النحو الوافيالمسألة

المسألة

عن هذه الطبعة
عَلَم
عباس حسن
الكتاب
النحو الوافي
المؤلف
عباس حسن (المتوفى: 1398هـ)
الناشر
دار المعارف
الطبعة
الطبعة الخامسة عشرة
عدد الأجزاء
4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

153: إعراب المضارع "ب" جوازمه1: عوامل جزمه ثلاثة أنواع: نوع يقتصر على جزم مضارع واحد في النثر وفي النظم، بلا خوف، وهو أربعة أحرف: "اللام الطلبية، لا الطلبية، لم، لما"2.
ونوع لا بد أن يجزم مضارعين معا، أو ما يحل محل كل منهما، أو محل أحدهما؛ وهو عشر أدوات، "منها: إن، إذ ما، من، ما، متى ... و ... " بعضها أسماء، وبعضها أحرف. وسيجيء بيانها وتفصيل الكلام عليها3.
ولا يكاد يوجد خلاف في أن هذا النوع جازم.

ونوع ثالث يختلف النحاة في اعتباره جازما، وقليل منهم يعده جازما، ويقصر جزمه على الشعر دون النثر. وأدواته ثلاثة: إذا -كيفما- لو.. والجوازم بأنواعها الثلاثة لا تدخل إلى على الفعل ظاهرا، أو مقدرا1.
وفيما يلي البيان: النوع الأول 2: الأربعة التي يجزم كل منها مضارعا واحدا معانيها، وأحكامها أولها: لام الطلب. وهي التي يطلب بها عمل شيء وفعله -تركه، ولا الكف عنه- فإن كان الطلب صادرا ممن هو أعلى درجة إلى من هو أقل منه سميت: "لام الأمر"، وإن كان من أدنى لأعلى سميت: "لام الدعاء". وإن كان من مساو سميت: "لام الالتماس". وبسبب دلالتها على المعاني الثلاثة كانت تسميتها "بلام الطلب" أنسب، كما عرفنا3.
ومن أمثلتها: "لتكن حقوق الوالدين عندك مرعية، ولتكن صلة القرابة لديك مصونة".
ومن أمثلتها: "لتكن حقوق الوالدين عندك مرعية، ولتن صلة القرابة لديك مصونة".
ومثل قول الحكماء: "ليكن حبك وبغضك أمما4 ولتجعل للصلح والرجوع بقية في بقية في قللك، تصلح بما ما فات".
وأشهر أحكامها: 1- أنها تجزم المضارع5 بشرط ألا يفصل بينهما فاصل.
2- أن الجزم بها مختلف في درجة القوة والكثرة.
فيكثر دخولها على المضارع المبدوء بعلامة الغياب؛ وهي الياء للمذكر، والتاء للمؤنث، ويقل -مع صحته-

دخولها على المضارع المبدوء بحرف الخطاب1؛ أو المبدوء بحرف التكلم، وهو: الهمزة أو النون، لأن المتكلم لا يأمر نفسه إلا مجازا، وهذا -مع قلته- قياسي فصيح، كسابقه.
ومن الأمثلة قوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ . وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ ، وقوله عليه السلام: "قوموا فلأصل لكم" 2. ومثل: لأترك من أساء ولأصاحب من أحسن.
3- أنها قد تحذف ويبقى عملها.
وحذفها إما كثير مطرد؛ وذلك إذا وقعت بعد فعل الأمر: "قل" وكان الكلام بعدها لا يصلح جوابا للأمر.
بسبب فساد معنوي.
أو غيره، كالآية الكريمة: ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ 3 أي: ليقيموا.. وإما قليل، ولكنه جائز في الاختيار وفي الضرورة، وهو حذفها بعد مشتقات القول الأخرى التي ليست فعل الأمر: "قل"؛ نحو: قلت لبواب لديه دارها ... تأذن؛ فإني حموها4 وجارها يريد: لتأذن5 لي بالدخول ... 6. وإما قليل مقصور على حالة الضرورة الشعرية؛ وهذا حين لا يسبقها شيء من مادة القول؛ نحو:

