الإعراب والبناء
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- عباس حسن
- الكتاب
- النحو الوافي
- المؤلف
- عباس حسن (المتوفى: 1398هـ)
- الناشر
- دار المعارف
- الطبعة
- الطبعة الخامسة عشرة
- عدد الأجزاء
- 4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
معنى المصطلحات السابقة
" أ"- طلع الهلالُ.
شاهد الناس الهلالَ.
فرح القوم بالهلالِ.
"ب"- يكثر الندَى شتاء.
يمتص النباتُ الندى.
يرتوي بعضُ النباتِ بالندى.
"جـ"- زاد هؤلاءِ علماً.
سمعت هؤلاءِ يتكلمون.
أصغيت إلى هؤلاءِ.
نلحظ فى أمثلة القسم الأول "أ" أن كلمة: "الهلال" قد اختلفت العلامة التى في آخرها؛ فمرة كانت تلك العلامة ضمة، ومرة كانت فتحة، ومرة كانت كسرة، فما سبب هذا الاختلاف؟
سببه وجود داعٍ متغير في كل جملة، يحتاج إلى كلمة: "الهلال"؛ لتؤدي معنى معينًا في الجملة.
وهذا المعنى يختلف باختلاف الدواعي في الجُمل، ويُرْمَز إليه في كل حالة بعلامة خاصة في آخر الكلمة، ففي الجملة الأولى كانت كلمة: "الهلال" مرفوعة؛ لوجود الداعي الذى يحتاج إليها، وهو الفعل: "طَلَع" فإنه يتطلب فاعلا.
والفاعل يرمز له بعلامة فى آخره، هي: الضمة -مثلا- فيكون مرفوعًا.
وفي الجملة الثانية كانت كلمة: "الهلال" منصوبة؛ لوجود داعٍ من نوع آخر؛ هو الفعل: "شاهَدَ"؛ فإنه لا يحتاج إلى فاعل، لوجود فاعله معه -وهو كلمة: الناس- ولكنه يحتاج إلى بيان الشيء الذى وقع عليه فعل الفاعل، وهو ما يسمى فى النحو: "المفعول به"؛ والمفعول به يُرْمزُ إليه بعلامة خاصة في آخره هي: "الفتحة"، -مثلا- فيكون منصوبًا.
وفي الجملة الثالثة كانت كلمة "الهلال" مجرورة، لوجود داعٍ يخالف السابقَين، وهو: الباء، فإنها تحتاج إلى تلك الكلمة لتكون مجرورة بها، فيزداد الفعل بهما وضوحًا، وعلامة جرها الكسرة هنا.
فنحن نرى أن الدواعي تغيرت فى الجمل الثلاثة السالفة على حسب المعاني المطلوبة، من فاعلية، ومفعولية، وتكملة أخرى للفعل ... وتبعها فى كل حالة تَغَيُّرُ العلامة التى فى آخر كلمة: "الهلال".
فَتَغَير العلامة على الوجه السالف يسمى: "الإعراب"، والداعي الذي أوجده يسمى: "العامل"1.
فالإعراب: "هو تَغَيُّر العلامة التى فى آخر اللفظ، بسبب تغير العوامل الداخلة عليه، وما يقتضيه كل عامل"1.
وفائدته: أنه رمز إلى معْنى معين دون غيره - كالفاعلية، والمفعولية، وغيرهما - ولولاه لاختلطت المعانى، والتبست، ولم يفترق بعضها عن بعض.
وهو- مع هذه المزية الكبرى - موجَز غاية الإيجاز، لا يعادله فى إيجازه واختصاره = فهي تؤدي ما تؤديه الكلمات المتعددة التي حذفت.
والذي أرشدنا إلى أن الضيف وقع عليه شيء هو وجود الفعل والفاعل معا قبله.
ولما كان الفعل هو المرشد إلى الفاعل والدال عليه.
وكان الفعل هو الأصل في الإرشاد وفي الدلاله على الفاعل وعلى المفعول، فهو الأصل أيضا في جلب العلامة العلامة الدالة على كل منهما، وهو السبب الأساسي في مجيئها، فسمي ذلك: "عاملها".
وما يقال في الفعل مع فاعله ومفعوله يقال في غيره من العوامل الأخرى مع معمولاتها، سواء أكانت عوامل لفظية، كالفعل وكحرف الجر، والجوازم ... ، أم معنوية، كالابتداء، وكالتجرد من الناصب والجازم، وهو سبب رفع المضارع، وسواء أكانت أصلية أم زائدة "وستجيء أنواع العوامل في م 33 أول باب المبتدأ والخبر- وانظر ص 73. ومما تقدم نعلم أن تلك العوامل بنوعيها ليست مخلوقات حية، تجري فيها الروح فتعمل ما تزيد، وتحس ما يقع عليها، وتؤثر بنفسها، وتتأثر حقا مما يصيبها، وتحدث حركات الإعراب المختلفة، فليس لها شيء من ذلك.
إنما الذي يؤثر.
ويحدث حركات الإعراب- هو المتكلم، وليست هي.
ولكن النحاة نسبوا إليها العمل.
لأنها المرشد إلى المعاني والرموز.
وهي نسبة جاية على أصح الاستعمالات العربية وأبلغها.
إذ هي السبب في الاهتداء إلى كشف المعنى المراد من الكلمة- كما أسلفنا- وإذا ثبت لها هذا فليس في اللغة مانع من نسبة العمل إليها، وتسميتها: "عاملا"، ولا عيب في أن نقول مثلا: "كان" ترفع المبتدأ وتنصب الخبر، و "إن" تنصب المبتدأ وترفع الخبر، ولا و "ظن" تنصبهما مفعولين لها ... و.... و ... إلى غير ذلك مما يجري هذا المجرى الذي يتفق بغير شك مع أصول الاستعمال العربي الفصيح، بل مع الأسلوب البلاغي الأعلى، ولا داعي للاعتراض عليه كما يتردد على ألسنة بعض، المتسرعين.
نعم لها بعض عيوب "كالتي نراها في باب التنازع، م 73 جـ2" ولكنها يسيرة يمكن تداركها، وسنشير إليها تباعا، حين نصادفها.
ومما تقدم يتبين أيضا النفع الأكبر، والأثر الباهر الذي للعلامات الإعرابية، فلولاها لاختلطت المعاني، بل فسدت، وحسبك أن ترى جملة خالية من العلامات الإعرابية مثل قولنا: "ما أحسن القادم" فإنها بغير ضبط كلماتها تصلح للاستفهام، وللتعجب، وللنفي، ... وكل معنى من هذه يخالف الآخر مخالفة واضحة واسعة.
لهذا كان من الخطل وفساد الرأي أن ترتفع بعض الأصوات والحمقاء بإلغاء علامات الإعراب - لصعوبة تعلمها- والاقتصار على تسكين آخر الكلمات.
وقد أطلنا الكلام في إظهار هذا الخطأ، وفداحة ضرره في الموضوع الخاص به من كتابنا المسمى: "اللغة والنحو بين القديم والحديث" ص 260.
شيء آخر يدل دلالته على المعنى المعين الذي يرمز له1.
وهذه مزية أخرى.
والمعرب: هو اللفظ الذي يدخله الإعراب2.
