المسالة 120:
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- عباس حسن
- الكتاب
- النحو الوافي
- المؤلف
- عباس حسن (المتوفى: 1398هـ)
- الناشر
- دار المعارف
- الطبعة
- الطبعة الخامسة عشرة
- عدد الأجزاء
- 4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
صور من الحذف في أسلوب العطف:
حذف بعض حروف العطف مع معطوفها:
من حروف العطف ثلاثة يختص كل منها بجواز حذفه مع معطوفه بشرط أمن اللبس –كما سبق عند الكلام عليها1- وهذه الثلاثة هي: الواو، والفاء، وأم المتصلة.
فمثال حذف الواو مع معطوفها لدليل: أنقذت الغريق ولم يكن بين الموت إلا لحظات.
أي: لم يكن بين الموت وبينه....
وقول الشاعر:
إني مقسم ما ملكت؛ فجاعل ... قسما لآخرة، ودنيا تنفع.......
يريد: وقسم دنيا، أي: وقسما لدنيا ... ومثل قول الآخر:
فما كان بين الخير لو جاء سالما ... أبو حجر2 إلا ليال قلائل
أي: بين الخير وبيني.
ومما يصلح لهذا أيضا قول بعض العرب: "راكب الناقة طليحان3"، والتقدير: راكب الناقة والناقة طليحان.
ومثال حذف الفاء مع معطوفها لدليل قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ 4 أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ 5 مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ ، الأصل: فضرب فانبجست6.
وقوله تعالى:
﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ ، أي: فضرب فانفجرت، وتسمى هذه الفاء المذكورة في الكلام، والتي تعطف ما بعدها على الفاء المحذوفة مع معطوفها "فاء الفصيحة"1.
ومثال حذف "أم" المتصلة ومعها معطوفها بدليل -وحذفهما، قليل- قول الشاعر:
وقال، صحابي: قد غبنت، وخلتني
غبنت.
فما أدري أشكلكم شكلي؟ ...
والأصل: أشكلكم2 شكلي أم غيره؟ وكقول الآخر:
دعاني إليها القلب، إني لأمره ... سميع؛ فما أدري: أرشد طلابها؟
والتقدير: أرشد طلابها أم غي3؟
حذف المعطوف:
تنفرد الواو بجواز عطفها عاملا قد حذف وبقي معموله المرفوع أو المنصوب أو المجرور، فمثال المعمول المرفوع قوله تعالى لآدم: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ فكلمة: "زوج" فاعل بفعل محذوف، والجملة من الفعل المحذوف وفاعله المذكور معطوفة على الجملة الأمرية المكونة من فعل الأمر: "اسكن"
وفاعله. والتقدير: اسكن أنت، وليسكن زوجك1.
والسبب في هذا أننا لو أعربنا كلمة: "زوج" معطوفة بالواو على الفاعل المستتر لفعل الأمر لكان العامل في المعطوف "زوج" هو العامل في المعطوف عليه، أي: في الفاعل الستر.
فيكون الفعل: "اسكن" عاملا في فاعله، وفي كلمة: "زوج"، فهو الذي رفع كلمة "زوج" وهي بمنزلة الفاعل بسبب عطفها على الفاعل ويترتب على هذا أن يكون فاعل الأمر اسما ظاهرا مع أن نعل الأمر لا يرفع الظاهر.
هذا تعليلهم.
وهو تعليل مرفوض، يعارضه ما يرددونه كثيرا من أنه: "قد يغتفر في التابع ما لا يغتفر في المتبوع"، أو: "قد يغتفر في الثواني ما لا يغتفر في الأوائل".
فإذا امتنع أن يقع الاسم الظاهر فاعلا لفعل الأمر مباشرة فلن يمتنع أن يكون المعطوف على هذا الفاعل اسما ظاهرا؛ لأنه تابع أو ثان ينطبق عليه ما سبق من التوسع والتيسير؛ فلا داعي للتكلف والتقدير ...
ومثال المعمول المنصوب قوله تعالى في أنصار الدين ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾ ، ومعنى تبوءوا الدار أعدّوها للسكنى.
وهذا المعنى مناسب للدار؛ لكنه غير مناسب للإيمان، إذ لا يقال على سبيل الحقيقة: هيئوا الإيمان للسكنى؛ ومن ثم أعربت كلمة: "الإيمان" مفعول لفعل محذوف تقديره: "ألفوا" وهذه الجملة الفعلية المحذوفة معطوفة بالواو على الجملة الفعلية التي قبلها.
ومنه قول الشاعر:
إذا ما الغانيات برزن يوما ... وزججن الحواجب والعيونا
أي: وكحلن العيون؛ لأن التزجيج "وهو ترقيق الحاجب بأخذ بعض الشعر منه كي يصير منحنيا كالقوس" لا يصلح للعيون.
ومثال المعمول المجرور قولهم: ما كل سوداء فحمة، ولا بيضاء شحمة.
فكلمة: "بيضاء مجرورة بمضاف محذوف معطوف على "كل" والأصل "ولا كل بيضاء شحمة".