محمد، تفد نفسك كل نفس ... إذا ما خفت من أمر تبالا1 وقول الآخر2: فلا تستطل مني بقائي ومدتي ... ولكن يكن للخير منك نصيب والأصل فيهما: لتفد، ليكن ... ، فحذفت اللام للضرورة الشعرية.
4- أن تحريكها بالكسر هو الأكثر؛ إذا لم يسبقها "الواو، أو الفاء، أو ثم".
وفتحها لغة إن فتح تاليها.
فإن سبقها أحد الأحرف الثلاثة المذكورة جاز تسكينها وتحريكها على الوجه السالف، لكن التسكين أكثر.
نحو قولهم: من ولي من أمور الناس شيئا فليراقب ربه فيما وليه، وليذكر أنه محاسب على ما يكون مه، ثم لينتظر عاقبة ما قدمت يداه..3. ثانيها: "لا" الطلبية وهي التي يطلب بها الكف عن شيء وعن فعله4.
فإن كان الطلب موجها ممن هو أعلى درجة إلى من هو أدنى سميت "لا الناهية"4 وإن كان من أدنى لأعلى سميت: "لا الدعائية" وإن كان من مساو إلى نظيره سميت: "لا التي للالتماس"5 ... ومن أمثلة الناهية قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لاِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ . وقوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ -أي: ولا تتفرقوا.
ومن أمثلة الدعائية قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ . وقول الشاعر:

لا يبعد الله جيرانا تركتهمو ... مثل المصابيح تجلو ليلة الظلم ........................................ ... .......................................1 ومن أمثلة الالتماس قول الزميل لزميله: لا تتهافت على اللئيم فتتهم في مروءتك.
ولا على الجاهل فتتهم في فطنتك.
ولا تأمن العدو فيسوقك للمهالك، ولا تثق بالحسود فيجرك للعطب.
وأشهر أحكامها: 1- أنها تجزم المضارع2 بشرطين، أولهما: ألا يفصل بينهما فاصل، إلا عند الضرورة الشعرية؛ كالتي في مثل: وقالوا: أخانا -لا تخشع لظالم ... عزيز، ولا -ذا حق قومك- تظلم3 والأصل: ولا تظلم ذا حق قومك4.
وأجاز بعضهم الفصل بالظرف أو بالجار مع مجروره؛ لأن التوسع بشبه الجملة كثير في ألسنة العرب.
ورأيه حسن؛ مثل قولك للطائش: "لا -اليوم- تعبث والقوم يجدون، ولا -عن النافع- تنصرف والعقلاء يقبلون".
أي: لا تعبث اليوم ... ولا تنصرف عن النافع.
ثانيها: ألا تسبقها "إن الشرطية" أو غيرها من أدوات الشرط.
فإن سبقت بإحداهما صارت نافية لا تجزم5.. 2- صحة حذف مضارعها لدليل يدل عليه؛ نحو: انصح زميلك ما وجدته

مستريحا للنصح، منشرحا له. وإلا فلا ... أي: فلا تنصحه. ويجب حذف المضارع بعدها في حالة واحدة؛ هي: أن ينوب عن مصدر محذوف، مؤكد، دال على نهي، كقولك لمن يتكلم والخطيب يخطب: سكوتا لا كلاما، أي: اسكت سكوتا، لا تتلكم كلاما1.
3- كثرة جزمها المضارع المبني للمعلوم إذا كان مبدوءا بالتاء أو الياء، نحو قوله تعالى: ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ . وقول الشاعر: لا تسأل الناس عن مالي وكثرته ... وسائل الناس عن حزمي وعن خلقي وقولهم: لا يقعد أحدكم عن طلب الرزق؛ فإن الرزق لا يسعى للقاعد عن طلبه2.
فإن كان مبدوءا بعلامة التكلم "الهمزة، أو: النون" فمن النادر الذي لا يقاس عليه أن تجزمه -في الرأي المختار- لأن المتكلم لا ينهى نفس إلا مجازا.
ومن القليل المسموع قول الشاعر: لا أعرفن ربربا3 حورا مدامعها ... مردفات4 على أعقاب5 أكوار6

