النحو الوافيالمسألة الثانية والخمسون: فتح همزة: "إن"، وكسرها

المسألة الثانية والخمسون: فتح همزة: "إن"، وكسرها

عن هذه الطبعة
عَلَم
عباس حسن
الكتاب
النحو الوافي
المؤلف
عباس حسن (المتوفى: 1398هـ)
الناشر
دار المعارف
الطبعة
الطبعة الخامسة عشرة
عدد الأجزاء
4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

لهمزة "إنّ" ثلاثة أحوال، وجوب الفتح، ووجوب الكسر، وجواز الأمرين.
الحالة الأولى: يجب فتحها فى موضع واحد، هو: أن تقع مع معموليها جزءا من جملة مفتقرة إلى اسم مرفوع، أومنصوب، أومجرور، ولا سبيل للحصول على ذلك الاسم إلا من طريق مصدر منسبك من "أنّ" مع معموليها.
ففى مثل: شاع أن المعادنَ كثيرةٌ فى بلادنا.
سرنى أنك بارٌّ بأهلك - لا نجد فاعلا للفعل: "شاع" ولا للفعل: "سَرَّ" مع حاجة كل فعل للفاعل، ولا وسيلة للوصول إليه إلا بسبك مصدر مؤول من: "أنّ" مع معموليها؛ فيكون التقدير: شاع كثرةُ المعادِن فى بلادنا - سرنى برُّك بأهلك1 وكذلك الفعل: "زاد" فى قول القائل: لقد زادنى حُبًّا لنفْسِىَ أننى ... بغيضٌ إلىّ كل امرئٍ غير طائلِ وفى مثل: عرفت أن المدن مزدحمة - سمعت أن البحار ممتلئةً بالأحياء ... نجد الفعل: "عرف" محتاجاً لمفعول به، وكذلك الفعل: "سمع".
فأين المفعولان؟ لا نتوصل إليهما إلا بسبك مصدر مؤول من: "أن" مع معموليها؛ فيكون التقدير: عرفت ازدحامَ المدنِ - سمعت امتلاءَ البحارِ بالأحياء.
وفى مثل: تألمت من أن الصديقَ مريضٌ - فرحت بأن العربىَّ مخلصٌ للعروبة ... ، نجد حرف الجر: "مِنْ" ليس له مجرور، وكذلك حرف الجر: "الباء" وهذا غيرُ جائز فى العربية.
فلا مفر من أن يكون المصدر المنسبك من "أنّ" مع معموليها فى الجملة الأولى هوالمجرور بالحرف: "منْ" وفى الجملة الثانية هوالمجرور "بالباء".
والتقدير: تألمت من مرضِ الصديقِ - وفرِحتُ بإخلاص2

