المسألة 111
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- عباس حسن
- الكتاب
- النحو الوافي
- المؤلف
- عباس حسن (المتوفى: 1398هـ)
- الناشر
- دار المعارف
- الطبعة
- الطبعة الخامسة عشرة
- عدد الأجزاء
- 4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
:
الأفعال 1 التي تجري مجرى "نعم" و "بئس":
الأصل العام: أن يقتصر كل فعل تحتويه الجملة المفيدة على تأدية معنى واحد مناسب؛ يكتفى به، ولا ينضم إليه معنى آخر. وينطبق هذا الأصل العام على أكثر الأفعال الثلاثية، حيث يقتصر كل فعل منها على تأدية معناه الخاص الواحد من غير دلالة معه على مدح، أو: ذم أو: تعجب ... كالأفعال: فرح، قعد، فهم.... و.... ومئات غيرها فإن كان كل فعل منها يؤدي معناه المعين؛ "وهو: الفرح، القعود، الفهم ... " تأدية مجردة من الإشعار بمدح، أو ذم، أو تعجب؛ فلا صلة لها بشيء من هذه المعاني الثلاثة.
لكن من الممكن أن يدخل شيء من التغيير على صيغة كل فعل من الأفعال السابقة –ونظائرها– ليصير على وزن معين، فيؤدي معناه الأصلي الخاص مع زيادة في الدلالة؛ تتضمن المدح بهذا المعني اللغوي الخاص، أو الذم به، كما تتضمن –في الوقت نفسه –الإشعار بالتعجب في الحالتين. فالزيادة الطارئة على المعنى اللغوي الأصلي للفعل بعد تغيير صيغته –تتضمن الأمرين معًا. وإن شئت فقل: إن الفعل الثلاثي في صيغته الجديدة، الناشئة من التغيير يؤدي ثلاثة أمور مجتمعة؛ هي: معناه اللغوي الخاص، مزيدًا عليه المدح بهذا المعنى الخاص أو الذم به على حسب دلالته الأصلية، وأيضًا إفادة التعجب في حالتي المدح والذم2.
والمدح والذم هنا خاصان؛ لأنهما يقتصران على المعنى اللغوي للفعل، وهذا المعنى معين محدود، ولهذا يكون المدح به أو الذم خاصًا، مع إفادة التعجب
في كل حالة، فلا إهمال للمعنى الخاص الأساسي للفعل، ولا تعميم فيه ولا شمول، ولا خلو من التعجب، فالأسلوب هنا باشتماله على الأمور الثلاثة السالفة مختلف عنه مع "نعم وبئس"؛ لأن معناهما: المدح والذم العاملين الشاملين، الخاليين من إفادة التعجب1.
وإنما يقوم الفعل الثلاثي2 بتأدية معناه الخاص مع تلك الزيادة في الدلالة إذا تحقق في صوغه أمران:
أولهما: أن يكون مستوفيًا كل الشروط التي يجب اجتماعها في الفعل الذي يصلح أن تصاغ منه –مباشرة– صيغتا التعجب3، وفي مقدمتها: أن يكون ثلاثيًا.
ثانيهما: أن يكون على وزن: "فعل" –بضم العين-؛ سواء أكان مصوغًا على هذا الوزن من أول الأمر نقلًا عن العرب؛ مثل: شرف، وكرم، وحسن ... و....، أم لم يكن؛ كفهم4، وجهل، وبرع ... ؛ فيصير: فهم، جهل4، برع ...
"ومعلوم أن الفعل الثلاثي لا يخرج –في الأغلب4– عن ثلاثة أوزان؛ تنشأ من تحريك عينه بالفتح؛ "نحو: ذهب"، أو بالكسر؛ "نحو: علم" أو بالضم؛ "نحو: ظرف".
أما أوله فمفتوح في أغلب الحالات5 والأوزان التي
يكون فيها مبنيًا للمعلوم.
والثلاثي مضموم العين لا يكون إلا لازمًا؛ ولهذا يصير الفعل المتعدي لازمًا إذا تحول من صيغته الأصلية إلى صيغة: فعل".
وصوغه على وزن: "فعل"، "بقصد تأديته لمعناه اللغوي المعين؛ مع المدح الخاص به، أو الذم الخاص، ومع الإشعار بالتعجب1 فيهما"، يقتضي الأحكام والتفصيلات الآتية:
أ- اعتبار الفعل بعد تلك الصياغة لازمًا؛ مجردًا من الدلالة الزمنية، وجامدًا كامل الجمود "فلا مضارع له؛ ولا أمر، ولا غيرهما من بقية المشتقات".
