المسألة السابعة والثلاثون: تأخير الخبر جوازًا ووجوباً
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- عباس حسن
- الكتاب
- النحو الوافي
- المؤلف
- عباس حسن (المتوفى: 1398هـ)
- الناشر
- دار المعارف
- الطبعة
- الطبعة الخامسة عشرة
- عدد الأجزاء
- 4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
للخبر من ناحية تأخُّرِه عن المبتدأ وتقدمه ثلاث حالات، أن يتأخر وجوباً، وأن يتقدم وجوباً، وأن يجوز تأخره وتقدمه.
فأما تأخره وتقدمه جوازاً فهوالأصل الغالب؛ نحو: السحاب بخار متكاثف - البرق شرارة كهرَبية - الكتاب صديق أمين - قول الشاعر1:
أفى كل عام غُرْبةٌ ونُزُوحُ ... أما للنَّوى من وَنْيةٍ فتُريحُ
ففى هذه الأمثلة وأشباهها يصح تقديم الخبر وتأخيره2 ...
أما تأخره وجوباً؛ ففى مواضع أشهرها:
1- أن يكون المبتدأ والخبر معاً متساويين3 أومتقاربين فى درجة تعريفهما1
أوتنكيرهما، بحيث يصلح كل منهما أن يكون مبتدأ؛ نحو: أخى شريكى - استاذى رائدى فى العلم - مكافح أمين جندى مجهول - أجملُ من حرير أجملُ من قطن ...
ففي هذه الأمثلة وأشباهها يجب تأخير الخبر؛ لأن تقديمه يوقع فى لَبْس؛ إذ لا توجد قرينة1 تُعَينه، وتميزه من المبتدأ؛ فيختلط المحكوم به بالمحكوم عليه؛ ويَفسد المعنى2 تعاً لذلك.
فإن وجدت قرينة معنوية أولفظية تدل على أن المتقدم هوالخبر وليس المبتدأ جاز التقديم3؛ فمثال "المعنوية": أبى أخى فى الشفقة والحنان.
ز. فكلمة: "أب" خبر مقدم؛ وليست مبتدأ؛ لأن المراد: أخى كأؤ ... أى: الحكم على الآخ بأنه كالأب فى الشفقة والحنان، ولا يُعْقَل العكس.
فالمحكوم عليه هو: "الأخ"؛ فهوالمبتدأ، والمحكوم به هو: " = وأما تقارب المعرفتين- وقد يسمى أحيانا: "تفاوتهما في الدرجة"، لما بينهما من اختلاف غير واسع - فمعناه أن يكونا من نوع واحد مع اختلافهما في درجة ذلك النوع، كضمير المتكلم مع ضمير المخاطب.
أو ضمير المخاطب مع ضمير الغائب، أو أن يكونا من نوعين مختلفين ولكنهما متقاربان، كالعلم مع ضمير المخاطب، فإن العلم يقاربه، أو كالعلم الشخصي مع المعرف "بأل العهدية"، فإن المعرف بها يقاربه.
وتقارب النكرتين معناه أن إحداهما مختصة والأخرى غير مختصة، فهي قريبة من أختها إلى حد ما "قد يسمى أيضا "تفاوتا"، لوجود اختلاف بينهما، وإن كان يسيرا".
الأب الذى يشابهه الأخ.
فالأب هوالخبر ولوتقدم؛ لأن القرينة المعنوية تميزه وتجعله هوالخبر؛ فصح التقديم لوجودها.
ومثل: الجامعة فى التعليم البيت.
"فالجامعة" خبر مقدم، "والبيت" مبتدأ مؤخر؛ فهوالمحكوم عليه بأنه مشابه للجامعة؛ إذ لا يعقل العكس.
ومثل: نور الشمس نور الكهربَا.
ضوء القمر ضوء الشموع ... الأسد فى الغضب القِطّ فى الثورة.
الجبلُ الهرمُ فى الضخامة.
هذا العالم فى براعته هذا الطالب فى تعلمه ... وهكذا ... ومثال القرينة "اللفظية": حاضرٌ رجلٌ أديبٌ.