والداعي للتقدير هنا هو الفرار من العطف على معمولي عاملين مختلفين.
وإيضاح1 هذا أن كلمة: "سوداء" مضاف إليه فهي معمول، عامله هو المضاف؛ "لفظة: "كل" المذكورة" وأن "فحمة" خبر "ما" الحجازية فهي معمول، عامله: "ما"، فالعاملان مختلفان، وكذلك المعمولان.
فلو عطفنا "بيضاء" على "سوداء"، و"شحمة" على "فحمة" لزم العطف بعاطف واحد "هو: الواو" على معمولين مختلفين لعاملين مختلفين -كما يقولون- وهذا لا يبيحه كثرة النحاة ... إذ يجب أن يكون العامل في المتعاطفين واحدًا، لا أكثر.
وهذا الرأي أحق بالإتباع2 ...
ملاحظة: من موضوعات الحذف الهامّة: "حذف الموصول" وقد سبق تفصيل الكلام عليه3.
حذف المعطوف عليه، "أي: المتبوع":
يصح عند أمن اللبس.
حذف المعطوف عليه وحده إذا كانت أداة العطف هي: "الواو، أو: الفاء، أو: أم المتصلة، أو: "لا" العاطفة4....."
فمثال حذفه مع بقاء الواو5 أن يقول قاتل: مرحبا بك.
فتجيب: وبك وأهلا وسهلا؛ أي: ومرحبا بك وأهلا وسهلا.
فالجار والمجرور: "بك" متعلقان بكلمة: مرحبا، المحذوفة.
و"أهلا": الواو حرف عطف 0"أهلا"، معطوفة على: "مرحبا" المحذوفة، فالمعطوف عليه محذوف.
و"سهلا" "الواو" حرف عطف.
"سهلا" معطوفة على "مرحبا" المحذوفة فالمعطوف عليه هو المحذوف6.
ومثال الحذف مع بقاء الفاء قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ . والتقدير: أمكثوا فلم يسيروا1 ... ومثال الحذف مع بقاء "أم" المتصلة قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ﴾ والتقدير: أعلمتم أن دخول الجنة يسير أم حسبتم أن تدخلوا الجنة.
ومثال الحذف قبل "لا" العاطفة: "عاهدت نفسي أن أعمل الخير ... لا قليلا، وان أقول الحق ... لا بعض الأوقات" والأصل: أن أعمل الخير كثيرا لا قليلا، وأن أقول الحق كل الأوقات لا بعض الأوقات.
"ملحوظة" من أمثلة حذف المعطوف عليه هو بقاء حرف العطف: "الواو"، ما سجله ابن جني في كتابه المسمى: "تفسير أرجوزة أبي نواس في تقريظ الفضل بن الربيع2". قال عند شرحه بيت أبي نواس:
"وبلدة فيها زور ... صعراء تحظى في صعر"
ما نصه الحرفي: "قوله: وبلدة" ... قيل في هذه الواو قولان، أحدهما: أنها للعطف، والآخرك أنها عوض من "رب"؛ فكأنهم إنما هربوا من أن يجعلوها عاطفة لأنها في أول القصيدة، وأول الكلام لا يعطف.
ولا يمتنع العطف على ما تقدم من الحديث والقصص؛ فكأنه كان في حديث، ثم قال: وبلدة.
فكأنه وكل الكلام إلى الدلالة في الحال.
ونظير هذا قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ فالضمير "الهاء" يراد به القرآن، وإن لم يجر للقرآن ذكر.
وكذلك قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَاب﴾ يعني الشمس؛ فأضمرها وإن لم يحر لها ذكر.
وهذا في كلام العرب واسع فاش" ا. هـ كلام ابن جني1 ...
حذف حرف العطف وحده:
أشرنا من قبل2 إلى أنه يجوز حذف العاطف وحده ولا يكون هذا إلا في الواو، والفاء، وأو.
فمثال الواو قوله عليه السلام: "تصدق رجل، من ديناره، من درهمه، من صاع بره، من صاع تمره"، وما نقل من قول بعض العرب: أكلت خبزًا، لحمًا، تمرًا، وقول الشاعر:
كيف أصبحت؟ كيف أمسيت؟ مما ... يغرس الود في فؤاد الكريم
ومثال الفاء: قرأت الكتاب بابًا بابًا، وادخلوا الغرقة واحدًا واحدًا.
والتقدير بابًا فبابًا، وواحدًا فواحدًا.
ومثال: "أو" قولهم: أعط الرجل درهمًا، درهمين، ثلاثة..
تقديم المعطوف على المعطوف عليه:
ورد في المسموع تقديم "المعطوف" بالواو -دون غيرها- على المعطوف عليه، وهو تقديم شاذ -لا يجوز القياس عليه3- ومنه قول الشاعر:
وأنت غريم لا أظن قضاءه ... "ولا العنزي القارظ -الدهر-" جائيًا
أي: جاثيا هو، ولا العنزي.
وقول الآخر4:
أيا نخلة من ذات عرق ... عليك ورحمة الله السلام