النحو الوافيالمسألة 127: النداء وما يتصل بأحكامه

المسألة 127: النداء وما يتصل بأحكامه

عن هذه الطبعة
عَلَم
عباس حسن
الكتاب
النحو الوافي
المؤلف
عباس حسن (المتوفى: 1398هـ)
الناشر
دار المعارف
الطبعة
الطبعة الخامسة عشرة
عدد الأجزاء
4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

المسألة 127: النداء 1 وكل ما يتصل بأحكامه هو: توجيه الدعوة إلى المخاطب، وتنبيه للإصغاء، وسماع ما يريده المتكلم2.
وأشهر حروفه ثمانية: الهمزة المفتوحة، مقصورة أو ممدودة - يا - أيا - هيا - أي، مفتوحة الهمزة المقصورة أو الممدودة، مع سكون الياء في الحالتين - وا - ... 3. ولكل حرف منها موضع يستعمل فيها: أ- فالهمزة المفتوحة المقصورة لاستدعاء المخاطب القريب4 في المكان الحسي أو المعنوي؛ كالتي في قول الشاعر ينصح ابنه أسيدا: أأسيد إنْ مالا ملكـ ... ـت فسر به سيرا جميلا وكالتي في قول الآخر: أرب الكون: ما أعظم قدرتك، وأجل شأنك.
ب- ستة أخرى؛ "هي: آ - يا4 - أيا - هيا - أي، بسكون الياء مع

فتح الهمزة مقصورة وممدودة" لاستدعاء المخاطب البعيد1 حسا أو معنى، والذي في حكم البعيد؛ كالنائم، والغافل.
فمثال "يا"1 قول الشاعر في مدح الرسول: كيف ترقى رقيك الأنبياء ... يا سماء ما طاولتها سماء ومثال "أيا" قول بعضهم: "أيا متوانيا وأنت سليل العرب الأبطال، لا تنس مجدهم على الأيام".
ومن الممكن وضع حرف آخر من الأحرف الباقية موضع "أيا" في هذا المثال.
أما تحديد القرب والبعد فمتروك للعرف الشائع: سواء أكانا حسيين أو معنويين.
ج- "وا" ويستعمل لنداء المندوب1؛ كقول الشاعر في الرثاء: وامحسنا ملك النفوس ببره ... وجرى إلى الخيرات سباق الخطا وقول الآخر: واحر قلباه ممن قلبه شبم2 د- وقد تسعمل: "يا" للندبة3 بشرط وضوح هذا المعنى في السياق. وعدم وقوع لبس فيه؛ كالآية الكريمة التي تحكي قول العاصي يوم القيامة: ﴿يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ . وقول الشاعر في رثاء الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز: حملت أمرا عظيما، فاصطبرت له ... وقمت فيه بأمر الله يا عمرا فإنشاء الشعر بعد موت "عمر" العادل دليل على أن "يا" للندبة. فإن التبس الأمر بين أن تكون "يا" للندبة أو لا تكون، وجب ترك "يا"، والاقتصار على: "وا"؛ كأن تقول: في ندبة "عمر": وا عمر، ولا يصح مجيء "يا" إذا كان أحد الحاضرين يسمى: عمر4.
1، 1 انظر "ب" من ص5.

