المسألة 110
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- عباس حسن
- الكتاب
- النحو الوافي
- المؤلف
- عباس حسن (المتوفى: 1398هـ)
- الناشر
- دار المعارف
- الطبعة
- الطبعة الخامسة عشرة
- عدد الأجزاء
- 4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
:
ألفاظ المدح والذم:
"ومنها: "نِعْم"، و"بِئْس"1، وما جرىَ مجراهما"
في اللغة ألفاظ وأساليب كثيرة؛ تدل على المدح، أو الذم. بعضها يؤدي هذه الدلالة صريحة؛ لأنه وُضع لها من أول الأمر نَصًّا، وبعضها لا يؤديها إلا بقرينة2.
فمن الأول الذي يؤديها صريحة قولك: "أمدحُ، أُثْني، أَستحسِن ... أذم، أهجو، أستقْبحُ" ... وأشباهها، وما يشاركها في الاشتقاق، نحو: أمدح في الرجل تجلُّدَه، وحسنَ بلائه، وأذم فيه يأسه، وفتور عزيمته -أُثني عليك بما أحسنت، وأهجو من قبض يده عن الإحسان.
ومنها: الجميل، العظيم، الفاضل، الماجد، البخيل، الحقود، الخائن ... وغيرها من ألفاظ المدح والذم الصريحين.
ومن الثاني الذي يحتاج لقرينة: وَفْرة لا تكاد تعَدّ؛ في مقدمتها: أساليب النفي، والاستفهام، والتعجب3، والتفْضيل، ونحوهما؛ فإنها أساليب قد تضم أحيانًا إلى معناها الخاص دلالتها على المدح أو الذم، بقرينة؛ كقولك في إنسان يتحدث الناس بفضائله ومزاياه، أو: بنقائصه وعيوبه: "ما هذا بشرًا".
تريد في حالة المدح: أنه مَلَك، مثلًا، وفي حالة الذم: أنه شيطان.
ومثل قول شوقي:
هل المُلْك إلا الجيشُ شأنًا ومظهرًا؟ ... ولا الجيشُ إلا رَبُّه حين يُنسَبُ؟
وقوله: إِلامَ1 الخُلْفُ بينَكُمُ؟ إِلامَا؟ ... وهَذِي الضّجةُ الكُبرَى عَلامَا2؟ وفيمَ يَكيدُ بعضكمو لبعض؟ ... وتُبْدُون العداوةَ والخِصاما؟ وقول المتنبي: ما أبعدَ العيبَ والنقصانَ من شَرَ فِي!! وقوله في ذم قائد الجيش الرومي: فأَخْبِثْ به طالبًا قَهْرَهُمْ!! ... وأَخْيبْ به تاركًا ما طلبْ! وقول أعرابي سئل عن حًاكمين: أما هذا فاحرص الناس على الموت في سبيل الله، وأما ذلك فأحرص الناس على الحياة في سبيل الشيطان.. ومن النوع الأول الصريح: "نعم"، و"بئس" وما جرى مجراها من الألفاظ التي تدل نصبًا على المدح العام3 أو: الذم العام3، وتمتاز "نعم وبئس" من باقي نوعهما الصريح بأحوال وأحكام خاصة بهما، دون نظائرهما من النوع الصريح، وأشهر هذه الأحوال والأحكام ما يأتي: 1- دلالة "نعم" على المدح العام، و"بئس" على الذم العام ... 3
واعتبار كل لفظ منهما في هذه الحالة وحدها فعلًا ماضيًا، لازمًا1 جامدًا، لا بد له من فاعل.
ومع أن كلا منهما يعرب فعلًا ماضيًا فإنه متجرد من دلالته الزمنية، ومنسلخ عنها بعد أن تكوّنت منه وفاعله جملة "إنشائية غير طلبية"؛ يقصد منها إنشاء المدح العام، أو الذم العام، من غير إرادة زمن ماضٍ أو غير ماضٍ ... فكلاهما انتقل إلى نوع خاص من "الإنشاء المحض غير الطلبي" لا دلالة فيه على زمن2 مطلقًا، نحو: نعم أجر المخلصين -بئس مصير المتجبرين.