وقول الآخر: إذا ما خرجنا من دمشق فلا نعد ... لها أبدا ما دام فيها الجراضم1 أي: لا يكن ربرب أعرفه -لا تكن منا عودة بعد خروجنا2 ... فإن كان مبدوءا بعلامة التكلم مع بنائه للمجهول جزمته بكثرة؛ نحو: لا أخرج من وطني إلا تحت ظلال السيوف أو لا تخرج من وطنا ... وإنما كثر هذا لأن النهي متجه إلى غير المتكلم؛ فأصل الكلام.
لا يخرجني أحد، أو لا يخرجنا أحد.. فالنهي منصرف للفاعل وهو غير المتكلم.
ثم حذف الفاعل وناب عنه ضمير المتكلم؛ فصار الكلام: لا أخرج، ولا نخرج3.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  زيادة وتفصيل: أ- لم يشترط الكوفيون للجزم بـ"لا" أن تكون طلبية؛ فهم يصححون الجزم بعد "لا" النافية أيضا؛ بشرط أن يصح وقوع "كي" التعليلية قبلها مع استقامة المعنى؛ كالذي حكى من قول بعض العرب: "ربطت الفرس لا ينفلت" بجزم المضارع وبرفعه، فالجزم على توهم وتقدير جملة شرطية؛ أي: لأني إن لم أربطه ينفلت.
وهنا يمكن وضع: "كي" قبل: "لا" من غير أن يفسد المعنى، بأن يقال: ربطت الفرس كي لا ينفلت.
ومن الخير اليوم عدم الأخذ بهذه اللغة، وعدم القياس على القليل الوارد بها؛ منعا لفوضى التعبير، وما يترتب عليه -بغير داع- من اضطراب الفهم واختلافه.
أما الرفع فعلى الاستئناف.
ب- من الأساليب الصحيحة التي لها نظائر واردة في بليغ الكلام: "أحب الأصدقاء ولا تر ما المخلصون أو: ولو تر ما المخلصون ... " بمعنى: "ولا سيما ... " في كل ما تقدم.
وقد سبق تفصيل الكلام على هذا الأسلوب؛ معنى وإعرابا1 ... ح- يقرر اللغويون أن "لا، النافية"، قد تفيد النهي -دون أن تجزم- إفادة أقوى من إفادة "لا، الناهية" يدل على هذا ما سجله الشراح في قوله عليه السلام2: "لا يشير أحدكم إلى أخيه بالسلام ... " -برفع المضارع: "يشير"، وإثبات الياء قبل الراء، فقد قال النووي في شرحه ما نصه: "قوله: لا يشير..، نهي بلفظ الخبرن وقد قدمنا مرات أن هذا أبلغ من لفظ النهي".
ا. هـ3. ومن الأمثلة أيضا قوله عليه السلام4 حين نزلت الآية التي تحرم الخمر تحريما قاطعا: "إن الله حرم الخمر فمن أدركته هذه الآية وعنده منها شيء فلا يشرب، ولا يبيع" برفع المضارعين.
ودليل الرفع عدم حذف الياء قبل آخر الفعل: "يبيع"5.

ثالثها ورابعها: "لم، ولما" الجازمتان1: ويشتركان في أمور، منها: أن كلا منهما حرف نفي.
مختص بجزم مضارع واحد، وبنفي معناه، وبقلب زمنه من الحال والاستقبال إلى الزمن الماضي2، وقد تدخل همزة الاستفهام -ولا سيما التقريري-3 على هذا الحرف، فلا تغير عمله.
ومن الأمثلة قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ 4، وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾ . ومثل: حضر الرحالة ولما تحضر رفاقه، وأقبل الناس على تهنئته، ولما يسمعوا منه وصف رحلته، ومثل: أيها الفتى، ألما تترك عبث الغلمان وقد كبرت؟ ألما تقبل على عملك والوطن ينتظر منك الجد والإخلاص؟ لما سبق يقول النحاة في كل واحد منهما عند إعرابه إنه: "حرف نفي، وجزم، وقلب".
ثم هم يقررون أن المضارع بعدهما مضارع في لفظه وفي إعرابه، لكنه ماض في زمن معناه، سواء أكان مضيه متصلا بالحال أم غير متصل.

وتنفرد كل أداة منهما بأمور؛ فما تنفرد به "لم": 1- صحة دخول بعض أدوات الشرط عليها "مثل: إن، إذا، من، لو ... " كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ وقول الشاعر: إذا لم يكن فيكن ولا جنى ... فأبعدكن الله من شجرات وقول الآخر: من لم يؤدبه الجميـ ... ـل ففي عقوبته صلاحه....1 وقول المتنبي يرثي جدته: ولو لم تكوني بنت أكرم والد ... لكان أباك الضخم كونك لي أما وإذا دخلت أداة الشرط على "لم"2 صار المضارع بعدها متجردا للزمن المستقبل المحض، وبطل تأثير "لم" في قلب زمنه للماضي.
ومعنى هذا: أن "لم" تقلب زمن المضارع من الحال والاستقبال إلى الماضي بشرط ألا تسبقها إحدى الأدوات الشرطية التي تخلص زمنه للمستقبل المحض، فإن سبقته إحدى هذه الأدوات مثل: إن -من.
و. ولم ينقلب زمنه للماضي، وصار التأثير في زمنه مقصورا على أداة الشرط وحدها؛ فتخلصه للمستقبل المحض.
كالشأن في الأدوات الشرطية التي تجعله للمستقبل الخالص.
لكن ما الذي يجزمه إذا اجتمعت قبله أداة الشرط و"لم" معا، وكانت أداة الشرط جازمة كالتي في بعض الأمثلة السابقة، وفي قولهم: من لم يقدمه الحزم يؤخره العجز؟ 3

