المسألة الخامسة والثلاثون: أقسام الخبر
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- عباس حسن
- الكتاب
- النحو الوافي
- المؤلف
- عباس حسن (المتوفى: 1398هـ)
- الناشر
- دار المعارف
- الطبعة
- الطبعة الخامسة عشرة
- عدد الأجزاء
- 4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
عرفنا1 أن الخبر جزء أساسىّ فى الجملة؛ يكملها مع المبتدأ الذى ليس بوصف2 ويتمم معناها. وهو ثلاثة أقسام: مفرد، وجملة. وشبه جملة3.
القسم الأول: الخبر المفرد:
وهوما كان كلمة واحدة، أوبمنزلة الواحدة4 "أى: ليس جملة، ولا شبه جملة" وهوإما جامد"5، فلا يرفع ضميرًا مستترًا"6 فيه، ولا بارزًا، ولا اسمًا ظاهرًا؛
مثل: كلمتى: "كَرة" و"نهر" فى قولنا: الشمس كرة، الفرات نهر، ومثل كلمتى "إقبال" وإدْبار" فى قول الشاعر يصف ناقته التى فقدتْ وليدها:
ترتَع1 ما رَتَعَتْ، حتَّى إذا ادّركتْ2 ... فإنما هى إقبالٌ وإدبار3
فالخبر فى الأمثلة السابقة فارغ من الضمير المستتر، وغير رافع لضمير بارز أولاسم ظاهر بعده.
وإما مشتق4 "وصف" فيرفع ضميرًا مستترًا وجوبًا، أويرفع ضميرًا بارزًا، أو: اسمًا ظاهرًا بعده؛ مثل: الهرم مرتفع - الآثار عالية.
أى: مرتفع هو.
وغالية هى5، فقد تحمل المشتق ضميرًا مستترًا وجوبًا يعود على المبتدأ؛ ليربط الخبرية ارتباطًا معنويًا.
ومثل: ما راغب أنتم فى الظلم؟ فقد رفع
الخبر المفرد المشتق ضميرًا بارزًا بعده.
ومثل: الورد فاتن ألوانُه، ساحر أنواعُه.
فكل من الوصفين: "فاتن، وساحر" قد وقع خبرًا، ورفع بعده اسمًا ظاهرًا.
فلا بد فى الخبر المشتق من أن يرفع ضميرًا مستترًا وجوبًا، أوضميرًا بارزًا1 أويرفع اسمًا ظاهرًا بعده.
ومن المشتق "الوصف" ما يعرب على حسب الظاهر خبرًا للمبتدأ، مع أن معناه فى الواقع لا يَنْصَبُّ على ذلك المبتدأ، ولا ينسب إليه مباشرة: مثل: البنت الأبُ مكرمَتُهُ هى.
"فالبنت" مبتدأ أول.
و"الأب": مبتدأ ثان.
"مكرمة" خبر المتبدأ الثانى، مع أن معنى هذا الخبر مُنْصَبٌّ على المبتدأ الأول وحده، لان البنت هى المكرمة؛ أى: المنسوب لها الإكرام، دون المبتدأ الثانى.
ومثل: الشفيق الأمُّ مساعدُها، هو.
فكلمة "الشفيق": مبتدأ أول، و"الأم" مبتدأ ثان.
و"مساعد": خبر المبتدأ الثانى.
مع أن المعنى هذا الخبر - وهو: مساعد - واقع على الأول، ولاحقٌ به دون المبتدأ الثانى ... ، وهكذا كل وصف وقع خبرًا عن مبتدأ غريب عن معنى ذلك الخبر، وعن مدلوله.
وهذا الخبر يقول عنه النحاة.
"إنه جارٍ على غير صاحبه.
أو: جارٍ على غير من هوله".
ولما كان هذا الخبر مشتقًّا كان لابد أن يرفع ضميرًا أواسمًا ظاهرًا.
غير أن الضمير هنا يجوز إبرازه، كما يجوز استتاره، بشرط أن يكون المبتدأ المنسوب إليه الخبر والمحكوم عليه حقيقة، واضحًا لا يشتبه بغيره عند الاستتار؛ أى: بشرط أمن اللبس، كما فى الأمثلة السابقة.
وهناك أمثلة للوصف الواقع خبرًا يصلح فيها أن يكون جاريًا على من هوله وعلى غير من هوله، فيقع اللبس فى المراد: نحو: "الفارس الحصانُ مُتْعِبُه" فكلمة: "الفارس" مبتدأ، و"الحصان" مبتدأ ثان "ومُتْعِب" خبر الثانى وفيه ضمير مستتر، والجملة منها خبر الأولى.
فما المراد من هذا المثال؟ أتريد الحكم على الحصان بأنه يتعب الفارس؛ فيكون الخبر جاريًا على من هوله: أم نريد الحكم على الفارس بأنه يتعب
الحصان؛ فيكون الخبر جاريًا على غير من هوله؟ الأمران محْتمَلان مع اختلافهما فى المعنى. وهذه هى حالة اللبس، حيث لا قرينة ترجح أحدهما على الآخر. فإن كان المراد هوالمعنى الأول الذى يقتضى جريان الخبر على من هوله وجب استتار الضمير مراعاة للأصل السابق؛ ليكون استتاره دليلا على ذلك المعنى؛ فنقول: "الفارس الحصان متعبه". وإن كان المراد هوالمعنى الثانى الذى يقتضى جريان الخبر على غير من هوله وجب إبراز الضمير منفصلاً؛ ليكون إبرازه دليلا على جريانه على غير من هوله؛ فنقول "الفارسُ الحصانُ متعبه هو"1.
فالضمير: "هو" عائد على الفارس، المنسوب إليه "أنه متعب"، والمحكوم عليه بذلك الحكم.
والضمير: "الهاء" المتصل بالخبر.
وهوالهاء فى آخر كلمة: "متعبه" عائد إلى المبتدأ الثانى".