ولجمودهما في هذه الحالة وحدها لا يكون لهما مضارع، ولا أمر، ولا شيء من المشتقات.... وتلحقها تاء التأنيث -جوازًا -إذا كان فاعلهما اسمًا ظاهرًا مؤنثًا3، ويصح حذفها بكثرة، ولو كان الفاعل مؤنثًا حقيقيًا؛ نحو: نِعْم.... أو: نِعمتْ فتاة العمل والنشاط، وبئس ... ، أو: بئست فتاة البطالة والخمول.
أما في غير هذه الحالة بالمدح والذم فهما فعلان ماضيان، متصرفان، دالان على زمن مضى: نحو نعم العيش ينعم، فهو ناعم؛ أي: لانّ واتسع.
وبَئِسَ المريض يَبْأَس؛ فهو: بائس....
2- قَصْر فاعلهما على أنواع معينة، أشهرها ما يأتي:
1- المعرّف "بأل" الجنسية4، أو: "العهدية"5، نحو: نعم الوالد
الشفيق، وبئس الولد العاق.
وقول الشاعر:
حياةٌ على الضيْم بئس الحياةُ ... ونعم المماتُ إذا لم نَعِزْ1
ب- المضاف إلى المعرف "بأل" السابقة، نحو: نعم رجل الحرب خالدٌ، وبئس رجل الجبن والكذب مُسَيْلمةُ ...
ج- المضاف إلى المضاف إلى المعرف بها؛ نحو: نعم قارئ كتب الأدب، وبئس مهمل أمر اللغة.
د- الضمير المستتر وجوبًا بشرط أن يكون ملتزمًا الإفراد والتذكير2، وعائدًا على تمييز بعده3، يفسر ما في هذا الضمير من الغموض والإبهام؛ نحو: نعم قومًا العرب، وبئس قومًا أعداؤهم.
ففي كل من: "نعم" و"بئس" ضمير مستتر وجوبًا4 تقديره: "هو" مرادًا منه الممدوح، أو المذموم، ويعود على التمييز "قومًا" أي: نعم القوم قومًا ... وبئس القوم قومًا ...
ولا بد من مطابقة هذا التمييز لمعناهما، "أي: لا بد من مطابقته لما يسمى: "المخصوص" بالمدح أو الذم، بحيث يتطابقان تذكيرًا، وتأنيثًا، وإفرادًا، وغير إفراد"، نحو: نعم رجلين: القائد والجندي، نعم رجالا: الحليم، والصبور، والمتواضع.
نعم، أو: نعمت، فتاةً المجاهدة.
نعم، أو: نعمت، فتاتين: المجاهدتان.
نعم، أو: نعمت فتيات المجاهدات.
ولا بد أن يكن التمييز صالحًا لقبول "ألْ" المعرفة1، فلا يصلح أن يكون من الكلمات المتوغلة -غالبًا -في الإبهام؛ ككلمة: غير، ومثل: وشبه2.... ويجوز -في الرأي الراجح -أن يجتمع في أسلوب المدح أو الذم الفاعل الظاهر والتمييز3؛ نحو: نعم الشجاع رجلًا يقول الحق غيرَ هَيَّاب، وقول الشاعر:
نعْمَ الفتاةُ فتاةً هندُ لو بَذلتْ ... رَدَّ التحية نطقًا أَو بإِيماءِ1 ...
هـ- كلمة: "ما"2 أو: "من"3، نحو: "نعم ما يقول الحكيم المجرب، وبئس ما يقول الغر الأحمق"، ونحو: "نعم من تصحبه عزيزًا.
وبئس من ترافقه منافقًا".... وقيلَ: إن "ما" تتميز، والفاعل ضمير مستتر تفسّره "ما" وكذلك: "مَنْ".
و "الذي" "اسم موصول"؛ نحو: نعم الذي يصون لسانه عما لا يَحْسن، وبئس الذي يغتاب الناس.
ز- النكرة المضافة لنكرة، أو غير المضافة؛ كقول الشاعر:
فنَعم صاحبُ قومٍ لا سلاح لهم ... وصاحبُ الكربِ عثمانُ بنُ عفَّانا
ومثل: نعم قائد أنت ...