العربىِّ للعروبة ... وهكذا كل جملة تتطلب اسماً لها، ولا سبيل لإيجاده إلا من طريق مصدر منسبك من "أنّ" مع معموليها.
ومن الأمثلة غير ما سبق: "حَقا، أنك متعلمٌ رَفْعٌ لقدرك" - "المعروف أن التعلم نافع".
فالمصدر المؤول فى الجملة الأولى مبتدأ، والتقدير: تَعَلمُك رفعٌ لقدرك حقا1، أما فى الجملة الثانية فهوخبر، والتقدير: المعروف نَفْعُ التعلم.
ومثله المصدر المؤول بعد: "لولا" حيث يحب فتح همزة "أنّ" نحو: لولا أنك مخلص لقاطعتك.
والتقدير: لولا إخلاصك حاصل لقاطعتك.
ومما سبق نعلم أن المصدر المؤول يجئ لإكمال النقص، فيكون فاعلا، أونائبه، أومفعولا به2، أومبتدأ3، أوخبراً4.
وقد يكون غير ذلك5.
كما نفهم المراد من قول النحاة: يجب فتح همزة: "أن" إذا تحتم تقديرها مع معموليها بمصدر يقع فى محل رفع، أونصب، أوجر6.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  زيادة وتفصيل: ا- "أنّ" - مفتوحة الهمزة، مشددة النون - معناها التوكيد - كما شرحنا - وهى مع اسمها وخبرها تؤول بمصدر معمول لعامل محتاج له، فمن الواجب أن يكون الفعل - وغيره مما هى معمولة له - مطابقاً لها فى المعنى؛ بأن يكون من الألفاظ الدالة على العلم واليقين؛ لكيلا قع التعارض والتناقض بينهما "أى: بين ما يدل عليه العامل، وما يدل عليه المعمول" وهذا هوما جرت عليه الأساليب الفصيحة حيث يتقدمها ما يدل2 على اليقين والقطع: مثل: اعتقدت، علمت، ووثِقْت، تيقتنت، اعتقادى ... ولا يقع قبلها شئ من ألفاظ الطمع، والإشفاق، والرجاء3 ... مثل: أردت، اشتهيت، وددْتُ ... وغيرها من الألفاظ التى يجوز أن يوجد ما بعدها أولا يوجد؛ والتى لا يقع بعدها إلا "أنْ" الناصبة للمضارع.
وهذه لا تأكيد فيها ولا شبه تأكيد؛ فتقول أرجوأن تحسن إلى الضعيف، وأرغب أن تعاون المحتاج.
وكالتى فى الآية الكريمة: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّين﴾ . وما ذكرناه فى "أنّ" المشدّدة يسرى على: "أنّ" المفتوحة الهمزة المخففة من الثقيلة؛ فكلاهما فى الحكم سواء، نحوقوله تعالى ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى﴾ . ومن الألفاظ ما لا يدل على اليقين ولا على الطمع والإشفاق ولكن يقع بعده "أنْ" المشددة والمخففة الناسختان كما يقع بعده "أنْ" التى تنصب الفعل المضارع.
وذلك النوع من الألفاظ هوما يدل على الظن؛ مثل: ظننت، وحسبت، وخلْت.
ومعنى الظن: أن يتعارض الدليلان، ويرجح أحدهما الآخر.
وقد يقوى الترجيحُ فيستعمل اللفظ بمعنى اليقين؛ نحوقوله تعالى: {الذين يظنون أنهم مُلاقو ربهم"1

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وقد يضعف حتى يصير مشكوكاً فى وجوده: كأفعال الرجاء والطمع وألفاظهما الأخرى ... ب- لا تكون "أنّ" "المفتوحة الهمزة.
المشدة النون" مستقلة بنفسها مع معموليها: فلا بد أن تطون معهما جزءاً من جملة أخرى1 ... غير أنه لا يجوز أن يقع المصدر المؤول من: "أن ومعموليها" اسماً لأختها المكسورة الهمزة2.
فإذا أريد ذلك وجب الفصل بينهما بالخبر، فيتقدم بشرط أن يكون شبه جملة3 نحو: إن عندى أن التجربة خيرُ مرشد.
إن فى الكتب السماوية أن الرسل هداةٌ للناس ... وقد سبق4 أنه يجوز وقوع "أنّ" مع معموليها اسماً للأحرف الناسخة - ومنها: أن - "أى: أن يكون المصدر المؤول اسماً للحرف الناسخ" بشرط أن يتقدم عليه الخبر شبه الجملة.
حـ - أشرنا5 - فى ص 181 - إلى بعض مواضع المصدر المؤول من "أنّ ومعموليها". وقد يقع فاعلا لفعل ظاهر كما رأينا أومقدر؛ نحو: اسمع ما أنَّ الخطيب يخطب. أى: ما ثبت أن الخطيب يخطب، "مدة ثبوت خطبته" وذلك لأن "ما" المصدرية الظرفية لا تدخل - فى أشهر الآراء - على الجملة الاسمية المبدوءة بحرف مصدرى6.
ومثلها العبارة المأثورة: "لا أكلم الظالم ما أنّ فى السماء نجماً.
أى: ما ثبت أن فى السماء نجماً ... ". ومن الفعل المقدر أيضاً أن يقع ذلك المصدر المؤول بع: "لو" الشرطية؛ نحو: لوأنك حضرت لأكرمتك: فالمصدر المؤول فاعل محذوف، والتقدير: لوثبت حضورك ... لأن "لو" شرطية لا تدخل إلا على الفعل فى الرأى المشهور.
والأخذ به أولى من الرأى القائل: إن المصدر المؤول مبتدأ خبره محذوف

