الكلام وما يتألف منه
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- عباس حسن
- الكتاب
- النحو الوافي
- المؤلف
- عباس حسن (المتوفى: 1398هـ)
- الناشر
- دار المعارف
- الطبعة
- الطبعة الخامسة عشرة
- عدد الأجزاء
- 4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
الكلمة، الكلام "أو: الجملة"، الكَلِم، القول:
ما المراد من هذه الألفاظ الاصطلاحية فى عُرف النحويين؟
الكلمة:
حروف الهجاء تسعة وعشرون حرفًا، "وهى: أ1، ب، ت، ث، ج ... " وكل واحد منها رمز مجرد؛ لا يدل إلا على نفسه، ما دام مستقلًا لا يتصل بحرف آخر.
فإذا اتصل بحرف أو أكثر، نشأ من هذا الاتصال ما يسمى: "الكلمة".
فاتصال الفاء بالميم -مثلًا- يوجِد كلمة: "فَم"، واتصال العين بالياء فالنون، يوجد كلمة: "عين"، واتصال الميم بالنون فالزاي فاللام، يحدِث كلمة: "منزل" ... وهكذا تنشأ الكلمات الثنائية، والثلاثية، والرباعية -وغيرها"2- من انضمام بعض حروف الهجاء إلى بعض"3.
وكل كلمة من هذه الكلمات التى نشأت بالطريقة السالفة تدل على معنى؛
لكنه معنى جزئي؛ "أيْ: مفرد"؛ فكلمة: "فم" حين نسمعها، لا نفهم منها أكثر من أنها اسم شيء معين.
أما حصول أمر من هذا الشيء، أو عدم حصوله ... ، أما تكوينه، أو وصفه، ببناء أو إعراب1..... أو دلالته على زمان أو مكان، أو معنى آخر -فلا نفهمه من كلمة: "فم" وحدها.
وكذلك الشأن فى كلمة: "عين"، و"منزل" وغيرهما من باقي الكلمات المفردة.
ولكن الأمر يتغير حين نقول: "الفم مفيد" -"العين نافعة"- "المنزل واسع النواحي"، فإن المعنى هنا يصير غير جزئي؛ "أي: غير مفرد"؛ لأن السامع يفهم منه فائدة وافية إلى حدّ كبير، بسبب تعدد الكلمات، وما يتبعه من تعدد المعاني الجزئية، وتماسكها، واتصال بعضها ببعض اتصالًا ينشأ عنه معنى مركب.
فلا سبيل للوصول إلى المعنى المركب إلا من طريق واحد؛ هو: اجتماع المعاني الجزئية بعضها إلى بعض، بسبب اجتماع الألفاظ المفردة التي لكل لفظ منها معنى جزئي.
ومن المعنى المركب تحدث تلك الفائدة التي: "يستطيع المتكلم أن يسكت بعدها، ويستطيع السامع أن يكتفي بها".
وهذه الفائدة -وأشباهها- وإن شئت فقل: هذا "المعنى المركب"، هو الذى يهتم به النحاة، ويسمونه بأسماء مختلفة، المراد منها واحد؛ فهو: "المعنى المركب، أو: "المعنى التام"، أو: "المعنى المفيد" أو: "المعنى الذى يحسن السكوت عليه" ...
يريدون: أن المتكلم يرى المعنى قد أدى الغرض المقصود فيَستحسن الصمت، أو: أن السامع يكتفي به؛ فلا يستزيد من الكلام.
بخلاف المعنى الجزئي، فإن المتكلم لا يقتصر عليه فى كلامه؛ لعلمه أنه لا يعطي السامع الفائدة التي ينتظرها من الكلام.
أو: لا يكتفي السامع بما فهمه من المعنى الجزئي، وإنما يطلب المزيد.
فكلاهما إذا سمع كلمة منفردة مثل: باب، أو: ريَحان، أو: سماء، أو: سواها ... لا يقنع بها.
لذلك لا يقال عن الكلمة الواحدة إنها تامة الفائدة، برغم أن لها معنى جزئيًّا لا تسمى "كلمةً" بدونه؛ لأن الفائدة التامة لا تكون بمعنى جزئى واحد.