والعامل هو: ما يؤثر في اللفظ تأثيرا ينشأ عنه علامة إعرابية ترمز إلى معنى خاص، كالفاعلية، أو المفعولية، أو غيرهما، ولا فرق بين أن تكون تلك العلامة ظاهرة كأمثلة: ولا فرق بين أن تكون تلك العلامة ظاهرة كأمثلة: "ا" أومقدرة3 كأمثلة: "ب" فإن الدليل على إعرابها وهى مفردة أن علامة آخرها تتغير عند التثنية والجمع، فتقول: تراكم النَّدَيَان، وامتص النبات النَّدَيَيْن، وارتوى من النديَيْنِ4.
أما أمثلة القسم الثالث "حـ" ففيها كلمة: "هؤلاءِ"4 لم تتغير علامة آخرها بتغير العوامل؛ بل بقيت ثابتة فى الجمل كلها.
فهذا الثبات وعدم التغير يسمى: بناء؛ وهو: "لزوم آخر اللفظ علامة واحدة فى كل أحواله، مهما تغيرت العوامل".
والمبنى هو: اللفظ الذى دخله البناء.
هذا، وقد عرفنا4 أن المعرب المنصرف5 "أى: المُنَون"، يسمى: "متمكنًا أمْكن"، وأن غير المنصرف يسمى: "متمكنًا" فقط، وأن المبنى يسمى: "غير متمكن".
ولا تصف الكلمة بإعراب أوبناء إلا بعد إدخالها فى جملة6 ...
المعرب والمبني 1 من الأسماء، والأفعال، والحروف:
"أيْ: من أقسام الكلمة الثلاثة":
أولا: الحروف كلها مبنية؛ لأن الحرف وحده لا يؤدى معنى فى نفسه، وإنما يدل على معنى فى غيره، بعد وضعه فى جملة -كما سبق2.
وإذًا لا ينسب إليه أنه فعل فعلا، أووقع عليه فعل؛ فلا يكون بنفسه فاعلا، ولا مفعول به، ولا متممًا وحده للمعنى "أى: لا يكون مسندًا إليه ولا مسندًا، ولا شيئًا يتصل بذلك".
لعدم الفائدة من الإسناد فى كل حالة2،
ونتيجة ما سبق أنه لا يدخله الإعراب؛ لعدم حاجته إليه؛ لأن الحاجة إلى الإعراب توجد حيث توجد المعانى التركيبية الأساسية، والحرف وحده لا يؤدى معنى قط.
ولكنه إذا وضع فى تركيب فإنه يؤدى فى غيره بعض المعانى الجزئية "الفردية" بالطريقة المفصَّلة التى أشرنا إليها عند الكلام عليه2؛ كالابتداء، والتبعيض، وغيرهما مما تؤديه كلمة: "من".
أوالظرفية، والسببية، وغيرهما مما تؤديه كلمة: "فى" - فهذه المعانى الجزئية تَعْتَور الحرف، وتتعاقب عليه، ولكن لا يكون التمييز بينها بالإعراب، وإنما يكون بالقرائن المعنوية التى تتضمنها الجملة.
ثانيًا: الأسماء يناسبها الإعراب وهو أصل فيها؛ لأن الاسم يدل بذاته على معنى مستقل به -كما سبق3- فهو يدل على مسمى؛ "أي: على شيء
محسوس أو معقول، سميناه بذلك الاسم" وهذا المسمى قد يُسنَد إليه فعل، فيكون فاعلًا له، وقد يقع عليه فعل، فيكون -مفعولا به. وقد يتحمل معنى آخر غير الفاعلية والمفعولية، ويدل عليه بنفسه ... وكل واحد من تلك المعاني يقتضى علامة خاصة به فى آخر الكلمة، ورمزًا معينًا يدل عليه وحده، ويميزه من المعاني الأخرى؛ فلا بد أن تتغير العلامة فى آخر الاسم؛ تبعًا لتغير المعاني والأسباب، وأن يستحق ما نسميه: "الإعراب" للدلالة على تلك المعانى المتباينة، التى تتوالى عليه بتوالى العوامل المختلفة، كما شرحنا من قبل1.
وقليل من الأسماء مبنيّ2.
وأشهر المبني منها عشرة أنواع "لكل نوع أحكامه التفصيلية فى بابه" وهى:
"1" الضمائر، سواء أكان الضمير موضوعًا على حرف هجائي واحد، أم على حرفين، أم على أكثر، مثل: انتصرتَ؛ ففرحنا، ونحن بك معجبَون.
"2، 3" أسماء الشرط، وأسماء الاستفهام؛ بشرط ألا يكون أحدهما مضافًا لمفرد؛ مثل: أين توجدْ أكرمْك. أين أراك3؟ بخلاف: أىُّ خيرٍ تعملْه ينفعْك. أىُّ يومٍ تسافر فيه؟ لإضافة "أىّ" الشرطية والاستفهامية فى المثالين لمفرد، فهما معه معربتان4.
"4" أسماء الإشارة التى ليست مثناة؛ نحو: هذا كريم، وتلك محسنة.
بخلاف: "هذان كريمان، وهاتان محسنتان".
فهما معربان عند التثنية؛ على الصحيح.
"5" أسماء الموصول غير المثناة، والأسماء الأخرى التى تحتاج بعدها -وجوبًا- إلى جملة أوما يقوم مقامها1، ولا تستغني عنها بحال.
فمثال الموصول: جاء الذى يقول الحق.
وسافر الذى عندك، أو الذي فى ضيافتك.
ومن الأسماء الأخرى التى ليست موصولة ولكنها تحتاج -وجوبًا- بعدها إلى جملة: "إذا" الشرطية الظرفية؛ نحو: إذا تعلمتَ ارتفع شأنك، فلوقلت: جاء الذى ... فقط، أو: إذا ... فقط، لم يتم المعنى، ولم تحصل الفائدة.
بخلاف جاء اللذان غابا، وحضرت اللتان سافرتا.
فالموصول معرب - على الصحيح - لأنه مثنى.
"6" الأسماء التى تسمى: "أسماء الأفعال"2 وهى: التى تنوب عن الفعل فى معناه وفى عمله وزمنه، ولا تدخل عليها عوامل تؤثر فيها.
مثل: هيهات القمر: بمعنى بَعُدَ جدًّا، وأفٍّ من المهمل، بمعنى أتَضَجَّرُ جدا، وآمين يا رب، بمعنى: استجبْ.
فقد دلت كل كلمة من الثلاث على معنى الفعل، ولا يمكن أن يدخل عليها عامل قبلها يؤثر فيها بالرفع، أوالنصب، أوالجر ...
بخلاف: سيرًا تحت راية الوطن، سماعًا نصيحة الوالد، إكرامًا للضيف.
فإن هذه الكلمات [سيرًا، وسماعًا، وإكرامًا، وأشباهها] تؤدى معنى فعلها تمامًا، ولكن العوامل قد تدخل عليها فتؤثر فيها؛ فتقول: سرني سيرُك تحت راية الوطن، مدحت سيرَك تحت راية الوطن.
طربت لسيرِك ... وكذا الباقي؛ ولذلك كانت معربة.
"7" الأسماء المركبة؛ ومنها بعض الأعداد؛ مثل: أحَدَ عَشَرَ ... إلى تسعة عَشَرَ؛ فإنها مبنية دائمًا على فتح الجزأين.
ما عدا اثنيْ عَشَرَ، واثنتيْ عشْرة؛ فإنهما يعربان إعراب المثنى3.
"8" اسم "لا" النافية للجنس1- أحيانًا- في نحو: لا نافع مكروه.
"9" المنادى، إذا كان: مفردا، علما، أو نكرة مقصودة، مثل: يا حمد، ساعد زميلك، ويا زميل اشكر صديقك.