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وجوباً، أومبتدأ لا يحتاج إلى خبر. لأن فيهما تكلفاً وبعداً1.
وقد يقع ذلك المصدر نائب فاعل، نحوقوله تعالى: ﴿قُلْ أوحِيَ إليّ أنَّهُ اسْتَمَع نَفرٌ منَ الجنّ ... ﴾ ، وقد يقع خبراً عن مبتدأ الآن، كالأمثلة السالفة، أوبحسب الأصل: نحو: كان عندى أنك مقيم.
لكن يشترط فى المبتدأ الذى يقع خبره هذا المصدر المؤول، ثلاثة شروط: 1- أن يكون اسم معنى؛ نحو: الإنصاف أنك تُسَوّى بين أصحاب الحقوق؛ فلا يصح: الأسد أنه ملك الوحوش، بفتح الهمزة.
بل يجب كسرها - كما سيجئ2-. 2- وأن يكون غير قول3؛ فلا يجب الفتح فى مثل: قولى: أن البطالة مهلكة.
3- وأن يكون محتاجاً للخبر المؤول من "أنّ" ومعموليها ليكمل معه المعنى الأساسى للجملة، من غير أن يكون المبتدأ داخلا فى معنى الخبر؛ "أى: من غير أن يكون معنى الخبر صادقاً عليه"، نحو: اعتقادى أنك نزيه.
فكلمة: اعتقادى.
مبتدأ يحتاج إلى خبر يتمم المعنى الأساسي.
فجاء المصدر المؤول ليتممه.
والتقدير: "اعتقادى نزاهتك"، فالخبر هنا يختلف فى معناه عن المبتدأ اختلافاً واضحاً.
فإن كان المصدر المؤول من: "أن مع معموليها" ليس هومحط الفائدة الأصلية، "أى: ليس المقصود بتكملة المعنى الأساسى؛ كأن يكون معناه منطبقاً على المبتدأ وصادقاً عليه" فإنه لا يعرب خبراً، بل الخبر غيره.
كما فى المثال السابق وهو: "اعتقادى أنك نزيه" إذا لم يكن القصد الإخبار بنزاهته والحكم عليها بها، وإنما القصد الإخبار بأن ذلك الاعتقاد حاصل واقع؛ فيكون المصدر المؤول مفعولا به للمبتدأ، والخبر محذوف؛ والتقدير - مثلا - اعتقادى نزاهتَك حاصل أوثابت....، والمصدر المؤول فى هذا المثال ينطبق على المبتدأ، ويصدق عليه؛ لأن النزاهة هنا هى: الاعتقاد، والاعتقاد هوالنزاهة ... و ...