حذف حرف النداء: أ- يصح حذف حرف النداء "يا" -دون غيره- حذفا لفظيا فقط، مع ملاحظة تقديره.
كقول الشاعر في رثاء زعيم وطني شاب1: زين الشباب وزين طلاب العلا ... هل أنت بالمهج الحزينة داري؟ وقول الآخر: إنما الأرض والسماء كتاب ... فاقرءوه معاشر الأذكياء التقدير: يا زين الشباب -يا معاشر الأذكياء.
ب- وهناك مواضع لا يصح فيها حذف الحرف "يا"، أشهرها: 1- المنادي المندوب2؛ كالأمثلة السالفة.
2- نداء لفظ الجلالة غير المختوم بالميم المشددة، نحو: يا الله.
3- المنادى البعيد؛ كقول الشاعر: يا صادحا يشدو على فنن ... رحماك قد هيجت لي شجني 4- المنادى النكرة غير المقصودة3.
نحو: يا محسنا لا تكدر إحسانك بالمن.
5- المنادي المستغاث4.
كقول الشاعر: يا لقومي لعزة وفخاء ... وسباق إلى المعاني وسبق 6- المنادى المتعجب منه؛ نحو: يا لفضل الوالدين؛ للتعجب من كثرة فضلها.
وللمنادى الناء، أو كالناء: "يا" ... و: أي - و: آ - كذا: أيا - ثم: هيا والهمز للداني، و: "وا" لمن ندب ... أو: "يا" وغير "وا" لدى اللبس اجتنب "التاء= النائي، أي: البعيد.
الداني= القريب" سرد أحرف النداء، وبين أن "يا" والأربعة التي بعدها تستعمل للبعيد وما يشبه، وأن الهمزة لنداء القريب، وأن "وا" للمندوب، وكذا: "يا" بشرط أسن اللبس.
أما عند اللبس فيجتنب استعمال "يا" في الندبة.
وهذا هو المراد من قوله: وغير "وا" لدى اللبس اجتنب" أي: اجتنب عند اللبس استعمال حرف في الندبة غير "وا".

7- المنادى ضمير المخاطب، عند من يجيز نداءه؛ كقول الشاعر: يا أنت يا خير الدعاة للهدى ... لبيك داعيا لنا وهاديا أما ضمير غير المخاطب فلا ينادي مطلقا1.
ج- ويقل الحذف -مع جوازه- إن كان المنادى اسم إشارة غير متصل بكاف الخطاب2، أو كان اسم جنس لمعين3، فمثال الأول قول أعرابي لابنه: "هذا، استمع لقول الناصح ولو أغضبك قوله؛ فمن أحبك نهاك؛ ومن أبغضك أغواك".
وقول آخر لأولاده: "هؤلاء، اعلموا أن أقوى الناس من قاوم هواه، وأشجعهم من حارب الباطل ... " أي: يا هذا - يا هؤلاء.
. . ومثال الثاني قول بعض الأدباء وقد برح به السهر: "ليل، أمالك آخر يدنو؟ وهل للحزن آخر؟ صبح، أما لك مقدم يرجى؟ وهل في الفجر مطمع؟ " يا ليل، يا صبح، لليل وصبح معينين.
ومن هذا قول العرب: أطرق كرا4؛ إن النعام في القرى.
أي: يا كروان.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  زيادة وتفصيل: أ- يمتاز الحرف: "يا" بأنه أكثر أحرف النداء استعمالا: وأعمها؛ لدخوله على أقسام المنادى الخمسة1؛ وهذا يتعين تقديره -دون غيره- عند الحرف كما يتعين في نداء لفظ الجلالة "الله"2 وفي المستغاث، وفي نداء "أيها، وأيتها": إذ لم يشتهر عن العرب أنهم استعملوا في نداء هذه الأشياء حرفا آخر. ب- يجوز مناداة القريب بما للبعيد، والعكس، وذلك لعلة بلاغية، كتنزيل أحدهما منزلة الآخر، وكالتأكيد3.
. . ج- الأصل في النداء أن يكون حقيقيا، أي: يكون فيه المنادى اسمها لعاقل؛ كي يكون في استدعائه وإسماعه فائدة.
وقد ينادى اسم غير عاقل، لداع بلاغي؛ فيكون النداء مجازيا؛ كقوله تعالى4: ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي﴾ 5. = أصلها نون التوكيد الخفيفة قلبت ألفا عند الوقف".
يقول: قد يتجرد المنادى من حرف النداء إذا كان المنادى غير مندوب، وغير مضمر، وغير مستغاث وهذا التجرد -أي: الحذف اللفظي- ليس قليلا في الكلام الفصيح.
ثم بين أن هناك مواضع غيرها يكون الحذف فيها قليلا، وهو ما قلته جائز، ولا داعي لمنعه؛ وطالب بتأييد مجوزيه، ونصر من يلومهم على المنع، وعلى إباحة القياس عليه.
قال: = وذاك في اسم الجنس والمشار له ... قل ومن يمنعه فانصر عاذله "المشار له: أي: اسم إشارة، وكان الأولى أن يقول: المشار به، عاذله= لائمه" يريد: أن حذف حرف النداء قليل في اسم الجنس، واسم الإشارة وقد ترك شرط خلوه من ضمير المخاب -لضيق الشعر- وطالب بتأييد من يلوم المانع؛ إذ لا حجة له في المنع؛ لورود أمثلة تكفي لإباحة القياس عليه.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وقول الشاعر: يا ليل طل يا نوم زل ... يا صبح قف لا تطلع وقد يقتضي السبب البلاغي حرف النداء على غير الاسم، كأن يدخل على حرف.
أو جملة فعلية، أو اسمية.
فمثال دخوله على الحرف قوله تعالى: ﴿يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ، بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي﴾ . وقول الشاعر: فيا ربما1 بات الفتى وهو آمن ... وأصبح قعد سدت عليه المطالع ومثال دخوله على الجملة الفعلية: قل لمن حصل مالا واقتنى ... أقرض الله.
فيا نعم المدين وقول الشاعر: يا حبذا النيل على ضوء القمر ... وحبذا المساء فيه والسحر وقول الآخر يخاطب ليلى: فيا حبذا2 الأحياء ما دمت حية ... ويا حبذا الأموات ما ضمك القبر ومثال دخوله على الجملة الاسمية قول شاعرهم3: يا لعنة الله والأقوام كلهم ... والصالحين على سمعان من جار وفي هذه الحالات يكون حرف النداء إما داخلا على منادى محذوف.
مناسب للمعنى؛ فيقال في الآية: يا رب.
أو يا أصحاب.
. . أو نحوهما.
وهذا عند من يجيز حذف المنادي، وإما اعتباره حرف تنبيه عند من لا يجيز حذف المنادي.
والرأيان مقبولان؛ ولكن الثاني أولى؛ لصلاحه لكل الحالات.
ولو لم تستوف الشرط الآتي الذي يتمسك به كثير من النحاة، وهو: عدم حذف المنادى قبل

