النحو الوافيالمسألة 60: ظن وأخواتها

المسألة 60: ظن وأخواتها

عن هذه الطبعة
عَلَم
عباس حسن
الكتاب
النحو الوافي
المؤلف
عباس حسن (المتوفى: 1398هـ)
الناشر
دار المعارف
الطبعة
الطبعة الخامسة عشرة
عدد الأجزاء
4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

... ظن وأخواتها: المسألة 60: ظن وأخواتها 1 أمثلة: الكلام عنوان على صاحبه ... علمت الكلام عنوانًا على صاحبه المجاملة حارسة للصداقة ... ظننت المجاملة حارسة للصداقة الوفاء دليل على النبل ... اعتقدت الوفاء دليلًا على النبل الماء الجامد ثلج ... صبر البرد الماء ثلجًا الجلد أسود ... ردت2 الثمن المجلد أسود الخشب مشتعل ... تركت النار الخشب رمادًا من النواسخ ما يدخل -في الغالب3- على المبتدأ والخبر فينصبهما معًا، ويُغير اسمهما؛ إذا يصير اسم كل منهما: "مفعولًا به"4 للناسخ.
"مثل: علم، ظن - أعتقد - صبر ... ، وغيرها من الكلمات التي تحتها خط في الأمثلة المعروضة".
وهذا هو: "القسم الثالث" من النواسخ، ويشتهر باسم:

"ظن وأخواتها" وليس يه حروف؛ فكله أفعال، أو أسماء تعمل عملها.
وتنحصر هذه الأسماء في مصادر تلك الأفعال، وفي بعض المشتقات العاملة عملها.
فالفعل الماضي المتصرف1 هنا، لا ينفرد وحده بالعمل السالف؛ وإنما يشابهه فيه ما قد يكون له من مضارع، وأمر، ومصدر، واسم فاعل، واسم مفعول، دون بقية المشتقات2 الأخرى.
أما غير المتصرف فعمله مقصور على صبغته الخاصة به، إذا ليس لها فروع، ولا صيغ أخرى تتصل بها.
وقد ارتضى بعض النحاة تقسيم الأفعال العاملة هنا قسمين؛ مراعيًا الأغلب في استعمالها3؛ هما: "أفعال قلوب"4 و "أفعال تحويل"5.
ولا بد لكل

فعل من القسمين من فاعل1, ولا يغني عنه وجود المفعولين أو أحدهما: أ- فأما أفعال القلوب2 فمنها ما قد يكون معناه العلم.
"أي: الدلالة على اليقين3 والقطع"، ومنها ما قد يكون معناه الرجحان4 والنوعان صالحان للدخول - مباشرة - على المبتدأ الصريح، وعلى المصدر المؤول من "أن مع معموليها"، أو: "أن والفعل مع مرفوعة"5.
ويشتهر من الأفعال الأول6 سبعة: 1- علم7؛ مثل: علمت البر سبيل المحبة، وعملت المحبة سبيل القوة.
2- رأى8؛ مثل: رأيت الأمل داعي العمل، ورأيت اليأس رائد الإخفاق، وقول الشاعر:

رأيت لسان المرء وافد1 عقله ... وعنوانه؛ فأنظر بماذا تعنون؟ 2 3- وجد؛ مثل: وجدت ضعاف الأمم تهبًا لأقوياتها، ووجدت العلم أعظم أسباب القوة3.
4- دري؛ مثل: دريت المجد قريبًا من الدائب في طلبه، ودريت لذة إدراكه ماحية تعب السعي إليه.
5- ألفي4, مثل: ألفيت الشدائد صاقلة للنفوس، وألفيت إحتمالتها سهلًا على كبار العزائم.
6- جعل؛ مثل: جعلت5 الإله واحدَا، لا شك فيه.
7- تعلم6, مثل: "اعلم": مثل: تعلم وطنك شركة بين أبنائه، وتعلم نجاح الشركة رهنًا بالإخلاص والعمل.