ب- صحة تحويل الفعل الثلاثي الصحيح2، غير المضعف3، تحويلًا مباشرًا إلى صيغة: "فَعُلُ" بضم العين؛ فيفيد بعد التحويل معناه اللغوي مقرونًا بالمدح أو الذم الخاضين بمعناه، مع التعجب في كل حالة؛ تبعًا لمعناه اللغوي الأصلي قبل التحويل؛ ففي مثل: "فَهِمَ المتعلم، عدل الحاكم، نقول: فَهُمَ المتعلم، عَدُلَ الحاكم؛ فيفيد التركيب الجديد معنى الفعل في اللغة، مزيدًا عليه مدح المتعلم بالفهم فقط، ومدح الحاكم بالفهم فقط، ومدح الحاكم بالعدْل فقط، مع التعجب في الحالتين".
وفي مثل: "جَهِل4 المهملُ، حَسَد الأحمقُ.... نقول جَهُلَ المهملُ؛ حَسُدَ الأحمقُ؛ فيفيد الأسلوب معنى الفعل، مزيدًا عليه ذم المهمل بسبب جهله، وذم الأحمق بسبب حسده فقط.
مع التعجب في الصورتين" ... ولا فرق في هذا التحويل وآثاره بين الثلاثي مفتوح العين، أو مكسورها، أو: مضمومها.
ويجوز في الفعل بعد تحويله إمَّا إبقاؤه على صورته الجديدة، وإمَّا تسكين
عينه المضمومة، كما يجوز تسكين عينه بعد نقل حركتها "وهي الضمة"، إلى أوّله؛ فنقول في الصورتين الأخيرتين: "فهم المتعلم، عدل الحاكم، جهل المهمل، حسد الأحمق" ... أو: "فهم، عدل، جهل، حسد1....".
وإذا تم تحويل الفعل على الوجه السالف صار بمنزلة: "نعم، وبئس" في الجمود، وفي أصل دلالتهما وهي مجرد المدح والذم –مع مراعاة الفوارق بينهما2-، ويجري عليه من الأحكام النحوية المختلفة ما يجري عليهما؛ فيحتاج إلى فاعل من نوع فاعلهما الذي سبق بيانه، وقد يحتاج إلى تمييز، وإلى "مخصوص" كما يحتاجان.
ويسري على فاعله وتمييزه ومخصوصه.
كل الأحكام التي تسري حين يكون الفعل: "نعم أو بئس".
فإذا قلت في المدح: فهم المتعلم حامد، وفي الذم: خبث الماكر سعيد، فكأنك قلت: نعم الفاهم حامد، وبئس الماكر سعيد مع ملاحظة الفرق المعنوي الذي أوضحناه.
وهكذا يُطبق على الفعل الصحيح الثلاثي غير المضعف3، بعد تحويله إلى: "فعل" جميع ما يطبق على: "نعم وبئس"، ويخضع النوعان لأحكام واحدة ما عدا بعض الفروق المعنوية السالفة وبعض فوارق في فاعله4 وستأتي.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
زيادة وتفصيل:
أ- تبين مما تقدم1 أن الفعل الذي يتم تحويله إلى "فعل" على الوجه المشروح إنما يدل –فوق معناه اللغوي الأصيل– على مدح خاص أو ذم خاص، وأنه لا بد من إشرابه معنى "التعجب" في الحالتين.
وبالتخصيص فيهما والتعجب يخالف "نعم وبئس"؛ لأن معناهما المدح العام والذم العام ولا يتضمنان تعجبًا.
ب- وينفرد "فاعل" الفعل الذي تم تحويله بأمور لا تكون في فاعل: "نعم وبئس".
منها: صحة وقوعه اسمًا ظاهرًا خاليًا من "أل" ومما يشترط في فاعل نعم،....2 نحو: قوله تعالى: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ ، ومثل عدل عمر.
ومنها: كثرة جره بالباء الزائدة إن كان اسمًا ظاهرًا، فيجر لفظًا ويرفع محلًا، نحو: حمد بالجار معاشرة، وسعد بالرفيق مزاملة.
أي: حمد الجار معاشرة، وسعد الرفيق مزاملة.
ومنها: صحة رجوعة –إن كان ضميرًا– إلى شيء سابق عليه؛ فيطابقه حتمًا.
أو إلى التمييز المتأخر عنه فلا يطابقة.