فكلمة "حاضر" هى الخبر؛ لأنها نكرة محضة1 والنكرة التي بعدها "وهى: رجل" نكرة غير محضة؛ لأنها مخصصة بالصفة بعدها؛ فهى أحق بأن تكون المبتدأ بسبب تخصصها2.
2- أن يكونَ الخبر جملة فعلية، فاعلها ضمير مستتر يعود على المبتدأ: نحو: الكواكب "تتحرك"، فالجملة الفعلية المكونة من الفعل المضارع وفاعله، خبر المبتدأ.
فلوتقدم الخبر وقلنا: تتحرك الكواكب - لكانت "الكواكب" فاعلا، مع أننا نريدها مبتدأ، وليس فى الكلام ما يكشف اللبس.
بخلاف ما لوكان الفاعل اسماً ظاهراً أوضميراً بارزاً، نحو: تتحرك كواكبُها السماء - قد أضاءَ النجمان ... ، فتعرب الجملة الفعلية هنا؛ "تتحرك كواكبُها" خبراً متقدماً؛ لاشتمالها على ضمير يعود على المبتدأ "السماء" فرجوع الضمير إلى كلمة: "السماء" دليل علىأنها متأخرة فى الترتيب اللفظى فقط، دون الترتيب الإعرابى "المسمى: الرتبة3"؛ لأن الضمير لا يعود على متأخر لفظاً ورتبة إلا فى مواضع4 ليس منها هذا الموضع.
فكلمة: "السماء" متأخرة فى اللفظ، لكنها متقدمة فى الرتبة.
وأصل الكلام: السماء تتحرك كواكبها؛ فكلمة: "
السماء" مبتدأ.
وحاز تقديم الخبر عليها مع أنه جملة فعلية لأن اللبس مأمون؛ إذ فاعلها اسم ظاهر، وليس ضميراً مستتراً يعود على ذلك المبتدأ1.....
وتعرب الجملة الفعلية الثانية خبراً مقدماً، والنجْمان مبتدأ. ولا لبْس فيه، لأن وجود الضمير البارز "وهوألف الاثنين" وإعرابه فاعلا - فى اللغات الشائعة عند العرب - أوجب أن يكون "النجمان" مبتدأ، لا غير؛ إذ لا يوجد ما يحتاج إلى فاعل، ومن ثمَّ كان اللبس مأمونا2.
وكما يقع اللبس بين المبتدأ والفاعل الضمير المستتر على الوجه السابق، يقع بين المبتدأ ونائب الفاعل إذا كان ضميراً مستتراً أيضاً؛ نحو: البيتُ أقيمَ.
وكذلك بين المبتدأ وفاعل اسم الفعل.
إذا كان الفاعل ضميراً مستتراً؛ نحو: القمرُ هيهاتَ.
وقد يلتبس المبتدأ لوتأخر بالتوكيد؛ نحو: أنا سافرت؛ فلوتأخر المبتدأ الضمير لكان توكيداً للتاء.
فبسبب اللبس يمتنع التقديم فى كل ما سبق3 ...
3- أن يكون الخبر محصوراً فيه المبتدأ4 بإنما، أوإلا؛ مثل: إنما
البحْترىّ شاعر - إنما المتنبى حكيم - ما النيل إلا حياة مصر - ما الصناعة إلا ثروة.
فلا يجوز تقديم الخبر؛ كى لا يزول الحصر، فلا يتحقق المعنى على الوجه المراد.
4- أن يكون الخبر المبتدأ دخلت عليه لام الابتداء1؛ نحو: لَعلْمٌ مع تعب خيرٌ من جهل مع راحة؛ لأن لام الابتداء لها الصدارة فى جملتها؛ فيجب تقديمها مع ما دخلت عليه؛ وهوالمبتدأ.