ويشتهر من الأفعال الثانية1 ثمانية، هي: 1- ظن؛ مثل: ظن الطيار النهر قناة، وطن البيوت الكبيرة أكواخًا.
2- خال2, مثل: خال المسافر الطيارة أنفع له، وهو يحال الركوب فيها متعة.
3- حسب؛ مثل: أحسب السهر الطويل إرهاقًا، وأحسب الإرهاق سبيل المرض، وقول الشاعر: لا تحسبن الموت موت المبلي ... وإنما الموت سؤال الرجال3 4- زعم4؛ مثل: زعمت الملاينة مرغوبة في مواطن، وزعمت التشدد مرغوبًا في أخرى.

(5) عَدَّ؛ مثل: عدَّدت الصديق أخاً.
وقول الشاعر: فلا تَعْدُد المولَى 1 شريكَك في الغنى ... ولكنما المولَى شريكُكَ في العُدمِ 2 (6) حَجَا 3 ؛ مثل: حَجَا السائحُ المِئذنة بُرْجَ مراقبة.
وقول الشاعر: قد كنت أحْجُو أبا عمْروٍ أخاً ثقةً ... حتى ألَمَّتْ بنا يوماًَ مُلِمَّاتُ (7) جَعَلَ؛ مثل: جعل الصياد السمكةَ الكبيرةَ حوتاً.
وقوله تعالى في المشركين: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ ... 4 [الزخرف: 19] (8) هَبْ؛ ": هبْ مالَك سلاحاً في يدك؛ فلا تعتمد عليه وحده 5 ... وهذا الفعل دون بقية أفعال الرجحان السّالفة -جامد، ملازم صيغة الأمر 6


(ب) وأما أفعال التحويل (أو: التَّصيير) فأشهرها سبعة، ولا تدخل على مصدر مؤول من "أنَّ" مع معموليها، أو: من "أنْ" الفعل مع مرفوعه 7 - وهي: (1) صَيَّر؛ مثل: صَيَّر 8 الصائغُ الذهب سبيكةً، وصَيَّر السبيكةَ سوَاراً.

(2) جَعَلَ؛ مثل: جعل الغازلُ القطنَ خيوطاً، وجعل الحائك الخيوط نسيجاً 1 ... وقول الشاعر: اجعلْ شعارك رحمةً ومودةً ... إن القلوب مع المودة تُكْسَبُ (3) اتَّخذَ؛ مثل: اتخذ المهندسون الحديدَ والخشبَ باخرةً، واتخذ المسافرون الباخرةَ فُنْدُقاً.
(4) تَخٍِذَ؛ مثل: تَخِذَت الحرارةُ الثلجَ ماءً، وتَخِذَت الماءَ بخاراً.
(5) تَرَك؛ مثل: ترك الموجُ الصخورَ حصىً، وتركت الشمس الحصَى رمالا.
(6) رَدَّ؛ مثل: ردّ الأمل الوجوهَ الشاحبةَ مُشْرقةً، وردّ النفوس اليائسة مستبشرةً.
(7) وَهَبَ؛ مثل: وهَبَت الحَبَّ دقيقاً، ووهبت الدقيقَ عجيناً 2 .


وفيما يلي بيان موجزَ للأفعال السابقة 3 ، وأنواعها المختلفة:

ظن وأخواتها

أ- أفعال قلْبية

  • أفعال يقين، وأشهرها سبعة: (1) علِمَ 1 (2) رأى (3) وجَد (4) دَرَى (5) ألفَى (6) جَعَل (7) تعلَّم، بمعنى: اعلم
  • أفعال رجحان، وأشهرها ثمانية: (1) ظنّ (2) خال (3) حسِبَ (4) زعم (5) عَدَّ (6) حَجَا (7) جعل (8) هبْ