والنوعان الأخيران "وهما: الذي، والنكرة"، أقل الأنواع استعمالًا، وسُمُوًّا بلاغيًّا، مع جوازهما.
3- عدم نصبهما المفعول به؛ لأن كلا منهما في هذا الاستعمال فعل ماض جامد لازم -كما تقدم1.... ولكن يصح زيادة "كاف الخطاب" الحرفية في آخرهما، نحو: نِعْمك الرجل عثمان، وبئْسك الرجل زياد. وهذه الكاف حرف محض لمجرد الخطاب؛ فلا يعرب شيئًا، ولكنه يتصرف على حسب نوع المخاطب2.
وزيادته -مع جوازها -قليلة في الأساليب البليغة3.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
زيادة وتفصيل:
أ- إذا كانت: "أل" جنسية في مثل: "نعم الوالد عليّ" ونظائره طبقًا لما أوضحناه1، فقد يراد منها الدلالة على الجنس حقيقة؛ فكأنك تمدح كل والد.
ويدخل في هذا التعميم عليّ، ثم تذكره بعد ذلك خاصة؛ فكأنك مدحته مرتين؛ إحداهما مع غيره، والأخرى وحده.
وقد يكون المراد الجنس مجازًا؛ فكأنك جعلت الممدوح بمنزلة الجنس كله للمبالغة في المدح.
أمّا إذا كانت "أل" للعهد1، فقد تكون لشيء معهود في الذهن لم يذكر خلال الكلام؛ فتكون للعهد الذهني.
فإن ورد في الكلام فهي للعهد الذكري.
كالذي في قولهم:
خيرُ أيامِ الفتَى يومٌ نَفَعْ ... فاتْبَع الحقَّ، فنِعْم المُتَّبَعْ
و"أل" الجنسية أقوى وأبلغ في تأدية الغرض، والعهدية أوضح وأظهر.
ب- إذا وقعت كلمة: "ما"2 بعد: "نعم وبئس" جاز فيها إعرابات كثيرة؛ وأشهرها ما يأتي:
1- إعرابها حين يليها اسم منفرد "مثل: الزراعة نِعْم ما الحرْفُة" -إما نكرة تامة فاعلًا، وإما نكرة تامة: تمييزًا، وفاعل "نعم"، و"بئس" في هذه الصورة ضمير مستتر يعود على هذا التمييز، وتعرب الكلمة المنفردة التي بعدها "وهي: الاسم المنفرد" خبرًا لمبتدأ محذوف، أو مبتدأ والجملة قبلها خبر عنها -كما سنعرف في إعراب المخصوص-.
2- إعرابها حين يليها جملة فعلية، "مثل: نِعْم ما يقول العقلاء.
وبئس ما يقول السفهاء ... "، إما نكرة ناقصة، تمييزًا، والفاعل ضمير مستتر يعود عليها.
والجملة بعدها صفة لها.
وإما معرفة3 ناقصة، فاعلًا، والجملة بعدها صلتها.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
3- إعرابها حين تنفرد فلا يليها شيء؛ "نحو: الرياضة نعما، والإسراف فيها بئسما" إمَّا أن تكون نكرة تامة فاعلًا، وإمَّا تمييزًا، والفاعل ضمير مستتر يعود عليها.
ففي كل الأحوال السابقة يجوز أن يكون الفاعل ضميرًا مستترًا يعود على "ما" لا فرق بين أن تكون نكرة تامة، وناقصة، ومعرفة تامة.
كما يجوز أن تكون "ما" باعتباراتها المختلفة فاعلًا.
فإذا اعتبرناها نكرة ناقصة فالجملة بعدها صفتها، وإذا اعتبرناها معرفة ناقصة فالجملة بعدها صلتها، وإذا وقع بعدها كلمة منفردة، أو لم يقع بعدها شيء، فهي تامة، تعرب فاعلًا، أو تعرب تمييزًا والفاعل ضمير.
ولما كان كل نوع من أنواع "ما" مختلفًا في دلالته اللغوية عن النوع الآخر، كان تعدد هذه الأوجه الإعرابية جائزًا حين لا توجد قرينة توجه المعنى إلى أحدها دون الآخر؛ فإذا وجدت القرينة وجب الاقتصار على ما تقتضيه، فليس الأمر على إطلاقه -كما قد يتوهم بعض المتسرعين؛ ففي مثل: "لا أجد ما أتصدق به إلا اليسير؛ فيجيب السامع: نِعْم ما تجود به".