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  وقد يقع المصدر المؤول مفعولا لأجله؛ زرتك أنى أحبك، أومفعولا معه، نحو: يسنرى قعودك هنا، وأنك تحدثنا.
أومستثنى؛ نحو: ترضينى أحوالك، إلا أنك تخلفَ الميعادَ.
ويقع مضافاً إليه بشرط أن يكون المضاف مما يضاف إلى المفرد، لا إلى الجملة؛ مثل: سرنى عملك غير أن خطك ردئ.
أى: غير رداءة خطك.
فإن كان المضاف مما يضاف إلى الجملة وحدها وجب كسر الهمزة؛ مثل: حضرت حيث إنك دعوتنى، بكسر همزة: "إن" مراعاة للرأى الذى يحتم إضافة "حيث" للجمل، دون الرأى الآخر الذى يبيح إضافتها لغير الجملة فيبيح فتح همزتها.
ومثل المواضع السابقة ما عطف عليها؛ نحوقوله تعالى: ﴿ ... اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ ... ﴾ فالمصدر المؤول وهو"تفضيلى" معطوف على المفعول به: "نعمة"، وكذلك ما أبدل منها؛ نحوقوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُم ... ﴾ ، فالمصدر المؤول، وهو: استقرارها وكونها ... بدل من إحدى.
وهكذا ... ولا يكون هذا المصدر المؤول مفعولا مطلقاً، ولا ظرفاً، ولا حالا، ولا تمييزاً ولا يسدد مسد "مفعول به" أصله خبر عن ذات1، نحو: ظننت القادم إنه عالم.
فلوفتحت الهمزة لكان المصدر المؤول من: "أنه عالم"؛ مفعولا ثانياً للفعل: "ظننت" مع أن أصل هذا المفعول خبر عن كلمة: "القادم" فيكون التقدير "القادم علِمْ" فيقع المعنى خبراً عن الجنة2، وهذا مرفوض هنا إلا بتأويل لا يستساغ مع أنّ.
د- من الأساليب الفصحية: "أحقًّا أنَّ جيرتَنا استَقَلُّوا3.... يريدون، أفى حق أن جيرتنا استقلوا.
فكلمة: "حقًّا" ظرف زمان4 - فى الشائع -، والمصدر المنسبك من "أنّ" مع معموليها مبتدأ مؤخر.
ولهذا وجب فتح همزة "أن".
أى: أفى حق استقلال جيرتنا.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ويصح أن تكون كلمة؛ "حقًّا"، مفعولا مطلقاً محذوف تقديره: حَقَّ "بمعنى: ثَبَت" والمصدر المنسبك فاعله، أى: أحق حقًّا استقلال جيرتنا؟ وأحياناً يقولون: "أمَا أنّ جيرتنا استقلوا".
فكلمة: "أمَا" "بتخفيف الميم"1 بمعنى: حقًّا، ويجب فتح همزة "أن" بعدها. وخير ما ارتضوه فى إعرابها: أنها مركبة من كلمتين؛ فالهمزة للاستفهام. "ما" ظرف، بمعنى: شئ. ويراد بذلك الشئ: "حق" فالمعنى: "أحقًّا" وكلمة: "إما" مبنية على السكون فى محل نصب، وهى خبر مقدم، والمصدر المؤول مبتدأ مؤخر2.
هـ- قد يَسُدّ المصدر المؤول من أنّ ومعموليها مسد المفعولين إن لم يوجد سواه، نحو: ظننت أن بعض الكواكب صالح للسكنى.
وكذلك فى كل موضع تحتاج فيه الجملة إلى ما يكمل نقصها فلا جد غيره، مع عدم مانع يمنع منه ... و أشرنا من قبل3 إلى وقوع: "أنَّ" المفتوحة الهمزة المشددة النون - للترجى، فتشارك "لعل" فى تأدية هذا المعنى وتحتاج إلى جملة اسمية بعدها؛ فترفع المبتدأ وتنصب الخبر ولا بد أ، يكون لها الصدارة فى جملتها.
ولا يصح أن تسبك مع ما بها بمصدر مؤول؛ فهي تخالف "أنَّ" المفتوحة الهمزة، المشددة النون التى معناها التوكيد فى أمور: فى المعنى، وفى وجوب الصدارة، وفى منع السبك بمصدر مؤول.

الحالة الثانية: يجب كسر همزة: "إن" فى كل موضع لا يصح أن تسبك فيه مع معموليها بمصدر؛ يجب الكسر فيما يأتى: "1" أن تكون فى أول جملتها حقيقة، نحو: ﴿إنَّا فَتَحْنا لك فتحاً مُبيناً﴾ ، وقول الشاعر يمدح محسناً: يُخفِى صنائعَه، واللهُ يُظهرها ... إن الجميل إذا أخفيته ظهرَا وتعتبر فى أول جملتها حكماً إذا وقعت بعد حرف من حروف الاستفتاح1؛ مثل: ألاَ، وأَمَا2، نحو: ألاَ إن إنكار المعروف لؤم - أمَا إن الرشوة جريمة من الراشى والمُرتشى.
ومثلهما الواوالتى للاستئناف، كقول الشاعر: وإنى شِقِىٌّ باللئام ولا ترى ... شَقِيًّا بهم إلا كريمَ الشمائِل وكذلك كل واوأخرى تقع بعدها جملة تامة.
فإن سبقها شىء من جملتها وجب الفتح، نحو: عندى أن الدّين وقاية من الشرور وهكذا2 ... "2" أن تقع فى جملة الصلة، بحيث لا يسبقها3 شئ منها؛ نحو: أحترم الذى "إنه عزيز النفس عندى."، وكذلك فى أول جملة الصفة التى موصوفها اسم ذات؛ نحو: أحِبُّ رجلا "إنه مفيد".
وفى: أول جملة الحال أيضاً؛ نحو: أجِلُّ الرجلَ "إنه يعتمد على نفسه" وأُكْبِرُهُ "وإنه بعيد من الدنايا".
"3" أن تقع فى صدر جملة جواب القسم وفى خبرها اللام؛ سواء أكانت جملة القسم اسمية؛ نحو: لعمرك إن الحذر لمطلوب، أم كانت فعلية فعلُها