مما تقدم نعلم أن الكلمة هى: "اللفظة الواحدة التى تتركب من بعض الحروف الهجائية، وتدل على معنى جزئي؛ أيْ: "مفرد"1.
فإن لم تدل على معنى عربي وُضِعت لأدائه فليست كلمة، وإنما هي مجرد صوت.
الكلام "أو: الجملة":
هو: "ما تركب من كلمتين أو أكثر، وله معنى مفيد مستقل".
مثل: أقبل ضيف.
فاز طالب نبيه.
لن يهمل عاقل واجبًا ... 2
فلا بد فى الكلام من أمرين معًا؛ هما: "التركيب"، و"الإفادة المستقلة" فلو قلنا: "أقبلَ" فقط، أو: "فاز" فقط، لم يكن هذا كلامًا؛ لأنه غير مركب.
ولو قلنا: أقبلَ صباحًا ... أو: فاز فى يوم الخميس ... أو: لن
يهمل واجبه ... ، لم يكن هذا كلامًا أيضًا؛ لأنه -على رغم تركيبه- غير مفيدة فائدة يكتفى بها المتكلم أو السامع ...
وليس من اللازم فى التركيب المفيد أن تكون الكلمتان ظاهرتين فى النطق؛ بل يكفى أن تكون إحداهما ظاهرة، والأخرى مستترة؛ كأن تقول للضيف: تفضلْ.
فهذا كلام مركب من كلمتين؛ إحداهما ظاهرة، وهى: تفضلْ1، والأخرى مستترة، وهى: أنت2.
ومثل: "تفضل": "أسافرُ" ... أو: "نشكر" أو: "تخرجُ" ... وكثير غيرها مما يعد فى الواقع كلامًا، وإن كان ظاهره أنه مفرد.
هذا، ويقول النحاة: إن الجملة ثلاثة أنواع: "أ" الجملة الأصلية.
وهي التي تقتصر على ركني الإسناد "أي: على المبتدأ مع خبره، أو ما يقوم مقام الخبر أو تقتصر على الفعل مع فاعله، أو ما ينوب عن الفعل" "ب" الجملة الكبرى، وهي ما تتركب من مبتدأ خبره جملة اسمية أو فعلية، نحو: الزهور رائحته طيبة، أو: الزهر طبت رائحته.
"حـ" الجملة الصغرى: وهي: الجملة الاسمية أو الفعلية إذا وقعت إحداهما خبرًا لمبتدأ.
الكَلِم:
هو: ما تركب من ثلاث كلمات فأكثر؛ سواء أكان لها معنى مفيد، أم لم يكن لها معنى مفيد.
فالكلم المفيد مثل: النيل ثروة مصر -القطن محصول أساسي فى بلادنا.
وغير المفيد مثل: إن تكثر الصناعات ...
القول:
هو كل لفظ نطق به الإنسان؛ سواء أكان لفظًا مفردًا أم مركبًا، وسواء أكان تركيبه مفيدًا أم غير مفيد.
فهو ينطبق على: "الكلمة" كما ينطبق على: "الكلام" وعلى: "الكلم".
فكل نوع من هذه الثلاثة يدخل فى نطاق: "القول" ويصح أن يسمى: "قولًا" على الصحيح، وقد سبقت الأمثلة.
كما ينطبق أيضًا على كل تركيب آخر يشتمل على كلمتين لا تتم بهما الفائدة؛ مثل:
إن مصر ... ، أو: قد حضر ... أو: هل أنت.
أو: كتاب عليّ1 ... فكل تركيب من هذه التراكيب لا يصح أن يسمى: "كلمة"؛ لأنه ليس لفظًا مفردًا، ولا يصح أن يسمى: "كلامًا"؛ لأنه ليس مفيدًا.
ولا: "كلمًا"؛ لأنه ليس مؤلفًا من ثلاث كلمات؛ وإنما يسمى: "قوْلاً".
"ملاحظة": ويقول أهل اللغة: إن "الكلمة" واحد: "الكلم".
ولكنها قد تستعمل أحيانًا2 بمعنى: "الكلام"؛ فتقول: حضرتُ حفل تكريم الأوائل؛ فسمعت "كلمة" رائعة لرئيس الحفل، و"كلمة" أخرى لأحد الحاضرين، و"كلمة" ثالثة من أحد الأوائل يشكر المحتفلِين.