ومثل الكلبُ الثعلبُ مخيفهُ.
"الكلب"؛ مبتدأ؛ أول.
"الثعلب": مبتدأ ثان، "مخيف": خبر الثانى، وهومضاف، والهاء مضاف إليه.
فما المراد؟ قد نريد الحكم على الثعلب بأنه يخيف الكلب؛ فيكون الخبر جاريًا على صاحبه، ويجب استتار الضمير؛ مراعاة للأصل السابق؛ ليكون استتاره دليلا على جريانه على صاحبه.
وقد نريد المعنى الثانى؛ وهوجريانه على غير صاحبه؛ فجب إبراز الضمير منفصلا؛ ليكون إبرازه شارة على هذا المعنى؛ فنقول: الكلب الثعلب مخيفة هو.
ويكون الضمير البارز عائدًا على "الكلب" وهوالمحكوم عليه حقيقة بالخبر؛ أى: بأنه المخيف.
أما الضمير الثانى "وهوالهاء المتصلة بالخبر" فعائدة على المبتدأ الثانى2.
وخلاصة ما تقدم:
1- أن الخبر الجامد لا يتحمل الضمير إلا عند التأويل الذى يقتضيه السياق1؛ وأما المشتق فيتحمله.
2- إذا جرى الخبر المشتق على غير من هوله وكان اللبس مأمونًا جاز استتار الضمير وجاز إبرازه.
3- وإن لم يُؤْمَنْ اللبس وجب إبراره2.
هذا، ومن المستحسن عدم محاكاة الأساليب المشتملة على النوع الأخير، وعدم صياغة نظائر لها؛ منعًا لاحتمال ألا يُفهَم المراد منها؛ بالرغم من كثرة ورودها فى الكلام العربى الأصيل، كما يستحسن إهمال الرأى الذى يوجب إبراز الضمير فى حالة أمن اللبس، لمجافاته الأصول اللغة العامة.
القسم الثانى الخبر الجملة 1:
الخبر الجملة: كلمتان أساسيتان لا بد منهما للحصول على معنى مفيد؛ كالفعل مع فاعله أونائب فاعله؛ فى مثل: فرح الفائز، وأكْرِمَ النابغ.
وتسمى هذه الجلمة: "فعلية"؛ لأنها مبدوءة - أصالة - بفعل.
وكالمبتدأ مع خبره، أوما يغنى عن الخبر فى مثل: المال فاتن.
وهل الفاتن مال؟ وتسمى هذه الجملة: "اسمية" "لأنها مبدوءة" أصالة2 باسم؛ فالجملة إما "اسمية"، وإما "فعلية"3 وكل واحدة منهما قد تقع خبرًا4؛ فتكون هنا فى محل رفع5؛ نحو: الصيف يشتد حره. الشتاء يقسو بردُه6.
الربيع جَوُّه معتدل.
الخريف جوه متقلب.
وقد اجتمعت الجملتان فى قول الشاعر:
الْبَغْىُ يصْرَعُ أهْلَهُ ... وَالظلمُ مَرتَعُهُ وخِيم7
ويشترط فى الجملة والواقعة خبرًا أن تشتمل على رابط8 يربطها بالمبتدأ، إلا2
إن كانت بمعناه، كما سيجىء1.
وهذا الرابط - كالضمير فى الجمل السالفة - ضرورى؛ ولولاه لكانت جملة الخبر أجنبية عن المبتدأ، وصار الكلام مفككاً لا معنى له؛ لانقطاع الصلة بين أجزائه؛ فلا يصح أن نقول: محمد يذهب علىّ، وفاطمة يجىء القطار ... لفساد التركيب، واختلال المعنى يفقد الرابط.
والروابط أنواع كثيرة منها:
1- الضمير الراجع إلى المبتدأ، وهوأصل الروابط وأقواها "وغيره خلَف عنه"، سواء أكان ظاهرًا؛ مثل: الزارع "فضلُه كبيرٌ" أم مستتر "أى: مقدر" مثل: الأرض، تتحرك"، وقولهم: مخالفة الناصح الأمين تُورثُ الحسْرة، وتُعْقِبُ الندامة، أم كان محذوفًا2 للعلم به مع ملاحظته ونيته؛ مثل: الفاكهة "أقةٌ بعشرة قروش" أى: أقة منها.
وحجارة الهرم "حجرٌ بوزن عشرة" أى: حجر منها.
والورق "اللونُ لونُ اللبن".
اللون منه.
الثوب "الرائحة رائحةُ الزهر": الرائحة منه".
ويشترط في الضمير أن يكون مطابقًا للمبتدأ السابق فى التذكير، والتأنيث والإفراد، والتثنية، والجمع.
2- الإشارة إلى المبتدأ السابق؛ نحو: الحرية "تلك" أُمْنِيّة الأبطال، والإصلاح "ذلك"2 مقصد المخلصين.
ومنه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَسْتَكْبَرُواْ عَنْهَآ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ ...
3- إعادة المبتدأ السابق؛ بقصد التفخيم، أوالتهويل، أوالتحقير.
والإعادة قد تكون بلفظه ومعناه معًا؛ نحو: الحرية ما الحرية3؟ والحرب ما الحرب؟ والسارق من السارق؟ وقد تكون بمعناه فقط؛ نحو: السيف ما المهند؟ والأسد ما الغضنفر؟ وعلىّ من أبوالحسين؟ بشرط أن يكن أبوالحسين كنية علىّ.
والمراد بهما شخص واحد.
4- أن يكون فى الجملة الواقعة خبرًا ما يدل على عموم يشمل المبتدأ السابق وغيره؛ نحو: أما جبُنُ المحارب فلا جبنَ فى بلادنا، وأما هربه فلا هربَ عندنا.
والعربيّ نعم البطل ... فعدم الجبن أمر عام يشمل جبن المحارب وغير المحارب، وكذلك عدم الهرب فى بلادنا يشمله ويشمل غيره ... والبطل الممدوح بكلمة:"نِعم" يشمل العربى وغيره.