وتقول: الأمين وثق رجلًا؛ ففي الفعل: "وثق" ضمير يجوز عودته على: "الأمين" المتقدم، أو: على التمييز: "رجلًا" المتأخر عنه، ولهذا الرجوع إلى أحدهما أثره في المطابقة بين الفاعل الضمير ومرجعه؛ إذ عند رجوعه للسابق تجب مطابقته فنقول: الأمينان وثقا رجلين –الأمناء وثقوا رجالًا –الأمينة وثقت فتاة –الأمينتان وثقتا فتاتين –الأمينات وثقن فتيات.
أما عند عودته إلى التمييز المتأخر فلا تصح المطابقة، بل يلتزم الإفراد والتذكير؛ شأنه في هذا شأن فاعل "نعم وبئس" إذا كان ضميرًا مستترًا، فنقول في كل الصور السالفة: "وثق" بغير إدخال تغيير عليه يدل على تأنيث، أو تثنية، أو جمع.
وفيما سبق يقول: "ابن عقيل والأشموني" وحاشيتاهما، عند شرحهما لكلمة: "مسجلًا" في آخر بيت ابن مالك الذي نصه: -كما سبق في ص382".
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
"واجعل كبئس ساء.
واجعل "فعلًا" من ذي ثلاثةٍ كنعم مسجلًا".
إن معناها هو: مطلقًا عن التقييد بحكم دون آخر.... ثم قال الخضري ما نصه1:
"لكن "فعل" يخالف "نعم وبئس" في ستة أمور:
اثنان في معناه: إشرابه التعجب، وكونه للمدح الخاص –أو للذم الخاص2 – "واثنان في فاعله الظاهر؛ جواز خلوه من "أل" نحو: وحسن أولئك رفيقًا، وكثره جره بالياء الزائدة، تشبيهًا بأسمع بهم؛ كقولهم:
حبّ بالزور3 الذي لا يرى ... منه إلا صفحة أو لمام3
"واثنان في فاعله المضمر؛ جواز عوده ومطابقته لما قبله؛ ففي: "محمد كرم رجلًا" يحتمل عود الضمير إلى: "رجلًا" كما في نعم،.... وإلى "محمد" كما في فعل التعجب، لتضمنه معناه.
وتقول: المحمدون كرم رجالًا - ... على الأول3 وكرموا رجالًا على الثاني4 فقول المصنف: "كنعم مسجلًا" ليس على سبيل الوجوب في كل الأحكام.
والكلام في غير "ساء".
أما "ساء" فيلازم أحكام "بئس ... " ا. هـ كلام الخضري.
ج- بمناسبة ما تقدم يقول الصرفيون إن أبواب الفعل الثلاثي المستعملة أصلة -بحسب حركة العين في الماضي والمضارع- ستة، الخامس منها هو باب: "فعل يفعل" بضم العين فيهما معًا؛ كحسن يحسن، وشرف يشرف أو كرم يكرم ... و ... ويردفون كلامهم بتقرير أمرين5:
أولهما: أن هذا الباب "الخامس" مقصور في أصله على الأوصاف الفطرية والسجايا الخلقية الدائمة أو التي تلازم صاحبها زمنًا طويلًا.
ثانيهما: صحة تحويل كل فعل ثلاثي من الأبواب الأخرى إلى هذا الباب ليدل الفعل بعد هذا التحويل على أن معناه صار كالغريزة والسجية في صاحبه.
ج- فك الإدغام إن كان الفعل: "مضعفًا"، مثل: فر، لح ... ويرد إلى أصله قبل الإدغام، فيصير: فرر1، لجج2، ثم يحول إلى: "فعل": فيصير: فرر، لجج.... ثم يعود إلى الإدغام، فيصير كما كان3: "فر"، لج، تقول في الذم –مثلًا– فر الرجل جبانًا، لج القط مواء، أو: فر بالرجل جبانا، لج بالقط مواء.
ويجوز حذف الفتحة في أول الفعل لتحل مكانها الضمة التي في عين الفعل عند تحويله إلى: "فعل"، وتسكن عين الفعل4؛ فتصير الجملة: فر الرجل جبانًا، لج القط مواء، أو: فر بالرجل جبانًا، لج بالقط مواء.