ومثل: اسمعْ مني "كلمة" غالية؛ وهى:
أحْسِنْ إلى الناس تَستعبدْ قلوبهمُ ... فطالما استعبدَ الإنسانَ إحسانُ
فالمراد بالكلمة فى كل ما سبق هو: "الكلام"، وهو استعمال فصيح، يشيع على ألسنة الأدباء وغيرهم.
وللكلمة ثلاثة أقسام، اسم.
وفعل، وحرف3.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
زيادة وتفصيل:
تعود النحاة -بعد الكلام على الأنواع الأربعة السابقة- أن يوازنوا بينها موازنة أساسها: "علم المنطق" ويطيلوا فيها الجدل المرهق، مع أن الموضوع فى غنى عن الموازنة؛ لبعد صلتها "بالنحو".
وبالرغم من هذا سنلخص كلامهم ... "وقد يكون الخير فى الاستغناء عنه".
"أ" يقولون: إن موازنة الأنواع السابقة بعضها ببعض؛ لمعرفة أوسعها شمولًا، وأكثرها أفرادًا، تدل على أن: "القول" هو الأوسع والأكثر؛ لأنه ينطبق عليها جميعًا، وعلى كل فرد من أفرادها.
أما غيره فلا ينطبق إلا على أفراده الخاصة به، دون أفراد نوع آخر؛ فكل ما يصدق عليه أنه: "كلمة" أو: "كلام" أو: "كلم" -يصْدُق عليه أنه: "قول"، ويُعَدّ من أفراد: "القول"، ولا عكس.
هذا إلى أن القول يشمل نوعًا آخر غير تلك الأنواع، وينطبق وحده على أفراد ذلك النوع؛ وهو: كل تركيب اشتمل على كلمتين من غير إفادة تامة منهما؛ مثل: "إنْ حضر" ... "ليس حامد"، "ليت مصر" ... ، "سيارةُ رجل" ... فمثل هذا لا يصح أن يسمى: "كلمة، ولا "كلامًا"، ولا "كَلما" ومن هنا يقول النحاة: إن القول أعم من كل نوع من الأنواع الثلاثة عمومًا مطلقًا، وأن كل نوع أخص منه خصوصًا مطلقاً ... يريدون بالعموم: أن "القول" يشمل من الأنواع أكثر من غيره.
ويريدون "بالإطلاق": أن ذلك الشمول عام فى كل الأحوال، بغير تقييد بحالة معينة؛ فكلما وُجد نوع وجد أن "القول"؛ يشمله وينطبق على كل فرد من أفراده -دائمًا-
وأما أن كل نوع أخص -وأن ذلك الخصوص مطلق- فلأن كل نوع من الثلاثة لا يشمل عددًا من الأفراد المختلفة بقدر ما يشمله "القول" ولا ما يزيد عليه.
وأن هذا شأنه فى كل الأحوال بغير تقييد، كما يتضح مما يأتي:
كتب: كلمة، ويصح أن تسمى: "قولًا" وكذلك كل كلمة أخرى.
كتب عليّ: كلام، ويصح أن يسمى: "قولًا.
" وكذلك كل جملة
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
مفيدة مستقلة بمعناها، مكونة من كلمتين.
-أوأكثر كما سيجيء،
قد كتب صباحًا: كلم، ويصح أن يسمى: "قولا.
" وكذلك كل تركيب يشتمل على ثلاث كلمات فأكثر، من غير أن يفيد.
كتب عليّ صباحًا: كَلِم أيضًا.
ويصح أن يسمى: "كلامًا، أو: قولًا".
وكذلك كل تركيب يشتمل على ثلاث كلمات فأكثر مع الإفادة المستقلة.
كتاب علي: يسمى: "قولا" فقط ... وكذلك كل تركيب يشتمل على كلمتين فقط من غير إفادة.
فالقول منطبق على كل نوع، وصادق على كل فرد من أفراد ذلك النوع ومن غيره.