5- أن يكون المبتدأ اسماً مستحقًّا للصدارة فى جملته؛ إما بنفسه مباشرة، كاسماء الاستفهام، وأسماء الشرط، وما التعجبية، وكم الخبرية2 ... ؛ مثل: مَن القادمُ؟ وأىُّ شريف تصاحبْه أصحابه - ما أطيبَ خُلُقك!! كم صديق عرفتُ فيه الذكاء!! وإما بغيره؛ كالمضاف إلى واحد مما سبق3؛ فالمضاف إلى اسم استفهام نحو: صاحبُ مَن القادم؟ والمضاف إلى اسم شرط نحو: غلامُ أيِّ رجل شريف تعاونْه أعاونْه.
والمضاف إلى كم الخبرية نحو: خادمُ كم صديق عرفت فيه الذكاء3.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
زيادة وتفصيل:
"أ" هنا مواضع أخرى يجب فيها تأخير الخبر؛ أشهرها ما يأتى:
1- ما ورد مسموعاً مِن مثل: راكبُ الناقة طَليحان1.
"أى: مُتْعبَان؛ أصابهما الإعياء والإرهاق، وأصله: راكبُ الناقةَ والناقَةُ طليحان؛ من كل مبتدأ مضاف، أخبر عنه بخبر مطابق فى التثنية أوالجمع للمضاف مع المضاف إليه من غير عطف شىء ظاهر على المبتدا؛ كالمثال السابق.
ونحو: مهندس البيت جميلان - ونحو: خدم الطفلين لاعبون؛ أى: مهندسُ البتي والبيتُ جميلان.
وخادم الطفلين والطفلان لاعبون.
فالمعطوف على المبتدأ محذوف لوضوح المعنى.
والخبر هنا واجب التأخير.
لكن أيجوز القياس على تلك الأساليب التى حذف فيها حرف العطف والمعطوف على المبتدأ؛ لوضوح المعنى؟ الأحسن الأخذ بالرأى القائل بجوازه بشرط وجود قرينة واضحة تدل على المحذوف: لأن هذا الرأى يطابق الأصول اللغوية العامة التى تقضى بجواز الحذف عند قيام قرينة جلية تدل على المحذوف، وتمنع خفاء المعنى؛ كما رددنا هذا كثيراً2 ...
2- أن يكون الخبر مقروناً بالفاء3؛ نحو: الذى ينصحنى فمخلص.
فإن تقدم الخبر وجب حذف الفاء.
3- أن يكون الخبر مقترناً بالباء الزائدة؛ نحو: ما شريف بكاذب.
4- أن يكون طلباً؛ نحو: المحتاجُ عاونْه، والبائسُ لا تؤلمه.
5- أن يكون الخبر عن "مذ" أو"منذ"، بجعلهما مبتدأين معرفتين فى المعنى؛ نحو: ما سافرت مذْ أومنذ شهران؛ "إذ المعنى: زمن انقطاع الرؤية شهران4.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
6- ضمير الشأن1 الواقع مبتدأ؛ نحو: قل "هو: الله أحد".
7- المبتدا المخبر عنه بجملة هى عينه فى المعن نحو: "كلامى: "السفر مفيد"" "قولى: "العمل النافع"".
8- اسم الإشارة المبدوء بكلمة: "ها" التنبيه، فى جملة اسميه؛ نحو: هذا أخى.
وهذا رأى كثير من النحاة، ومن الميسور رفضه بالأدلة التى سبقت2 والتي تجعل تقديم المبتدأ هنا مستحسناً، لا واجباً. وإنما يتعين - عند أصحاب ذلك الرأى - أن يكون اسم الإشارة فى الجملة الاسمية هو: المبتدأ ولا يكون خبراً، بحجة أن: "ها" التنبيه تتطلب الصدارة، بشرط أن تتصل باسم الإشارة مباشرة، لا يفصل بينهما ضمير، فإن فصل بينهما الضمير فى مثل؛ "هأنذا" فالضمير هوالمبتدأ واسم الإشارة هوالخبر. ويجوز: هذا أنا. ولكن الأول أحسن وأولى؛ لكثرة الأساليب الأدبية الواردة به3.
9- المبتدأ الذى للدعاء؛ نحو: سلام عليكم، وويل للأعداء4.....