ومن المضعف الذي تجري عليه هذه القواعد الفعل؛ "حب"5 عند تحويله إلى: "فعل" بقصد المدح، بشرط ألا يكون فاعله كلمة: "ذا" في مثل: "ذا" في مثل: "حبذا" لأن "حب" في هذه الصورة المركبة مع "ذا" يجب فتح الحاء فيها، وبقاء "ذا" على حالها من الإفراد والتذكير في كل الأساليب، مهما كان حال الممدوح من ناحية إفراده، وعدم إفراده. وتذكيره أو تأنيثه، كما يجب في هذه الصورة أيضًا وصل الفعل: "حب" بفاعله: "ذا" كتابة، وتركيبهما معًا تركيبًا خطيًا كما سبق6.
أما إن كان الفاعل اسمًا ظاهرًا غير كلمة "ذا" فإن الفعل "حب" يخضع لما أشرنا إليه؛ من فتح الحاء أو ضمها، كما يجري على فاعله الأحكام الخاصة بالمحول، والتي أوضحناها.
تقول حب الجندي رجلًا، أو: حب بالجندي رجلًا.
ومنه قول الشاعر:
حب1 بالزور2 الذي لا يرى ... منه إلا صفحة3 أو لمام4 وهكذا5 ...
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
زيادة وتفصيل:
إن كان الفعل المراد تحويله معتل "الفاء" مثل: وثق، وفد ... فحكمه حكم الصحيح.
وإن كان معتل العين بالألف.
مثل: صام، هام، نام، بقي على حاله، وقدر فيه التحويل تقديرًا عقليًا محضًا عند وجود قرينة تدل على قصد المدح أو الذم؛ ليكون لهذا التقدير أثره الواقعي في الفاعل، وفي المخصوص ... ، وإن شئت فقل: إن حكمه هو حكم الصحيح أيضًا مع نية التحويل الذي ترشد إليه القرينة.
ويدخل في هذا النوع الفعل: "ساء" فيصح أن يلاحظ فيه التحويل عند قيام قرينة؛ فيستعمل استعمال الأفعال التي تحولت، ويصح ألا يلاحظ فيه ذلك؛ لأنه موضوع في أصله للذم العام الصريح1 مثل: "بئس"؛ فتجري عليه أحكام "بئس" من نواحيها المختلفة.
وإن كان الفعل معتل اللام –فقط– بالواو، أو بالألف التي أصلها الواو: مثل: سرو2، غزا ... ظهرت الواو في الكلام مفتوحة وقبلها الضمة، ولو لم تكن الواو موجودة من الأصل ويجوز تسكين ما قبل الواو مباشرة3؛ فنقول: سَرُوَ، غَزُوَ، أو: سَرْوَ، غَزْو.
وإن كان الفعل معتل اللام بالياء؛ نحو: خشي، ورمي3، قلبت الياء واوًا قبلها ضمة، ويجوز تسكين ما قبلها3؛ فتصير: خَشُوَ، أو خَشْوَ، رمُوَ، أو رَمْيَ.
وإن كان الفعل معتل العين واللام معًا، وحرف العلة فيهما هو "الواو"؛ مثل: قَويَ "من القوة، أصله: قوو"، فإن الواو الأولى تتحرك بالكسرة؛ فقلبت بعدها الواو الثانية ياء؛ فتصير؛ "قوي" فكأن الفعل بقي على حاله.
وإن كان معتل العين واللام معًا بالواو فالياء، نحو: شوى: قلبت الياء
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عند التحويل واوًا، لوقوعها متطرفة بعد ضمة، ثم أدغمت الواو في الواو، فتصير: "شو".
ويجوز عدم القلب واوًا فتبقي الياء مع تسكين ما قبلها فتقول: شوي.
وكذلك نقول في قوي: قوى، ولا يجوز القلب والإدغام في هذه الحالة لأن السكون ليس أصليًا.
وإن كان معتل العين واللام معًا بالياء؛ نحو: حيَّ، وعيَّ ... لم يصح تحويله1 ...
هذا ملخص ما جاء في المطولات المتداولة خاصًا بتحويل الفعل المتعل مع تعدد الآراء، وشدة الخلاف فيه.
ولا أعرف أن النحاة نقلوا لأكثر هذه الصور أمثلة مسموعة تؤيد كلامهم.
فهل هي صور خيالية تدريبية؟
لا يحسن اليوم استعمال شيء منها؛ سواء أكانت خيالية محضة أم لها مسموع يؤيدها؛ لأنها ثقيلة، مجافية للأسلوب الأدبي الرفيع، والذوق البلاغي السائغ.
وفي الميادين اللغوية الأخرى ما يغني عنها تمامًا –كما أشرنا من قبل2.