"10" بعض متفرقات أخرى، مثل: "كم" وبعض الظروف، مثل: "حيث" والعلم المختوم بكلمة: "ويه"، وما كان على وزن "فعال" في رأي قومك- مثل حذام، وقطام ... "وكلاهما اسم امرأة".
وكذلك أسماء الأصوات المحكية مثل: "قاق"، و"غاق"، في نحو: صاحت الدجاجة قاق، ونعب الغراب غاق2 ...
ملاحظة: يجب الإعراب والتنوين فى كل اسم أصله مفرد مبنىّ، ثم سُمي به، كما لو سمينا رجلًا بكلمة: "أمسِ" المبنية على الكسر في لغة الحجازيين -أو بكلمة "غاقِ" التي هي في أصلها اسم لصوت الغراب ... ، وحكمها: البناء على الكسر أيضًا" لتغير شأن الكلمتين بعد هذه التسمية، فتصير كل واحدة منهما علمًا، يدل على ما يدل عليه العلم، ويصير حكم كل منهما الإعراب والتنوين4، بعد أن كان حكمها البناء5.3
ثالثًا: الأفعال.
منها المبني دائمًا، وهو: الماضي والأمر.
ومنها المبني حينًا والمعرب أحيانًا وهو: المضارع.
وأحوال بناء الماضي ثلاثة:
"1" يبنى على الفتح فى آخره إذا لم يتصل به شىء، مثل: صافحَ، محمد ضيفه، ورحَّب به.
وكذلك يبنى على الفتح إذا اتصلت به تاء التأنيث الساكنة، أوألف الاثنين، مثل: قالتْ فاطمة الحق.
والشاهدان قالا ما علافا.
والفتح فى الأمثلة السابقة ظاهر.
وقد يكون مقدرًا إذا كان الماضى معتل الآخر بالألف، مثل: دعا العابد ربه.
"2" يبنى على السكون فى آخره إذا اتصلت به "التاء" المتحركة التى هى ضميرٌ "فاعل"، أو: "نا" التى هى ضمير فاعل، أو"نون النسوة" التى هى كذلك.
مثل أكرمتُ الصديق، وفرحتُ به.
ومثل: خرجْنا فى رحلة طيبة ركبنا فيها السيارة، أما الطالبات فقد ركبْن القطار.
"3" يبنى على الضم فى آخره إذا اتصلت به واوالجماعة، مثل الرجال خرجُوا لأعمالهم.
وأحوال بناء الأمر أربعة:
"1" يبنى على السكون فى آخره إذا لم يتصل به شىء؛ مثل: اعمَلْ لدنياك ولآخرتك.
وصاحبْ أهل المروءات.
أو: اتصلت به نون النسوة، مثل: اسمعْن يا زميلاتى1 ...
"2" يبنى على فتح آخره إذا اتصلت به نون التوكيد الخفيفة؛ مثل: صاحِبَنْ كريم الأخلاق.
أوالثقيلة؛ مثل: اهجرَنّ السفيه2 ...
"3" يبنى على حذف حرف العلة إن كان آخره معتلًا؛ مثل: اسعَ فى الخير دائمًا، وادعُ الناس إليه، واقضِ بينهم بالحق. [فاسع: فعل أمر مبني على حذف الألف؛ لأن أصله: "اسْعَى"1.
وادعُ: فعل أمر مبني على حذف الواو؛ لأن أصله: "ادْعُو".
واقض: فعل أمر، مبني على حذف الياء لأن أصله: "اقضيِ] ". وعند تأكيد فعل الأمر بالنون يبقى حرف العلة الواو، أو الياء، ويتعين بناء الأمر على الفتحة الظاهرة على الحرفين السالفين، فإن كان حرف العلة ألفًا وجب قلبها ياء تظهر عليها فتحة البناء؛ لأن الأمر يكون مبنيًا على هذه الفتحة؛ نحو: اسعَيَن فى الخير، وادعُوَن له، واقضيَن بالحق.
"4" يبنى على حذف النون إذا اتصل بآخره ألف الاثنين؛ مثل: اخرجَا، أو واو الجماعة، مثل: اخرجوا، أو ياء مخاطبة؛ مثل: اخرجِي.
فكل واحد من هذه الثلاثة فعل أمر، مبني على حذف النون، والضمير فاعل "وهو ألف الاثنين، أو واو الجماعة، أو ياء المخاطبة".
ومن الأمثلة قوله تعالى لموسى وفرعون: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ ، وقوله: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا﴾ - وقول الشاعر:
يا دارَ عَبلةَ بالجِواء تكلمى ... وعِمِى2 صباحا - دارَ عبلةَ - واسلمِى
وأما المضارع فيكون معربًا3 إذا لم يتصل بآخره بنون التوكيد، أونون النسوة.
ومن الأمثلة: ﴿إن اللهَ لا يَغفرُ أن يُشْرَكَ بِهِ﴾ . إن تُخْلِصْ فى عملك تنفعْ وطنك.
فإن اتصل بآخره اتصالا مباشرًا نون التوكيد الخفيفة أوالثقيلة بنى على الفتح4 مثل: والله لأقومَنْ بالواجب.
ولأعْمَلنَّ ما فيه الخير،
وقول الشاعر:
لا تأخذن1 من الأمور بظاهر ... إن الظواهر تخدع الراءينا
فإن كان الاتصال غير مباشر؛ بأن فصل بين نون التوكيد والمضارع فاصل ظاهر؛ كألف الاثنين، أومقدر؛ كواوالجماعة، أوياء المخاطبة - فإنه يكون معربًا ... فمثال ألف الاثنين "ولا تكون إلا ظاهرة" ماذا تعرف عن الصانعَيْن، أيقومانّ بعملهما؛ ومثال واو الجماعة المقدرة: هؤلاء الصانعون أيقومُنّ بعملهم؟ ومثال ياء المخاطبة المقدرة: أتقُومِنّ بعملك يا زميلتي؟
وإن اتصلت به نون النسوة فإنه يبنى على السكون2؛ مثل: إن الأمهاتِ يبذلْن ما يقدرْنَ عليه لراحة الأبناء.
ولا يكون اتصالها به إلا مباشرًا3، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ .
فللمضارع حالتان؛ الأولى: الإعراب؛ بشرط ألا يتصل بآخره -مباشرة- نون التوكيد الخفيفة أو الثقيلة، أو نون النسوة. وإذا أعرب كان مرفوعًا إن لم يسبقه ناصب ينصبه، أو جازم يجزمه.
والثانية: البناء: إما على الفتح إذا اتصلت بآخره -مباشرة- نون التوكيد. وإما على السكون إذا اتصلت بآخره نون النسوة4.
وإذا كان المضارع مبنيًّا لاتصاله بإحدى النونين وسبقه ناصب أو جازم وجب
أن يكون مبنيًّا فى محل نصب أو جزم، أيْ أنه يكون مبنيًّا فى اللفظ، معربًا فى المحل1". ولهذا أثر إعرابيّ يجب مراعاته. ففى التوابع -مثلا- كالعطف، إذا عطف مضارع على المضارع المبني المسبوق بناصب أو جازم وجب فى المضارع المعطوف أن يتبع محل المعطوف عليه فى النصب أو الجزم دون البناء2.
وكذلك المضارع المبني إن كان معطوفًا عليه؛ فإنه يكون مبنيًّا فى محل رفع، فى الرأي المشهور الذى سبقت الإشارة إليه3.
ويتبعه في هذا الرفع المحلي-دون البناء2- المضارع "المعطوف".
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
زيادة وتفصيل:
"أ" الإعراب المحليّ والتقديريّ.