مذكور؛ نحو: أحلف بالله إن العدلَ لمحبوب.
أوغير مذكور، نحو: والله إن الظلم لوخيم العاقبة".
فإن لم تقع فى خبرها اللام لم يجب1 كسر الهمزة إلا إذا كانت جملة القسم جملة فعلية فعلها محذوف؛ نحو: والله إن السياحة مفيدة.
يتضح مما سلف أن الكسر واجب فى كل الحالات التى تظهر فيها اللام فى خبر "إنّ".
وكذلك فى الحالة التى تحذف فيها تلك اللام من الخبر بشرط أن تكون جملة القسم فعلية، قد حذف فعلها.
"4" أن تقع فى صدر جملة محكيَّة بالقول "لأن المحكىّ بالقول لا يكون إلا جملة، - فى الأغلب - بشرط ألا يكون القول بمعنى الظن1".
فتكسر وجوباً فى مثل: قال عليه السلام: "إن الدّين يُسْرٌ".
ويقول الحكماء: "إن المبالغة فى التشدد مَدْعاةٌ للنفور"، "فقل للمتشددين: "إن الاعتدال خير""، وكذلك فى الشطر الثانى من بيت الشاعر: تُعَيّرنا أنَّا قليلٌ عَدِيدنا ... فقلتُ لها: إنّ الكرام قليلُ فإن وجد القول ولم تكن محكية به بل كانت معمولة لغيره لم تكسر، نحو: أيها العالمُ، أخُصّك القول؛ إنك فاضل؛ أى: لأنك فاضل؛ فالمصدر المؤول معمول للام الجر، لا للقول.
وكذلك لا تكسر إن كان القول بمعنى: الظن، بقرينة تدل على هذا المعنى فيعمل عمله فى نصب مفعولين.
- نحو: أتقول المراصدُ أن الجوبارد فى الأسبوع المقبل؟ أى: أتظن3 "فتفتح مع أنها مع معموليها معمولة للقول؛ لأن القول هنا بمعنى "الظن" ينصب مفعولين فيكون المصدر المؤول منها ومن معموليها فى محل نصب يسدُّ مسدَّ المفعولين ... "2

"5" أن تقع بعد فعل من أفعال القلوب1 وقد علِّق عن العمل، بسبب وجود لام الابتداء فى خبرها؛ نحو: علمت إن الإسراف لطريق الفقر.
فإن لم يكن فى خبرها اللام2 فتحت أوكسرت. نحو: علمت إن الرياءَ بلاءٌ - بفتح الهمزة، أوكسرها3.
"6" أن تقع خبراً عن مبتدأ اسم ذات؛ نحو: الشجرة إنها مثمرة4 وقد يدخل على هذا المبتدأ ناسخ؛ ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا5 وَالصَّابِئِينَ 6 وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ 7 وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ 8 اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ 9 ... ﴾ .