وقد يوضح هذا كلمة أخرى مثل:؛ "معدن"؛ فإن " المعدن" أنواع كثيرة؛ منها الذهب، والفضة والنحاس ... فكلمة؛ "معدن" أعم من كل كلمة من تلك الكلمات عمومًا مطلقًا، وكل نوع أخص منه خصوصًا مطلقًا؛ لأن كلمة "معدن" بالنسبة للذهب -مثلًا- تشمله، وتشمل نوعًا أوأكثر غيره -كالفضة-.
أما الذهب فمقصور على نوعه الخاص، فالمعدن عام؛ لأنه يشمل نوعين أو أكثر.
والذهب خاص؛ لأنه لا يشمل إلا نوعًا واحدًا.
و"المعدن" عام عمومًا مطلقًا؛ لأنه ينطبق دائمًا على كل فرد من أفراد نوعيه أو أنواعه وذلك فى كل حالات.
"ب" ثم تأتى الموازنة بين "الكلم" و"الكلام" فتدل على أمرين:
أحدهما: أن "الكلم" و"الكلام" يشتركان معًا فى بعض الأنواع التى يصدق على كل منها أنه: "كلم" وأنه: "كلام"؛ فيصح أن نسميه بهذا أو ذاك؛ كالعبارات التى تتكون من ثلاث كلمات مفيدة؛ فإنها نوع صالح لأن يسمى: "كلامًا" أو: "كلمًا".
وكالعبارات التى تتكون من أربع كلمات مفيدة؛ فإنها نوع صالح لأن يسمى: "كلامًا" أو: "كلمًا" وهكذا كل جملة اشتملت على أكثر من ذلك مع الإفادة المستقلة.
ثانيهما: أن كلا منهما قد يشتمل على أنواع لا يشتمل عليها الآخر،
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فيصير أعم من نظيره أنواعًا، وأوسع أفرادًا؛ مثال ذلك: أن "الكلم" وحده يصدق على كل تركيب يحوي ثلاث كلمات أو أكثر، سواء أكانت مفيدة، مثل: "أنت خير مرشد" أم غير مفيدة، مثل: "لما حضر فى يوم الخميس" فهو من هذه الناحية أعم وأشمل من الكلام؛ لأن الكلام لا ينطبق إلا على المفيد، فيكون -بسبب هذا- أقل أنواعًا وأفرادًا؛ فهو أخص.
لكن "الكلام" -من جهة أخرى- ينطبق على نوع لا ينطبق عليه "الكلم" كالنوع الذى يتركب من كلمتين مفيدتين؛ مثل: "أنت عالم" وهذا يجعل الكلام أعم. وأشمل من نظيره، ويجعل الكلم أخص.
فخلاصة الموازنة بين الاثنين: أنهما يشتركان حينًا فى نوع "أى: فى عدد من الأفراد"، ثم يختص كل واحد منهما بعد ذلك بنوع آخر ينفرد به دون نظيره؛ فيصير به أعم وأشمل. فكل منهما أعم وأشمل حينًا، وأخص وأضيق حينًا آخر. ويعبر العلماء عن هذا بقولهم: "إن بينهما العموم من وجه، والخصوص من وجه. " أو: " بينهما العموم والخصوص الوجهي".
يريدون من هذا: أنهما يجتمعان حينًا فى بعض الحالات، وينفرد كل منهما فى الوقت نفسه ببعض حالات أخرى يكون فيها أعم من نظيره، ونظيره أعم منه أيضًا؛ فكلاهما أعم وأخص معًا. وإن شئت فقل: إن بينهما العموم من وجه والخصوص من وجه "أي؛ الوجهي" فيجتمعان فى مثل قد غاب على ... وينفرد الكلام بمثل: حضر محمود ... وينفرد الكلم بمثل: إنْ جاء رجل ... فالكلم أعم من جهة المعنى؛ لأنه يشمل المفيد وغير المفيد، وأخص من جهة اللفظ؛ لعدم اشتماله على اللفظ المركب من كلمتين.
و"الكلام" أعم من جهة اللفظ؛ لأنه يشمل المركب من كلمتين فأكثر. وأخص من جهة المعنى؛ لأنه لا يطلق على غير المفيد.
"حـ" أما موازنة الكلمة بغيرها فتدل على أنها أخص الأنواع جميعًا1.