ب- أفعال تحويل أشهرها سبعة: (1) صَيَّر (2) جَعَل (3) اتخذَ (4) تَخِذَ (5) تركَ (6) ردّ (7) وهبَ =أي: انصب بفعل القلب جملة ذات ابتداء -وهي الجمل الاسمية الخالصة- وسرد في الأبياد كثيراً من أفعال القلوب التي شرحناها؛ منها ما يدل على اليقين، ومنها ما يدل على الرجحان.
وقبل سردها صرح بكلمة: "أعني" ليدل على أن المقصود أفعال معينة، دون غيرها؛ فليس كل فعل قلبي ينصب مفعولين -كما أوضحنا في رقم 2 من هامش ص5- وطالب أن تنصب هذه الأفعال جزأي ابتداء (وهما: المبتدأ والخبر) كما أشار إلى أن "جعل" إذا كان من أفعال القلوب -أي: بمعنى الفعل: "اعتقد" فإنه ينصب مفعولين مثله.
وهو يختلف في المعنى والعمل عن "جعل" الذي سبق الكلام عليه في باب: "أفعال المقاربة والشروع" من الجزء الأول، كما يختلف في معناه عن "جعل" الذي هو من أفعال الرجحان، والذي من أفعال التحويل والتصيير؛ كما عرفنا في الشرح.
والفعل: "اعتقد" معدود من أفعال كثيرة قد تنصب مفعولين ولم تذكر في هذا الباب.
منها: تيقن - تمنى - توهم - تبين - شعر - أصاب ... إلى غير هذا مما سرده صاحب الهمع في هذا الباب (ج1 ص151) ونقل بعضه الصبان هنا.
أما أفعال التحويل والتصيير فلم يذكرها ابن مالك، واكتفى بأن يشير إليها بقوله: ...... والَّتِي كَصَيَّرا ... أَيضاً بِهَا انْصِبْ مُبْتَداً وخَبَراً أي: انصب -أيضاً- مبتدأ وخبراً بالنواسخ التي مثل "صير" في إفادة التحويل.
وقضت ضرورة الشعر على الناظم بزيادة الألف في آخر الفعلين: "وجد"، "صير"، وبتخفيف الدال في الفعل: عدّ.
أما كلمة: "اللذ" في أبياته فهي لغة صحيحة في "الذي".