تكون "ما" هنا نكرة موصوفة؛ فكأنه يقول: نِعم شيئًا أي شيء تجود به، وفي مثل؛ أعطيتك الكتاب الذي طلبته؛ فتقول: نعم ما أعطيتني؛ فكلمة "ما" موصولة، وهكذا ... وإلا كانت الألفاظ ودلالتها فوضى.
والقرائن والأسرار اللغوية لا قيمة لها، ومثل هذا يقال في "ألْ" السابقة، من ناحية أنها للعهد أو للجنس ... وفي غيرها من كل ما يجوز فيه أمران، أو أكثر وتقوم بجانبه قرينه توجه إلى واحد دون غيره.
4- امتناع توكيد فاعلهما المفرد الظاهر توكيدًا معنويًا، فلا يصح نعم الرجل كلهم1 محمد، ولا بئس الرجل أنفسهم عليّ.
كما لا يصح: نعم الرجل كله محمد، ولا بئس الرجل نفسه عليّ2.... فإن كان فاعلهما مثني أو جمعها جاز، نحو: نعم الصديقان كلاهما، محمد وعلي- نعم الأصدقاء كلهم محمد وعلي وحامد.... ومثلهما المثنى والجمع للمؤنث ...
أما التوكيد اللفظي فلا يمتنع، وكذلك: "البدل، والعطف3". وأما النعت فيجوز إذا أريد به الإيضاح والكشف، لا التخصيص4، كقول الشاعر:
لعَمْري -وما عَمْرِي عليَّ بِهَيِّنٍ ... لبِئْس الفتَى المدعُوُّ بالليَّلِ حاتِمُ
وقال الآخر:
نعمَ الفتَى المُرِّيّ1 أنْتَ، إذا همو ... حضَروا لدى الحَجَرَات2 نارَ الْمُوقِد
فإن كان الفاعل ضميرًا مستترًا فلا يجوز أن يكون له تابع من نعت، أو عطف، أو توكيد، أو بدل.
5- حاجتهما -في الغالب- إلى اسم مرفوع بعدهما هو المقصود بالمدح أو الذم، ويسمى: "المخصوص بالمدح أو بالذم".
وعلامته: أن يصلح وقوعه مبتدأ، وخبره الجملة الفعلية التي قبله مع استقامة المعنى، نحو: "نِعْم المغرد البلبلُ، بئس الناعب الغرابُ"؛ فالبلبل هو: المخصوص بالمدح، والغراب: هو المخصوص بالذم، كلاهما يصلح أن يكون مبتدأ، والجملة الفعلية قبله خبره؛ فنقول: البلبل نعم المغرد.
الغرابُ بئس النَّاعب.
ويشترط في هذا المخصوص أن يكون معرفة، أو نكرة مختصة بوصف، أو إضافة، أو غيرهما من وسائل التخصيص3 ... وأن يكون أخص من الفاعل4، لا مساويًا له، ولا أعم منه5؛ وأن يكون مطابقًا له في المعنى، "فيكون مثله في مدلوله تذكيرًا، وتأنيثًا، وإفرادًا، وتثنية، وجمعًا".... وأن يكون متأخرًا عن الفاعل؛ فلا يتوسط بينه وبين فعله6، -ويجوز تقدمه على الفعل والفاعل معًا- كما يجب تأخره عن التمييز إذا كان الفاعل ضميرًا مستترًا له تمييز؛
نحو: نعم رجلًا المخترعُ.
أما إذا كان الفاعل اسمًا ظاهرًا، فيجوز تقديم "المخصوص" على التمييز وتأخيره، فنقول: نِعم العالِمُ رجلًا إبراهيم، أو: نِعم العالِمُ إبراهيم رجلًا.
وإذا كان المخصوص مؤنثًا جاز تذكير الفِعل وتأنيثه، وإن كان الفاعل مذكرًا؛ نحو: نعم الجزاء الهدية، ونعم الشريك الزوجة، أو نعمتْ، فيهما. والتذكير في هذه الحالة أحسن ليطابق الفاعل1.
