كتاب الاستحقاق
النسخ المقابل عليها 1 - (ف) = نسخة فرنسا رقم (1071) 2 - (ف 2) = نسخة القرويين رقم (370) 3 - (ق 9) = نسخة القرويين رقم (369)
الجزء: 12 - الصفحة: 5829
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وصلي الله علي سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا دائمًا إلى يوم الدين
كتاب الاستحقاق
باب فيمن اشترى أرضًا فبناها ثم استحقت
وقال مالك فيمن اشترى أرضًا فبناها، ثم استحقت كان المستحق بالخيار، فإن أحب أخذها وأعطى المشتري قيمة بنائه، وإن أبى قيل للباني: أعطه قيمة أرضه براحًا، فإن أبى كانا شريكين، هذا بقيمة بنائه وهذا بقيمة أرضه 1. وقد اختلف في هذه الوجوه الثلاثة، هل يكون على المستحق قيمة البناء، أو ما زادت قيمته؟ وإذا لم يرض بأخذ البناء وسلم الأرض، هل يكون على الباني قيمتها يوم الحكم أو يوم كان بنى؟ وإذا لم يرض أن يسلم الأرض، ولا أن يعطيه قيمة البناء، هل يجبر على أن يأخذ قيمته أو يكونا شريكين؟ فقال مالك: له عليه قيمة البناء 2، وقال في العتبية: عليه قيمة ما أنفق 3. قيل: له قيمة البناء أو نفقته؟ فقال: بل نفقته 4. وقال محمد بن مسلمة: عليه ما زاد
الجزء: 12 - الصفحة: 5831
البناء، وإن لم يزد، فلا شيء له.
وأرى أن يكون عليه الأقل من قيمة البناء وما زاد، فإن كانت قيمتها أقل أخذها فكان قد أخذ قيمة سلعته، فإن كانت الزيادة أقل لم يكن له غيرها؛ لأن الأرض أصل وصاحبها يقول: قيمة أرضي اليوم براحًا مائة، وهي قائمة العين لم يذهب منها شيء، وقد كنت قادرًا على أن آخذ فيها ذلك الآن فليس لك إلا ما زاد على المائة، وإن لم يزد فليس لك شيء، فإن رضي أن يسلمها ولا يدفع قيمة البناء كان له قيمة الأرض الآن.
وقال أشهب في المجموعة: له قيمتها يوم كان بناها 5 والأول أبين؛ لأن البناء يفيتها على صاحبها وقد كان له أن يأخذها.
قال مالك: فإن امتنع المستحق من دفع قيمته أخذ قيمة الأرض، وقال أيضًا: ليس ذلك للباني ويكونا شريكين 6. وهذا أصوب؛ لأن المستحق يقول: أنت وان كنت بنيت بشبهة، فليس ذلك مما يوجب عليَّ أن أشتريه منك، أو أخرج لك من ملكي؛ ولأنه لا يخالف أنه لو وقع ثوب في صبغ لرجل، ولم يرض صاحب الثوب أن يدفع قيمة الصبغ، أنه ليس لصاحب الصبغ أن يدفع قيمة الثوب جبرًا، وإذا لم يكن ذلك له، مع كون ذلك من غير سببه كان إذًا من سببه، وهو مخطئ على ملك غيره أبين، ثم يكون شريكًا بالأقل من قيمة البناء أو ما زادت القيمة.
وإن استحق نصف الأرض ودفع العِوض عن البناء، كان له الشفعة في النصف الآخر.
واختلف إذا لم يضمن وكانا شريكين، هذا بقيمة الأرض وهذا بقيمة
الجزء: 12 - الصفحة: 5832
البناء، هل يسقط من الشفعة بقدر ما سلم من الأرض عوضًا عن البناء لأنه بائع له؟
وأرى ألا شفعة له إذا سلم الأرض وأخذ القيمة؛ لأنه قد باع ما يستشفع به ولم يبق له في الأرض شيءٌ وألا يسقط من شفعته شيءٌ إذا لم يضمن وكانا شريكين؛ لأنَّ الشفعة تجب في الشيء الكثير بالجزء اليسير.
وقال عبد الملك بن الماجشون في ثمانية أبي زيد في أرض بين شريكين بنى أحدهما بعضها قبل القسم: فإنها تقسم 7. يريد: على أن لا بناء فيها.
قال: فإن وقع البناء في نصيب الآخر أعطى قيمته مقلوعًا.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: ولو كان البناء فيما لا يحمل القسم لكان شريكًا بقيمته قائمًا، ومن دعا إلى البيع بيع جميعها على حالها من البناء والإصلاح، فيكون الزائد لمكان البناء للباني وما سواه بينهما، كما قيل في المركب يكون للشريكين فيصلحه أحدهما أن له ما زاد الإصلاح 8.
الجزء: 12 - الصفحة: 5833
باب فيمن استاجر أرضًا فزرعها أو غرس فيها (1) أو بنى ثم استحقت
10 وقال ابن القاسم فيمن استأجر أرضًا سنين على أن يسكن، أو يزرع، أو يغرس، أو يبني، ففعل، ثم استُحقت الأرض قبل انقضاء أجل 11 الإجارة والمكري مشتر: إن الكراء له بالضمان إلى يوم الاستحقاق إن كانت للسكنى، وإن كانت للزرع وفات الإبان، فالكراء للمكري، وإن لم يفت فهو للمستحق، وإن كانت تعمل السنة كلها فهي مثل السكنى، فالماضي للأول والمستحق بالخيار في الباقي بين أن يجيز الكراء إلى تلك المدة أو يفسخ، فإن بنى أو غرس كان بالخيار بين أن يجيز الكراء إلى تلك المدة ثم يأخذه بعد الأجل بقيمته مقلوعًا أو يأمره بقلعه، وإن لم يجز كان بالخيار بين أن يعطيه قيمته قائمًا، فإن أبى أعطاه الباني والغارس قيمة الأرض، فإن أبيا كانا شريكين 12. قال الشيخ -رحمه الله-: الماضي للمكري في جميع هذه الوجوه كما قال وإنما مقال المستحق في الباقي، فإن كان سكنى كان بالخيار بين الفسخ والإجارة بالمسمى، وإن كانت أرضًا للزراعة فإنه لا يخلو أن يستحقها قبل أن يحرث أو بعد 13 أن قلبت أو بعد أن زرعت قبل خروج الإبان أو بعده 14، فإن لم تحرث كانت9
الجزء: 12 - الصفحة: 5834
كالسكنى يمضيه بالمسمى أو يخرجه، وإن قلبها أقره بالمسمى أو يخرجه.
واختلف في حكم الحرث، فقيل: لا شيء على 15 المستحق فيه، وقال ابن القاسم في المستخرجة: المستحق بالخيار بين أن يعطيه قيمة حرثه فإن أبى أعطاه الآخر قيمة كرائها، وإن أبى أسلمها ولا شيء له 16. فهذا مثل قوله في تضمين الصناع إذا لم يدفع القاطع: قيمة الثوب أسلمه بخياطته 17.
وقال سحنون: يشارك بالخياطة 18، فعلى قوله هذا يشارك هذا في كراء هذه السنة بقيمة الحرث إن اكتريت، فيكون له قيمة الأرض قبل أن تحرث، ولهذا قيمة الحرث مما 19 اكتريت به اقتسماه على ذلك، وإن لم يجد من يكري منه واكتريت في العام الثاني، فعلى مثل ذلك إلا أن تذهب منفعة ذلك فلا يكون للأول شيءٌ.
فإن باعها المستحق لم يكن للأول شيء، إلا أن يزيد الحرث في الثمن فيكون له ذلك الزائد.
وإن زرعها ولم يخرج الإبان لم تنزع منه، وكان للمستحق الأكثر من المسمى أو كراء المثل، فإن كان المسمى أكثر قال: أنا أجيز العقد وأخذه، وإن كان كراء المثل أكثر أخذه؛ لأن له ألا يجيز ذلك العقد ولم يكن له أن يخرجه؛ لأنه زرع بوجه شبهة.
الجزء: 12 - الصفحة: 5835
وقال ابن الماجشون: إذا ذهب أول الإبان كان للمكري الأول بقدر فضل الكراء أول الإبان، وللمستحق بقدر ما ينوب الوقت الذي استحق فيه 20.
فعلى هذا إذا كان كراء المثل في أول الإبان دينارين، وفي آخره دينارًا ونصفًا كان للأول ربع المسمى، وللمستحق الأكثر من ثلاثة أرباع المسمى أو كراء المثل وقت المستحق 21.