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  زيادة وتفصيل: ا- يَعْدّ بعض النحاة مواضع أخرى للكسر، منها: أن تقع "إنَّ" بعد كلمة "كلاّ" التى تفيد الاستفتاح؛ نحو: قوله تعالى: "كلاَّ، إن الإنسان لَيَطْغَى، أنْ رآه اسْتغنى ... ". أويقع فى خبرها اللام من غير وجود فعل للتعليق؛ نحو: إن ربك لسريع العقاب.
أوتقع بعد "حتى" التى تفيد الابتداء نحو: يتحرك الهواء، حتى إن الغصون تتراقص - تفيض الصحراء بالخير، حتى إنها تجود بالمعادن الكثيرة.
والتوابع لشئ من ذلك؛ نحو: إن النشاط محمود وإن الخمول داء ... والحق أن هذه المواضع ينطبق عليها الحكم الأول، وهوأنها واقعة فى مصدر جملتها؛ فلا يمنع من الحكم لها بالصدارة أن يكون لجملتها نوع اتصال معنوى - لا إعرابىّ - بجملة قبلها؛ كمثال: "حتى" السابق ... "وكلاَّ"، فى بعض الأحيان.
أما اتصالها الإعرابىّ فيمنع كسرها إن كان ما قبلها محتاجاً إلى المصدر المؤول منها مع معموليها احتياجاً لا مناص منه، كما سبق.

الحالة الثالثة: جواز الأمرين "أىْ: فتح همزة "إنّ" وكسرها." وذلك فى مواضع، أشهرها: "1" أن تقع بعد كلمة: "إذا" الدالة على المفاجأة1، نحو: استيقظت فإذا إن الشمس طالعة، وفتحت النافذة، فإذا إن المطر نازل.
فالكسر على اعتبار: "إذا" حرف - تبعاً للرأى الأسهل - مع وقوع "إن" فى صدر جملتها الاسمية المصَرّح بطرفيها؛ بأن يُذْكر بعدها اسمها وخبرها.
والفتح على اعتبار "إذا" حرف أيضاً والمصدر المؤول من "أنّ" مع معموليها فى محل رفع مبتدأ، والخبر محذوف، والتقدير: استيقظت فإذا طلوع الشمس حاضر، وفتحت النافذة فإذا نزول المطر حاضر ... ويجوز اعتبار "إذا" الفجائية ظرف زمان أومكان أيضاً، خبراً مقدماً.
والمصدر المنسبك من "أنّ" ومعموليها مبتدأ مؤخر، والتقدير ففى المكان أوفى الوقت طلوع الشمس حاضر، أونزول المطر ... "2"أن تقع فى صدر جملة القسم، وليس فى خبرها اللام؛ بشرط أن تكون جملة القسم اسمية؛ نحو: لعمْرك إن الرياء فاضحٌ أهلَه، أوفعلية فعلها مذكور؛ نحو: أقسم بالله أن الباغىَ هالكٌ ببغيه.
بفتح الهمزة وكسرها فيهما، "فإن كان فعل القسم محذوفاً فالكسر واجب - كما سبق2 -؛ نحو: بالله إن الزكاة طهارة للنفس".
فالكسر بعد جملة القسم الاسمية فى المثال الأول هوعلى اعتبار: "إنّ" فى صدر جملة؛ لأنها مع معموليها جملة الجواب لا محل لها من الإعراب.
والفتح هوعلى اعتبار المصدر المؤول منصوب على نزع الخافض3 فهو مجرور بحرف جر محذوف،

وشبه الجملة سَد مَسَد جواب القسم، لا محل له.
وليس جوابا أصيلا 1 والتقدير: لعمرك قسمى على فضيحة الرياء أهلَه.
وكذلك فى المثال الثانى بعد فعل القسم المذكور، فالكسر على اعتبار "إن" مع معموليها جملة الجواب لا محل لها، والفتح على اعتبار المصدر المؤول مجروراً بحرف جرّ محذوف؛ والتقدير: أقسم بالله على هلاك الباغي ببغيه.
ويكون الجار مع المجرور قد سد مسد جملة الجواب؛ وأغْنَى عنه - كما سبق -. وليس جوابا أصيلا1، ولم تقع "أن" في صدره.
"3" أن تقع بعد فعل من أفعال القلوب، وليس فى خبرها اللام، - طبقاً لما تقدم بيانه1 -؛ نحو: علمت أن الدِّين عاصمٌ من الزلل.
"4" أن تقع بعد فاء الجزاء2، نحو: مَن يرضَ عن الجريمة فإنه شريك فى الإساءة.
فكسر الهمزة على اعتبار "إنّ" مع معموليها جملة فى محل جزم جواب أداة الشرط: "منْ".
وفتح الهمزة على اعتبار المصدر المؤول من أن ومعموليها فى محل رفع مبتدأ، خبره محذوف، أوخبر مبتدؤه محذوف.
والتقدير: من يرض على الجريمة فشركته فى الإساءة حاصلة، أو: فالثابت شركته فى الإساءة ... "1 و1" إنما سد مسد الجواب ولم يكن الجواب مباشرة لأن جواب القسم لا يكون إلا جملة، ولن يترتب على الخلاف في التسمية أثر في المعنى أو في صياغة الأسلوب، فهو خلاف شكلى محض.