5- أن يقع بعد جلمة الخبر الخالية من الرابط جملة أخرى معطوفة عليها بالواو، أوالفاء، أوثم، مع اشتمال المعطوفة على ضمير يعود على المبتدأ السابق؛1
فيُكتفَى فى الجملتين بالضمير الذى فى الثانية1 فمثال الواو: الزارع نبتَ الزرعُ وتعهده - الطالب بدأت الدارسةُ وا ستعد لها2 ... ومثال الفاء: الصانع تيسرت أسباب الصناعة فأقبل غير متردد، والعامل كثرت ميادين العمل فوجد الرزق مكفولا3.
ومثال ثُمّ: القمر طلعت الشمس ثم اختفى نوره، والنجوم انقضى النهار ثم أشرق ضوءها.
6- أن يقع بعد جملة الخبر الخالية من الرابط أداة شرط حذف جوابه الدلالة الخبر عليه، وبقى فعل الشرط مشتملا على ضمير يعود على المبتدأ؛ مثل الوالد يترك الأولادُ الصياح إن حضر - الضيف يقف الحاضرون إن قَدِمَ.
تلك أشهر الروابط.
ويجوز أن تستغنى جملة الخبر عن الرابط إن كانت هى نفس المبتدأ فى المعنى4؛ بحث يتضمن أحدهما المعنى الذى يتضمنه الآخر تمامًا 5؛ كأن يقول رجل لزميله؛ ما رأيك فى التجارة؟ فيجيب: رأيى.
"التجارة
غِنًى"1. فالجملة الواقعة خبرًا مطابقة فى معناها للمبتدأ فى معناه ومدلوله؛ فكلاهما مساوللآخر فى المضمون؛ فالرأى هو: "التجارة غنى" و"التجارة غنى" هى: "الرأى". ومن أمثلة ذلك: أن يتكلم متكلم فيسأله الآخر ماذا تقول؟ فيجب: قولى "الذليل مهين". كلامى "الكرامة تأبى المهانة" فجملة الخبر فى كل مثال هى نفس المبتدأ السابق فى المعنى، والمبتدأ السابق فى كل مثال يتضمن معنى الجملة الواقعة خبرًا، فكلاهما يتضمن معنى الآخر، ودلالته1.
"1، 1" سيجيء في الزيادة والتفصيل طريقة إعراب هذا المثال وأشباهه.
"ب" ص 471".
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
زيادة وتفصيل:
"ا" اشترطنا1 فى جملة الخبر وجود رابط، - بالتفصيل الذى أوضحناه - ويشترط فيها أيضًا أن تكون غير ندائية؛ فلا يصح: محمد "يا هذا ... ". وأن تكون غير مبدوءة بكلمة "لكن2": أو"حتى": أو"بل"؛ لأن كل واحدة من هذه الكلمات تقتضى كلامًا مفيدًا قبلها، فالاستدراك بكلمة: "لكن" لا يكون إلا بعد كلام سابق. وكذلك الغاية بكلمة: "حتى" والإضراب بكلمة: "بل"2.
ويجوز فى جملة الخبر أن تكون قَسَمية3؛ نحو: القوى والله ليهزمن عدوه، وأن تكون إنشائية؛ سواء أكانت إنشائية طلبية؛ نحو: الحديقةُ نسْقها، أم غير طلبية مثل: الصديقُ لعله قادم.
العادل نعم الوالى، والظالم بئس الحاكم.
"ب" فى الأساليب التى يكون فيها الخبر جملة معناها هومعنى المبتدأ مثل: "كلامى: "الجومعتدل"" "حديثى: "يجىء الفيضان صيفًا"".
"قولى: "نشر التعليم ضرورى""، "خطْبتى: "التوحد قوة"".
"مقالى: "احذروا الخائنين"" ... يجوز إعرابان:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أولهما: أن نعرب الجملة1 الاسمية أوالفعلية مجزأة على حقيقتها جزأين "مبتدأ وخبرًا، أوفعلا وفاعلا" ثم يكون مجموع الجزأين فى محل خبر المبتدأ السابق؛ ففى مثل: "كلامى: الجومعتدل" نقول: "كلام" مبتدأ مضاف، والياء مضاف إليه مبنى على السكون فى محل جرّ، "الجو" مبتدأ ثان.
"معتدل" خبره، والجملة من الجزأين فى محل رفع خبر المبتدأ الأول.
وفى مثل: "حدثنى: يزداد الفيضان صيفًا" نقول: "يزداد" مضارع مرفوع.
"الفيضان" فاعل مرفوع "صيفًا" ظرف منصوب، والجملة من الجزأين "الفعل والفاعل" فى محل رفع خبر المبتدأ.
فلكل جزء من أجزاء الجملة وجود مستقل، وإعراب خاص به وحده؛ ثم يكون مجموع الجزأين معًا هوخبر المبتدأ السابق.
ثانيهما: أن ننظر إلى تلك التى كانت فى الأصل1 جملة نظرتنا إلى شيى واحد ليس مجزأ، وليس له كلمات مفردة؛ فكأنه كتلة واحدة ليس لها أجزاء، أوأنه كلمة واحدة منهما تعددت الكلمات، فهى من قبيل المركب الإسنادى الذى ننطق فيه بالألفاظ على حسب ضبطها الأصل - قبل أن تكون خبرًا أوشيئًا آخر -؛ من غير تغيير شىء من حروفها أوضبطها.
ثم نقول عنها كلها الآن: إنها خبر مرفوع بضمة مقدرة على آخره لأجل الحكاية؛ "وهى - كما سبق2 ترديد اللفظ الأصلى وترجيعه على حسب هيئته الأولى - غالبا -؛ حروفًا وضبطًا".
ويكون الخبر فى هذه الحالة من قبيل الخبر المفرد.
