ السلطان

الجزء: 9 - الصفحة: 4439

بيعَ براءةٍ، ولا تصح البراءة فيما علمه البائع أو السلطان أو الوصي، وللمشتري أن يرده إذا لم يصدق المفلس أنه كان عالمًا بالعيب.
ولم يكن للمشتري أن يرد على الغرماء، على أحد قولي مالك أنه بيع براءة، فإن له أن يرده على البائع ويباع له على ملك المفلس، ويتبعه بما عجز متى أيسر.
ومن باع عبدًا بالبراءة ثم وجد المشتري عيبًا قديمًا، كان له أن يحلف أنه لم يعلمه، قال محمد: فإن نكل رد عليه 225. قال مالك -في العتبية-: ولو شرط لا يمين عليه كان له شرطه 226. يريد: إلا أن يكون العيب مما لا يخفى على البائع في المدة التي كان عنده فيها، وعلمه المشتري بالقرب، رده.
واختلف في العيب المشكوك فيه، فقال ابن حبيب: لا يمين على البائع، خفيًّا كان أو ظاهرًا 227. وقال ابن القاسم -في العتبية-: يحلف فإن نكل رد من غير يمين على المشتري 228. وأرى أن يحلف ويرد الثمن إن نكل.
وقال مالك -فيمن اشترى عبدًا بالبراءة، وباعه على العهدة ولم يخبر أنه اشتراه بالبراءة-: فللمشتري أن يرد إن أحب 229. وقال -في العتبية-: لا بأس بذلك، ومن ابتاع على العهدة فلا يبيع على البراءة 230. وإنما منع أن يبيع على البراءة إذا اشترى على العهدة؛ لأنه لا يحسن أن يكون ذلك المبيع من المشتري الآخر، إن حدث به جنون أو جذام أو برص، ويرجع هو بجميع الثمن فيكون

الجزء: 9 - الصفحة: 4440

قد أخذ فيه ثمنين، أو بقيمة العيب على القول الآخر.
وكذلك في عهدة الثلاث إذا اشترى على العهدة، ثم باعه من يومه بالبراءة، فيموت في الثلاث فيبقى في يديه ثمن الثاني، ويرجع على الأول بالثمن الذي دفع إليه.
وقال ابن القاسم -فيمن ابتاع عبدًا على البراءة ثم باعه على العهدة، ثم وجد الثالث عيبًا-: رده على الأوسط وليس على الأول إلا يمينه 231. وقال ابن كنانة -في عبد تداوله ثلاثة نفر بالبيع على البراءة، فوجد الآخر عيبًا كان عند الأول-: حلف الأوسط أنه ما علمه وليس بين الآخر والأول عمل.
وقاله ابن القاسم 232. ولم يختلف في العلي من الجواري وسواء في ذلك بيع السلطان أو غيره، إلا أن تكون ملكًا لامرأة أو صبي أو بيعت في السبي.

الجزء: 9 - الصفحة: 4441

باب في عهدة ما يبيعه الرجل لغيره كالوكيل والوصي والقاضي

البائع لغيره سبعة: سمسار، ووكيل على معين، ووكيل مفوَّض إليه، ومبضع معه، ومقارض، وشريك في معين، وشريك مفوض.
فأما السمسار يستحق ما باعه، أو يوجد به عيب فلا عهدة عليه، والتباعة على المبيع له إن عرف، وإن لم يعرف كانت مصيبة ذلك من المشتري.
وأما الوكيل على شيء بعينه، فعليه التباعة إن لم يبين أنه وكيل، فإن بَيَّن فلا شيء عليه.
وكذلك الوصي يبيع على من يلي عليه النفقة، أو لبعض مؤنه ويبن ذلك فلا تباعة عليه، وإنما يرجع في عين ذلك الثمن إن وجد قائمًا، فإن أنفقه على من يلي عليه لم يكن عليه شيء، وأجيز البيع على هذه الصفة، أنه متى وجد عيبًا أو استحق المبيع بعد إنفاق الثمن على اليتيم، أن لا شيء له للضرورة.
وبيع القاضي كبيع الوصي في أن لا تباعة عليه.
ويفترق الجواب فيمن صرف إليه الثمن، فإن كان البيع للإنفاق على الأيتام أو للصدقة، رجع على من قبض الثمن إن كان قائمًا في الاستحقاق والعيب، وإن أنفقوه لم يرجع عليهم بشيء.
ولو اشترى به رقبة وأعتقت، كان في رد العتق قولان: فقال -في كتاب الوصايا من المدونة-: يرد العتق 233. وقال -في كتاب محمد-: لا يرد ويغرم الوصي 234. والأول أحسن، وإن كان