"5" أن تقع1 بعد مبتدأ هوقول، أوفى معنى القول2، وخبرها قول، أوفى معناه أيضاً، والقائل واحد، نحو: قولى: "إنى معترف بالفضل لأصحابه، وكلامى: إنى شاكر صنيع الأصدقاء". فقولى - وهوالمبتدأ - مساوفى مدلوله لخبر "إن" وهو: معترف بالفضل، وخبر "إن" مساوية فى المداول كذلك؛ فهما فى المراد متساويات، وقائلهما واحد، وهو: المتكلم. كذلك: "كلامى"، مبتدأ؛ معناه معنى خبر "إن": "شاكر صنيع الأصدقاء" وخبر "إن" معناه معنى المبتدأ؛ فالمراد منهما واحد، وقائلهما واحد. وهمزة "إنّ" فيهما يجوز كسرها عند قصد الحكاية؛ أى: ترديد الألفاظ ذاتها فتكون "إن" فيهما يجوز كسرها عند قصد الحكاية؛ أى: ترديد الألفاظ ذاتها فتكون "إن" مع معموليها جملة. وقعت خبراً3.
ومع أنها محكية بالقول نصا تعرب فى محل رفع خبر المبتدأ، ويجوز فتح الهمزة ذا لم تُقصَد "الحكاية"؛ وأنما يكون المقصود هوالتعبير عن المعنى المصْدرىّ من غير تقيد مطلقاً بنَصّ العبارة الأولى المعينة، ولا بترديد الجملة السابقة بألفاظها الخاصة فيكون المصدر المؤول من أن مع معموليها فى محل رفع خبر المبتدأ، والتقدير: قولى، اعترافى بالفضل لأصحابه، وكلامى، شكرى صنيع الأصدقاء.
فإن لم يكن المبتدأ قولا أوما فى معناه وجب الفتح، نحو: عملى أنى أزرع الحقل.
والمصدر المنسبك خبر المبتدأ.
ويجب الكسر إن لم يكن خبر "إن" قولا أوما فى معناه، مثل كلمة: "مستريح4" فى نحو: قولى إنى مستريح.
أولم يكن قائل المبتدأ وخبر "إن" واحداً؛ فلا يتساوى مدلول5

المبتدا والخبر، ولا يتوافقان؛ نحو: كلامى إن المريض يصرخ. ففى هاتين الحالتين يجب كسر الهمزة، وتكون "إنّ" مع معموليها جملة فى محل رفع خبر المبتدأ1.
....