حذف المخصوص:
يجوز حذف "المخصوص"، إن تقدم على جملته لفظ يدل عليه بعد حذفه، ويغني عن ذكره متأخرًا، ويمنع اللبس والخفاء في المعنى؛ ويُسمَّى هذا اللفظ؛ بـ"المُشْعِر بالمخصوص"؛ سواء أكان صالحًا لأنْ يكون هو "المخصوص" أم غير صالح2؛ ويعرب على حسب الحالة؛ مثل: سمعت شعرًا عذبًا لم أتعرَّف صاحبه، ثم تبينتُ أنه البُحْتريّ؛ فنعم الشاعر.
أي: فنعم الشاعر البُحْتريّ.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ ، أي: نعم العبد الصابر، ويصح: نعم العبد أيوب.
وعلى التقدير الأول يكون "المشعر" -وهو كلمة: "صابرا"- من النوع الذي لا يصلح أن يكون "مخصوصًا"؛ لأنه نكرة غير مختصة، بخلافه على "التقدير الثاني".
إعراب المخصوص:
المشهور إعرابان؛ أحدهما: أن يكون مبتدأ مؤخرًا، والجملة الفعلية التي قبله خبر عنه، كما في المثالين السالفين3 ...
وثانيهما: اعتباره خبرًا لمبتدأ محذوف وجوبًا، تقديره: "هو"، أو: هي أو غيرهما مما يناسب المعنى، ويقتضيه السياق، فيكون في المثالين السابقين3
مثلًا: نِعم المغرد هو البلبل، وبئس الناعب هو الغراب.
أي: الممدوح البلبل، والمذموم الغراب.
فالمراد من الضمير هنا: "الممدوح" أو: "المذموم".
وهناك إعراب ثالث؛ هو: أن يكون مبتدأ وخبره محذوف؛ تقديره: "الممدوح" أو "المذموم".
تلك هي الأوجه الثلاثة المشهورة، ويلاحظ أن كُلاَّ منها قائم على الحذف والتقدير، أو التقديم والتأخير، مع الركاكة والضعف، مع أن هناك رأيًا قديمًا آخر أولى بالاعتبار؛ لخلوه من تلك العيوب وغيرها؛ هو: إعراب المخصوص "بدلًا"1 من الفاعل؛ فيكون: "البلبل" بدلا من "المغرد"، ويكون: "الغراب" بدلًا من: "الناعب" ... هكذا ...
وحبذا الأخذ بهذا الرأي السهل الواضح في تقديرنا.
يجوز في هذا المخصوص أن تعمل فيه النواسخ؛ نحو: نعم مداويًا كان الطبيب؛ فهو اسم "كان" والجملة قبلها خبرها2 ...
ومن النوع الأول الصريح1: الفعل: حب" يكون للمدح العام مع الإشعار بالحُبّ، ويكثر أن يكون فاعله كلمة: "ذا" التي هي اسم إشارة2 نحو: حبذا الموسيقيّ إسحاق، وقول الشاعر:
يا حبذا النيل على ضوء القمرْ ... وحبذا المساء فيه والسحرْ
فإن جاء بعده الفاعل "ذا" وقبله: "لا" النافية كان للذم العام، نحو: لا حبذا البخيل مادر3.
وإنما كان معنى الفعل: "حب" هو: المدح مع الإشعار بالحب والقرب من القلب؛ لأنه فعل مشتق من مادة: "الحب"، وفاعله اسم إشارة للقريب.
وهو ينفرد بهذه المزية دون "نعم".
ومما يدل على الذم العام الصريح أيضًا الفعل: "ساء"، تقول: ساء البخيل مادر، كما تقول: بئس للبخيل مادر، وقول الشاعر:
أألوم من بخلت يداه وأغتدي ... للبخل تربًا4؟ ساء ذاك صنيعا!
فمعناهما واحد، هو: الذم العام5، وكذلك أحكامهما.
ومما تقدك نعلم "حبذا" جملة فعلية -على الرأي الأرجح -الفعل: فيها: "حب"، وهو هنا ماضٍ جامد6، وفاعله هو كلمة: "ذا" اسم الإشارة، مبنية
على السكون في محل رفع.