واختُلف إذا قدم المستحق في الإبان وخاصم فحكم له بعد ذهابه، هل يكون الكراء للأول أو للمستحق؟ فإن كانت تزرع بطونًا فرفع بطنًا واستحق في الثاني كان الأول للمشتري، ويجري الجواب في الثاني على ما تقدم إن كان زرع أو لم يزرع، إلا أنه ها هنا يفض ما ينوب البطن الثاني 22 الذي هو * فيه إذا مضى بعضه؛ لأنها تعمل في كل وقت.
وصفة القيمة إذا بنى أو غرس واستحق قبل انقضاء أمد الكراء أن يقال: بكم يباع هذا البناء أو الغرس ليضعه مشتريه في هذه الأرض لو كانت له، على أن لا يقلع بقية هذه المدة، فإذا ذهب هدم على مشتريه ولا يقوم على أنه قائم للأبد؛ لأن الباني والغارس لا يستحق بقاعه إلا بقيمة تلك المدة، وإذا قوم على هذه الصفة سقط الاعتراض بأن الباني أخذ جزءًا من الأرض؛ لأنه لم يقوّم على أن للباني 23 حقًا في تلك الأرض؛ وإنما قوم على أن مشتريه يضعه هناك، ولا
الجزء: 12 - الصفحة: 5836
يقوم على أن مشتريه يضعه حيث أحب؛ لأنه إن كان الآن في طرف كانت قيمته أبخس، فلا يصح أن يقوَّم في غير ذلك مما هو أثمن (1)؛ لأن فيه ضررًا على المستحق وكما يقوم الصبغ في الثوب المستحق، فإن كان في رديء لم يقوَّم كما (2) لو كان في جيد، وإن كان في جيد لم يقوَّم على أنه كان في دونه، وقد قيل على المستحق، ما زاد البناء في الأرض فيقال: كم قيمة الأرض براحًا وقيمتها مبنية على أن يهدم إذا انقضت مدة الكراء، ويبقى لمشتريه منقوضًا وهو أحسن.
وإذا أبى المستحق من دفع قيمة البناء وأبى الآخر من أن يعطي قيمة الأرض كانا شريكين للأبد، هذا بقيمة الأرض وهذا بقيمة البناء.
فصل [في الرجل يكتري الأرض فيزرعها ثم يستحقها رجل في أيام الحرث وغير أيام الحرث]
وإن كان المكري غاصبًا كان للمستحق أن يأخذ كراء الماضي على الصحيح من القول، ثم يكون أمر المكتري مع المستحق في المستقبل على ما مضى إذا كان المكتري مشتريًا؛ لأن المكتري دخل بوجه شبهة.
وإن كان الغاصب هو الزارع كان للمستحق أن يأخذ الأرض قبل الحرث وبعده ولا عوض عليه عن الحرث بانفراده، ولا عن الزرع إذا لم يبذر أو بذر ولم يبلغ أن ينتفع به إذا قلع، وإن كانت فيه منفعة كان للغاصب 26.2425
الجزء: 12 - الصفحة: 5837
واختلف إذا أحب المغصوب أن يدفع قيمته مقلوعًا ويقره، هل ذلك له؟ وأن يكون ذلك له أصوب؛ لأن النهي من النبي - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها 27 على البقاء فيزيد للبقاء ثمنًا ولا يدري هل تسلم وهذا يدفع قيمته مطروحًا؟ واختلف إذا خرج الإبان، فقال مالك: الزرع للغاصب وهو المعروف من قوله، فذكر أبو محمد عبد الوهاب رواية أخرى أنه إذا خرج الإبان للمستحق أن يقلعه، ويأخذ أرضه؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لَيْسَ لعرض ظَالمٍ حَقٌّ" 28. وروي عن مالك أيضًا أن الزرع للمغصوب منه الأرض وإن خرج الإبان أو طاب أو حصل 29. وفي الترمذي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "امَنْ زَرَعَ أَرْضَ قَوْمٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ فَلَيْسَ لَهُ مِنَ الزَّرْعِ شَىْءٌ وَلَهُ نَفَقَتُهُ" 30 ولم يفرق بين القيام في الإبان ولا بعده.
الجزء: 12 - الصفحة: 5838
وقال ابن القاسم في العتبية في رجلين تداعيا أرضًا فبذرها أحدهما فولًا، ثم عقب الآخر فبذرها قمحًا فاستهلك بذلك الفول، ثم ثبتت لمن بذرها فولًا فقال: إن استحقها في أوان العمل كان زرعها لمن بذرها قمحًا وعليه كراء المثل وقيمة الفول على الرجاء والخوف، قال: ولو كان غاصبًا لكان لمستحقها أن يطرح ما فيها إن شاء أو يقره ويأخذ كراءها (1). فجعل الاختلاف شبهة، وعلى القول: إن الاختلاف ليس بشبهة يكون حكم الذي حرثها آخرًا (2) حكم الغاصب، ولو ثبت أن الأرض لمن حرثها قمحًا كان عليه للأول على قول ابن القاسم (3) قيمة الفول على الرجاء والخوف ويخفف عليه من القيمة؛ لأن قيمتها على رجاء السلامة إنما يغرم لو بقي في تلك الأرض وهو لا يصل إلى ذلك إلا بعد أن يدفع قيمة كراء الأرض، وعلى القول: إن الاختلاف ليس بشبهة لا يكون عليه للأول شيء وإن هلك.
فصل [فيمن كانت بيده أرض بميراث فأكراها]
وقال ابن القاسم: فيمن كانت بيده أرض بميراث فأكراها، ثم أتى رجل فأثبت أنه أخوه، فله أن يرجع عليه بحصته من الكراء وإن لم يعلم؛ لأنه لم يكن ضامنًا، وإن حابى رجع عليه بتمام الكراء، إلا أن يكون معسرًا فيرجع على313233 = من رواية شريك قال محمد حدثنا معقل بن مالك البصري حدثنا عقبة بن الأصم عن عطاء عن رافع بن خديج عن النبي - صلى الله عليه وسلم - نحوه.
الجزء: 12 - الصفحة: 5839
المكتري 34. وقال غيره: يبدأ بالمكتري وإن كان الآخر موسرًا فإن كان المكتري معسرًا لم يرجع على الأخ إلا أن يكون عالمًا 35.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: قول ابن القاسم يبدأ بالأخ وإن لم يعلم ليس هو المعروف من المذهب، والذي يعرف من قوله ومن قول مالك ألا شيء عليه إذا لم يعلم، وسواء كان الموهوب له وهو المحابى موسرًا أو معسرًا، وأمَّا إذا كان عالمًا، فقال ابن القاسم: يبدأ بالواهب، وقال غيره: يبدأ بالموهوب له.
وقال أشهب: المستحق بالخيار يبتدئ بأيهما أحب، وأرى أن يبتدئ بالموهوب له إذا كان محتاجًا إلى ذلك، وإن كان في غنى عنه ابتدئ بالمسلط، فإن كان المسلط عديمًا أغرم المنتفع.
واختلف هل يرجع على المسلط متى أيسر؟ وأن يرجع أحسن؛ لأنه أدخله في ذلك وقد كان في مندوحة عنه.
قال ابن القاسم: فإن سكن الأخ الحاضر ولم يعلم لم يكن عليه لأخيه شيء استحسانًا، وعسى أنه لو علم لم يسكن نصيب أخيه، وكان في نصيبه ما يكفيه 36 لم يصون ماله فأشبه من أخطأ فأغلق أو صون.
وروى عليُّ بن زياد
الجزء: 12 - الصفحة: 5840
عن مالك أن عليه كراء نصيب أخيه 37.
وروى ابنُ القاسم أنه لو كان في نصيبه ما يكفيه: ألا شيء عليه 38؛ لأنه لم يصون به ماله فأشبه مَنْ أخطأ فأغلق أو بَوَّر 39 ولم يسكن، فإن كان لا يكفيه إلا جميع تلك الدار كان عليه كراء نصيب أخيه، ولو كانت له دار أخرى فعطلها ولو 40 علم لسكنها لم يكن عليه شيء، وإن أكراها نظرت إلى الكراءين، فإن كَانَ سواء أكرى داره بعشرين وقيمة نصيب أخيه عشرون لم يغرم لأخيه شيئًا؛ لأنه لو سكن داره أكرى نصيبه من الأخرى بعشرين ولم يربح شيئًا، وإن أكرى داره بثلاثين غرم لأخيه عشرة؛ لأنه لو سكن داره أكرى نصيبه بعشرين فكان في يده الآن عشرة فضل يسلمها لأخيه.