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  زيادة وتفصيل: 1 ليس من اللازم -كما أشرنا (1) - أن يكون المفعولان أصلهما المبتدأ والخبر حقيقة، بل يكفي أن يكون أصلهما كذلك ولو بشيء من التأويل المقبول، كالشأن في أفعال التحويل، وكالشأن في: "حسب"؛ مثل: صيرُ الفضة خاتَماً؛ إذ لا يصح المعنى بقولنا: الفضةُ خَاتَمٌ؛ لأن الخبر هنا لس هو المبتدأ في المعنى الحقيقي؛ فليست الفضة هي الخاتم، وليس الخاتم هو الفضة؛ إلا على تقدير هذه الفضة ستئُول 2 إلى خاتم.
ومثل: حسبت المِرِّيخَ الزُّهَرَة؛ إذ لا يقال على سبيل الحقيقة المحضة: المِرِّيخُ الزُّهَرة؛ لفساد المعنى كذلك؛ فليس أحدهما هو الآخَر، إلا على ضرب من التشبيه.
أو نحو من التأويل السائغ، المناسب للتعبير.
فالأول (أي: التشبيه) قد جعل المفعول الثاني بمنزلة ما أصله الخبر.
وإن لم يكن خبراً حقيقياً في أصله.
هذا كلامهم.
والواقع أنه لا داعي لهذا التمحل، والتماس التأويل؛ إذ يكفي أن يكون فصحاء العرب قد أدخلوا النواسخ على ما أصله المبتدأ والخبر حقيقة، وعلى ما ليس أصله الحقيقي المبتدأ والخبر، مما يستقيم معه المعنى المراد بغير غموض.
(ب) ليس من اللازم أن تدخل أفعال هذا الباب القلبية على المبتدأ والخبر لتنصب كلاًّ منهما مباشرة 3 فقد تدخل على "أنّ" مع معموليها، أو: على "أنْ" مع الفعل؛ فيكون المصدر سادّاً مسد المفعولين 4 ، مغنياً عنهما.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  مثل: علمت أن السباحة أسْلمُ من الملاكمة، وأظن أن العاقل يختار الأسلم وقول الشاعر: يرى الجبناء أن الجبن حزمٌ ... وتلك خديعة الطبع اللئيم ومثل: دَرَيت أن الكِبْرُ بغيض إلى النفوس الكبيرة، ووجدت أن صغائر الأمور محببة إلى النفوس الصغيرة.
ومثل: من زعم أن يَخْدعَ الناسَ فهو المخدوع ومن حسب أن يدرك غايته بالتمني فهو مخبول 1 . أما أفعال التحويل فلا تدخل على "أنّ" ومعمليها، ولا على "أنْ" والفعل مع فاعله 2 ... (ج) جرى بعض النحاة على تقسيم الأفعال القلبية السابقة أربعة أقسام، بدلاً من اثنين: فلليقين وحده خمسة: وجد - تَعلمْ، بمعنى: اعلم - دَرى - ألْفَى - جعل.
وللرجحان وحده خمسة: جعل - حجا - عدّ - زعم - هبْ، بمعنى: ظُنّ.
وللأمرين والغالب اليقين، اثنان: رأى - علِم.
وللأمرين والغالب الرجحان، ثلاثة: ظنّ - خال - حَسِب.
=الرأي القائل: إنه يسد مسد المفعول الأول، وأن المفعول الثاني محذوف، وتقديره: "ثابتاً"، أو ما يشبهه؛ ففي نحو: وجدت أن الصب أنفع في الشدائد -يقدرون: وجدت نفع الصبر في الشدائد ثابتاً ... وهذا نوع من التضييق والإطالة لا داعي له.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  لكن التقسيم الثنائي أنسب، لأنه أدمج القسم الثالث فى الأول، والرابع في الثاني؛ نظراً للغلب عليهما، وتقليلاً للأقسام 1 ، واكتفاء بالإشارة إلى أن كل فعل يستعمل في معنىً آخر غير ما ذكر له، مع ضرب أمثلة لذلك: 1- فمن أفعال اليقين وألفاظه ما يستعمل في الرجحان؛ فينصب مفعولين أيضاً، وقد يستعمل في بعض المعاني الأخرى، فينصب مفعولاً به واحداً، أو لا ينصب؛ فيكون لازماً.
كل ذلك على حسب معناه اللغوي الذي تدل عليه المراجع اللغويَّة الخاصة، وليس هنا موضع استقصاء تلك المعاني؛ وإنما نسوق بعضها: فمن الأمثلة: الفعل "عَلِمَ"؛ فإنه ينصب المفعولين حين يكون بمعنى: اعتقد وتيقن -كما سبق-؛ مثل: علمت الكواكبَ متحركةً.
وقد يكتفي بمفعول به واحد في هذه الحالة؛ بأن نأتي بمصدر المفعول الثاني، وننصبه مفعولاً به، ونكتفي به، بعد أن نجعله مضافاً أيضاً، ونجعل المفعول الأول هو المضاف إليه.
فنقول: علمت تَحَرّكَ الكواكب، فيستغني عن المفعول الثاني وعن تقديره.
ومن النحاة من لا يقصر هذا الحكم على "عَلِمَ"؛ بل يجعله عامًّا في جميع أفعال هذا الباب؛ فيحيز إضافة مصدر المفعول الثاني إلى المفعول الأول، والاكتفاء بهذا المصدر مفعولاً به واحداً 2 . وقد يكون بمعنى: "ظن" فينصب مفعولين أيضاً؛ مثل أعْلَمُ الجوَّ بارداً في الغد.
فإن كان بمعنى: "عرف" نصب مفعولاً به واحداً 3 ؛ مثل:

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  علمت الخبر، أي عرفته 1 . وإن كان بمعنى: "انشَقّ" فهو لازم لا ينصب المفعول المفعول به؛ مثل عَلِم البعيرُ 2 ، أي: انشقت شفته العليا ... والفعل: "رأى" ينصب المفعولين إذا كان بمعنى: اعتقدَ وتيقَّن، أو: =أن "العلم" الذي بمعنى: "المعرفة" يتعلق بنفس الشيء وذاته المادية؛ تقول: "علمت القمر"، كما تقول "عرفت القمر" كلاهما معناه منصب على ذاته المحسوسة وجرمه، (أي: حقيقته المادية) وعلى هذا تكون "علم التي بمعنى: "عرف" مختصة عندهم بما يسميه المناطقة: "الذات" أو: "الشيء المفرد" أي: "البسيط" وكلا الفعلين بهذا المعنى يتعدى لواحد.
أما "علم" الناصبة للمفعولين فمختصة -عند تلك الكثرة- بوصف الذات بصفة ما، ولا شأن لها بالذات وحدها مباشرة، مثل: علمت القمر متنقلاً.
أي: علمت اتصاف ذات القمر بالتنقل، وليس المراد علمت ذات القمر وجرمه.
فالفعل "علم" بهذا المعنى مختص بما يسميه المناطقة: "الكليات".
على أساس ما سبق كله يكون القائل: "عرفت قدوم الضيف" مريداً عرفت القدوم ذاته، دون زيادة أخرى عليه، فهو لا يريد وصف الضيف بالقدوم بخلاف من يقول: علمت من الرسالة الضيف قادماً، فإنه يريد اتصاف الضيف بالقدوم، ولا يريد أنه علم حقيقته القدوم المنسوب إلى الضيف، بشرط أن يكون الفعل "علم" في هذا المثال ناصباً مفعولين.
وقال الرضى: لا فرق بين الفعلين في المعنى، وإنما الفرق في العمل؛ فالفعل: علم "بمعنى: عرف" ينصب مفعولاً واحداً، والآخر ينصب مفعولين، بالرغم من تساويهما معنى؛ لأن العرب هي التي فرقت بينهما في العمل دون المعنى، فلا اعتراض عليها.
غير أن كلامه هذا -مع قبوله والارتياح له- مناقض لما قرره في هذا الشأن في باب: "كان" -كما نصوا على ذلك- والحق أن الخلاف بين الآراء السابقة يسير، يكاد يكون شكليًّا، ذلك أن بين الفعلين (المتعدي لواحد والمتعدي لاثنين) فرقاً في المعنى الحقيقيّ لا المجازي، وأنه لا مانع من استعمال أحدهما مكان الآخر مجازاً لسبب بلاغي.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بمعنى: "ظَنّ".
وقد اجتمع المعنيان في قوله تعالى عن منكري البعث ويوم القيامة: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (6) وَنَرَاهُ قَرِيبًا﴾ 1 [المعارج: 6، 7] فالفعل الأول بمعنى: "الظن" والثاني بمعنى: اليقين 2 . وكلاهما نصب مفعولين.
وكذلك إن كان معناه مأخوذاً من: "الحُلمُ" (أي: دالاًّ على الرؤيا المنامية) ، نحو: كنت نائماً؛ فرأيت الصديق مسرعاً إلى القطار 3 . فإن كان معناه الفهم وإبداء الرأي في أمر عقليّ فقد ينصب مفعولاً به واحداً، أو مفعولين، على حسب مقتضيات المعنى؛ مثل: يختلف الأطباء في أمر القهوة؛ فواحد يراها ضارَّةً، وآخر يراها مفيدةً إذا خلت من الإفراط.
أو: واحد يرى ضررها، وآخرُ يرى إفادتها.
فإذا نظرت رأيت قوماً سادة ... وشجاعة، ومهابة، وكمالا وقول الآخر: إنّ العرانين تلقاها محسَّدة ... ولن ترى للئام الناس حسَّادا

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ْوكذلك أن كان معناه أصاب: الرئة؛ مثل انطلق السهم فرأى الغزَالَ؛ أي: أصاب رئتهُ.
وقد أشرنا قريباً 1 إلى أن الأساليب العالية يتردد فيها الماضي: "رأى" -دون المضارع، والأمر، والمشتقات الأخرى- مسبوقاً بأداة استفهام.
ومعناه: "أخْبِرني"؛ نحو: أرأيتَكَ هذا القمر، أمسكون هو؟ وينصب مفعولاً به، أو مفعولين، على حسب المراد من الأسلوب، وأوضحنا الأمر بإسهاب فيما سبق 2 كذلك يتردد في تلك الأساليب وقوع المضارع: "أُرَى" مبنيّاً للمجهول -غالباً- على حسب السماع، وناصباً للمفعولين 3 ؛ لأن معناه: "أظنُّ"