اختلف النحاة في تعيين الأداة العاملة؛ فقائل: إنها "لم"؛ لاتصالها به مباشرة، وأداة الشرط مهملة1 داخلة على جملة، وقائل: إنها أداة الشرط، لسبقها ولقوتها، فكما تؤثر في زمنه فتجعله للمستقبل الخالص تؤثر في لفظه فتجزمه كما جزمت جوابه؛ وخلصت زمنه للمستقبل.
وفي هذه الحالة تقتصر "لم" على نفي معناه دون جزمه، ودون قلب زمنه للماضي.
والأخذ بهذا الرأي أحسن؛ بالرغم من أن الخلاف لا قيمة له؛ لأن المضارع مجزوم على الحالين، والمعنى لا يتأثر.
2- صحة الفصل بينها وبين مجزومها في الضرورة الشعرية فقط؛ كقول الشاعر: فأضحت مغانيها قفارا رسومها ... كأن لم سوى أهل من الوحش تؤهل أي: كأن لم تؤهل سوى أهل من الوحش.
3- جواز أن يكون معنى المضارع المنفي بها قد انتهى وانقطع قبل الكلام بوقت قصير أو طويل2، وأن يكون مستمرا متصلا بالحال؛ "أي: بوقت الكلام" ولكن يستحيل أن يكون للمستقبل، أو متصلا به ... 3؛ فمثال انقطاعه قبل الكلام وعدم امتداده للحال: لم ينزل المطر3 منذ شهرنا.
ومثال استمراره واتصاله بالحال وعدم انقطاعه قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ، = "واجعل لنحو يفعلان النون ... " ما نصه: "فإن لم تفعلوا" قيل: تنازع الحرفان الفعل فأعمل الثاني، وحذف نظيرها من الأول.
وقيل الأصل: إن ثبت أنكم لم تفعلوا ... ، فمضي "لم" في عدم الفعل، واستقبال "إن" في إثبات ذلك العدم، هو على حد قوله تعالى: {إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ﴾ فإن المعلق عليه إثبات القد، لا هو نفسه؛ لسبقه على وقت المحاكمة.
وقيل: "لم" عملت في الفعل، وهي معه في محل جزم بإن، وجواب الشرط على كل محذوف تقديره: فاتركوا العناد ... ". ا. هـ. وستجيء إشارة لهذا في "ج" من ص437، والأنسب الأخذ بما عرضناه هنا؛ لبعده من التكلف والتعقيد.

وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} 1، وقول الشاعر: غاية البؤس والنعيم زوال ... لم يدم في النعيم والبؤس حي وقول الآخر في مغنية: غنت فلم تستبق جارحة ... إلا تمنت أنها أذن1 4- صحة وقوع الاسم بعدها معمولا لفعل محذوف بعدها، يفسره شيء مذكور. كقول الشاعر: ظننت -فقيرا- ذا غنى، ثم نلته ... فلم -ذا رجاء- ألقه غير واهب والتقدير: فلم ألق ذا رجاء -ألقه- غير واهب إياه ما يريد، وما يحتاج إليه2.
والأحسن الرأي يقصر هذه الحالة على الضرورة الشعرية، ويمنع القياس عليها في النثر.
5- امتناع حذف مضارعها -في غير الصورة السالفة- إلا في الضرورة3 كقول القائل: احفظ وديعتك التي استودعتها ... يوم الأعازب4، إن وصلت وإن لم أي: وإن لم تصل ...

6- أن بعض العرب قد ينصب بها، وبعضا آخر قد يهملها فلا تنصب ولا تجزم، وإنما تتجرد للنفي المحض؛ فمثال النصب بها قراءة من قرأ ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ 1. ومثال لإهمال قول الشاعر: لولا فوارس من ذهل وأسرتهم ... يوم2 الصليفاء لم يوفون بالجار ومن المستحسن الآن الانصراف عن هذين الرأيين، وعدم محاكاة واحد منهما؛ منعا للفوضى البيانية، الضاره.
ومما تنفرد به "لما: 1- صحة حذف المضارع المجزوم بها، والوقوف عليها بعد حذفه، في النثر وفي الشعر؛ كقول أحد القواد الرحالين: "لما دخلت دمشق عزمت على زيارة قبر صلاح الدين الأيوبي، فما كدت أقترب منه حتى امتلأت نفسي هيبة، وسرت في جسدي رهبة لم أستطع منها خلاصا إلا على صوت رائدي يقول: "تقدم للدخول" ... فتقدمت ولما ... ، وبقيت في غمرة من جلال الموت، وعبرة التاريخ؛ أردد قول الشاعر: فجئت قبورهم بدءا3 ولما ... ... فناديت القبور فلم يجبنه4