لا الجملة؛ فنقول فى إعراب: "كلامى: "الجو معتدلٌ" "كلام" مبتدأ مضاف.
والياء مضاف إليه.
"الجومعتدلٌ" كلها خبر مرفوع بضمة مقدرة.
على آخره3، منع من ظهورها حركة الحكاية".
ونقول فى مثل: "حديثى "يظهر الفيضان صيفًا"" "حديث" مبتدأ
مضاف ... الياء مضافٌ إليه ... "يظهر الفيضان صيفًا" كلها خبر مرفوع بضمة مقدرة على آخره؛ منع من ظهورها حرَكة "الحكاية" ... وهكذا.
وقد يقع العكس كثيرًا؛ فيكون المبتدأ جملة بحسب أصلها1، ولكنها صارت محكية.
والخبر مفرد يتضمن معناها، كأن يقول قائل: أريد أن تدلنى على آية قرآنية، وعلى مثل قديم، وعلى حكمة مأثورة.
فتجيب: "قولٌ معرُوفٌ ومغفرةٌ خَيرٌ منْ صَدقة يَتْبعُها أذىً" آية قرآينة.
"إنّ أخاكَ من واساك" مثلٌ قديم.
"رُبّ عيشٍ أهونُ منه لحمامُ" حكمةٌ من حكم المتنبى.
فالآية كلها من أولها إلى آخرها مبتدأ مرفوع، بضمة مقدرة منع من ظهورها حركة الحكاية.
وكلمة: "آية" هى لخبر.
وكذلك "إن أخاك من واساك" كلها من أولها إلى أخرها مبتدأ مرفوع بضمة مقدرة على آخره، منع ظهورها حركة الحكاية، والخبر كلمة: "مثل" وكذا يقال فى: "رب عيش أهون منه الحمام".
وكما تتكون الجملة المحكية من مبتدأ وخبره تتكون من فعل وفاعله ومن غير ذلك.
والمهم فى الألفاظ المحكية أن تكون دائمًا بصورة واحدة فى جميع الحالات الإعرابية، ولكنها مع ذلك فى محل رفع، أونصب، أوجر؛ على حسب موقعها الإعرابىّ.
حـ- أشرنا2 إلى أنواع المبتدأ تحتاج إلى خبر حتمًا وإلى وجوب أن يكون هذا الخبر جملة - ويلحق بها نوع يجب أن يكون خبره شبه جملة "جارًّا مع مجروره" - وأشهر تلك الأنواع المحتاجة لجملة: أسماء الشرط الواقعة مبتدأ3، وكذا: ضمير الشَّان4، و"كأيِّن5" الخبرية الشبيهة بكم الخبرية،
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والمخَّصوص بالمدح والذم إذا تقدَّم، والمنصوب على الاختصاص؛ فإنه يجب فيه أن يتقدم عليه اسم بمعناه يعرب مبتدأ، ويعرب الاسم المنصوب على الاختصاص مفعولا به لفعل محذوف تقديره: أخُص - مثلا - والجملة خبر عن ذلك المبتدأ.
ويجب أن يكون خبر "ما" التعجبية جملة.
ومن شبه الجملة السالف خبر المبتدأ الملازم للابتداء سماعًّا؛ نحو: طُوبَى للمؤمن؛ فإن خبره لا يكون إلا جارًا مع مجروره وهما شبيهان بالجملة ... - ومثله وقولهم فى المدح: لله درّ فلان ... وغير هذين مما سيجىء1.
القسم الثالث: الخبر شبه الجملة
يريد النحاة بشبه الجملة هنا أمران1؛ أحدهما: الظرف بنوعيه الزمانىّ والمكانىّ، والآخر: حرف الجر مع مجروره.
فالخبر قد يكون ظرف زمان؛ نحو: الرحلة "يومَ" الخميس.
والرجوعُ "ليلةَ" السبت.
وقد يكون ظرف مكان؛ نحو: "الحديقة" "أمامَ" البيت، والنهر "وراءَهُ"؛ فكلمة "يوم", و"ليلة" وما يشبههما ظرف زمان، منصوب، فى محل رفع2؛ لأنه خبر المبتدأ.
وكلمة
"أمام" و"وراء" وما يشبههما - ظرف مكان منصوب في محل رفع؛ لأنه خبر المبتدأ.
وقد يكون الخبر جارًّا أصليا مع مجروره؛ نحو، السكَّر من القصب- إخوان = الخبر - مذهب قديم من عدة مذاهب "سجلتها المراجع النحوية، كالمفصل والصبان" وقد سجلنا رأي صاحب" المفضل".
والأخذ به من بحوث جدلة مضنية، وتقسيمات متعددة، لا نفع لها اليوم وليس فيها إلا العناء العقلي الذي تضيق به الناشئة، وسنعرض لبعض تلك البحوث بقليل من التفصيل، لا للأخذ بها، ولكن ليقف عندها المتخصصون وقفة الفاحص.
جاء في شرح ابن عقيل عن العامل المحذوف ما نصه.
"ذلك المحذوف واجب الحذف.
وقد صرح به شذوذا، كقوله:
لك العز إن مولاك عز، وإن يهن ... فأنت لدي بحبوحة الهون كائن
وكما يجب حذف عامل الظرف والجار والمجرور إذا وقعا خبرا كذلك يجب حذفه إذا وقعا صفة ... أو حالا ... أو...." أهـ.
وهنا قال الخضري في وجوب حذف العامل ما نصه: "محل ذلك إذا قدر كونا عاما.... فإن قدر خاصا جاز ذكره في الكل كما علمت وجوز ابن جني إظهار العام أيضا، تمسكا بنحو: قوله تعالى: "فلما رآه مستقرا عنده".
"ورد بأنه استقرار خاص بمعنى عدم التحرك، لا عام بمعنى مطلق الحصول حتى يجب حذفه" أهـ. وما قاله الخضري صرح به بعض المفسرين.