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الفعل الذي دخل عليه حرف النداء إلا إذا كان الفعل للأمر، أو للدعاء، أو صيغة "حبذا".
فمثاله قبل الأمر قراءة من قرأ قوله تعالى: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ، وقبل الدعاء قول الشاعر1: ألا يا.
. . اسلمي يا هند، هند بني بدحر ... إذا كان حي قاعدا آخر الدهر فإن لم يتحقق الشرط عند المتمسكين به فلا منادى محذوف، ولا نداء، ويكون الحرف المذكور هو للتنبيه.
د- يعتبر النحاة حرف النداء مع المنادى جملة فعلية إنشائية للطلب؛ برغم أنها قبل النداء خبرية، فهي تتحول معه إلى إنشاء طلبي جملته فعلية.
فالأصل في مثل: يا صالح، هو: أنادي أو أدعو صالحا.
. . حذف الفعل مع فاعله الضمير المستتر، وناب عنهما حرف النداء2، وبقي المفعول به، وصار منادى واجب الذكر -غالبا- وقيل: إن المحذوف هو الفعل وحده، وناب عنه حرف النداء، واستتر الفاعل في حرف النداء.
وقيل غير هذا.
. . ولا قيمة للخلاف في أصل الجملة الندائية؛ فالذي يعنينا هو أنها صارت فعلية تفيد الإنشاء الطلبي، وأنها تركت حالتها الأولى الخبرية3.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  هـ- ولما كان حرف النداء نائبا عن الأصلي المحذوف صح أن يكون لهذا الحرف بعض المعمولات الخاصة التي يؤثر فيها؛ نيابة عن ذلك العامل المحذوف.
وأشهرها شبه الجملة1، كقول الشاعر: يا دار بين النقا والحزن، ما صنعت ... يد النوى بالألى كانوا أهاليك؟ وقول الآخر: يا للرجال لقوم عز جانبهم ... واستلهموا المجلد من أصل وأعراق فليس في المثالين -وأشباههما- ما يصلح لتعلق شبه الجملة إلا: "يا" وجعلوا من المعمولات المصدر2 في مثل قول القائل: "يا هند.
دعوة صب دائم دنف"3 فالمصدر "دعوة" متعلق بالحرف: "يا"، النائب: عن "أدعو"، والتقدير: أدعو هندا دعوة صب.

جارٍ التحميل