وإن كانت أرضًا فزرعها ولا يكفيه إلا جميعها، غرم لأخيه كراء نصيبه، وإن كان في نصيبه على الاتساع ما يكفيه لم يكن عليه شيء، وإن كان يكفيه إذا زرعه صفيقا فلما زرع ذلك القدر في جميعها على الاتساع جاءت بأكثر، كان عليه كراء ما زاد على ما كانت تخرج لو زرع جميعه في نصيبه.
الجزء: 12 - الصفحة: 5841
باب فيمن أكرى أرضه بعبد فاستحق، وإذا أجاز المستحق وأراد المكتري الرد *
ومن أكرى أرضه بثوب فاستحق ذلك الثوب قبل الحرث كان له أن يرجع فيها، وإن قلبت 41 أو زرعت رجع بقيمة كرائها، وإن أجاز مستحق الثوب الكراء كان أحق بتلك الأرض إن لم تقلب، فإن زرعت أخذ كراء المثل.
واختُلف إذا قلبت ولم تحرث، فقيل: ذلك فوتٌ، وإنما له الكراءُ، وقيل: ليس بفوتٍ، وله أن يأخذها ويدفع قيمة ذلك الحرث بخلاف الأول وهو أحسن؛ لأن هذا مستحق ولم يسلطه ولا وضع يده، وإذا لم يجز الكراء كان فوتًا فيما بين المكتري والمكري؛ لأنه هو الذي سلطه على حرثها، ومثله: لو اشترى عبدًا بثوب فأعتق العبد ثم استحق الثوب فإن أخذه مستحقه رجع بائع العبد بقيمته؛ لأنه هو الذي وضع يده عليه، وإن أجاز المستحق البيع كان له أن يرد العتق في أحد القولين؛ لأنه مستحق ولم يضع يده.
وإن كان الكراء بشيءٍ مما يكال أو يوزن فاستحق انفسخ الكراء ولم يكن للمكري أن يلزمه بغيره، ولو أطاع بخلفه لم يلزم المكري قبوله؛ لأنه إنما اشترى شيئًا بعينه.
* هنا ينتهى السقط في (ق 9).
الجزء: 12 - الصفحة: 5842
فصل [في الرجل يكري داره سنةً يسكنها المكتري ستة أشهر ولم يقتض منه الكراء، ثم يستحقها رجل]
ومن اكترى دارًا سنة بمائة دينار فاستحقها رجل فأجاز الكراء كان ذلك له، وإن كره المكتري إذا كان الكراء مؤجلًا أو بالنقد والمستحق مأمونًا.
قال ابن القاسم: وإن كان مخوفًا كثير الدين كان له أن يرد النقد وينقلب الخيار للمستحق بين أن يتمادى على الإجازة 42 أو يرد النقد؛ لأن العقد بشرط النقد أرخص فليس تلزمه الإجارة ويمنع النقد 43.
وأرى للمكتري أن يتعجل ذلك النقد وإن كان عليه دين؛ لأن المكتري أحق بالدار عند قيام الغرماء، فكان هو ومن لا دَين عليه في هذا الوجه سواء، ولا يقال في هذا: لو كانت الدار مخوفة؛ لأنها لو كانت مخوفة لم يجز كراؤها بالنقد، وإن كان النقد طوعًا 44 بعد العقد، كان للمستحق قبضه إذا كان قصد الأول بالتعجيل إبراء ذمته.
وإن كان قصده رفق المكري أو مكارمته لأمرٍ بينهما، كان للمكتري أن يرتجعه ولا مقال للمستحق وإن كان مأمونًا 45. وإن كان قصد المكتري بالتعجيل إبراء ذمته والدار مخوفة، والمستحق غير مأمون إلا أنه لا دين عليه، فإن كان في قيمتها مهدومة ما يوفي بالدين، كان له أن يقبض الكراء وإن كان عليه غرمًا كان للمكتري أن يرتجعها.
الجزء: 12 - الصفحة: 5843
باب (1) فيمن اكترى دارًا فهدمها، ثم استحقت أو استحق بعضها ولم يهدم
وقال ابن القاسم فيمن اكترى دارًا فهدمها وأخذ نقضها، ثم استحقت: كان للمستحق أن يأخذ من المكتري قيمة ما هدم، وإن ترك له المكري قيمة الهدم قبل أن يستحق رجع المستحق على الهادم، وإن كان معدمًا لم يرجع على المكري، وهذا بخلاف ما لو وهبه البناء قائمًا وأباح له الهدم؛ لأنَّ هذا استهلك قبل ذلك متعديًا، فوجبت عليه القيمة، فترك المكري طلبه بالقيمة، وهو لو علم قبل الهبة أنها للمستحق لم يكن عليه أن يطلبه له (2).
فصل [في الرجل يكري الدار فيستحق الرجل بعضها أو بيتًا منها]
ومن اكترى دارًا فاستحق منها بيت، فإن كان أيسرها وما 48 لا مضرة على المكتري فيه لزمه الباقي، وإن استحق جلها أو ما فيه ضرر لموضع الشركة رد ما لم يستحق، وإن أحب التمسك بما لم يستحق مُنع من ذلك حتى يعلم ما ينوبه من الثمن 49. واختُلف إذا التزم ذلك قبل المعرفة، فقيل: ذلك فاسدٌ؛ لأنه لما ملك الرد4647
الجزء: 12 - الصفحة: 5844
فصار بمنزلة من ابتدأ شراء بثمنٍ مجهولٍ، فلا يجوز إلا على القول بجمع السلعتين.
وقيل: ذلك جائزٌ وهو أصوب؛ لأن العقد الأول منعقد لا يفسخ إلا برد المكتري ولو كنتُ أقول أن ذلك الالتزام فاسدٌ لنقضته، ويبقى كأنه لم يختر قبولًا ولاردًّا، فينظر ما ينوبه من الثمن، ثم إن شاء أخذ وإن شاء ترك.
وإن استحق جزءًا 50 من الدار وهي لا تنقسم كان المكتري بالخيار بين الرد بعيب الشركة أو القبول؛ لأنَّ ثمن الباقي إذا كان الاستحقاق على الأجزاء معلومًا، وهذا إذا كان الاستحقاق قبل السكنى أو بعد والشهور متساوية لا تختلف في الكراء، فإن كان الكراء الماضي مخالفًا لكراء الباقي عاد الجواب إلى ما تقدم أنه يمنع من الرضا بالباقي قبل المعرفة بما ينوبه.
ويختلف 51 إذا فعل فالتزمه قبل المعرفة، وإن كانت الدار تحمل القسمة وليس الجزء المستحق جلها قسمت ولزمه ما لم يستحق، وإن كان المستحق أكثرها كان بالخيار بين القبول أو الرد، إلا أن تختلف الشهور في الكراء، والاختلاف يدخل في ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون الكراءُ له موسم كما قال مالك: في دور مكة 52.
والثاني: أن يكون الكراء بالنقد في جميع السنة.
والثالث: أن يكون جميعه مؤجلًا حتى تنقضي السنة.
وكل هذا يؤدي إلى تقويم، وقد مضي ذكر ذلك في كتاب أكرية 53 الدور.
الجزء: 12 - الصفحة: 5845
باب فيمن اشترى دارًا أو ورثها فاستغلها ثم استحقت
وقال ابن القاسم فيمن ابتاع دارًا أو ورثها فاستغلها ثم استحقت: أن الغلة للذي كانت في يديه، قال: وهذا وارث لا يدري بما كانت لأبيه 54.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: الغلة للمشتري في خمسة مواضع، إذا وجد عيبًا فيرد، أو وجد شراؤه فاسدًا فينقض، أو رد لفلس، أو أخذ 55 بالشفعة أو استحق، وكذلك من صارت إليه عن المشتري من وارث أو موهوب له أو وارث عمن هو 56 موهوب له فالغلة له؛ لأنه يحل فيها محل المشتري، ولا غلة لوارث إذا طرأ عليه وارث مثله في المنزلة أو أقرب منه، فإن كان الوارث ولدًا ثم طرأ عليه ولد آخر انتزع منه نصيبه من الغلة، وإن كان الوارث أخًا ثم طرأ عليه ولد فإنه انتزع منه جميع ما كان اغتل؛ لأنه غير ضامن لما استغل.
واختلف في الغاصب في أربعة مواضع:
أحدها: هل يغرم ما استغله بنفسه؟
والثاني: هل يغرم ما استغله المشتري منه؟
والثالث: هل يغرم ما لم يغتله؟ مثل أن يغلق الدار، أو يبور الأرض، أو يوقف الدابة.
وقد تقدَّم ذلك في كتاب الغصب.