أي: تقدمت ولما أستفق "مثلا" فجئت قبورهم بداء ولما أكن سيدا قبل ذلك ... أما المضارع المجزوم "بلم" فلا يصح حذفه إلا في الضرورة -كما سبق.
2- وجوب امتداد الزمن المنفي بها إلى الزمن الحالي امتدادا يشملهما معا، وذلك بأن كون المعنى منفيا في الزمن الماضي وفي الزمن الحالي أيضا من غير اقتصار على أحدهما، نحو: بهرني ورد الحديقة، وأغراني بقطفه، ولما أقطفه، أي: ولما أقطفه؛ لا في الزمن الماضي "قبل الكلام"، ولا في الحال "وقت الكلام" ومثل قول الشاعر يستغيث بمن يحميه من أعدائه: فإن أك مأكولا فكن أنت آكلي ... وإلا فأدركني، ولما أمزق يريد: أني لم أمزق في الماضي ولا في الزمن الحالي.
أما "لم" فليست ملازمة لهذا إلا في بعض الحالات1 ومن ثم يصح: لم يحضر الغائب ثم حضر الآن، ولا يصح: لما يحضر الغائب ثم حضر الآن، لأن الأولى معناها لم يحضر في الزمن الماضي قبل التكلم، ثم حضر الآن في وقت التكلم، فلا تعارض بين الزمنين.
أما الثانية فمعناها: لم يحضر في الماضي ولا في الحال ثم حضر الآن؛ أي: في الحال، وهذا تناقض واضح، إذ من المحال أن يثبت الحضور وينفي في زمن واحد؛ هو الحال2 ... 3- أن المتكلم بالمعنى المنفي بها يتوقع زوال النفي -غالبا- عن ذلك المعنى وحصوله مثبتا: أي: ينتظر تحقق المعنى وقوعه -في الغالب- على الوجه الحالي من النفي، فالذي يقول، لما تشرق الشمس، ... يريد: أنها لم تشرق قبل الكلام ولا في أثنائه، لكن من المنتظر أن تشرق.
ومن يقول: لما تمطر السماء، يقصد:

أنها لم تمطر قبل التكلم، ولا في خلاله، ومن المتوقع أن تمطر1.
أما المتكلم بالمعنى المنفي بالحرف "لم" فلا يتوقع رفع النفي عنه، ولا ينتظر حصوله مثبتا2 ... 4- أنها متنوعة المعاني والأغراض تنوعا يؤدي إلى اختلاف الأساليب على حسب تلك المعاني والأغراض. بخلاف: "لم"؛ فإنها في جميع أحوالها واستعمالاتها لا تكون إلا نافية جازمة -كما سبق3.
إلى هنا انتهت أوجه التشابه والتخالف بين: "لم" "لما" وهي أوجه دقيقة تتطلب يقظة، وسلامة إدراك عند استعمال هذين الحرفين، وعند تفهم الأساليب التي تحويهما4.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  زيادة وتفصيل: "لما" الجازمة تختلف اختلافا واسعا عن: "لما" الظرفية التي هي ظرف -في المشهور-1 بمعنى: حين، أو: إذ، وتفيد وجود شيء لوجود آخر؛ فالثاني منهما مترتب على الأول، ومسبب عنه، ولهذا تدخل على جملتين ثاننيتهما هي المترتبة على الأولى.
والغالب أن تكونا ماضيتين.
نحو قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ﴾ وقد تكونان غير ماضيتين بالتفصيل المفيد الذي عرفناه في الظروف1.. وكذلك تختلف: "لما" الجازمة عن: "لما" التي بمعنى "إلا" كالتي في قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ 2، أي: إلا عليها حافظ "في أحد المعاني ... " وهذه لا تدخل -في الغالب- إلا على الجملة الاسمية؛ كالآية السالفة ... ، أو على الماضي لفظا لا معنى، نحو: أنشدك الله لما فعلت كذا؛ أي: إلا فعلت.
والمعنى: ما أسألك إلا فعل كذا، أي: إلا أن تفعل كذا.
فالماضي هنا صوري فقط؛ لأن لفظه ماضي ومعناه معنى المضارع المستقبل ...

جارٍ التحميل