هذا، وسيجيء في الجزء الثاني" باب: الظرف 78 ص 236 عند الكلام على تعلق الظرف بعامله" بيان مفيد عن الرأي الداعي إلى تقدير عامل واجب الحذف، والدليل على وجوده، وبيان آخر عن اعتباره غير موجود.
وشبه الجملة في هذا الباب - هو الظرف، والجار مع مجروره.
وسمي" شبه جملة" لأن كلا منهما قد يدل على جملة ومعناها.
وأساس هذا التعليل عندهم: أن الظرف أوا لجار الأصلي مع مجروره ليس هو الخبر في الحقيقة، وإنما الخبر الحقيقي لفظ آخر محذوف، يتعلق به الظرف، والجار الأصلي مع المجرور، إذ لا بد أن يتعلقا بفعل أي فعل "لا فرق بين المتعدي واللازم، والجامد والمتصرف، والتام والناقص
"كما سيجيء البيان في جـ2 - باب: "حروف الجر" م 89 ص 405" أو بما يشبهه الفعل، من: اسم فعل، أو: من مشتق يعمل عمل الفعل، أو: من جامد مؤول بالمشتق.
وبهذا التعلق الواجب يتم المعنى.
"وقد يتعلقان - أحيانا - بالنسبة، أي: بالإسناد، طبقا لما هو مبين في: "ب" من الزيادة التالية ص 481". والمحذوف قد يكون فعلا مع فاعله، وهذا أمر متعين متحتم إذا وقع شبه الجملة في جملة الصلة لموصول غير "أل"، أو لجملة القسم، لأن جملة الصلة للموصول غير "أل" وكذا جملة القسم، لا بد أن تكون كل واحدة منهما فعلية "كما سبق في رقم 1 من هامش صفحتي 384 و 385 وكما سيجيء في جـ 2 باب الظرف.
ص 234 م 78 وباب حروف الجر ص 460 م ي90"- لكن التعلق يكون بالفعل وحده، وقد يكون في غيرهما شيئا آخر مما سبق، ففي مثل "الكتاب فوق المكتب" والولد في البيت" يكون تقدير الكلام مثلا: الكتاب "استقر" أو: "مستقر" فوق المكتب.
والولد "استقر" أو: "مستقر" في البيت، ونحو ذلك من فعل محذوف، أو غيره مما يدل على مجرد الوجود والاستقرار، من غير معنى زائد على هذا الوجود المطلق الذي يسمونه: "الكون العام".
"أي: الوجود العام الخالي من شيء آخر معه، كالنوم، أو: القراءة، أو اللعب".
... فلا يصح عندهم أن يكون التقدير: الولد نام أو: نائم في البيت.
ولا: الكتاب تحرك، أو: متحرك فوق المكتب، لأن كل واحد من هذه الألفاظ يدل على الوجود، مع زيادة شيء آخر، كالوجود ومعه النوم للولد، والوجود معه التحرك للكتاب، وهكذا.... أي: =
السوء كخشب في النار، يأكل بعضه بعضا.؛ فالجار مع المجرور في محل رفع خبر المبتدأ.
ومنه قول الشاعر:
للعيد يومٌ من الأيام منتظَرٌ ... والناس في كل يومٍ منك في عيدِ = أنه وجود قيد بشيء آخر يزيد عليه، وليس بالوجود المطلق المجرد.
فمثل هذا الوجود المقيد يسمى: "كونا خاصا" يجب ذكره، إلا إذا دلت قرينة عليه عند الحذف فيصح حذفه، وقد دفعهم إلى هذا التقدير للكون العام المحذوف، واعتباره كالملفوظ - ما يتمسكون به- بحق- من أن الظرف والجار الأصلي مع المجرور لا بد أن يتعلقا بعامل - كما قلنا- يتممان معناه، ويعمل فيهما.
فأين العامل الذي تؤثر فيهما، ويتعلقان به إذا كان المبتدأ جامدا في نحو: الغزال في الحديقة، وكثير من الأمثلة المشابهة، لذلك يقولون في الإعراب: الظرف أو الجار الأصلي مع مجروره متعلق بمحذوف خير، سواء أكان المحذوف فعلا مع فاعله "أي: جملة فعلية، مثل: استقر، أو: ثبت، أو: "كان" التي بمعنى: "وجد" وهي، كان التامة"، أم كان مفردا "أي: اسما مشتقا" مثل: مستقر، أو: كائن المشتقة من "كان" التامة-، أو: موجود أو: شيئا آخر يصلح عاملا"، فليس الخبر عندهم في أصلهه هو الظرف نفسه، أو الجار الأصلي مع المجرور مباشرة، وإنما الخبر في الأصل هو المحذوف الذي ينوونه، ويتعلق به كل واحد من هذين.
ولما كان كل منهما صالحا لأن يتعلق بالفعل المحذوف، ويدل عليه بغير خفاء ولا لبس- كان شبه الجملة بمنزلة النائب عنه، والقائم مقامه.
والفعل مع فاعله جملة، فما ناب عنها وقام مقامها فهو شبه بها، لذلك أسموه: "شبه الجملة".
وأوجبوا حذف متعلقه إن كان كونا عاما وقع خبرا، أو: صفة، أو: حالا....." وكذلك إن كان صلة لموصول غير "أل" لكن يجب مع الصلة- لغير "أل" أن يكون المحذوف فعلا، ولا يصح أن يكون اسما مشتقا- أو غيره مما يشبه الفعل- كما عرفنا عند الكلام عليها، لأن صلة الموصول غير- أل" يجب أن تكون جملة فعلية، ومثلها جملة القسم التي حذف منها عاملها..... ".
ثم زادوا فقسموا كلا من الظرف، والجار الأصلي مع المجرور إلى مستقر: "بفتح القاف" وإلى: "لغو" يريدون المستقر: ما كان متعلقه المحذوف "كونا عاما" يفهم بدون ذكره.