الجزء: 12 - الصفحة: 5846
والرابع: إذا وهب ما اغتصبه فاغتله الموهوب له، فقال أشهب في كتاب محمد: الموهوب له بمنزلة من اشترى إذا استغل أو سكن، فلا شيء عليه ولا على الغاصب (1). وقال ابن القاسم: ليس بمنزلة من اشترى، وعلى الغاصب قيمة ما سكن أو استغل، فإن كان معدمًا أو غائبًا أغرم الموهوب له؛ لأن المشتري أخرج في ذلك ثمنًا فكان عليه ضمان ما اشترى إن تلف يلزم ذلك الثمن الذي أخرج فيه وهو أبين، ولا فرق بين الموهوب له وبين وارث الغاصب إذا كان غير عالم بالغصب، ولم يختلفوا في الوارث أنه يلزمه ما يلزم الغاصب فكذلك الموهوب له (2).
فصل (3) [في غصب المنافع واستحقاقها]
وإذا تعدى على منافع عبدٍ أو دابة فخرج بها إلى بلد ثم أعادها كان عليه كراء تلك المنافع وإن كان ضامنًا للرقاب ولم يره بمنزلة غاصب الرقاب.
ووقف محمد في ذلك وقال: لا أدري، وكانه رأى أن القياس فيهما واحدٌ، غاصب الرقاب والمنافع.
واختلف فيمن اغتل عبدًا ثم ثبت أنه حر، والصواب أنه يغرم غلته؛ لأنه كان غير مضمون، وكل من اغتل شيئًا ثم استحق منه ولا يدرى هل كان في يديه بشراء أو غصب فقال: كان في يدي بشراء 60 أو غير ذلك مما لا يوجب رد575859
الجزء: 12 - الصفحة: 5847
الغلة، كان القول قوله إلا أن يثبت أنه كان بغصب أو تعد.
وقال سحنون فيمن باع دارًا تُعرف لرجل، وزعم أنه وكله على البيع، ولا يعرف ذلك إلا من قوله فاشتراها منه رجل، وهو يعلم أن الدار للغائب، فاغتلها، ثم قدم الغائب فأنكر، قال: إن كان الوكيل يقوم في الدار ويعمل وينظر حتى ثبتت له شبهة الوكالة كانت الغلة للمشتري، وإن لم يقدم على شبهة كما ذكرت كان المشتري كالغاصب (1).
فصل [فى دعوى فوات المستحَق]
وإذا ثبت الاستحقاق فقال المشتري: أبق مني 62 العبد، أو ذهبت الدابة، أو ماتا، أو سُرقت السلعة أو الطعام، كان القول قوله في الحيوان أنها 63 ذهبت منه بتلف أو غيره.
وفي المدونة 64 إذا سافر بذلك وليس معه جماعة، ولا يصدق إذا ادعى موته وهو في الحضر أو في جماعة في السفر.
واختلف في السلع والطعام إذا قال: سرق أو ما أشبه ذلك، فقال ابنُ القاسم في العتبية: لا يقبل قوله، وهو ظاهر قوله 65 في المدونة 66 ويحلف بالله الذي لا إله إلا هو 67 لقد هلك، ويغرم قيمته اليوم، ليس يوم كان وضع يده61
الجزء: 12 - الصفحة: 5848
عليه؛ لأنه ليس بغاصب ولا متعد.
ولمالك في مثل هذا الأصل: أنه لا يحلف، قال: ولو أحلفتُه ما ضمَّنتُه.
وقال أصبغ: القول قول المشتري مع يمينه في ضياعه ولا ضمان عليه.
والأول أحسن؛ لأن المشتري يتهم عند الاستحقاق على تغييب المستحق منه إلا أن يكون ممن يعرف بالدين والصلاح والخير فيصدق ولا يرجع بالثمن على من باعه منه؛ لأنَّ مقال المستحق مع الغاصب يغرمه الأكثر من القيمة أو الثمن، ولو باع المشتري ذلك لم يكن عليه شيء سوى الثمن الذي باعه به إذا لم يجز المستحق الشراء الأول، وإن علم أن المشتري باع ذلك المغصوب ولم يعلم بما باع به إلا من قول المشتري صدق إذا أتى بما يشبه أن تكون ثمنه يوم البيع، وإن أتى بما لا يشبه لم يصدق ورد إلى ما يشبه، وإن قال: إن ذلك كان لأجل عيب نزل به صدق في الحيوان؛ لأنه مصدق في ذهاب جميعه، ولم يصدق في العروض على قول ابن القاسم.
ويختلف إذا لم يعلم البيع إلا من قوله وقال: بعته من وقت كذا، فعلى قول ابن القاسم: لا يصدق إذا كان سوقه اليوم أغلى ويؤخذ بقيمته اليوم.
وقال ابن القاسم في عبد نزل بلدًا فادعى الحرية فاستعانه رجل فبنى له دارًا أو بيتًا ثم استحقه سيده: أنه يأخذ قيمة عمله ذلك 68.
قال محمد: إلا أن يتلف ما بنى.
يريد: فلا شيء عليه؛ لأن الموهوب ما يكون عن يده من عمل، وكذلك لو خاط أو نسج، فإن الهبة الموجودة، في الثوب من الخياطة وفي الغزل من النسج، وكذلك لو استؤجر عليه فإن الإجارة عن الموجود.
الجزء: 12 - الصفحة: 5849
واختلف إذا ضاع ذلك قبل التسليم هل يستحق أجره، وقال ابن القاسم في كتاب محمد: إذا أفاد العبد عند المشتري مالًا كان المال للمغصوب منه إلا أن يكون المال هبةً من السيد الذي هو في يديه أو دفع إليه مالًا يتجر به فربح أو من إجارة نفسه، فإن ذلك لمن استحق من يديه وليس للمستحق فيه شيء.
الجزء: 12 - الصفحة: 5850
باب فيمن اشترى جارية فأصابها ثم استحقت بملك يمين أو بحرية، أو اشترى عبدًا فاغتله ثم ثبت أنه حر
ومن اشترى جارية فأصابها ثم استحقها رجل، فإن كانت ثَيِّبًا لم يكن عليه شيء؛ لأنَّ ذلك لا ينقصها.
واختلف إذا كانت بكرًا، فقال مالك وابن القاسم: لا شيء عليه 69. وقال سحنون: عليه ما نقصها؛ لأن الافتضاض شيء قبضه بمنزلة من اشترى ثيابًا فأبلاها أو طعامًا فأكله.
واختلف إذا استحقت بحرية فقال مالك وابن القاسم: لا شيء عليه بكرًا كانت أو ثيبًا 70. وقال المغيرة: عليه صداق المثل والبكر والثيب فيما 71 إذا استحقت بحرية سواء 72. فجعل مالك ذلك بمنزلة التفكه أو 73 بمنزلة ما لم يصن به ماله.
والقول الآخر أبين؛ لأنَّ ذلك 74 مما تدعو الضرورة إليه ويبذل له المال بالشراء أو التزويج.
واختلف لو كان عبدًا فاغتله ثم ثبت أنه حرٌّ، فقال ابن القاسم: إذا استخدمه المشتري لم يغرم إجارته، وإن كاتبه فأخذ كتابته لم يردها، وإن وهب
الجزء: 12 - الصفحة: 5851
له جاريةً أو مالًا كان له أن ينتزعه، وإن دفع إليه مالًا يتجر فيه كان له أن يأخذه بربحه إذا قال له: اتجر لي فيه، وإن قال: اتجر فيه لنفسك، كان له رأس المال بغير ربحٍ.
وإن كان في يديه مال اشتراه به أو وهب له أو تصدق عليه أو أفاده من فضل خراجه أو عمله أو عقل جرح -كان ذلك للحر، وليس لسيده أن ينتزعه منه، وإن كان انتزعه منه رده، وقال المغيرة: عليه أن يغرم 75 إجارة المثل إن استخدمه ويرد الغلة إن كان اغتله 76. وهو أصوب؛ لأنَّ الخراج إنما يكون مع العبودية، لقول النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: "الخَرَاجُ بِالضَّمَانِ" 77 والحرُّ لا يضمن، وإذا رجع الحرُّ بالغلة رجع المشتري بالنفقة، وليس كذلك الحرة، فإن لها الصداق ولا تحاسب بالنفقة؛ لأن الصداق تستحقه بأول الإصابة والنفقة فيما بعد مقابلة الاستمتاع، ولو كانت الأمة للخراج والسيد يصيب، ثم ثبت أنها حرة كان لها الصداق والخراج ولا تحاسب بالنفقة.