10- المبتدأ الذى له خبر متعدد يؤدى مع تعدده معنى واحداً؛ مثل: الفتى نحيف سمين - الرمان حلوحامض؛ لأنه لا يجوز تقديم الخبر المتعدد الذى يؤدى معنى واحداً، ولا تقديم واحد مما تعدد5.
11- المبتدأ التَّالى: أمَّا: نحو: أما صالح فعالم؛ لأن الفاء لا تقع بعد "أما" مباشرة.
ولأن الخبر الذى تدخل عليه لا يتقدم على المبتدأ - كما سلف -.
12- المبتدأ المفصول من خبره بضمير الفصل6، نحو: الشجاع هوالناطق بالحق غير هياب.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
13- المبتدأ إذا كان ضمير تكلم أوخطاب، وقد أخبر عنه بالذى وفروعه مع وجود بعده الضمير مطابقاً للتكلم، أوالخطاب؛ نحو: أنا الذى أساعد الضعيف. أنتما اللذان تساعدان الضعيف. ....
14- ويجب تقديم المبتدأ وتأخير الحبر فى باب الإخبار عن: "الذى"، نحو: الذى صافحته محمد.
15- خبر المبتدأ إذا كان ضمير متكلم أومخاطب، وقد أخبر عنه بنكرة مُعرَفة بأل، بعدها ضمير مطابق للمبتدأ في التكلم والخطاب، نحو: أنا السيف أمزق الضلال، أنت الجندى تدافع عن الوطن.
16- إذا كان المبتدا اسم موصول وجب تأخير الخبر عنه وعن الصلة معا1. ملاحظة: يجب تقديم كل اسم أوفعل سبقته أداة عرض، أوتمن، أورجاء، أونفى، أوطلب.
17- ويجب تأخير الخبر، إذا كان جملة فعلية ماضوية والمبتدأ "ما" التعجبية؛ نحو: ما أقدر الله أن يُدْنِىَ المتباعدين2.
"ملاحظة عامة" يجب تقديم كل اسم أو فعل سبقته أداة عرض، أو تمن، أو رجاء، أو نفي، أو طلب.
"ب" أثار النحاة والبلاغيون جدلا مرهقاً حول بعض الحالات التى يكون فيها المبتدأ والخبر متساويين فى التعريف والتنكير، أومتقاربين فيهما؛ من غير لَبْس فى المعنى.
ويدور الجدل حول معرفة الأحق منهما بأن يكون المبتدا.
وإذا ظهر الأحق فهل يجوز الإغضاء عن أحقيته بجعله خبراً وجعل الخبر مبتدأ؟ وقد سبق3 بيان المراد من التساوى والتقارب فى التعريف والتنكير.
بالرغم من جدلهم المرهق4؛ فإن الجواب السديد يتلخص فى أن المعوّل1
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عليه فى جواز تقديم المبتدأ على الخبر ليس التساوى أوالتقارب فى درجة التعريف والتنكير؛ وإنما المعول عليه وحده وهووجود قرينة تدل على أن هذا هوالمحكوم عليه، "أى: أنه المبتدأ"، وذلك هوالمحكوم به، أى: الخبر، على حسب المعنى؛ بحيث يتميز كل من الآخر، دون خلط أواشتباه. فمتى وجدت القرينة التى تمنع الخلط واللبس جاز تقديم أحدهما وتأخير الآخر على حسب الدواعى1.
وإن لم توجد القرينة وجب تأخير الخبر حتماً من غير أن يكون للتساوى أوالتقارب دخل فى الحالتين.
فلا بد من مراعاة حال السامعين من ناحية قدرتهم على إدراك أن هذا محكوم عليه فيكون مبتدأ، وأن ذاك محكوم به فيكون خبراً.
فإذا وقع فى وهم المتكلم أن التمييز غير ممكن، وأن اللبس محتمل - وجب إزالته؛ إما بالقرينة التى تبعده وتبدده، وإما بالتزام الترتيب؛ فيتقدم المبتدأ ويتأخر الخبر؛ ليكون هذا التقدم دليلا على أنه المبتدأ، ووسيلة إلى تعينه؛ لموافقته للأصل الغالب فى المبتدأ.