الجزء: 9 - الصفحة: 4442

البيعُ لإنفاذِ ديونٍ على مفلسٍ، رجع على الغرماء كان المال قائمًا أو استهلكوه أو ضاع منهم.
وبيعُ العاملِ في القراض كبيعِه لملك نفسه, وهذه العادة أنه إنما يعامل على ذمته، فإن هلك ذلك المال رجع على ذمته، وكذلك إن دفع المال إلى صاحبه، كان المشتري بالخيار بين أن يتبع العامل أو صاحب المال، ما لم يجاوز ما قام به المال الذي رجع إلى صاحبه، فليس له إلا ما رجع إليه، ويتبع العامل بالعاجز.
وبيعُ الشريكِ إذا كانت الشركةُ في شيء بعينه، وأخبر حين البيع أنه بينه وبين فلان، كان كبيع من تقدم إذا كان وكيلًا على معين، لا شريك فيه ولا تباعة عليه في نصيب شريكه.
وإن كانت الشركة في غير معين، كان بمنزلة من باع ملك نفسه، فللمشتري أن يرد عليه ويأخذ جميع الثمن.
وإن تجر الوصي ليتيمه اتبعت ذمته، كالوكيل المفوَّض إليه والعاملِ بالقراض، وهو في هذا بخلاف ما يبيعه للإنفاق على اليتيم؛ لأن هذا ضرورة، وهذا لا ضرورة فيه.
ويفترق الجواب أيضًا في تعلق اليمين على من لا عهدة عليه في اليمين، فيسقط في الاستحقاق إلا أن يقوم دليل تهمة أنه كان عالمًا، وتسقط اليمين في العيب عَمَّن هو معروف بالسمسرة.
واختلف في الوكيل إذا باع وأخبر أنه وكيل، فقال -في المدونة-: يحلف 235. وقال -في كتاب محمد-: لا يمين عليه 236؛ لأنه لو أقرَّ أنه كان عالمًا بالعيب لم يرد البيع.
وأما المفوض إليه والمقارض وأشباههم فعليهم اليمين.
واختلف بعد تسليم القول بوجوب اليمين إذا اشترط ألا يمين عليه؛

الجزء: 9 - الصفحة: 4443

فقال مالك -في كتاب محمد، فيمن وَكَّل على بيع سلعة فباعها على أن لا يمين عليه، ثم وجد بها عيبًا- فقال: لولا أني أقطع السُّنَّة لرأيت ذلك 237، قد استحلف عثمانُ عبدَ الله بنَ عمر.
وأما الرجل الوصي المأمون الذي يعرف بالحال، وأنه يقول: لا أحب أن أحلف لقوم آخرين، فأرى ذلك له، ولولا أن السنة في ذلك اليمين لرأيت ذلك، ثم قال: أما الوصي والوكيل فذلك له 238. وبهذا أخذ محمد.

الجزء: 9 - الصفحة: 4444

باب في عهدة الثلاث

عهدة الثلاث تصح في الرقيق خاصة دون سائر الحيوان، وقال ابن وهب: أخبرني مسلمة بن علي، عن رجل، عن عقبة بن عامر الجهني قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "عُهْدَةُ الرَّقِيقِ أَرْبَعَةُ أَيَّامٍ، أَو ثَلاَثَةٌ" 239، شك أيّ ذلك قال.
وقد قيل: ذلك لحمى الرِّبْع، فإن كان ذلك فقد يحمل الحديث على ما كان بالمدينة من الحمى قبل أن يدعو النبي - صلى الله عليه وسلم - أن تنتقل إلى الجحفة، فإن اشترط المشتري عهدة الثلاث وكانت تلك العادةَ، حُمِل عليها.
واختلف إذا شرط إسقاطها أو كانت تلك العادة فقيل: البيع جائز ولا عهدة بينهما.
وقيل: الشرط باطل ورآه شرطًا فاسدًا لا يوفى به، وإذا كان فاسدًا كان البيع فاسدًا، على القول في الشرط هل يفسد لأجله البيع؟ وأرى البيعَ جائزًا ولا عهدةَ له؛ لأنَّ الغالبَ السلامة، وغير ذلك نادرٌ، وإذا بيع على العهدة كانت المصيبة والعيوب الحادثة في الثلاث، العهدة من البائع، أيّ عيب كان، كالأمة توقف للاستبراء، فيحدث بها عيب ثم يتبين أن لا حمل بها كانت من البائع، ولو قيل في الأمة: إنها من المشتري، لكان وجهًا.
واختلف إذا وجد العبد بعد الثلاث ميتًا أو به عيب، ولا يدرى كان ذلك في الثلاث أو بعد، فقال مالك: هو من البائع حتى يعلم أنه خرج من الثلاث سالمًا 240. وقال ابن القاسم: هو من المشتري حتى يعلم أنه مات أو أصابه ذلك