الجزء: 12 - الصفحة: 5852
باب في الأَمَة تستحق بعد أن ولدت
ومن استحق أمةً قد ولدتْ فإنه الولد لا يخلو من أربعة أوجه: إمَّا أن يكون من زنى أو نكاحٍ والزوج يعلم أنها أمة أو لا يعلم، وتزوج على أنها حرة أو أصابها بملك يمين، فإن كان من زنى أو نكاحٍ وهو يعلم 78 أنها أمة، فإنَّ الولد رقيق، وللمستحق أن يأخذ الأمة والولد، ولا فرق في ذلك في استرقاقهما، وإنما يفترقان في ثبات النسب فيسقط نسب من كان من زنى ويثبت نسبُ من كان من نكاح، فإن كان من نكاح وهو لا يعلم أو أصاب بملك يمين كان الولد حرًا وليس للمستحق أن يأخذه.
واختلف في أخذه الأم، فقال مالك وابن القاسم: يأخذها إذا كانت بنكاح 79. وفي مختصر ابن الجلاب: ليس له إلا قيمتها 80.
واختلف إذا أصابها بالملك، فقال مالك مرة يأخذ الأمة وقيمة الولد يوم الحكم 81. وقال أيضًا: يأخذ قيمتهما جميعًا يوم الحكم 82، ثم رجع إلى أن يأخذ قيمتها وحدها يوم حملت 83، وهو آخر قوله وبه أفتى لما استحقت أم ولده إبراهيم، وبه أخذ ابن كنانة وابن أبي حازم وابن دينار وابن الماجشون والمغيرة،
الجزء: 12 - الصفحة: 5853
وأخذ ابن القاسم بقوله الأول 84. وقال المغيرة: يأخذ الأم وقيمة الولد يوم ولد 85. فأجاز في القول الأول أخذها قياسًا على رد عتقها لو أعتقها المشتري، ومنع في القول الآخر قياسًا على ولدها.
وأرى إذا كان الأب ممن له قدر أن تقبل منه القيمة، وإن كان على غير ذلك كان لسيدها أن يأخذها، إلا أن يكون لسيدها تعلق بها فيكون له أخذها في الوجهين جميعًا، فرفع الضرر عنه أولى من رفع الضرر عمن لا ملك له.
واختلف إذا رضي المستحق أن يأخذ القيمة وأحب الواطئ تسليمها، فقال ابن القاسم في كتاب القسم: ذلك له على وجه المستحق على القولين جميعًا.
وقال أشهب: ذلك للواطئ ولا يجبر على دفع القيمة.
وأرى إذا كان الولد حيًّا وعليه في تسليمها معرة أن يجبر على دفع القيمة، وإن كان الولد ميتًا أو كان ممن لا قدر له لم يجبر.
وإن استحقت الأمة وهي حامل جرت على الأقوال الثلاثة، فعلى قوله الأول: إن للمستحق أن يأخذها تؤخر حتى تضع فيأخذها وقيمة الولد، فإن أسقطته قبل ذلك أو ماتت لم يكن له على الأب شيء.
وعلى قوله: إنه يأخذ قيمتها وقيمة الولد يأخذ قيمتها الآن على ما هي عليه ولا ينتظر الوضع.
وعلى قوله الآخر: ليس له إلا أن يأخذ قيمتها يوم حملت، وإن ماتت قبل المحاكمة لم تسقط عنه القيمة.
الجزء: 12 - الصفحة: 5854
ويختلف متى تكون على أحكام أم الولد، فعلى قوله، القيمة فيها يوم حملت تكون على حكم أم 86 الولد من أول الحمل.
وعلى قوله: القيمة فيها يوم الحكم يختلف فيها، فعلى قول أشهب: لا تكون أم ولد إلا أن تأتي بولد بعد الافتداء؛ لأنه أجاز له أن يسلمها 87 إن أحب.
وأمَّا على قول ابن القاسم أنه مجبور على دفع القيمة فيترجح القول فيها فيصح أن يقال أنها لا تكون أم ولد له؛ لأن الافتداء فيها الآن، ويصح أن تكون أم ولد قياسًا على الولد أنه يدفع قيمته يوم الحكم وهو على أحكام الأحوار وهو في البطن إلى الآن وأن فيه الغرة إن طرح قبل الولادة والدية إن استهل صارخًا، ويقتل قاتله عمدًا إذا قتله 88 بعد الولادة، وإذا كان كذلك فقد كان نماؤه وارتفاع قيمته من 89 يوم ولد إلى يوم الحكم وهو حر، وقد يكون اليوم رجلًا وله أولاد فإن مات الولد قبل الاستحقاق لم تسقط القيمة؛ لأنه مات وهو حر وورث 90 بالحرية.
وعلى قول مالك أن القيمة يوم الحكم؛ لأنَّ الأب لم يكن متعديًا بالإصابة فتعلق القيمة بذمته إن هلك قبل الاستحقاق؛ لأنه يقول: لو زوجتها وأتت بهذا الولد فمات قبل الاستحقاق لم أضمنه، فإذا كان مني لم أضمنه أيضًا، فإذا لم أضمنه كانت القيمة يوم تعديه 91.
الجزء: 12 - الصفحة: 5855
فصل [في استحقاق الغرة بقتل جنين أم الولد]
وقال ابن القاسم: إن ضرب رجل بطنها فألقت جنينًا ميتًا، كان على الضارب الغرة 92 للأب، وعلى الأب عشر قيمة الأم ما لم تكن أكثر من الغرة فلا يغرم غير ما أخذ، وإن ولدته حيًا لم يكن على الأب شيء، وإن قتل خطأ كان على عاقلة القاتل الدية منجمة في ثلاث سنين، وعلى الأب قيمته يوم قتل ما لم تكن قيمته أكثر من الدية 93.
وعلى أصله إن استحق قبل أن يقبض الأب شيئًا لم يغرم حتى يقبض فيقضي من أول نجم، فإن لم يوف منه فمن الثاني ثم من الثالث.
وإن استحق بعد أن قبض الأب الدية وأنفقها لم يكن للمستحق على العاقلة مقال؛ لأنهم غرموا بالحرية والمقال فيها للأب والسيد يستحق بالرق والمقال له على الأب، وإن قتل الولد عمدًا كان للأب أن يقتص أو يعفو ولا مقال للمستحق على الأب ولا على القاتل، وإن صالح على أقل من الدية كان للمستحق قيمة الولد يوم قتل 94 ما لم تكن أكثر مما صالح عليه وكل هذا، فعلى قوله: بأن القيمة يوم الحكم، وعلى القول: بأن القيمة يوم ولد فإنه لا ينظر إلى موته ولا إلى قتله خطأ أو عمدًا ولا إلى ما أخذ فيه قليلًا كان أو كثيرًا؛ لأن القيمة ثابتة عليه وإن لم يأخذ شيئًا.
وقال أشهب: إذا قتل خطأ فالدية للأب ولا شيء عليه للمستحق وهو
الجزء: 12 - الصفحة: 5856
كالموت، قال: ولو ضرب رجل بطن هذه الأمة فألقت جنينًا كانت الغرة للأب ولا شيء عليه للمستحق (1). وقول مالك أحسن؛ لأن الدية ثمن (2) للرقبة وليس له أن يأخذها ولا يغرم شيئًا.
فصل [في استحقاق الجناية على ولد الأَمَة]
وإذا قطعت يد الولد خطأ كان للمستحق عند مالك قيمة الولد يوم الحكم أقطع اليد 97.
واختلف 98 في اليد، فقال ابن القاسم: يقوم صحيحًا يوم جنى عليه وقيمته أقطع، فيأخذ المستحق ما بينهما من دية اليد، ويكون الفضل للأب 99. وقال سحنون مرة: دية اليد 100 للابن والأب وهو الغارم من ماله ديتها ما لم تجاوز ما أخذ فيها.
وقال مرة: يغرم للمستحق من ديتها، والفاضل للابن ثم قال أوقف القولين حتى أنظر.
وقال أشهب: دية اليد للابن ولا شيء للمستحق على الأب ولا على الابن، ومضى على أصله في ذلك إذا قتل خطأ ألا شيء للمستحق من الدية على الأب ولا غيره 101.9596
الجزء: 12 - الصفحة: 5857
ورأى سحنون أن دية اليد بمنزلة ما لم يقطع من اليد أنه لما كان على الأب أن يغرم قيمة الولد وليس على الولد أن يغرم قيمة نفسه ولا أن يفتديها وأن الغرم على الأب؛ لأنه السبب في الإيلاد فكذلك إذا قطع، فإن من (1) مقال الابن أن يقول: على الأب أن يغرم عني وأنا أحق بيدي (2). والقول أن الغرم من الدية أحسن قياسًا على قتله أنه ليس على الأب أن يغرم إلا ما يصل إليه من ديته فإن لم تكن للقاتل عاقلة ولم يأخذ الأب شيئًا لم يغرم شيئًا وكان كموته، ولو قتل الولد خطأً وخلَّف ولدًا من امرأة حرة بدئ المستحق من ديته بالقيمة وكان الباقي موروثًا على فرائض الله سبحانه.