"الموسيقي" هو المخصوص بالمدح، ويعرب مبتدأ خبره الجملة التي قبله، أو خبر لمبتدأ محذوف، أو غير هذا مما فصلناه1 في إعراب "مخصوص: نعم وبئس إلا بدليل فلا يصح هنا.
ومن أحكام هذا المخصوص أيضًا أنه لا يصح تقدمه على الفاعل وحده، دون الفعل، ولا على الفعل والفاعل معًا، فلا يصح: حب على ذا، ولا على حبذا؛ لأن تقدمه غير مسموع في الكثير الفصيح من كلام العرب؛ فصارت: "حبذا" معه ثابتة الموضع والصورة كالمثل؛ والأمثال لا تتغير مطلقًا. هذا إلى أن تقدمه قد يوهم "في مثل الصورة الثانية التي يكون فيها المخصوص مفردًا مذكرا" أن الفاعل ضمير مستتر، وأن "ذا" مفعول لا فاعل، وفي هذا إفساد للمعنى، لكن يصح أن يتقدم على التمييز أو يتأخر عنه؛ نحو: حبذا رجلًا العصامي، أو: حبذا العصامي رجلًا، ويصح الفصل بالنداء بينه وبين "حبذا" كما يصح حذفه إن دلت عليه قرينة لفظية أو حالية2.
كقول الشاعر:
ألا حبذا لولا الحياة، وربما ... منحت الهوى ما ليس بالمتقاربِ
والأصل مثلًا: ألا حبذا أخبار الحب، أو النساء ... لولا الحياء، ولا يصح أن تعمل فيه النواسخ، بخلاف مخصوص "نعم" كما سبق1.
ومثل الإعراب السابق يقال في: لا حبذا البخيل مادر، مع إعراب "لا" حرف نفي، فليس ثمة خلاف بين الصيغتين في شيء إلا في وجود "لا" النافية قبل: "حبذا" مباشرة "أي بغير فاصل مطلقًا"2 ... وبسببها تصير الجملة لإنشاء الذم لا المدح.
ولا يصح أن يحل حرف نفي آخر محل: "لا" في هذا الموضع ومن الأمثلة الجامعة للصورتين قول الشاعر:
ألا حبذا عاذري في الهوى ... ولا حبذا الجاهل العاذل
وقول الآخر:
ألا حبذا أهل الملا، غير أنه ... إذا ذكرت ميٌّ فلا حبذا هيا
وإذا كان فاعل؛ "حب" -في حالتي النفي وعدمه- هو كلمة: "ذا" وجب أمران؛ فتح الحاء في "حب3" ... وأن يبقى الفاعل: "ذا" على صورة واحدة لا تتغير في الحالتين؛ هي صورة الإفراد والتذكير مهما كان أمر المخصوص من الإفراد، أو التثنية، أو الجمع، أو التذكير، أو التأنيث ... نحو: حبذا الطبيبة فاطمة.
حبذا الطبيبتان الفاطمتان.
حبذا الطبيبات الفاطمات.
حبذا الطبيب محمد.
حبذا الطبيبان المحمدان.
حبذا الطبيبون -أو الأطباء- المحمدون، فلا يصح إخراج "ذا" عن الإفراد
والتذكير؛ لأنها دخلت في أسلوب يشبه المثل، والأمثال لا تتغير مطلقًا، ولا تخالف الصورة الأولى التي وردت بها عن العرب1 ...
فإن كان فاعل: "حب" اسمًا آخر غير كلمة: "ذا" فإنه لا يلتزم صورة واحدة، وإنما يساير المعنى، فيكون مفردًا أو غير مفرد، مذكرًا، أو غير مذكر، كل هذا على حسب ما يقتضيه المعنى.
وعندئذ يجوز رفعه أو جره بباء زائدة في محل رفع، كما يجوز في "حاء" الفعل: "حب" أن تضبط بالفتحة أو الضمة، مثل: حب المضيء القمر، حب المضيئان القمران.
حبت المضيئات الأقمار ... وهكذا2؛ "لأنه يجري على "حب" من ناحية ضبط فائها وعينها ما يجري على مثلهما من الفعل الذي يحول إلى "فعل" وسيجيء الكلام عليه3".