الجزء: 9 - الصفحة: 4445

في الثلاث 241. والأول أقيس؛ لأن الأصل أنه في ضمان البائع، ووجوده بعد الثلاث على ذلك مشكوك فيه، فلا ينقل عن ضمان الأول بشك، إلا أن يقال: لو مات في الثلاث لتغير.
واختلف إذا تبرأ من الإباق فأبق في الثلاث، فقال مالك -في المدونة-: هو من البائع 242. وفي كتاب محمد: هو من المشتري 243. وهذه أشكل من التي قبل؛ لأنه على الحياة وعلى السلامة، حتى يعلم غير ذلك، والأول وجد ميتًا أو معيبًا.
وإذا كان من البائع، كان للمشتري أن يرجع بالثمن بعد الاستيناء عند ابن القاسم 244. وقال سحنون: لا يستأنى بذلك.
والأول أصوب؛ لأن الأمرَ مشكلٌ، فلا يعجل ويتربص.
وقال محمد: إن ترادا الثمن ثم وجد العبد لزم البائع، وقد انتقض البيع 245. وأرى أن يرجع إلى ما كشف الغيب ويلزم المشتري ولا ينتقض البيع.

الجزء: 9 - الصفحة: 4446

باب في عهدة السنة

عهدة السنة من ثلاثة عيوب: الجنون والجذام والبرص.
والجنون على وجهين: أحدهما: ما كان من سبب الطباع وفسادها.
والثاني: ما كان من مس الجان.
وأيّ ذلك كان فإنه يرد به، وهذا الظاهر من المذهب، وسواء كان الجنون أمرًا لازمًا، أو يذهب المرة ويجيء المرة، كان مطبقًا أو وسوسة.
واختلف إذا كان ذهاب العقل من جناية آدمي، أو أمر دخل عليه مما يعلم أنه محدث، فقال ابن القاسم: إن ضرب رأسه فذهب عقله، لا قيام في ذلك 246. وقال ابن وهب: إن ذهب عقله من ضربة أو من تَعَدٍّ أو علاج، فهو من البائع 247. وقال ابن الماجشون: هو من المشتري، إلا أن يعلم أن ذهاب عقله من مس خالطه مع الضرب أو التردي 248. وقول ابن القاسم أصوب؛ لأن هذه عيوب محدثة، ولا مقال للمشتري فيما حدث عنده ولم يكن أصله عند البائع، وإنما وجب الرد بهذه العيوب الثلاثة لقدمها، وتقدم ما عند البائع من فساد وتعفن فيحدث كيموسًا 249 رديئًا، فيفسد عقل هذا، ويجذم هذا، ويبرص هذا.

الجزء: 9 - الصفحة: 4447

وأرى أن ذلك لا يسرع ظهوره، وإن ظهر في السنة كان دليلًا على قدمه، وما حدث عن الضربة أو التردي والعلاج فخارج عن هذا.
ولا أرى أن يرد لما حدث من مس الجان بحال؛ لأنه محدث وخارج عما قاله القوم: إن الردَّ بتلك العيوب لقدمها، إلا أن يكون هناك إجماعٌ.
ويرد من قليل الجذام والبرص، ولا يرد من حُمرة ولا من جَرب وإن تسلخ؛ لأنه ليس بجذام، ولا من البهق؛ لأنه ليس ببرص.
واختلف إذا كانت بداية الجذام والبرص في السنة 250، واستحقاقه في السنة الثانية، فقال ابن كنانة وابن القاسم: لا يرد.
وقال ابن وهب وأشهب: يرد 251 وأرى أن يرجع في ذلك إلى ما يقوله أهل المعرفة بالطب، فإن قالوا: لا يصح أن يكون أصله قبل البيع فتخرج السنة إلا وقد استحق، لم يرد وحمل على أنه حادث، وكذلك إن أشكل الأمر عندهم، ويصح الرد بما يحدث من الجذام والبرص في السنة الثانية أو أبعد من ذلك إذا كان ذلك بأحد أبويه؛ لأنه لا يؤمن ظهور مثله بالابن وإن بعد سنين.
وإن جن في السنة ثم ذهب فيها، كان للمشتري أن يرد؛ لأنه لا تؤمن عودته 252. واختلف في الجذام والبرص إذا ذهب بعد ظهوره، فقال ابن القاسم: لا يرد، إلا أن يقول أهل المعرفة: لا تؤمن عودته 253. وقال ابن حبيب: يرد؛ لأنه لا يؤمن كالجنون 254.