وسمي "مستقرا" لأمرين، لاستقرار معنى عامله فيه، "أي: فهمه منه".
ولأنه حين يصير خبرا- مثلا - ينتقل إليه الضمير من المحذوف ويستقر فيه.
وبسبب هذين الأمرينق يجب حذفه حتما.
ويريدون باللغو: ما كان متعلقه "كونا خاصا" وسمى كذلك لأن وجوده ضئيل الأثر مع وجود عامله، إذ لا يستقر فيهه معنى ذلك العامل، ولا يتحمل ضميره.
وفي هذا الحالة يتحتم أن يكون العامل الملفوظ به في الجملة هو الخبر - مثلا ويجب ذكره، ولا يجوز حذفه إلا لقرينة- كما في الأمثلة التي ستجيء-.
ولو حذف لوجودها لكان هو الخبر أيضا مع حذفه، فلا يصح في حالتي ذكره أو حذفه أن يكون الظرف أو الجار الأصلي مع مجروره خبرا، ولا في موضع رفع خبرا.
وهذا نوع من التشدد لا داعي له، إذ لا مانع أن نعرب "الظرف اللغو" خبرا في الحالة التي يحذف فيها عامله المعروف، كما أعربنا زميله المستقر.
والكون العام واجب الحذف، إذ لا فائدة من ذكره، لوجود ما يدل عليه في غير خفاء ولا لبس، ولانتقال الضمير منه إلى شبه الجملة- كما قلنا كما أن الكون الخاص يجب ذكره حتما لعدم وجود ما يدل عليه عند حذفه، فإن وجدت قرينة تدل عليه وتعينه على صحة حذفه، مثل: الفارس فوق الحصان، أي: راكب فوق الحصان، ومن لي بفلان؟ أي: من يتكفل لي بفلان.
والبحتري من الشعراء، أي: معدود منهم.
ومثل قوله تعالي في القصاص: "الحر بالحر" على تقدير: "مقتول" لأن تقدير الكون العام في الأمثلة السالفة لا يؤدي المعنى المراد.
والمتعلق الخاص المحذوف لوجود قرينة تدل عليه هو عندهم الذي يعرب خيرا- كما سبق - لا شبه الجملة.
وبالرغم من حذفهه فإنه لا يخرج الظرف - في رأيهم - عن اعتباره =
ويشترط في الظرف الوَاقع خبراً، وفي الجار مع المجرور كذلك - أن يكون تامًّا، أَى: يحصل بالإخبار به فائدة بمجرد ذكره، ويكْمُلُ به المعنى المطلوب من غير خفاء ولا لَبْس، كالأمثلة السابقة.
فلا يصلح للخبر منهما ما كان ناقصاً؛ مثل: محمود اليوم.. أوحامد بك؛ لعدم الفائدة.
أما حيث تحصل الفائدة فيصح وقوعهما خبراً؛ ويكون كل منهما هوالخبر مباشرة؛ أي: أن شبه = لغوا، ولا يتنافى مع ما هو ثابت له من أنه: "كون خاص" فالمعول عليه عندهم في الحكم باللغو راجع إلى خصوص الكون، وأنه ليس بعام، سواء ذكر الكون الخاص أم حذف، وفي الاستقرار إلى عموم الكون، وأنه ليس بخاص.
وينتقلون بعد هذا إلى تقسيمات، وتفريعات شاقة، وأدلة جدلية مرهقة في إثبات تلك الأقسام والفروع وفي المفاضلة بين أن يكون المتعلق المحذوف فعلا أو اسما ... وغير هذا مما لا حاجة إليه اليوم، ولا ضرر من إهماله.
بل الخير في إهماله، وفي ترك ما نقلناه عنهم، وفي الاقتصار على إعراب الظرف والجار الأصلي مع المجرور خرا- مثلا- في محل رفع، كما شرحنا أول هذا الموضوع، وكما هو رأي بعض السابقين.
ولا داعي للتشدد في البحث عن العامل ونوعه.
مع عدم الحاجة إليه، ولا في الخضوع له، وركوب الشطط لإظهار آثاره، لأن المعنى جلى كامل بدونه، فذلك التشدد وذلك الخضوع هو الجانب المعيب في نظرية العامل النافعة الجميلة.
وإذا أخذنا بهذا الرأي السهل اليسير كان تسمية الظروف والجار مع مجروره "شبه جملة"، إنما هي من قبيل الإبقاء على التسمية القديمة، ومراعاة أصلها السابق، أو لأن كلا من الظرف والجار الأصلي مع مجروره ليس مفردا في الحقيقة، بل هو مركب، إذ يحمل معه الضمير المستتر الذي انتقل إليه من المحذوف على الوجه الذي بسطناه.
وإتماما للبحث، وإنصافا للنحاة نذكر أن رأيهم في وجوب تعلق شبه الجملة" سديد، وأن حجتهم في تحتيم ذلك التعلق قوية- وإيضاحها المفيد في جـ 2 ص 236 م 78 باب الظرف، وص 405 باب حروف الجر-، وتتلخص هنا في أن الخبر هو المبتدأ معنى، وكذلك المبتدأ هو الخبر معنى، كما في مثل: "على الخطيب" فالخطيب في هذه الجملة هوع لى، وعلى هو الخطيب، فكلاهما من جهة المعنى هو الآخر.
وكذلك الشأن في كل مبتدأ وخبر على النسق السالف الوارد في الاستعمال العربي.
فلو أردنا بغير التعلق تطبيق هذا الضابط العام الصحيح على الخبر شبه الجملة لم ينطبق، بل يفسد المعنى معه، ولا يصلحه إلا التعلق على الوجه الذي يذكره النحاة، ففي مثل: على أمامك.... لا يصح أن يكون الظرف "أمام" هو: على ولا أن يكون على هو: "الأمام" نفسه، إذا المعنى في كل منهما مخالف للآخر تمام المخالفة، ولا يصلحه إلا أن يكون الظرف متعلقا بشيء آخر غير المبتدأ، هو "كائن" أو "موجود" أو نحوهما.