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  زيادة وتفصيل: ا- سرد بعض النحاة مواضع أخرى يجوز فيها الأمران، ومن الممكن الاستغناء عن أكثرها؛ لفهمها مما سبق.
فمما سردوه.
"1" أن تقع "أنّ" مع معموليها معطوفة على مفرد لا يفسدُ المعنى بالعطف عليه.
نحو: سرّنى نبوغك، وإنك عالى المنزلة.
فيجوز فتح همزة: "أنّ" فيكون المصدر المؤول معطوفاً على نبوغ، والتقدير: سرنى نبوغك وعلومنزلتك.
والمعنى هنا لا يفسد بالعطف.
ويجوز كسر الهمزة فتكون "إن" فى صدر جملة مستقلة.
ومثال ما يفسد فيه المعنى بالعطف فلا يصح فتح الهمزة: لى بيت، وإن أخى كثير الزروع.
فلوفتحت الهمزة لكان المصدر المؤول معطوفاً على "بيت" والتقدير: لى بيت وكثرة زروع أخى، وهومعنى فاسد، لأنه غير المراد إذا كان المتكلم لا يملك شيئاً من تلك الزروع.
ومثله ما نقله النحاة: "إن لى مالا.
وإن عمْراً ناضل" إذ يترتب عليه أن يكون المعنى: إن لى مالا وفضل عمْرو.
وهومعنى غير المقصود.
"2" أن تقع بعد "حتى"، فتكسر بعد "حتى" الابتدائية - كما سبق1 - فى مثل: تتحرك الريح حتى إن الغصون تتراقص ... لوقوعها فى صدر جملة.
وتفتح إذا وقعت بعد "حتى" العاطفة، أوالجارة، نحو: عرفت أمورك حتى أنك مسابق، أى: حتى مسابقتَك، بالنصب على العطف، أوبالجر والأداة فيهما: "حتى".
"3" أن تقع بعد "أمّا" "المخففة الميم"، نحو: أمّا إنك فصيح، فتكسر إن كانت "أمَا" حرف استفتاح وتفتح إن كانت بمعنى: "حقًّا" - كما سبق2 -. "4" أن تقع بعد.
لا جرم3، نحو: لا جرم أن الله ينتقمُ للمظلوم4.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  "5" أن تقع فى موضع التعليل، نحوقوله: "إنَّا كنَّا ندعوه منْ قبلُ، إنه هوالبر الرحيم" قرئ بفتح الهمزة، على تقدير لام التعليل؛ أى: لأنه هوالبر الرحيم.
وقرئ بكسر الهمزة على اعتبار: "إن" فى صدر جملة جديدة.
ومثله قوله تعالى: ﴿وصَلِّ عليهم إن صلاتكَ سكن لهم﴾ . فالفتح على تقدير لام التعليل، أى: لأن صلاتك سكن لهم، والكسر على اعتبار: "إنّ" فى صدر جملة جديدة ... "6" وقوعها بعد "أىْ" المفسرة؛ نحو: سرنى ابتداعك المفيد، أى: أنك تبتكر شيئا جديداً نافعاً.
"7" أن تقع بعد حيث الظرفية، نحو: أزورك حيث إنك مقيم فى بلدك بفتح الهمزة وبكسرها، فالفتح على اعتبار الظرف: "حيث" داخله على الفرد المضاف إليه وهوالمصدر الأول.
والكسر على اعتبارها داخلة على المضاف إليه الجملة، وهذا هوالأفصح؛ إذ الأغلب فى "حيث" أن تضاف للجملة.
ملاحظة: سردنا فيما تقدم مواضع الحالة الثالثة التي يجوز فيها فتح همزة "إن" وكسرها.
ومن الممكن الاكتفاء بوضع ضابط عام مركز يشملها جميعا، ويغني عنها، كأن يقال: "يجوز فتح همزة "إن" وكسرها في كل موضع يصلح لاعتبار "إن" في صدر جملتها، ولاعتبارها مؤولة مع معموليها بمصدر مسبوك، أي: يصلح للأمرين".
= "لا جرم"، هو: "لا بد " فلا نافية للجنس و "جرم" أسمها، مبني على الفتح في محل نصب، والمصدر المنسبك من "أن" ومعموليها مجرور بحرف جر محذوف، والخبر محذوف أيضا - وهو متعلق الجار ومجروره - والتقدير: لا جرم من أن الله.... إلخ وهو يجيز كسر الهمزة، ويقول في سببه: إن بعض العرب يجريها مجرى العين، بدليل وجود اللام في قولهم: "لا جرم لآتينك".
والأحسن في هذه الحالة أن نعرب "لا" نافية للجنس و "جرم" اسمها متضمنة القسم، وجملة: "لآتينك" هي: جواب القسم، وأغنت عن الخبر.
"راجع حاشية الصبان في هذا الموضع من جواز فتح الهمزة وكسرها"، وستجيء الإشارة لهذا والإفاضة في القسم وجوابه - في موضعه المناسب من الجزء الثاني وهو: "باب "حروف الجر" عند الكلام.
على: "حروف القسم".

جارٍ التحميل