الجزء: 9 - الصفحة: 4448

فصل [فيمن أعتق أو أولد الأمة في السنة ثم ظهر جنون أو جذام أو برص]

اختلف إذا أعتق المشتري العبد، أو أَوْلَدَ الأمة في السنة، ثم ظهر بها جنون أو جذام أو برص، فقال ابن القاسم -في كتاب محمد-: لا يرجع المشتري بشيء، وأرى أن ذلك رضًا بإسقاط العهدة 255. وقال -في كتاب ابن حبيب-: يرجع.
وقاله ابن كنانة وأصبغ 256. واختلف بعد القول: إن له القيام، فقال ابن القاسم -في كتاب محمد-: لا يرجع المشتري بشيء.
ورأى أن ذلك رضًا من المشتري بإسقاط العهدة وقال في كتاب ابن حبيب: يرجع بالثمن كله.
-وقال مرة: يُرَدُّ العتقُ- 257. وقاله ابن كنانة في العتبية 258. وقال أصبغ: يرجع بقيمة العيب 259. وهو أحسن؛ لأن البائع غير مدلس، ولا يعد ذلك منه رضًا بإسقاط العهدة؛ لأنه لا يختلف أن المشتري غير ممنوع من الوطء والإيلاد والعتق لأجل عهدة السنة، ولو اشترى على أنه ممنوع من ذلك لكان بيعًا فاسدًا.
وقد يحمل القول في الرجوع بجميع الثمن، أن العبد بعد عهدة العيوب لا ثمن له.