ومثل هذا يقال: في السفر يوم الخميس، فليس السفر هو يوم الخميس نفسه، ولا يوم الخميس هو السفر ...
فالظرف بنوعيه لا يستقل بنفسه في إحداث معنى جديد، لأنه وعاء - كالوعاء الحسي- لا بد له من مظروف، "أي: من شيء يقع فيه".
وهذا المظروف هو ما يسمى: "المتعلق" وهو الذي لا بد أن يقع في الظرف، وإلا فسد المعنى بغيره تماما، وما يقال في الظرف يقال في الجار الأصلي مع المجرور، إذ لا فائدة منهما إلا بمتعلقهما، وقد أوضحنا بإسهاب وتفصيل في مكانه المناسب - جـ 2 ص 236 م 78 باب: "الظرف" وكذلك، في ص 405 وما بعدها م 89 باب: "حروف الجر"، واستيفاء الموضوع على الوجه الحميد يقتضي الرجوع إلى تلك الصفحات.
الجملة نفسه يكون الخبر1 - فى الرأى المختار.
بقيت مسألة تتعلق ببيان نوع الظرف التام الذى يصلح أن يكون خبراً.
فأما ظرف المكان فيصلح - فى الغالب - أن يقع خبراً عن المبتدأ المعنى وعن المبتدأ الجثة؛ فمثال الأول؛ العلم عندك - الحق معك.
ومثال الثاني: الكتاب أمامك - الشجرة خلفك.
ولا بد فى ظرف المكان أن يكون خاصًّا2 لكى يتحقق شرط الإفادة؛ كالأمثلة السالفة؛ فلا يصح أن يكون عامًّا؛ مثل: العلم مكاناً، أوالكتب مكاناً؛ لعدم الإفادة.
وأما ظرف الزمان فيصلح أن يقع خبراً عن المبتدأ المعنى فقط، بشرط أن تتحقق الإفادة.
كأنْ يكون الزمان خاصّاً2، لا عامًّا؛ مثل: السفر صباحاً، والراحة ليلا.
بخلاف: السفر زماناً، الفضل دهراً، الأدب حيناً، لعدم الإفادة.3
وهولا يصلح أن يكون خبراً عن الجثة إلا قليلا؛ وذلك حين يفيد1 أيضاً؛ فلا يصح: الشجرة يوماً - البيت غداً؛ لعدم الإفادة. ويصح: القطن صيفاً. القمح شتاء، لتحقق الفائدة؛ إذ المراد: ظهور القطن صيفاً. وظهور القمح شتاء. ومنه قولهم: الهلاُ الليلةَ. والرطبُ شهرىْ ربيع.
ومجمل الأمر أن ظرف المكان يصلح - فى الغالب- خبراً للمبتدأ بنوعيه: المعنى والجثة، وأن ظرف الزمان يصلح في الغالب خبراً للمبتدأ المعنى دون الجثة، إلا إن أفاد1؛ وهذه الإفادة تحقق فى الظرف بنوعيه حين يكون خاصًّا لا عامًّا. فالمعول عليه فى الإخبار بالظرف هوالإفادة1.
"1 و1" طرق الإفادة موضحة في: "جـ" من الزيادة الآتية في ص 481.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
زيادة وتفصيل:
أ- من الألفاظ الملازمة للابتداء1 كلمة: "طُوبَى2، وهذه الكلمة لا يكون" خبرها إلا الجار مع مجروره، - كما سبق3 - نحوطوبى: للصّالح.
ب- شبه الجملة لا بد ن يتعلق بعامله على الوجه الذى شرحناه4.
فإن لم يوجد فى الكلام عامل يصح التعلق به صح أن يكون تعلقه بالإسناد نفسه "أى: بالنسبة الواقعة بين ركنى الجملة"، كقول ابن مالك فى باب "الاستثناء" من ألفيته، خاصاً بالأداتين "خلا وعدا":
وحيثُ جَرَّا فهُما حرفان
فالظرف: "حيث" متعلق بالنسبة "أى: بالإسناد" المأخوذة من قوله: "فهما حرفان"، أى: تثبت حرفيتهما حيث جرّا.
أما وجود الفاء هنا فله بيان أوضحناه عند إعادة الكلام فى هذه المسألة فى الجزء الثانى: "بابى الظرف وحرف الجر".
"حـ" قلنا5: إن ظرف الزمان لا يقع خبراً عن الذات "الجثة" إلا بشرط أن يفيد6، وهذه الإفادة تتحقق بأحد الثلاثة الآتية:
الأولى: أن يتخصص ظرف الزمان إما بنعت؛ مثل: نحن فى يوم طيب، أو: نحن فى أسبوع سعيد. وإما بإضافة؛ مثل: نحن فى شهر شوال.. وإما بَعَلميه مثل: نحن فى رمضان؛ ويجب جر الظرف الزمانى فى هذه الصور الثلاث بفى؛ ويكون الجار مع المجرور فى محل رفع خبرا7.
ولا يعرب فى حالة جره - أورفعه - ظرفاً.
ولا يسمى ظرفا اصطلاحا، لأن هذه التسمية الاصطلاحية مقصورة عليه حين يكون منصوبا على الظرفية دون غيرها8....
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الثانية: أن يكون المبتدأ الذات مما يتجدد؛ بأن يظهر فى بعض الأوقات دون بعض؛ فله مواسم معينة يظهر فيها ثم ينقطع، ثم يظهر.. وهكذا.. فيكون شبيهاً بالمعنى، مثل: البرتقال شهور الشتاء، والبِطيخ شهورَ الصيف.
الهلال الليلةَ.
وفى هذه الحالة يجوز نصب ظرف الزمان، أوجره بفى.