فصل [فيمن يطالبه مستحق قيمة ولد الأمة]
واختلف هل يقوم الولد بماله؟ وإذا كان الأب 104 فقيرًا يرجع المستحق على الولد؟ وإذا مات الأب قبل أن يستحق الولد هل تؤخذ القيمة من تركته؟ فقال ابن القاسم في العتبية: يقوم الولد بغير مال 105، وقال المخزومي: يقوم بماله 106 والقياس على القول 107 أن القيمة يوم الحكم أن يكون للمستحق مقال في المال، وإذا كان له فيه مقال كان من مقال الأب أن يقول: لا يقوم عليَّ؛ لأنه يقدر على انتزاعه ولا يقوم عليه إلا ما يصح تسليمه كالولد نفسه إذا كان قائم102103
الجزء: 12 - الصفحة: 5858
العين افتداه؛ لأنه لا يقدر على تسليمه، فإذا قتل وصار مالًا سقط عنه الغرم وأخذت القيمة من الدية، وقد تقدَّم القول في القيمة أنها يوم ولد أحسن ولا ينظر إلى ما في يده الآن.
وقال ابن القاسم: إذا كان الأب فقيرًا والابن موسرًا، غرم الابنُ قيمةَ نفسه ولم يرجع بها على الأب متى أيسر 108، وقال غيره: لا شيء على الابن.
والأول أصوب؛ لأن الولد هو المتعدي 109، فإذا كان الأب فقيرًا لم يبطل حق المستحق، ولو قيل: إن ذلك على الابن ابتداء في يسر الأب لكان وجهًا.
وقال ابن القاسم: إذا مات الأب ولم يدع مالًا اتبع المستحق الولد بالقيمة 110.
وعلى قول غيره لا يكون على الابن شيء، والقياس ألا شيء على الأب ولو مات موسرًا؛ لأن الافتداء إنما يجب على الأب إذا قيم عليه فيغرم قيمة الولد يوم الحكم، ولا يصح أن يموت الأب ثم يستحق الولد بعد عشر سنين ويقوّم على حاله يوم استحق فتؤخذ تلك القيمة من تركته.
وقد اختلف في أمِّ الولد تجني ثم يموت السيد قبل أن يقام عليه، فقال ابن القاسم: لاشيء عليه إذا مات فقيرًا ولا عليها، وقال غيره: إنما يكون ذلك عليه مع اليسر إذا قيم عليه قبل أن يموت وإلا فذلك عليها ولا شيء على السيد 111. وهذا هو الصحيح فيها وفي الأب.
الجزء: 12 - الصفحة: 5859
باب فيمن بنى مسجدًا ثم استحقت الأرض أو بنى دارًا ثم ثبت أنها مسجدٌ أو حبس على معين أو مجهول
112 وقال ابن القاسم فيمن بنى دارًا مسجدًا ثم استحقت الأرض: أن للمستحق أن يهدم ذلك، كمن أعتق عبدًا ثم استحق أن العتق يرد، فكذلك المسجد 113. وقال ابن عبدوس 114: قال سحنون: هذا إذا كان الباني غاصبًا للقاعة، فأمَّا إن بنى بوجه شبهة فإنه يقال للمستحق: أعطه قيمة البناء قائمًا، قال: قلت: كيف يعطيه قيمة البناء قائمًا والنقض لا يجوز بيعه لأنه حبس؟ فقال: تجعل القيمة في مثله ويجعل في مسجدٍ 115. قال: وقال 116 سحنون بعد ذلك فيمن اشترى قاعة فبناها ثم ثبت أنها حبس قال 117: يقلع النقض، وهو قول ابن القاسم، ذكره في النوادر 118. قال قلت: وكيف يقلع النقض 119 وقد بنى بوجه شبهة؟ قال: فمن يعطيه قيمة بنيانه؟
الجزء: 12 - الصفحة: 5860
قلت، فيكونان شريكين فأنكر ذلك 120.
وقال بعض أصحابنا 121: إذًا يكون هذا بيعًا للحبس وهو يسمع فسكت، فقيل له: يعطيه مستحق 122 الحبس قيمة بنيانه، فلم ير ذلك 123.
وقال الشيخ -رحمه الله- 124: وقول ابن عبدوس في المسألة الأولى: أن يهدم البناء وإن كان بوجه شبهة هو الظاهر من قول ابن القاسم، ولو جاز أن يدفع قيمته لقال: إن كان البناء بوجه شبهة لم يهدم عليه، وقيل للمستحق: أعطه قيمته قائمًا أو يعطيك قيمة أرضك، وإن كان على وجه التعدي أعطاه قيمته مهدومًا وبقي له قائمًا.
وقول سحنون في هذا أحسن؛ لأن المستحق ياخذ بحق تقدم الحبس ويرده من 125 أصله، فيكون له إذا تعدى أن ياخذ ما لا بد من نقضه وهدمه؛ لأن بناء المسجد لا يوافق بناء الديار، فما كان من ذلك لا يُستغنى عن هدمه هدم وجعل في غيره، وما كان منه يُستغنى عن هدمه أخذ قيمته وإن كان بوجه شبهة وأبى المستحق من دفع قيمة البناء، والآخر 126 من دفع قيمة الأرض كانا شريكين، فإن حمل القسم وكان فيما ينوب الحبس ما يكون مسجدًا قسم، وإن لم يحمل القسم ولم يكن فيه ما يكون مسجدًا بيع وجعل في مثله وأمَّا إذا تقدم الحبس فبنى أرضًا دارًا ثم ثبت أنها مسجد لم يكن للباني قيمته قائمًا؛ لأن
الجزء: 12 - الصفحة: 5861
الحبس تقدم بوجه صحيح، وإن ثبت أن القاعة حبس على معينين قيل للمحبس عليهم أعطوه قيمته قائمًا، ويكون لكم الانتفاع به إلى وقت يسقط حقكم في الحبس بالموت أو بانقضاء الأجل إن كان مؤجلًا، فإن رجعت الأرض إلى من حبسها كان لورثة المحبس عليهم أن يأخذوا قيمة ذلك قائمًا كما كان لوليهم؛ لأنهم يحلون محله، فإن أبى كانوا شركاء معه بقدر ذلك، وإن أبى المحبس عليهم أن يعطوه قيمة البناء قائمًا قيل لمالك الأرض: أعطه قيمة ذلك قائمًا ويكون شريكًا مع المحبس عليهم بقدره، فإن أبى كان الباني شريكًا بقدر قيمة البناء قائمًا فما نابه سكنه أو باعه وما ناب المحبس عليهم سكنوه، فإذا انقضى حقهم في الحبس عاد ذلك القدر إلى المحبس، وهذا على أحد قولي مالك أن الحبس على المعين يعود ملكًا، وأما على القول أن مرجعه مراجع الأحباس، فإنما يعطيه قيمته قائمًا على أنه يبقى إلى انقضاء حق من حبس عليهم ثم يهدم، كما تقدَّم في أول الكتاب في الإجارة.
وأمَّا على قول سحنون: أن 127 الحبس وغيره سواء فيجوز للباني أن يعطي قيمة الأرض إذا لم يعطه قيمة البناء وتجعل القيمة في مثله.
الجزء: 12 - الصفحة: 5862
باب في الاستحقاق بعد الصلح
اختلف إذا كان الصلح على الإنكار، كالذي يدعي دارًا فيصالح على عبدٍ ثم يستحق أحدهما الدار أو العبد، فقال ابنُ القاسم: أيهما استحق انتقض الصلح، فإن استحقت الدار رجع في العبد، وإن استحق العبد رجع في دعواه في الدار 128. وقال سحنون: إن استحقت الدار لم يرجع في العبد؛ لأنه إنما 129 دفع بما كان دفع من 130 خصومة وإن استحق العبد رجع بقيمته 131. وفي المجموعة: إن استحقت الدار بقرب ذلك 132 رجع في العبد، وإن تطاول الأمر مما تهلك فيه البينات لم يرجع بشيء؛ لأنه يقول: قد كانت لي بينة فمنعتني بما أعطيتني القيام فلما هلكت بينتي قمت علي فليس ذلك لك 133. وقال ابن القاسم فيمن ادعى سدس دار فصالحه بعد الإنكار على شقص
الجزء: 12 - الصفحة: 5863
أن الشقص 134 يستشفع بقيمة السدس، فعلى هذا يرجع عند الاستحقاق في الدعوى كالبياعات 135.
وعلى قول سحنون يستشفع في الشقص بقيمته لا بقيمة السدس.