يتردد على ألسنة المعربين أن يقولوا فى المبنيات، وفى كثير من الجمل المحكية وغير المحكية، إنه فى محل كذا - من رفع، أونصب، أوجر، أوجزم ... فما معنى أنه فى محل مُعَيَّن؟ فمثلا: يقولون فى "جاء هؤلاءِ" ... إن كلمة: "هؤلاءِ" مبنية على الكسر فى محل رفع فاعل - وفى: "قرأت الصحف من قبلُ" ... إن كلمة: "قبلُ" مبنية على الضم فى محل جر ... وفى: "رأيت ضيفًا يبتسم"، إن الجملة المضارعية فى محل نصب صفة1 ... وهكذا.
المراد من أن الكلمة أوالجملة فى محل كذا، هوأننا لووضعنا مكانها اسما معربًا لكان مرفوعًا، أومنصوبًا، أومجرورًا. وفى بعض الحالات لووضعنا مكانها مضارعًا معربًا لكان منصوبًا أومجزومًا2.
.... فهى قد حلَّت محل ذلك اللفظ المعرب، وشغلت مكانه، وحكمه الإعرابى الذى لا يظهر على لفظها3.
2- أما "التقديرى" فقد سبق4 أنه العلامة الإعرابية التى لا تظهر على الحرف الأخير من اللفظ المعرب؛ بسبب أن ذلك الحرف الأخير حرف علة لا تظهر عليه الحركة الإعرابية، كالألف فى مثل: إن الهدَى هدَى الله، واستجب لداعى الهدى.
ونتيجة لما سبق يكون "الإعراب المحلى" مُنصَبًّا على الكلمة المبنية كلها،
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أو على الجملة كلها، وليس على الحرف الأخير منهما.
وأن التقديرى مُنصب على الحرف الأخير من الكلمة.
وهناك رأى آخر لا يجعل الإعراب المحلى مقصورًا على المبنى وبعض الجمل - كرأى الأكثرية - وإنما يدخل فيه أيضًا بعض الأسماء المعربة صحيحة الآخر بشرط ألا يظهر فى آخر الكلمة المعربة علامتان مختلفتان للإعراب، ومن أمثلته عنده: ما جاءنى من كتاب، فكلمة "كتاب" مجرورة بالحرف: "مِن" الزائد.
وهى فى محل رفع فاعل للفعل: "جاء".
وقد تحقق الشرط فلم يجتمع فى آخرها علامتان ظاهرتان للإعراب.
وأصحاب الرأى الأول يدخلون هذا النوع فى التقديرى فيقولون فى إعرابه: مجرور لفظًا مرفوع تقديرًا1 ... والخلاف لفطىّ. ولعل الأخذ بالرأى الثانى أنفع، لأنه أعمّ.
ويدخل فى الإعراب المحلى عدة أشياء. أظهرها المبنيات كلها، والجمل التى لها محل من الإعراب، محكية وغير محكية، والمصادر المنسبكة، وكذا الأسماء المجرورة بحرف جرّ زائد فى رأى سلف2.
- وكما سيجئ فى جـ 2 ص 350 م 89 - والمنادى المستغاث "جـ4"
هذا ولا يمكن إغفال الإعراب المحلى والتقديرى، ولا إهمال شأنهما، إذ يستحيل ضبط توابعهما - مثلا - بغير معرفة الحركة المقدرة3 أوالمحكية بل يستحيل توجيه الكلام على أنه فاعل أومفعول، أومبتدأ، أو: مضارع مرفوع - وما يترتب على ذلك التوجيه من معنى إلا بعد معرفة حركة كل منهما.
4
وهناك كلمات يضبط آخرها بعلامة لا توصف بأنها علامة إعراب ولا بناء، وإنما هو ضبط صوري ظاهري، قصد به مجاراة الكلمة لكلمة قبلها في نوع العلامة، مجاراة ظاهرية، ولا يصح أن يكون للكلمة المتأخرة منهما محلي إعرابي.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وسيجيء بيان هذا النوع في موضعه المناسب1.
"ب" تلمس النحاة أسبابًا للبناء والإعراب، أكثرها غير مقبول.
وسنشير إليه، داعين إلى نبذه.
قالوا فى علة بناء الفعل: إن الفعل لا تتعاقب عليه معان مختلفة، تفتقر فى تمييزها إلى إعراب، ولا تتوالى عليه العوامل المختلفة التى تقتضى ذلك.
فالفعل - وحده - لا يؤدى معنى الفاعلية، ولا المفعولية، ولا غيرهما مما اختص به الاسم وكان سببًا فى إعرابه - كما سبق2، إلا المضارع فإنه قد يؤدى معنى زائدًا على معناه الأصلى، بسبب دخول بعض العوامل.
فحين نقول؛ لا تهملْ عملك، وتجلسْ فى البيت "بجزم: تجلسْ" يكون المعنى الجديد: النهى عن الجلوس أيضًا، "بسبب مجئ الواوالتى هى لعطف الفعل على الفعل هنا".
وحين نقول: لا تهملْ عملك، وتجلسَ فى البيت "بنصب: تجلسَ" يكون المعنى الجديد: النهى عن اجتماع الأمرين معًا، وهما الإهمال والجلوس.
فالنهى منصب عليهما معًا، بحيث لا يجوز عملهما فى وقت واحد؛ فلا مانع أن يقع أحدهما وحده بغير الآخر، ولا مانع من عمل كل منهما فى وقت يخالف وقت الآخر - "والواوهنا للمعية وهى التى اقتضت ذلك".
وإذا قلت: لا تهمْل القراءة، وتجلسُ "برفع: تجلسُ"، فالنهى منصب على القراءة وحدها، أما الجلوس فمباح.
"فالواوهنا: للاستئناف، وهى تفيد ذلك المعنى.
" فالمضارع قد تغيرت علامة آخره على حسب تغير المعانى المختلفة، والعوامل التى تعاقبت عليه، فأشبه الاسم من هذه الجهة، فأُعرب مثله.
أما بناؤه مع نون التوكيد، ونون النسوة فلأنهما من خصائص الأفعال، فوجود أحداهما فيه أبعده من مشابهة الاسم المقتضية للإعراب، فعاد إلى الأصل الأول فى الأفعال؛ وهوالبناء؛ لأن الأصل فيها البناء - كما سبق - وأما الإعراب فى المضارع أحيانًا، فأمر عارض، وليس بأصيل.....
هكذا يقولون! وليس بمقبول، فهل يقبل أن سبب بناء الحرف هو
زيادة وتفصيل:
"أ"- جمع بعض النحاة1 أشهر المبنيات لزومًا، "سواء أكانت أسماء، أم أفعالا، أم حروفا" وأوضح بالشرح والتمثيل هذا الأشهر وعلامات بنائه..وفيما يلي البيان موجزا مختصرا، ومشتملا على بعض المبنيات جوازا، -وهي التي صرح عند الكلام عليه بالجواز.
"ملاحظة هامة" سبق أن أشرنا في هامش ص76.. أن المبني لا تراعي ناحيته اللفظية مطلقا في توابعه.
أو غيرها -فتوابعه إنما يساير محله فقط إذا كان له محل من الإعراب.
وهذا أثر هام من آثار الإعراب المحلي.