شيء آخر يعرض له النحاة بمناسبة: "كلِم".
يقولون:
إننا حين نسمع كلمة: رجال، أو: كتب، أو: أقلام، أو: غيرها
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
من جموع التكسير نفهم أمرين:
أولهما: أن هذه الكلمة تدل على جماعة لا تقل عن ثلاثة، وقد تزيد.
ثانيهما: أن لهذا الجمع مفردًا نعرفه من اللغة؛ هو: رجل، كتاب، قلم ... وكذلك حين نسمع لفظ: "كَلِم" نفهم أمرين:
أولهما: أنه يدل على جماعة من الكلمات، لا تقل عن ثلاث، وقد تزيد؛ "لأن "الكَلِم" فى الأصل يتركب من ثلاث كلمات أو أكثر؛ فهو من هذه الجهة يشبه الجمع فى الدلالة العددية؛ فكلاهما يدل على ثلاث أو أكثر".
ثانيهما: أن "للكلم" مفردًا نعرفه ونصل إليه بزيادة تاء للتأنيث فى آخره؛ فيصير بزيادتها -وموافقة اللغة- دالا على الواحد، بعد أن كان دالًا على الجمع، فتكون: "كلمة" هى مفردة: "الكلم"؛ مع أنهما متشابهان فى الحروف، وفى ضبطها، ولا يختلفان فى شيء؛ إلا فى زيادة التاء فى آخر: "الكلمة" -بموافقة اللغة-.
وهو بسبب هذا يختلف عن الجموع؛ فليس بين الجموع ما ينقلب مفردًا وينقص معناه من الجمع إلى الواحد من أجل اتصال تاء التأنيث بآخره.
ولذلك لا يسمونه جمعًا، وإنما يسمونه: "اسم جنس1 جمعيًّا"2.
ويقولون فى تعريفه:
"إنه لفظ معناه معنى الجمع، وإذا زيدت على آخره تاء التأنيث -غالبًا- صار مفردًا".
أو هو: "ما يُفْرَق بينه وبين واحده بزيادة تاء التأنيث -غالبًا- فى آخره".
ومن أمثلته: تفاح وتفاحة -عنب وعنبة- تمر وتمرة
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
-شجر وشجرة- وهذا هوالنوع الغالب، كما أشرنا.
وهناك نوع يُفرَق بينه وبين مفرده بالياء المشددة، مثل: عرب وعربيّ، جُنْد وجندي، رُوم ورومي، تُرْك وترْكيّ.
وقد يُفْرَق بينه وبين واحده بالتاء فى جمعه، لا فى مفرده؛ مثل كَمْأة، وكمْء"2.1
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولهم فى اسم الجنس الجمعيّ -من ناحية أنه جمع تكسير، أوأنه قسم مستقل بنفسه- آراء متضاربة ومجادلات عنيفة؛ لا خير فيها، وإنما الخير فى الأخذ بالرأى القائل: إنه جمع تكسير1.
وهو رأي فيه سداد، وتيسير، ولن يترتب على الأخذ به مخالفة أصل من أصول اللغة، أو خروج على قاعدة من قواعدها، وأحكامها السليمة.
هذا من جهة الجمع أوعدمه.
بقي الكلام فى المراد من: "اسم الجنس" والمعنى الدقيق له.
وفيما يلي إشارة موجزة إليهما2:
إن كلمة مثل كلمة: "حديد" تدل على معنى خاص؛ هو: تلك المادة المعروفة، وذلك العنصر المفهوم لنا.
فمن أين جاء لنا فهمه؟ وكيف وصل العقل إلى انتزاع المعنى وإقراره فى باطنه؟
رأينا قطعة من الحديد أول مرة، ثم قطعة أخرى بعد ذلك، ثم ثالثة، فرابعة، فخامسة، ... ولم نكن نعرف الحديد، ولا اسمه، ثم استعملنا تلك القطَع فى شئوننا، وعرفنا بالاستعمال المتكرر بعض خواصها الأساسية؛ وإذا رأينا بعد ذلك قطعًا من صنفها فإننا نعرفها، ولا تكون غريبة على عقولنا، ونشعر بحاجة إلى اسم نسمي به هذا الصنف ...