وقال أصبغ: لا يستشفع بشيء، وقول ابن القاسم: إذا استحقت الدار أنه يرجع في العبد أحسن؛ لأن المستحق من يديه يقول للمدعي: إن كنت محقًّا فهو شراء مني فعليك أن ترد العوض، وإن كنت مبطلًا وتقول الآن: إنها داري لم يحل لك أن تتمسك بما تقر أنك أخذته بالباطل ولا وجه للقول أنه دفع خصومة؛ لأن المستحق من يده، يقول: أنت مقر أنك بائع 136 مني وأنك أخذت ذلك على وجه المعاوضة فيكون له الرجوع وإن طال الأمر؛ لأنه يقول: إن كنت محقًّا فلا أكلفك أن تثبت ملكك وقد اشتريت منك.
وقول سحنون: إذا استحق العبد أحسن؛ لأن الصلح يكون في الغالب ببعض قيمة المدعى فيه فلم يجب أن يرجع بقيمة الدار ولا في الدعوى وهو بمنزلة الصداق والخلع والصلح عن الدم العمد؛ لأن ذلك لا يقصد فيه أن يستوفي قيمة الدار 137.
وإن استحق نصف العبد كان للمدعي على أصل ابن القاسم أن يرد الباقي ويرجع في طلبه أو يمسك ورجع في المطالبة بنصف الدار ثم ينقلب الخيار للمدعى عليه، فإن أحب أمضى الصلح في نصف الدار ويقول للمدعي:
الجزء: 12 - الصفحة: 5864
إن شئت تمسكت بنصف العبد على أن لا شيء لك أو ترده وترجع في الخصومة؛ لأني إنما قصدت بالصلح رفع الخصومة وإذا كنت تعود إلى أن تخاصمني كان عليَّ في ذلك ضرر.
وعلى قول سحنون: له أن يرجع بنصف قيمة العبد أو يرد الباقي لعيب الشركة ويرجع بجميع قيمته، وهو أقيس.
فصل [حكم من تزوجت بحُرٍّ أو عبد مغتصب]
واختلف فيمن تتزوج بحُرٍّ أو عبد اغتصبه ثم ثبتت الحرية والغصب، فقال ابن كنانة وابن الماجشون في كتاب ابن حبيب: يفسخ قبل ويثبت بعد، ولها صداق المثل 138. وقال ابن القاسم في العتبية: لا يفسخ، تعمد الزوج ذلك أو لم يتعمده 139. يريد: وترجع بقيمته.
قال أصبغ: وكذلك لو علمت هي بحريته ولا يعلم هو، إلا أن يعلما جميعًا فيفسخ قبل ويثبت بعد، ويكون لها صداق المثل 140.
وفرَّق سحنون بين الحر والعبد يغتصب، فقال إذا تزوج بعبد اغتصبه: فعليه قيمته والنكاح ثابت بخلاف الحر، إذ لا ضمان عليه في الحر ويضمن العبد، ولو كانت عالمة فسخ قبل ويثبت بعد وكان لها صداق المثل، وقول ابن القاسم في هذا أحسن إذا لم يعلما 141 أو يعلم أحدهما أن يكون حكمه حكم الاستحقاق، فيثبت قبل وبعد وترجع بقيمة ذلك العبد.
الجزء: 12 - الصفحة: 5865
باب فيمن اشترى عبدًا ثم ظهر على عيب فصالح منه على عبدٍ آخر (1) أو باع جارية بعبدٍ فاستحق أحدهما أو بعضه
وقال ابن القاسم فيمن اشترى عبدًا فوجد به عيبًا فصالح منه على عبد آخر ثم استحق أحدهما: فسبيله سبيل ما اشتري 143 صفقة واحدة 144. يريد: إذا كانا متكافئين أو استحق الأدنى رجع بما ينوب المستحق ولزم الآخر، وسواء كان المستحق الأول أو الآخر 145 وإن استحق الأجود رد الآخر.
وقول أشهب في هذا إن أخذه الثاني شراء فرجع الأول وكأنه قال: خذ هذا ولا تقم عليَّ في الأول فإن استحق الثاني كان له أن يرد الأول إلا أن يتراضيا على شيء، وإن استحق الأول انفسخ البيع ورد الثاني إن كان قائمًا أو قيمته إن كان فائتًا، ورجع بجميع الثمن ومثله إذا وجد عيبًا بالآخر أو بالأول أو 146 وجد به عيبًا غير الذي صالح عنه، فعلى قول ابن القاسم يكونان بمنزلة من اشتراهما صفقة واحدة، وقول أشهب بأيهما وجد العيب كان له أن يردهما فإن وجد عيبًا بالآخر رده ثم رد الأول بمنزلة من لم يصالح، وإن وجده بالأول ورده رد الآخر؛ لأن البيع انتقض من أوله برد الأول وإن فات الأول ثم وجد به عيبًا فصالح منه بعد المعرفة بقيمته على عبد ثم استحق الأول لم142
الجزء: 12 - الصفحة: 5866
ينتقض البيع في الثاني؛ لأنهما عقدان لا يفسخ أحدهما لاستحقاق الآخر، فإن كان ثمن الأول مائة وقيمة العيب عشرة وهي التي تستحق بعد فوت الأول وهي دين للمشتري أخذ عنها عبدًا وإن استحق الأول رجع مشتريه بتسعين عن الأول وتبقى عشرة عن الثاني وإن استحق الثاني رجع بعشرة.
فصل [فيمن باع جاريةً بعبد فاستحق العبد]
وقال ابن القاسم فيمن باع جاريةً بعبد فاستحق العبد وقد حالت أسواق الجارية: رجع في قيمتها 147.
واختلف عن 148 سحنون في ذلك فقال: لا ينتقض البيع فيها وإن لم يحل سوقها 149 وقال: ينتقض مثل قول ابن القاسم.
وأرى: أن ترد إن كانت من الوخش، وإن كانت من العليِّ وقال المشتري: لم أصبها وصدقه البائع ردت ولم تحل للبائع حتى يستبرئها، وإن لم يصدقه البائع أو قال المشتري: أصبتها -لم ترد؛ لأنه إذا غاب عليها بعد المواضعة يستأنف فيها الاستبراء، وعلى البائع في الصبر حتى تستبرأ مضرة لما قيل إذا عقد فيه إجارة أنه فوت؛ لأن عليه في الصبر مضرة 150، ولو تراضيا بردها لم يجز؛ لأنه يأخذ عن دين ما تجب فيه المواضعة إلا أن يستحق العبد أو الجارية في أول دمها فلا تكون الغيبة ولا الإصابة فوتًا، وإن استحق نصف الجارية بعد
الجزء: 12 - الصفحة: 5867
عتق العبد كان مشتري الجارية بالخيار بين أن يمسك الباقي ويرجع في نصف قيمة العبد أو يرد الباقي ويرجع في قيمة العبد ولا يفيت النصف الباقي حوالة الأسواق 151؛ لأنه يرده من عيب الشرك والعيب لا يفيته حوالة الأسواق ولو لم يعتق العبد كان مشتري الجارية بالخيار بين أن يرد الباقي ويرجع في عين العبد أو يمسك، ثم يختلف هل يرجع في نصف قيمة العبد أو يرجع شريكًا، ثم يكون الخيار لمشتري العبد بين أن يمسك الباقي أو يرده بعيب الشركة ثم لا تكون حوالة الأسواق في العبد فوتًا.
الجزء: 12 - الصفحة: 5868
باب فيمن أوصى عند موته فأنفذت وصيته ثم ثبت أنه عبد، وفيمن شهد عليه (1) بالموت فتزوجت زوجته وقسمت تركته ثم ثبت أنه حيٌّ
وقال ابن القاسم فيمن أوصى عند موته أن يحج عنه فبيع ماله وأنفذت وصيته ثم ثبت أنه عبد، قال: إن كان الميت حرًّا عند الناس فلا ضمان على الوصيِّ ولا على الذي حج وما بيع من ماله وكان قائمًا أخذه بعد دفع الثمن 153.
قال 154: وقال مالك في رجلٍ شهدت بينة بموته فتزوجت زوجته وبيعت تركته ثم أتى الرجل المشهود عليه، قال: ترد إليه زوجته وسواء تعمدت البينة الزور أو شبه عليها 155.
وأمَّا ما بيع من ماله، فإن تعمدت الزور أخذه بغير ثمن، وسواء كان قائمًا أو فائتًا تغير في نفسه 156، أو كان عبدًا فأعتق أو دبر أو كوتب، أو أمة اتخذها المشتري أم ولد أو صغيرًا فكبر.