الجزء: 9 - الصفحة: 4449

فصول الكتاب · 100 فصل
فصول التبصرة للخمي
المقدمةكتاب الطهارةكتاب الصلاة الأولكتاب الصلاة الثانيكتاب الجنائزكتاب الصيامكتاب الاعتكافكتاب الزكاة الأولكتاب الزكاة الثانيكتاب الحج الأولكتاب الحج الثانيكتاب الحج الثالثكتاب الجهادكتاب الصيدكتاب الذبائحكتاب الضحاياكتاب العقيقةكتاب الأطعمةكتاب الأشربةكتاب الأشربةكتاب النذور والأيمانكتاب النكاح الأولكتاب النكاح الثانيكتاب النكاح الثالثكتاب الرضاعكتاب العدة وطلاق السنةكتاب المفقودكتاب الظهاركتاب الإيلاءكتاب اللعانكتاب إرخاء الستوركتاب الأيمان بالطلاقكتاب التخيير والتمليككتاب الصرفكتاب السلم الأولكتاب السلم الثانيكتاب السلم الثانيكتاب السلم الثالثكتاب التفليسكتاب اللقطةكتاب المأذون له في التجارةكتاب حريم الآباركتاب الشفعةكتاب الهبةكتاب الحبس والصدقةكتاب الصدقة والهبةكتاب الوصايا الأولكتاب الوصايا الثانيكتاب العتقكتاب العتق الأولكتاب العتق الثانيكتاب المدبركتاب المكاتبكتاب أمهات الأولادكتاب الولاء والمواريثكتاب بيع الآجالكتاب البيوع الفاسدة وما يفيتهاكتاب البيوع الفاسدة وما يفيتهاكتاب العراياكتاب التجارة إلى أرض الحربكتاب التدليس بالعيوب
باب في منع التدليس بالعيوب والحكم فيه إذا نزلفصل [فيمن باع عبدًا ودلس فيه بعيب]باب فيمن اشترى عبدين فأصاب بأحدهما عيبًا، أو استحق أو اشترى طعامًا فوجد به عيبًا، أو استحق بعضه، أو شاتين فوجد إحداهما غير ذكية أو خلًّا فوجد بعضه خمرًافصل [في الاستحقاق]فصل [في استحقاق الأقل أو النصف]فصل [فيمن اشترى ثوبين بطعام فاستحق أحدهما أو وجد به عيبًا]باب فيمن اشترى سلعة أو عبدًا فهلك بيد البائع، أو شيئًا مما يكال أو يوزن فهلك قبل الكيل والوزن، أوبعد كيله ووزنه وقبل أن يفرغ في وعاء المشتريفصل [في المبيع يهلك بيد البائع أو المشتري أو المشتري الأجنبي]فصل [في هلاك ما يوزن أو يكال قبل الكيل أو الوزن أو بعده]فصل [فيمن اشترى سلعة ثم علم بها عيبًا بعد هلاكها]باب فيمن اشترى سلعة أو عبدًا، فباع أو وهب أو تصدق أو أعتق أو أجرى أو رهن، ثم أصاب عيبًافصل [فيمن اشترى عبدًا ثم اشتراه الذي باعه منه فوجد به عيبًا]فصل [فيمن اشترى عبدًا فباعه منه أجنبي ثم اشتراه فوجد به عيبًا]باب فيمن اشترى جارية فزوجها فولدت ثم وجد بها عيبًافصل [في بيعه وهو مريض فصح، أو هزيل فسمن، أو العكس]فصل [في المشتري يرد ما اشتراه بعيب ورجع في الثمن]باب فيمن باع عبدًا من رجلين، فأصاب به عيبًا، أو باع أحدهما نصيبه من صاحبه أو من غيره ثم أصاب العيبباب فيمن اشترى عبدًا على صفة فوجد غيرهاباب فيمن باع عبدًا وبه عيب فهلك منه, أو تقاصَّا به وهو في يديه أو يدي غيرهباب فيمن قام بعيب في غيبة البائع أو ادعى أن البيع فاسدباب في المكاتب يبتاع أو يبيع ثم يعجز فيوجَد بذلك المبيع عيب والعبد المأذون له يبتاع أو يبيع ثم يعجز عليه فيوجد العيبباب فيمن اشترى دارًاً فوجد بها عيبًا أو جاريةفصل [فيما يكون عيبًا في العبيد والإماء, وما لا يكون]باب جامع العيوبفصل [في إجماع أهل المعرفة واختلافهم في الرد بالعيب]فصل [في صفة اليمين في العيب المشكوك فيه]فصل [في صفة اليمين على ما خفي من العيوب وما كان ظاهرًا لا يخفى]فصل [فيمن اشترى عبدًا فقام فيه بسرقة أو إباق]فصل [في الصهوبة وهل هي من العيوب؟]فصل [في أن من العيوب ما تختلف الأغراض فيها وقال مالك والبخر عيب]فصل [في العيوب يكرهها المشتري ولا تحط من الثمن]باب فيمن اشترى معيبًا قد ذهب قبل القيام به، أو بعد القيام وقبل الحكم أو ذهب عند البائع وقبل الشراء، أو كان العيب بأحد الآباءباب في العيوب في العروض والطعام والمكيل والجزاف وما لا يقام فيه بعيبفصل [فيمن اشترى توبًا وصبغه ثم وجد به عيبًا]فصل [في المشتري يجد في المبيع عيبًا وكان مما يكال أو يوزن]فصل [فيمن اشترى شعيرًا وشرط أنه يريده للزراعة]فصل [في الرد بالعيوب الباطنة في بعض السلع كالخشب والجلود وأشبهها]فصلباب في المشتري يغتل ثم يجد عيبًا وفي المشتري يستعمل بعد المعرفة بالعيبفصل [في الانتفاع بالمعيب بعد معرفة العيب]فصل [فيمن نقل المبيع ثم وجد به عيبًا]باب فيمن باع معيبًا وتبرأ من عيبه ولم يُبَيِّن جنسه، أو بَيَّنَه ولم يذكر قدره أو سماه مع غيرهباب في البيع على البراءة, وما لا تصح منه البراءة أو تصحباب في عهدة ما يبيعه الرجل لغيره كالوكيل والوصي والقاضيباب في عهدة الثلاثباب في عهدة السنةفصل [فيمن أعتق أو أولد الأمة في السنة ثم ظهر جنون أو جذام أو برص]
كتاب البيع على الصفةكتاب البيع على الصفة أو على رؤية تقدمتكتاب الاستبراءكتاب بيع الخياركتاب المرابحةكتاب الوكالاتكتاب الصلحكتاب المساقاةكتاب الجوائحكتاب الشركةكتاب تضمين الصناعكتاب الجعل والإجارةكتاب كراء الدور والأرضينكتاب الرواحلكتاب القراضكتاب الأقضيةكتاب الشهاداتكتاب الشهادات الثانيكتاب المديانكتاب الحجركتاب الحمالةكتاب الحوالةكتاب الرهنكتاب الغصبكتاب الاستحقاقكتاب القسمكتاب الوديعةكتاب العاريةكتاب العاريةكتاب القطع في السرقةكتاب القطع في السرقةكتاب المحاربينكتاب الرجمكتاب القذفكتاب الحدود (1) في القذفكتاب الجناياتكتاب الجراحكتاب الجراحكتاب الديات
جارٍ التحميل