فإذا رأينا بعد ذلك قطعة من جنس آخر "أي: من صنف آخر" كالذهب، ولم نكن استعملناه فى شئوننا -وعرفنا بالاستعمال بعض خواصها الذاتية؛ فلا شك أننا سنحتاج إلى اسم يميز هذا الجنس من سابقه، بحيث إذا سمعنا الاسم ندرك منه المراد، ونتصور معناه تصورًا عقليًّا من غير حاجة إلى رؤية تلك القطَع والنماذج؛ فوضَعْنا للجنس الأول اسمًا هو: "الحديد"، ووضعنا للجنس الثانى اسما يخالفه هو: "الذهب".
فالحديد اسم لذلك الجنس "الصنف المعروف"، وكذلك "الذهب"، وغيرهما من أسماء الأجناس ... وصرنا بعد ذلك حين نسمع كلمة: "الذهب" أو"الحديد" ندرك المراد منها إدراكًا عقليًّا بحتًا، فيقفز إلى ذهننا مباشرة مدلولها الخاص، من غير ربط -فى الغالب3- بينها وبين شىء آخر من عنصرها، ومادتها، أومن غيرهما.
وهذا الفهم العقلي المحض هوما يعبر
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عنه: بأنه "إدراك الماهية المجردة" أي: "إدراك حقيقة الشيء الذهنية، وصورته المرسومة فى العقل وحده". يريدون بذلك: المعنى الذى يفهم من الكلمة فهمًا عقليًّا مجردًا -فى الغالب- أى: بعيدًا عن عالم الحسّ، وعن تخيل النماذج والصور المختلفة المصنوعة منه، أو غير المصنوعة، والتى تساعد فى إيضاح المراد منه"1.
ومثل كلمة: الـ"حديد" غيرها من أسماء الأجناس -كما أسلفنا- ومنها: فضة، رجل، خشب.
طائر ...
ثم إن هذا الجنس "أو: الماهية المجردة، والحقيقة الذهنية البحتة" ثلاثة أنواع، لكل منها اسم:
الأول: اسم الجنس الجمعي2، وقد سبق3.
الثانى: اسم الجنس الإفرادي؛ وهو الذى يصدق على القليل والكثير من الماهية "أي: من الحقيقة الذهنية" من غير اعتبار للقلة أوالكثرة.
"مثل: هواء، ضوء، دم، ماء" فكل واحد من هذه وأشباهها يسمى بهذا الاسم؛ سواء أكان قليلًا أم كثيرًا.
والثالث: اسم الجنس الآحادي؛ وهو: الذى يدل على الماهية "أي الحقيقة الذهنية" ممثلة فى فرد غير معين من أفرادها، ولا يمكن تصورها فى العقل إلا
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بتخيل ذلك الفرد غير المعهود، واستحضار صورة له فى الذهن؛ مثل: أسامة للأسَدَ1.
ملاحظة: يُردد النحاة وغيرهم من المشتغلين بالعلوم والفنون المختلفة كلمة: "القاعدة" ويذكرونها فى المناسبات المختلفة، فما تعريفها؟
قالوا: "القاعدة -وجمعها: قواعد- هي فى اللغة: الأساس.
وفي الاصطلاح: حُكم كُلّيّ ينطبق على جميع أجزائه وأفراده؛ لتعرف أحكامها منه".
وعلى الرغم من شيوع هذا التعريف فى مراجعهم ومطولاتهم -عارضَ بعض النحاة فى كلمة: "حكم" مفضلاً عليها كلمة "قضية" كليّة بحجة أن القاعدة فى مثل قولنا: "كل فاعل مرفوع" تشمل "المحكوم به"، و"المحكوم عليه"، و"الحكم"، فلا بدّ أن تشمل أمورًا ثلاثة، ولا تقتصر على "الحكم".
وقد دفع الاعتراض: بأن الاقتصار على "الحكم" فى ذلك التعريف الشائع، مقبول؛ لأنه نوع من المجاز، إذ فيه إطلاق الجزء -وهوالحُكم- على القضية الكليّة التى هى اسم يجمع المحكوم به، والمحكوم عليه، والحكم2.