واستثنينا من هذا الحكم نعت المنادي: "أي وأية" واسم الإشارة الذي ونودي للتوصل بندائه إلى نذاء ما فيه "أل" على الوجه الموضح تفصيله في الباب الخاص بتوابع المنادى ج4 - ص39 م 130.235 1
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
دلالته فى الجملة على معنى فى غيره، وعدم دلالته وهومستقل على ذلك المعنى التركيبىّ؛ فلا حاجة له بالإعراب؛ لأن وظيفة الإعراب تمييز المعانى التركيبية بعضها من بعض؟ إذاً لم التفرقة فنقول إن كلمة: "ابتداء" وحدها التى تفهم من الحرف: "مِن" هى اسم، وكلمة: "مِن" نفسها هى حرف، مع أنها تفيد عند وضعها فى الجملة معنى الابتداء، فكلاهما يتوقف فهمه على أمرين؛ شىء كان هوالمبتدِئ، وشىء آخر كان المبتدأ منه؟
هل السبب ما سطروه من دليل جدلىّ مرهق، هو: أن معانى الأسماء تتوقف على أمور كلية معلومة لكل فرد بداهة، فكأنها مستقلة؛ مستغنية عن غيرها؟ فلفظة: "ابتداء" عندهم معناها مطلق ابتداء شىء من شىء آخر، بغير تخصيص، ولا تعيين، ولا تحديد.
وشىء هذا شأنه يمكن أن يعرفه كل أحد، ويدركه بالبداهة كل عقل.
بخلاف معنى الابتداء فى لفظة: "مِن" حين نقول مثلا: سرت من القاهرة، فإن الابتداء هنا خاص مقَيد بأنه ابتداء "سير" لا ابتداء قراءة:، أوأكل، أوكتابة، أوسفر.
أو ... وأنه ابتداء "سير" من مكان معين؛ هو: القاهرة.
فليس الابتداء فى هذا المثال معنى مطلقًا كما فى سابقه، وليس فهمه ممكنًا إلا بعد إدراك أمرين مخصوصين؛ يتوقف فهمه عليهما، ولا يعرفان إلا بالتصريح باسمهما، هما: السير والقاهرة.
أى: أن المعنى إن لوحظ فى ذاته مجردًا من كل قيد، كان مستقلا، وكان التعبير عنه من اختصاص الاسم، "كالابتداء"، وإن لوحظ حاله بين أمرين، كان غير مستقل، وكان التعبير عنه مقصورًا على الحرف1 ...
فهل نَقبل هذه العلل المصنوعة الغامضة؟ وهل عرف العرب الأوائل الفصحاء قليلا أوكثيرًا منها؟ وهل وازنوا واستخدموا القياس والمنطق وعرفوهما فى جاهليتهم؟
ثم يعود النحاة فيقولون2: إن بعض الأسماء قد يبنى لمشابهته الحرف، مثل: "مَنْ" و"أين" و"كيف" وغيرها من أسماء الاستفهام ... ومثل "مَنْ"، و"ما" وغيرهما من أدوات الشرط والتعليق ... فأسماء الاستفهام إن دلت على
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
معنى فى نفسها فإنها تدل فى الوقت ذاته على معنى ثان فيما بعدها؛ فكلمة: "مَن" الاستفهامية، اسم؛ فهى تدل بمجردها وذاتها على مسمَّى خاص بها، إنسانًا غالبًا، أوغير إنسان - وتدل على الاستفهام من خارجها، بسبب افتراض أن همزة الاستفهام معها تقديرًا ... فكأنك إذا قلت: مَن عندك؟ تفترض أن الأصل أمَن عندك؟ وأنهما فى تقديرك كلمتان: "الهمزة"، وهى حرف معنى، و"مَن" الدالة على المسمى بها، أى: على الذات الخاصة التى تدل عليها: "مَنْ"
فلما كانت "مَن" لا تستعمل هنا إلا مع الاستفهام المقدر، استغنى وجوبًا عن همزة الاستفهام لفظًا، للزومها كلمة: "من" معنى، وصارت "مَن" نائبة عنها حتمًا؛ ولذلك بنيت؛ فدلالتها على الاسمية هى دلالة "لفظية"، مرجعها لفظها، ودلالتها على الاستفهام جاءت من خارج لفظها.
ولا يجوز إظهار الهمزة فى الكلام كما تظهر كلمة: "فى" مع الظروف جوازًا؛ لأن الأمر مختلف؛ إذ الظرف ليس متضمنًا معنى: "فى" بالطريقة السالفة، فيستحق البناء كما بنيت "مَن" الاستفهامية، وإنما كلمة: "فى" محذوفة من الكلام جوازًا لأجل التخفيف؛ فهى فى حكم المنطوق به؛ ولذلك يجوز إظهارها.
بخلاف الهمزة.
وكذلك كلمة: "أين" تدل وهى مجردة على معنى فى نفسها، هو: المكان، وتدل أيضًا على الاستفهام فيما بعدها، وهومعنى آخر جاءها من خارجها؛ بسبب تقدير همزة الاستفهام معها، ثم الاستغناء عن الهمزة وجوبًا؛ لوجود ما يتضمن معناها.
وكلمة: "كيف: تطل على معنى فى نفسها، وهو: الحال، وتدل على معنى فيما بعدها، وهو: الاستفهام، على الوجه السالف، وكذلك أسماء الشرط ... فإن كلمة: "مَن" تدل على العاقل - غالبًا - بنفسها، وكلمة: "ما" تدل -غالبًا- على غير العاقل بنفسها، وهما تدلان على التعليق والجزاء فيما بعدهما؛ فكأن كل كلمة من أسماء الاستفهام، وأسماء الشرط، ونحوها - تقوم مقام كلمتين فى وقت واحد، إحداهما: اسم يدل على مسمى، والأخرى: حرف يدل على معنى فى غيره، وهذا الحرف يجب حذفه لفظًا،1
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لوجود الاسم الذى يتضمنه تقديراً1 ويؤدى معناه تماماً.
ومن هنا نشأ التشابه بين نوع من الأسماء والحروف - فى خيال بعض النحاة - فاستحق ذلك النوع من الأسماء البناء؛ لعدم تمكنه فى الاسمية تمكنًا يبعده من مشابهة الحرف.
ولا يكتفون بذلك بل يسترسلون فى خلق علل يثبتون بها أن الأصل فى البناء السكون، وأن العدول عن السكون إلى الحركة إنما هولسبب، وأن الحركة تكون ضمة، أوفتحة، أوكسرة، لسبب آخر، بل لأسباب!!
فما هذا الكلام الجدلي2؟ وما جدواه لدارسى النحو؟ أيعرفه العرب الخُلَّص أصحاب اللغة، أويخطر ببالهم؟
علينا أن نترك هذا كله فى غير تردد، وأن نقنع بأن العلة الحقيقية فى الإعراب والبناء ليست إلا محاكاة العرب فيما أعربوه أوبنَوه.
من غير جدَل زائف، ولا منطق متعسف، وأن الفيصل فيهما راجع "كما قال بعض السابقين"3 إلى أمر واحد؛ هو: "السماع عن العرب الأوائل"، واتباع طريقتهم التى نقلت عنهم، دون الالتفات إلى شىء من تلك العلل، التى لا تثبت على التمحيص.
وعلى هذا لا يصح الأخذ بما قاله كثرة النحاة4 من أن الاسم يبنى إذا شابه الحرف مشابهة قوية5 فى أحد أمور أربعة:
أولها: الشبه الوضعى:
بأن يكون الاسم موضوعًا أصالة على حرف واحد، أوعلى حرفين ثانيهما لِين، مثل: التاء، ونا، فى: جئتنا، وهما ضميران مبنيان؛ لأنهما يشبهان
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحرف الموضوع على مقطع واحد، كباء الجر، وواو العطف، وغيرهما، من الحروف الفردية المقطع، أو ثنائية المقطع، مثل، قد، هل، لم.