وإن شبه عليها كان للمستحق أن يرجع فيما كان قائمًا بعد أن يدفع الثمن، وإن فات شيءٌ مما تقدَّم ذكره لم يكن له أن يأخذه ويتبع بالثمن الذي باعه، وإن152
الجزء: 12 - الصفحة: 5869
حضروا معركة فصرع فنظروا إليه في القتلى أو 157 طعن فظنوا أنه مات فخرجوا على ذلك وأشهدهم قوم على موته فشهدوا بذلك عند القاضي فهؤلاء يعلم أنهم لم يتعمدوا زورًا، قال: وأما الزور فإذا لم يأتوا بأمر يشبه وعرف كذبهم 158.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: محملهم إذا أتى المشهود عليه على الكذب حتى يثبت الشبهة.
وقال إسماعيل القاضي: إذا كانت الشهادة عند القاضي فذلك سواء شهدوا بزور أو شبه عليهم.
قال: وأحسب أن مالكًا إنما فرق إذا كانت الشهادة عند الورثة وفي المدونة خلاف ما تأوله إسماعيل عن مالك؛ لأنه قال: أو أشهدوهم فشهدوا عند القاضي والأصل في هذين السؤالين إذا استحق الميت أنه عبد أو شهد بموت الآخر ثم أتى مفترق؛ لأن الذي ثبت أنه عبد لم يتقدم على سيده حكم وإنما حكم بوصية آخر وهو العبد، والأصل إذا كان الحكم على رجل ثم تبين أن ذلك الحكم على الآخر أن يكون الثاني على حقه ولا يفيت ماله بيع ولا عتق ولا غيره، وله أن يأخذه بغير ثمن، وسواء كان الأول بتعدٍ أو بوجه شبهة فلو غصب لرجل عبد فباعه الغاصب من رجل وهو لا يعلم فأعتقه المشتري أو باعه وتداولته الأملاك أو باعه عليه حاكم في دين أو مات فورث عنه كان لمستحقه أن يرد جميع ذلك ويأخذه بغير ثمن.
ولو مات رجل فشهد لولده شهود أنهم لا يعلمون له وارثًا سواه فحكم
الجزء: 12 - الصفحة: 5870
له وباع تركة أبيه وتداولته الأملاك أو أعتق أو اتخذ أم ولد ثم قدم من أثبت 159 أنه ولد للميت كان له أن يقوم في نصيبه من ذلك على أحكام الاستحقاق ويأخذه بغير ثمن ولا يفيته شيء مما تقدم، وهذا أصل المذهب وما وجد على غير ذلك فهو خارج عن الأصل فسيد العبد ها هنا كالأخ الطارئ يرد العتق والبياعات وإن كان الأول بوجه شبهة؛ لأن الحكم لم يكن عليه وقيل فيما بيع من المغانم لا يأخذه صاحبه إلا أن يدفع الثمن وإن لم يكن الحكم بالبيع على صاحبه للاختلاف في الأصل؛ لأنَّ غير واحد من أهل العلم رأى أن لا شىء لصاحبه فيه وإن أدركه قبل القسم.
وإذا شهد بموت رجل ثم أتى وقد كان الحكم عليه 160 فإن وجد ماله قائمًا أخذه بعد دفع الثمن.
واختلف إذا تغير بزيادة أو نقصان أو بعتق أو بإيلاد، فقال مالك: ذلك فوت 161، وقال أشهب فيما بيع في المقاسم: لا يفيته العتق ولا الإيلاد وله أن يأخذ ذلك ويرد جميع ما أخذه المشتري، وإن كان لا يأخذه إلا أن يدفع الثمن 162. وعلى هذا يكون للمشهود عليه بالموت أن يأخذه ولا يفيته عتق ولا نماء ولا نقص وإن كان لا يأخذه إلا بعد دفع الثمن؛ لأن حقه في عين ماله فيمكن من أخذه وحق المشتري في الثمن الذي وزن، ومقاله في هذه 163 في الرد أقوى منه فيما بيع في المقاسم وإن كان القياس أن يأخذه بغير ثمن؛ لأن الشبهة التي وقعت للبينة لا تدفع عنهم أنهم أخطأوا أو غلطوا عليه والخطأ عليه لا
الجزء: 12 - الصفحة: 5871
يسقط ملكه.
واختلف إذا تعمدوا الزور، فقال مالك: يرد إليه ماله بغير ثمن وإن كان الأول يحكم عليه.
وقال إسماعيل القاضي: لا يرد إليه بخلاف أن يكون بغير حكم.
وقال محمد فيمن قام على غائب بدين وأثبته وبيع له بماله 164 ثم أثبت الغائب أنه كان قضى له ذلك الدين، قال: ليس له أن يأخذه إلا بالثمن 165. وعلى أصل مالك له أن يأخذه بغير ثمن؛ لأن القائم بالدين متعمد بالباطل فأشبه من شهد بالزور.
وقال فيمن باع ورثته تركته وعليه دين: فإن علموا رد الغرماء بيعهم بغير ثمن مثل ما تقدم في الذين شهدوا بزور، واختلف إذا لم يعلموا فقال مالك: البيع ماض ولا رد للغرماء 166. وفرقوا بينه وبين الذين شهدوا بموته؛ لأن ذلك مستحق لأعيان سلعته والغرماء حقهم في ذمة الميت فليس كالمستحق لأعيان السلع.
وقال غيره في كتاب الجنايات: للغرماء رد ذلك ما لم يفت بعتق أو اتخاذ أم ولد، وإنما لهم الثمن إن وجدوه، وإلا اتبعوا به من أخذه 167.
وأمَّا الزوجة فسوى مالك بين الذين شهدوا بزور أو شبه عليهم بخلاف المال؛ لأنه يصح زوال الملك إذا بيع بوجه شبهة ولا يصح أن تمضي زوجة رجل لآخر إذا تزوجها بشبهة من غير طلاق من الأول وليست كزوجة المفقود؛ لأن الحكم كان لها لأجل قيامها بالضرر مع إمكان أن يكون حيًّا ولهذا
الجزء: 12 - الصفحة: 5872
طلق عليه ولم يقسم ماله والآخر قيم بموته ليقسم ماله وليس القصد الطلاق وإنما الحكم بالموت يوجب لها أن تتزوج وليس لأنه تترقب حياته.
وفي المجموعة: في امرأة جعل لها زوجها إن غاب سنة فأمرها بيدها، فغاب عنها سنة، فاختارت نفسها وتزوجت، ثم قدم زوجها (1) فأثبت البينة أنه قدم قبل السنة، قال: ترد إلى زوجها (2) وتنزع من الزوج الآخر وإن دخل بها، فلم يجعل التزويج والدخول فوتًا؛ لأن التعدي منها وهي بمنزلة من باع سلعة ثم تعدى فباعها من آخر أنها ترد إلى الأول.
فصل [في استحقاق الْمُسْلَم فيه أو الثمن ووقت الاستحقاق]
ومن أسلم ثوبين في فرس فاستحق الوجه منهما رد الباقي 170. واختلف إذا استحق الأدنى أو كانا متكافئين، فقال ابن القاسم: يرجع المسلم إليه بقيمة المستحق ويثبت السلم 171. وقال سحنون: يحط من السلم بقدر المستحق، إن كان المستحق الربع أو الخمس سقط من الفرس ربعه أو خمسه 172. قال الشيخ -رحمه الله-: المعروف من قول مالك وابن القاسم ألا يرجع بقيمة المستحق وإنما يرجع في قيمة ما أسلم 173 عليه ويرجع 174 شريكًا وإذا كان الحكم168169
الجزء: 12 - الصفحة: 5873
الرجوع في قيمة ما ينوبه من الفرس وكان الأجل قد حل 175 أخذ الفرس ودفع قيمة ربعه يوم يأخذه، وإن استحق قبل محل الأجل كان بالخيار، فإن أحب دفع قيمة ربعه 176 الآن على أنه يقبض إلى ما بقي من الأجل وإن أحب أمهل حتى يحل الأجل ويقع التقابض فيدفع إليه قيمة ذلك الربع على الحلول، وإن كان الاستحقاق بعد حلول الأجل وبعد قبض الفرس لم يكن عليه القيمة إلا يوم قبض؛ لأنه ذلك اليوم ضمنه وعمرت ذمته به، وقد تقدَّم ذكرُ هذا الأصل في كتاب العيوب بأبسط من هذا، والله الموفق للصواب.
تَمَّ كتابُ الاستحقاقِ بحمدِ اللهِ تعالى
وحُسْن عَوْنِهِ، وصلَّى الله على سيدنا ومولانا
محمدٍ وعلى آله وصحبه وسلَّم
الجزء: 12 - الصفحة: 5874