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الدال على الرجحان؛ نحو: كنت أُرى الرحلة مُتْعبة، فإذا هي سارّة.
ولا يكون معناه في الفصيح الوارد: "أعْلَمُ"؛ الدّال على اليقين، بالرغم "أَرى" الدال على العلم واليقين، ينصب ثلاثة، هو استعماله بمعنى الفعل: "أظن" المتعدي لاثنين، من باب الاستعمال في اللازم؛ لأن معنى: "أَرى العالمُ الناسَ السفر سَهلا" هو: "جعل العالم الناس ظانين السفر سهلا" وصحة هذا المعنى تستلزم صحة قولنا: ظن الناس السفر للكواكب سهلا.
أما إن كان الفعل "أَرى" مفتوح الهمزة (أي: غير مبتي للمجهول، وهذا جائز) ومعناه: "أظن" فينصب مفعولين بغير حاجة لتأويل واضح التكلف والالتواء، كالذي سبق.
الثانية: أن الفعل: "أُرى" المضارع المبني للمجهول سماعاً، ينصب ثلاثة من المفاعيل برغم أنه بمعنى أنه بمعنى: الظن، وأن ماضيع بمعنى: "أُظْننْت" وأول المفاعيل الثلاثة هو الذي صار نائب فاعل، ويليه المفعولان المنصوبان.
ويقولون: إن الفعل "أُرى" المبني للمجهول هو المضارع للفعل الماضي: "أُريت" المبني للمجهول أيضاً، بمعنى: "أُظْننْتُ" كما سبق، وإن العرب لم تنطق بالماضي "أُريت" إلا مبنيّاً" للمجهول، ولم يعرف عنهم بناؤه للفاعل، كما لم يعرف عنهم أنهم قالوا: "أٌظْننْت" ببناء الماضي "أظننت" للمجهول مع أنه بمعنى الماضي "أُريت".
وفي هذه الإجابة بعض اليسر ومسايرة القواعد العامة، وإن كانت -كالأولى- لا تخلو من تكلف، والتواء.
وخير منها أن نقول: (إذا كان المضارع "أُرى" المبني للمجهول بمعنى: "أظن" فإنه يرفع نائب فاعل، وينصب بعده مفعولين فقط) وبهذا نستريح من الإطالة والإعانات والتأويل، ولن يترتب على هذا الرأي ضرر لفظي أو معني.
وقد اتفق النجاة على أن نائب فاعله لابد أن يكون ضميراً للمتكلم الواحد أو الأكثر، نحو: شاع الحديث عن الحياة في الكواكب، وأُرَى المرِّيخ مأهولا.
أو نُسري المريخ مأهولا.
وقد يكن للمخاطب؛ كقراءة من قرأ الآية الكريمة: (وتُرَ الناسَ سكارى) بنصب كلمة: "الناس".
مما تقدم نعلم أنه لابد للمضارع: "أُرى" الذي سبق الكلام عليه -من نائب فاعل يكون ضميراً للمتكلم- في الأغلب -ومن مفعولين منصوبين.
أما الفعل: "أُريت" الذي يتردد في الأساليب الصحيحة أيضاً بصيغة الماضي المبني للمجهول- فقد يكون بمعنى: "أُظنْنْتُ"، لكن الغالب في استعماله أن يكون بمعنى: "أُعْلمت" أي: من مادة "العلم" لا من مادة الظن.
(راجع في كل ما سبق: حاشية الخضري، والصبان، والتصريح، في باب "إن وأخواتها" عند الكلام على المواضع التي يجوز فيها فتح همزة "أن" وكسرها، ومنها: "إذا الفجائية".
وبيت الشاعر: وكنت أُرى زيداً كما قيل سيداً ... الخ، ثم راجع بعد ذلك المراجع السالفة في باب "ظن" عند الكلام على "رأى" وأنواعها.