ولو صح هذا، لسألناهم عن سبب بناء الضمائر الأخرى التي تزيد على حرفين، مثل، نحن، وإيا ... وسألنا عن سبب إعراب أب، وأخ، ويد، ودم، ونحوها مما هو على حرفين؟ نعم أجابوا عن ذلك بإجابات، ولكنها مصنوعة، صادفتها اعتراضات أخرى، ثم إجابات، وهكذا مما سجلته المراجع.
ثانيهما الشبه المعنوي:
بأن يتضمن الاسم بعد وضعه في جمله معنى جزئيا غير مستقل، زيادة على معناه المستقل الذي يؤديه في حالة انفراده، وعدم وضعه في جملة.
وكان الأحق بتأدية هذا المعنى الجزئي عندهم هو: "الحرف".
ومعنى هذا: أن الاسم قد خلف الحرف فعلا، وحل محله في إفادة معناه، وصرف النظر عن الحرف نهائيا فلا يصح ذكره، ولا اعتبار أنه ملاحظ، فليس حذفه للاقتصار كحذف: "في" التي تتضمنها أنواع من الظروف، أو حذف كلمة: "من" التي تتضمنها أنواع من التمييز، فإن هذا التضمن في الظرف والتمييز لا يقتضي البناء- كما يقولون-.
لأنه ليس باللازم المحتوم.
أما التضمن الذي يقتضي البناء عندهم، فهو التضمن اللازم المحتم الذي يتوقف عليه المعنى الذي قصد عند التضمن.
فيخرج الظرف والتمييز.
وتدخل أسماء الشرط والاستفهام، مثل: مى تحضر أكرمك- ومتى تسافر؟
فكلمة: "متى" في المثال الأول تشبه الحرف "إن" في التعليق والجزاء، وهي في المثال الثاني تشبه همزة الاستفهام، فكلتاهما اسم من جهة، ومتضمنة معنى الحرف من جهة أخرى، فمتى الشرطية وحدها تدل على مجرد تعلق مطلق، ولكنها بعد وضعها في الجملة دلت عليه وعلى معنى في الجملة التي بعدها، وهو تعليق شيء معين بشيء آخر معين: أي: توقف وقوع الإكرام على وقوع الحضور، فحصول الأمر الثاني المعين: مرتبط بحصول الأول المعين ومقيد به1 ...
وهي2 وحدها في الاستفهام تدل على مجرد الاستفهام والسؤال، من غير تقيد بدلالة على الشيء الذي تسأل عنه، أو عن صاحبه، أو غير ذلك.
لكنها بعد
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وضعها فى الجملة دلت على معنى جزئى جديد؛ فوق المعنى السابق: هو أن السؤال متجه إلى معنى محدد.
هو الحضور، ومتجه إلى المخاطب أيضًا......
وكذلك اسم الإشارة1، مثل كلمة: هذا؛ فإنها وهى منفردة، تدل على مطلق الإشارة، من غير دلالة على مشار إليه أو نوعه؛ أهو محسوس أم غير محسوس؟ حيوان أم غير حيوان؟
لكن إذا قلنا: هذا محمد، فإن الإشارة صارت مقيدة بانضمام معنى جديد إليها؛ هو الدلالة على ذات محسوسة لإنسان2.
فإن صح ما يقولونه من هذه التعليلات، فماذا أعربت: "أيّ" الشرطية، و"أيّ" الاستفهامية، وأسماء الإشارة المثناة؛ مثل: هذان عالمان، وهاتان حديقتان؟ نعم؟ لهذا عندهم إجابة، وعليها اعتراض، ثم إجابة، ثم اعتراض ... وهكذا مما تموج به الكتب الكبيرة.
ثالثها: الشبه الاستعمالي:
بأن يكون الاسم عاملًا في غيره، ولا يدخل عليه عامل -مطلقا- يؤثر فيه، فهو كالحرف: في أنه عامل غير معمول، كأسماء الأفعال.
مثل: هيهات القمر، وبله المنسيء، "فهيهات": اسم فعل ماض، بمعنى: بعد جدا، وفاعله.
القمر، و "بله": اسم فعل أمر، بمعنى: اترك، وفاعله ضمير، تقديره: أنت، و "المسيء": مفعول به، وكلاهما قد عمل الرفع في الفاعل، كما أن "بله" عملت النصب في المفعول به، ولا يدخل على واحد من اسمي الفعل عامل يؤثر فيه.
رابعها: الشبه الافتقاري.
وذلك بأن يفتقر الاسم افتقارا لازما إلى جملة بعده، "أو ما يقوم مقامها، كالصفة الصريحة في صلة أل"1" أو إلى شبه جملة، كالاسم الموصول، فإنه يحتاج بعده إلى جملة أو ما يقوم مقامها، أو شبهها، تسمى، جملة الصلة، لتكمل المعنى، فأشبه الحرف في هذا، لأن الحرف، موضوع - غالبا لتأدية معاني الأفعال وشبهها إلى الأسماء، فلا يظهر معناه إلا بوضعه في جملة، فهو محتاج إليها دائما، فاسم الموصول
بأن يكون الاسم عاملا فى غيره، ولا يدخل عليه عامل - مطلقًا - يؤثر فيه فهوكالحرف: فى أنه عامل غير معمول، كأسماء الأفعال، مثل: هيهات القمر، وبَلْهَ المسيء، فهيهات: اسم فعل ماض، بمعنى بَعُد جدًّا، وفاعله القمر، وبله: اسم فعل أمر، بمعنى: اتركْ، وفاعله ضمير، تقديره: أنت، والمسىء: مفعول به، وكلاهما قد عمل الرفع فى الفاعل، كما أن "بله" عملت النصب فى المفعول، ولا يدخل على واحد من اسمى الفعل عامل يؤثر فيه.
رابعها: الشبه الافتقارى:
وذلك بأن يفتقر الاسم افتقارًا لازمًا إلى جملة بعده، أوما يقوم مقامها - كالوصف فى صلة "أل"3 -أو إلى شبه جملة؛ كالاسم الموصول، فإنه يحتاج بعده إلى جملة أوما يقوم مقامها، أوشبهها، تسمى: جملة الصلة؛ لتكمل المعنى، فأشبه الحرف فى هذا؛ لأن الحرف، موضوع -غالباً- لتأدية معاني الأفعال وشبهها إلى الأسماء فلا يظهر معناه إلا بوضعه فى جملة، فهو محتاج إليها دائمًا.
فاسم الموصول يشبهه من هذه الناحية: فى أنه لا يستغني مطلقًا "1، 2" راجع 321 م 24.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عن جملة بعده، أو ما ينوب عنها، أو شبهها، يتم بها المعنى.
فإن صح هذا فلم أعربت ... "أي" الموصولة -أحياناً- و"اللذان"، و"اللتان"؟ أجابوا: أن السبب هو ما سبق في نظائرها؛ من الإضافة فى كلمة: "أي" والتثنية فيما عداها.
والإضافة والتثنية من خصائص الأسماء، فضعف شبه تلك الكلمات بالحروف، فلم تُبْن.
وعلى هذه الإجابة اعتراض، فإجابة، فاعتراض ...
فما هذا العناء فيما لا يؤيده الواقع، ولا تساعفه الحقيقة؟ وأى نفع فيما ذكر من أسباب البناء وأصله، ومن سبب ترك السكون فيه إلى الحركة، وسبب اختيار حركة معينة لبعض المبنيات دون حركة أخرى ...