وهوفى الحالتين فى محل رفع خبر.
الثالثة: أن يكون المبتدأ الذات صالحاً لتقدير مضاف قبله تدل عليه القرائن؛ بحيث يكون ذلك المضاف أمراً معنوياً مناسباً؛ كأنْ يلازم المرء بيته يومياً للراحة، فيعرض عليه صديقه الخروج لنزهة بحرية، فيعتذر قائلا: البيتُ اليومَ، والبحرُ غدا.
أى: ملازمة البيت اليوم، ونزهة البحر غدا.
ومثله: الكتابُ الساعةَ، والحديقةُ عصراً.
أى: قراءةُ الكتاب الساعةَ، ومتعةُ الحديقة عصراً ... وفى هذه الصورة يكون الظرف منصوباً فى محل رفع خبراً.
والحالات الثلاث1 السابقة قياسيَّة؛ يصح محاكاتها؛ وصوغ الأساليب الحديثة على مقتضاها.
لكن كيف نعرب الظرف الزمانى فى غير تلك الأحوال الثالثة؟ وكيف نعرب المكانى؟ وكيف نضبطهما؟
إن الأصل في الظرف أن يكون منصوباً مباشرة، أوفى محل نصب2.
1- فإن كان الظرف2 للزمان ووقع خبراً عن معنى ليس للزمان - جاز رفعه، ونصبه، وجره بفى، ويكون المرفوع هوالخبر مباشرة، ويكون المنصوب، أوالمجرور مع حرف الجر، في محل رفع، هو: الخبر.
تقول: الصوم شهرٌ، أو: شهراً، أوفى شهر.
والراحة يومٌ، أويوماً، أوفى يوم.
والأكل ساعةٌ، أوساعةً، أوفى ساعة.
"أى: زمن الصوم ... وزمن الراحة ... وزمن الأكل" لكن
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الأحسن الرفع مباشرة إن كان الزمان نكرة والمبتدأ المعنى يعم ذلك الزمان كله أوأكثره؛ نحو: الصوم يومٌ، والسهر ليلةٌ.
2- إن كان الظرف زمانيًّا من أسماء الشهور ووقع خبراً عن مبتدأ هومعنى وزمان، تعين رفع الخبرُ، مثل: أولُ السنة المحرمُ، وشهرُ الصوم رمضانُ.
3- وإن لم يكن هذا الخبر الظرف من أسماء الشهور.
ولكنّ المبتدأ يتضمن عملا - جاز الرفع والنصب؛ مثل: الجمعة اليوم، أوالسبت اليوم، أوالعيد اليوم، لتضمنها1 معنى الجمع، والقطع، والعوْد. ومنه: اليومُ يومك؛ لتضمنه معنى: شأنك الذى تذكر به. فإنْ لم يتضمن عملا؛ كالأحد، والاثنين، والثلاثاء، والأربعاء، والخميس - كان الرفع أحسن.
4- وإن كان الظرف للزمان، ووقع خبراً للمبتدأ الذات فى الحالات التى يصح وقوعه خبراً فيها؛ لإفادته، وقد سبقت فى "أ" - فحكمه كما سبق هناك2.
5- وإن كان الظرف للمكان، ووقع خبراً عن ذات، أومعنى، وكان متصرفاً3 - جاز رفعه ونصبه؛ مثل: الكبار جانب، أو: جانباً، والأطفال جانب، أوجانباً.
"برفع كلمة: "جانب".
أو: نصبها" والرجل أمامك، والدار خلفك "برفع أمام، وخلف، أونصبهما" ومثل: العلم ناحية والعمل ناحية، برفع كلمة: "ناحية" أونصبها.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فإن كان غير متصرف مثل "فوق" وجب نصبه1؛ نحو: الكتاب فوق المكتب.
6- إذا قلتَ: ظهرُك خلفك، جاز رفع الظرف المكانى: "خلْف" ونصبه. أما الرفع فلأن الخلف فى المعنى هو: الظهر. فالخبر هواسم محض معناه معنى المبتدأ، وأما النصب فعلى الظرفية الواقعة خبراً. وكذلك ما يشبه ما سبق من الظروف المكانية، نحو: نعلك أسفل رجلك، والركب أسفلَ منك. وقد سبق أن الظرف المكانىّ المخبر به إذا كان غير متصرف، يجب نصبه؛ مثل: رأسك فوقك، ورجلاك تحتك؛ لأن "فوق" و"تحت" ظرفين للمكان غير متصرفين.
7- إذا كان الظرف الزمانى غير متصرف: مثل: "ضحوة" يراد بها ضحوة معينة ليوم معين - وجب النصب؛ مثل: العملُ ضحوةَ.
8- إذا كان الظرف بنوعيه متصرفاً، محدود المقدار، ووقع خبرا عن المبتدأ الذات - جاز فى الظرف الرفع، والنصب، بشرط أن يكون المبتدأ الذات على نية تقدير مضاف قبله، يدل على البعد والمسافة، مثل: المدرسة منى ميل أوميلا. المدينة منى يوم أويوماً، أى: بُعْدُ المدرسة ... وبعد المدينة ... ، إذا قلت هذا - مثلا - قبل ابتداء السير. فإن كان المقصود أن المدرسة أوالمدينة من أشياء تبعد عما سرنا ميلا تعين النصب على الظرفية، وكان الخبر هوالجار والمجرور: "منى" بخلاف الرفع فإنه على تقدير: بُعْد مكانها منى ميل، مثلا ...
9- من الأساليب الواردة عن العرب: حامد وحده. يريدون: أنه فى موضع التفرد، وفى مكان التوحد؛ فيجوز إعراب: "وحد" ظرفاً منصوباً فى محل رفع خبر2.
"ملاحظة": إذا ترك الظرفُ النصبَ على الظرفية، إلى الرفع أوإلى الجر فإنه لا يكون ظرفاً، ولا يسمى بهذا الاسم3....