بقي بعد ذلك -بهذه المناسبة- سؤال؛ هو: أهناك فعل مبني للمجهول دائماً؟ الجواب: لا؛ طبقاً لما سيجيء في ص108.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  من أنّ الماضي: "أُريتُ" المبني للمجهول والمسند للضمير: "التاء" -لا يستعمل في الأكثر إلا بمعنى: "أُعْلِمْتُ" المفيد لليقين؛ مثل: أُرِيتُ الخير في مقاومة الباطل.
وكذلك يتردد في بعض الأساليب المسموعة وقوع المضارع: "تَرَى" قد حذف آخره، وقبله الحرف: "لا"، أو: "لو"، وبعده "ما" الموصولة في الحالتين.
ومعناه فيهما: "لا سيَّما"، مثل: كرّمت الضيوف، لا تر ما عليّ -أو: كرّمت الضيوف لو ترما عليّ.
والمعنى ولا سيّما عليّ 1 ... والفعل: "وجَد" قد يكون بمعنى: "لقِيَ، وصادف"، فينصب مفعولاً به واحداً؛ نحو: وجدت القلم.
وقد يكون بمعنى "استغنَى"، فلا يحتاج لمفعول؛ نحو: وَجَد الأبيُّ بعمله.
والفعل: "دَرَى" قد ينصب المفعولين كما سبق، والأكثر استعماله لازماً مع تعديته إلى مفعوله بحرف الجر: "الباء"؛ نحو: "دَرَيتُ بالخبر السارّ.
فإن سبقته همزة التعدية نصب بنفسه مفعولاً آخر مع المجرور؛ نحو: قد أدريتك بالحبر السارّ 2 . وكذلك يتعدى لواحد إن كان بمعنى: "ختلَ" (أي: خدَع) نحو: دَرَيت الصيد؛ بمعنى: ختلتهُ وخدعتهُ.
والفعل: "تعلَّمْ" ينصب المفعولين حين يكون جامداً بمعنى: "اعْلَمْ".
فإن كان مشتقًّا بمعنى: "تَعَلَّمْ" نصب مفعولاً به واحداً؛ مثل: تَعَلَّمْ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  فنون الآداب 1 . والفعل: "ألفَى" قد يكون بمعنى: "وَجَدَ" و"لَقِيَ" فينصب مفعولاً به واحداً؛ نحو: غاب عصفوري، ثم ألفيتُهُ.
2- ومن أفعال الرجحان ما قد يستعمل في اليقين؛ فينصب المفعولين أيضاً.
وقد يستعمل في بعض المعاني اللغوية الأخرى؛ فينصب بنفسه مفعولاً واحداً؛ أوْ لا ينصبه؛ وذلك على حسب ما ترشد إليه اللغة.
ومن أمثلة ذلك الفعل: "خال" فمعناه اليقين في نحو: إخالُ الظلمَ بغيضاً إلى النفوس الكريمة.
وكذلك في نحو: حَسِبت المالَ وقايةً من ذل السؤال.
فإن كان "حَسِبَ" 2 بمعنَى: "عَدّ" نصب مفعولاً به واحداً؛ نحو: حَسَبت النقود التي معي.
أي: عددتها.
وإن كان معناه صار ذا بياض، وحمرة، وشقرة -كان لازماً؛ نحو: حَسِب الغلام ... و ... والفعل: "جعل" إن كان بمعنى: "أوْجَد" أو بمعنى: "فَرَض وأوجب" -نصب مفعولاً به واحداً؛ نحو: جعل الله الشمس، والقمر، والنجوم، وسائر

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  المخلوقات، أى: أوجدها وخلقها 1 ..، ونحو: جعلت للحارس أجراً 2 ، بمعنى فرضت له، وأوجبت عليّ ... والفعل؛ "هبْ" ينصب مفعولاً به واحداً إن كان متصرفاً 3 أمراً من الهبة؛ نحو: هبْ بعض المال لأعمال البرّ 4 . أو أمراً من الهيبة؛ نحو: هبْ ربَّك في كل ما تقدم عليه من عمل.
وهكذا 5

جارٍ التحميل