خامسها: الشبه اللفظى:
زاده بعضهم1، ومثَّل له بكلمة "حاشا" الاسمية قائلا: إنها مبنية لشبهها "حاشا" الحرفية فى اللفظ. وكذا بكلمة "علَى" الاسمية، و"كلاّ" بمعنى "حقًّا. و"قَدْ" الاسمية. وقيل إن الشبه اللفظى مجوّز للبناء، لا محتم له. وعلى هذا يجوز فى الأسماء السابقة أن تكون معربة تقديراً كإعراب الفتى. ما عدا "قَدْ" فإنها تعرب لفظًا - كما سبق2.
وهناك أنواع أخرى من الشبه لا قيمة لها.
إن الخير فى إهمال كل هذا، وعدم الإشارة إليه فى مجال الدراسة والتعليم، والاستغناء عنه بسرد المواضع التي يكون فيها الاسم مبنيًّا وجوبًا، وهوالعشرة الماضية3 ومبنى جوازًا فى مواضع أخرى ستذكره فى مواطنها.
ج- اشترطوا فى إعراب المضارع - كما سبق4 - ألا تتصل به اتصالا مباشرًا نونُ التوكيد، أونون الإناث5؛ فالمضارع معرب فى مثل: "هل
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تقومانِّ؟ وهل تقُومُنَّ؟ وهل تقومِنَّ"؟ لأن نون التوكيد لم تتصل به اتصالا مباشرًا، ولم تلتصق بآخره، لوجود الفاصل اللفظى الظاهر، وهو: ألف الاثنين، أوالمقدر، وهوواوالجماعة، أوياء المخاطبة؛ فأصل تقومانِّ: تقومانِنَّ.
فاجتمعت ثلاث نونات فى آخر الفعل.
وتوالِى ثلاثة أحرف هجائية من نوع واحد، وكلها ليس أصليًا، وإنما هومن حروف الزيادة1 - أمر مخالف للأصول اللغوية، فحذفت في الظاهر2 نون الرفع؛ لوجود ما يدل عليها، وهوأن الفعل مرفوع لم يسبقه ناصب أوجازم يقتضى حذفها، ولم تحذف نون التوكيد المشددة، لأنها جاءت لغرض بلاغى يقتضيها، وهوتوكيد الكلام وتقويته. ولم تحذف إحدى النونين المدغمتين لأن هذا الغرض البلاغى يقتضى التشديد لا التخفيف3.
فلما حذفت النون الأولى من الثلاث، وهى نون الرفع، كسرت المشددة، وصار الكلام؛ "تقومانِّ"4.
وأصل "تقُومُنَّ" هو: "تقومونَنَّ" حذفت النون الأولى للسبب السالف،
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فصار "تقومونَّ"؛ فالتقى ساكنان ... واوالجماعة والنون الأولى المدغمة فى نظيرتها؟ فحذفت الواوللتخلص من التقاء الساكنين.
وإنما وقع الحذف عليها لوجود علامة قبلها تدل عليها؛ وهى: "الضمة" ولم تحذف النون، مراعاة للغرض البلاغى السابق؛ ولعدم وجود ما يدل عليها عند حذفها.
ومثل ذلك يقال فى: "تقومِنَّ" فأصلها: "تقومينَنَّ" حذفت النون الأولى، وبقيت نون التوكيد المشدد، فصار اللفظ أنت تقومينَّ؛ فالتقى.
ساكنان: ياء المخاطبة والنون الأولى المدغمة فى نظيرتها.
فحذفت الياء للتخلص من التقاء الساكنين، ولوجود كسرة قبلها تدل عليها، ولم تحذف النون للحاجة إليها، فصار اللفظ تقومِنَّ1 ... "1 - 1" قال بعض النحاة: "إن التقاء الساكين هنا على حده، فهو جائز: فلا حاجة إلى حذف الواو والياء للتخلص منه.
ويمكن الدفع بأنه وإن كان جائزا - لا يخلو من ثقل ما.
فالحذف هو التخلص من الثقل الحاصل به.
" أهـ الصبان جـ في الكلام على إعراب المضارع.
..
وقال فريق آخر من النحاة، "إن قلت: هو هنا على حده، لكون الأول من الساكنين حرف مد "أي: حرف علة قبله حركة تناسبه" والثاني مدغما في مثله.
وهما في كلمة واحدة، إذ الواو والياء كلمة مستقلة، وكونهما كالجزء لا يعطيهما حكمه من كل وجه فلم يغتفر التقاؤها لثقله ... " أهـ خضري في الموضع السابق أيضا ... ثم قال: "إنما اغتفر في ألف الاثنين لأن حذف الألف يوجب فتح النون، لقوات شبههما بنون المثنى فيلتبس بفعل الواحد.. أهـ".
والذي نراه في الواو والياء - على الرغم من أنهما ضميران، لا حرفان- ويؤيده السماع القوي كالذي في قوله تعالى ﴿أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّه....﴾ أنه يجوز حذفهما وعدم حذفهما في الأمثلة السابقة وأشباهها على حسب الاعتبارين السالفين.
لكن الحذف هو الأكثر - طبقا لما سيأتي في ص 179 و 284 - ويؤيد صحة الحذف وعدمه ما جاء في حاشية الألوسي على القطر "ص 57" من أن التقاء الساكنين المغتفر يتحقق بأن يكون الأولى مهما حرف مد "أي: حرف علة قبله حركات تناسبه" والثاني منهما مدغما في مثله: كدابة، والضالين.
فليس في هذا الكلام ما يدل على اشتراط اجتماعهما في كلمة واحدة، ومن أمثلته قوله تعالى: ﴿فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ فقد اشتملت الآية على المضارع "تتبعان" الذي وقع فيه التقاء الساكنين على حده المباح مع أن الالتقاء هنا في كلمتين.
أما من يشترطون أن يكون الالتقاء في كلمة واحدة.
فيقولون في المضارع السابق وأشباهه مما لم يحذف فيه حرف العلة، إن سبب بقاء حرف العلة، وعدم حفه هو ضرورة طارئة، كمنع اللبس في المضارع السالف، لأن حذف الألف يوقع في اللبس بين فعل الواحد والفعل المسند لألف الاثنين، ولا يمكن إبقاء الألف وحذف نون التوكيد، لئلا يضيع الغرض الهام الذي جاءت لتحقيقه، وهو التوكيد، ويؤيد ما سبق أيضا ما جاء في هامش الشذور- ص 15 فهو شبيه بما نقله الألوسي.
وجاء في شرح التصريح "جـ2 باب: "الإبدال" الكلام على إبدال الواو من الياء" ما نصه: "يجوز الجمع ساكنين إذا كان الأول حرف =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فعند إعراب "تقومُنَّ ... السابقة، أو تقومِنَّ ... نقول: فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه النون المقدرة1 لتوالي النونات، والضمير المحذوف لالتقاء الساكنين "واو الجماعة، أو: ياء المخاطبة" فاعل، مبني على السكون في محل رفع.
وعند إعراب "تقومانِّ" نقول فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه النون المقدرة لتوالي النونات.
والنون المشددة للتوكيد.
ومثل هذا فى قوله تعالى: ﴿لتُبْلَوُنَّ فى أموالكم وأنفسكم﴾ فأصل ... تُبْلَوُنَّ: تُبْلَوُونَنَّ؛ تحركت الواو الأولى وانفتح ما قبلها؛ فقلبت ألفًا، ثم حذفت الألف لالتقائها ساكنة مع واوالجماعة، ثم حذفت نون الرفع لتوالى النونات، فالتَقَى ساكنان: واوالجماعة للتخلص من اجتماع الساكنين.
ولم تحذف الواولعدم وجود علامة قبلها تدل عليها، ولم تحذف نون التوكيد أوتخفف لوجود داع بلاغىّ يقتضى بقاءها مشددة، فلم يبق إلا تحريك الواوبالضمة، التى تناسبها.
وكذلك "تَرَيِنَّ" فى قوله تعالى يخاطب مريم: ﴿فإما تَرَيِنَّ من البشر أحدًا فقولى إنى نذرتُ للرحمن صومًا فلنْ أكَلِّم اليوم إنسيًّا﴾ . أصلها: تَرْأيينَنّ، نقلت حركة الهمزة إلى الراء بعد حذف السكون، وحذفت الهمزة تخفيفًا2، = لين- يريد حرف مد.
والثاني مدغما كدابة ... " أهـ. فقد سكت عن شرط الالتقاء في كلمة واحدة.
فكان شأنه كشأن المراجع الأخرى التي سكتت وتركت شرط التلاقي في كلمة واحدة.
بل إن الصبان "جـ3 باب نوني التوكيد" قال في اشتراط أن يكون الساكنان في كلمة ما نصه: "الصحيح فيما يأتي - خاصا بحذف الضمير إلا الألف - عدم اشتراط كونهما في كلمة، بدليل، نحو: "اتحاجوني" وعلة الحذف عند من لا يشترط ذلك، استثقال الكلمة، واستطالتها لو أبقى المضمر "الضمير" أهـ. ولهذه المسألة بيان في باب: "نون التوكيد" جـ4.
................... ................... ............. فصارت الكلمة: تَرَيِينَنَّ، ثم حذفت النون الأولى للجازم وهو: "إنْ" الشرطية المدغمة فى "ما" الزائدة؛ فصارت: تَرَيِينَّ، والياء الأولى متحركة وقبلها فتحة، فانقلبت ألفا، فصارت الكلمة: "ترايْنَّ" فالتقى ساكنان الألف وتلك الياء الأولى؛ حذفت الألف لالتقاء الساكنين، فصارت "تَرَيْنَّ" فالتقت ياء المخاطبة ساكنة مع النون الأولى من النون المشددة، فحركت الياء بالكسرة، إذ لا يجوز حذفها لعدم وجود كسرة قبلها تدل عليها، ولا يجوز حذف النون الأولى من المشددة؛ لأن المقام يتطلبها مشددة؛ فلم يبق إلا تحريك الياء بالكسرة التى تناسبها؛ فصارت: تَرَيِنَّ.
وبمناسبة ما سبق من تحريك واوالجماعة وجوبًا نذكر قاعدة لغوية عامة تتصل بواوالجماعة؛ هى: أنها فى غير الموضع السابق تُضمّ - فى الأغلب إذا كان ما قبلها مفتوحًا وما بعدها ساكنًا، نحو: الصالحون سَعُوا اليوم فى الخير، ولن يسَعُوا الغداة فى سوء؛ فارضَوُا الخطة التى رسموها.
د- وجود التوكيد فى المثالين الأولين "تقُومُنَّ، وتقومِنَّ" قد يوهم أنها متصلة بآخر المضارع اتصالاً مباشرًا يقتضى بناءه؛ لكن الحقيقة غير ذلك؛ فهم معرب، واتصال النون به ظاهرى؛ لا عبرة به؛ لأنه فى الحقيقة مفصول منها بفاصل مقدر "أى: خفى غير ظاهر" هو؛ واوالجماعة المحذوفة، أوياء المخاطبة المحذوفة، وكلاهما محذوف لعلة، والمحذوف لعلة كالثابت - كما أشاروا1 - لهذا يكون المضارع فى المثالين السالفين معربًا؛ لا مبنيًّا؛ لأن نون التوكيد مفصوله منه حقيقة وتقديرًا.
أما فى بقية الأمثلة "تقومانّ - تُبلَوُنَّ - تَرَيِنّ" فالنون لم تتصل أيضًا بآخره؛ لوجود الفاصل المنطوق به، الحاجز بينهما، ونعنى به: الضمير "ألف الاثنين - واوالجماعة - ياء المخاطبة".
فالمضارع هنا معرب أيضاً؛ لأن نون التوكيد لم تتصل بآخره اتصالاً مباشرًا.
وهذا شأن المضارع دائمًا؛ يظل محتفظًا بإعرابه، على الرغم من وجود نون التوكيد بعده إذا لم تكن متصلة بآخره اتصالاً مباشرًا؛ بحيث لا يفصل بينهما فاصل لفظى، مذكور أومقدر.
ولهذا ضابط صحيح مطَّرد؛ هوأن المضارع إذا كان مرفوعًا بالضمة قبل 1 انظر رقم 1 من هامش الصفحة السابقة.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مجئ نون التوكيد؛ فإنه يبنى بعد مجيئها؛ لأن الاتصال يكون مباشراً.
وإن كان مرفوعاً بالنون قبل مجيئها فإنه لا يبنى؛ لوجود الفاصل الظاهر أوالمقدر وهو: الضمير.
هـ- قلنا إن الماضى يبنى على السكون فى آخره إذا اتصلت به التاء المتحركة التى هى ضمير "فاعل"، أو"نا" التى هى فاعل كذلك، أونون النسوة وهى ضمير فاعل أيضًا، كما يبنى على الضم فى آخره إذا اتصل به واوالجماعة.
لكن كثير من النحاة يقول إن هذا السكون عَرَضىّ طارئ؛ جاء ليمنع الثقل الناشئ من توالى أربع حروف متحركة فى كلمتين، هما أشبه بكلمة واحدة، "أى: فى الفعل وفاعله التاء، أونا، أونون النسوة"، فليس السكون فى رأيهم مجلوبًا من أثر عامل دخل على الفعل؛ فاحتاج المعنى لجلبه.
لهذا يقولون فى إعرابه: بنى على فتح مقدر، منع من ظهوره السكون العارض ...
وكذلك يقولون فى الضمة التى قبل واوالجماعة؛ إنها عرضية طارئة؛ لمناسبة الواوفقط، وإن الفعل بنى على فتح مقدر منع من ظهوره الضمة العارضة1 ... إلخ.
ولا داعى لهذه التقدير والإعنات.
فمن التيسير الذى لا ضرر فيه الأخذ بالرأى القائل بأنه بنى على السكون مباشرة فى الحالة الأولى، وعلى الضم فى الحالة الثانية.
و ليس من المبنى الأسماء المقصورة؛ مثل: الفتى، الهدَى، المصطفى، ولا الأسماء المنقوصة؛ مثل: الهادى، الداعى، المنادى؛ لأن ثبات آخرها على حال واحدة إنما هوظاهرى بسبب اعتلاله؛ ولكنه فى التقدير متغير؛ فهى معربة تقديرًا؛ بدليل أنها تثنى وتجمع فيتغير آخرها؛ فنقول فى الرفع: الفَتيان، والفَتَوْنَ.
وفى النصب والجر: الفَتَيين والفَتَيْنَ.
وكذلك: الهاديان، والهاديين والهادون والهادين ... وكذا الباقى.
أما بناء اسم لا - أحياناً - وبعض أنواع المنادى فهوبناء عارض لا أصيل؛ يزول بزوال سببه وهووجود: "لا" و"النداء"، فمتى زال السبب زال البناء العارض.
بخلاف المبنى الأصيل؛ فإن بناءه دائم ...