المسألة الحادي والأربعون: مواضع اقترن الخبر بالفاء
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- عباس حسن
- الكتاب
- النحو الوافي
- المؤلف
- عباس حسن (المتوفى: 1398هـ)
- الناشر
- دار المعارف
- الطبعة
- الطبعة الخامسة عشرة
- عدد الأجزاء
- 4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
الخبر مرتبط بالمبتدأ ارتباطاً معنويًّا قويًّا1.
ويزيده قوة بعض الروابط اللفظية؛ كالضمير العائد عليه من الخبر، وكغيره مما عرفناه، ولهذا كان الغالب عليه أن يخلومن الفاء التى تستخدَم للربط2 فى بعض الأساليب الأخرى.
فمن أمثلة الخبر الحالية من الفاء: العلمُ وسيلةُ الغنى - النظافةُ وقايةٌ من المرض - التجارةُ بابٌ للثروة.
ومن الألفاظ التى ليست خبراً ولكنها تحتاج - أحيانا - إلى الفاء الرابطة بينها وبين ما سبقها: جواب اسم الشرط3 المبهم4 الدال على العموم؛ "لكونه لا يختص بفرد معين؛ وإنما هوشائع"؛ مثل: منْ يعمل خيراً فجزاؤُه خيرٌ.
فكلمة "مَنْ" اسم شرط، يدل على العموم، وبعده فعل الشرط مستقبل الزمن؛ وهو5: "يعمل"، ثم يليه جملة اسمية هى جواب الشرط، أى: نتيجته المترتبة عليه، التى يتوقف حصولها فى المستقبل أوعدم حصولها على وقوعه أوعدم وقوعه، وهى: "جزاؤه خير".
وقد اقترنت هذه الجملة الاسمية بالفاء؛ فربطت بينها وبين جملة الشرط.
ودل هذا الارتباط على اتصال
بين الجملتين، وأن الثانية منهما نتيجة للأولى.
ولولا الفاء الرابطة لكان الكلام جُمَلا مفككة، لا يظهر بينها اتصال.
ومثل هذا كل أسماء الشرط الأخرى الدالة على الإبهام والعموم، والتى لها جملة شرطية، تليها جملة جواب مقرون بالفاء ...
والخبر - مفرداً أوغير مفرد - قد يقترن بالفاء وجوباً فى صورة واحدة، وجوازاً فى غيرها1، إذا كان شبيها بهذا الجواب الشرطى، بأن يكون نتيجة لكلام قبله، مستقبل الزمن، وفى صدر هذا الكلام مبتدأ يشتمل غالبا2 على العموم والإبهام؛ نحو: الذى يصادقنى فمحترم: "فالذى" اسم موصول مبتدأ2، وهويدل على الإبهام والعموم، وبعده "يصادقنى" كلام مستقبل المعنى2، له نتيجة مترتبة على حصوله وتحققه، هى الخبر: "محترم" وقد دخلت الفاء على هذا الخبر؛ لشبهه بجواب الشرط فى الأمور الثلاثة السالفة التى هى: "وجود مبتدأ دال على الإبهام والعموم، كما يدل اسم الشرط المبتدأ على الإبهام والعموم" و"وجود كلام بعد المبتدأ مستقبل المعنى؛ كوجود جملة الشرط بعد أداة الشرط" و"ترتّب الخبر على الكلام السابق عليه؛ كترتب جواب الشرط على جملة الشرط - وهذا مهم".
ومن الأمثلة: رجلٌ يكرمنى فمحبوب - من يزورنى فمسرور ...
الأدباء للوالي: من1 أرادك بسوء فجعله الله حصيد سيفك، وطريد خوفك، وكل عدو فتحت قدمك ...
وهكذا كل خبر تحققت فيه الأمور الثلاثة؛ سواء أكان خبراً مفرداً، أم جملة، أم شبه جملة.
فالقاعدة العامة فى اقتران الخبر بالفاء هى: مشابهته لجواب الشرط فى فى تلك الأمور الثلاثة، مع خلوالكلام من أداة شرط بعد المبتدأ، لكيلا يلتبس الخبر بجواب الشرط.
وقد تتبع النحاة مواضع المشابهة فوجدوها تتركز فى موضعين لا تكاد تخرج عنهما، مع خلوكل موضع من أداة شرط بعد المبتدأ.
الأول: كل اسم موصول عامّ وقعت صلته جملة فعلية مستقبلة المعنى في الأغلب2 -، أووقعت ظرفاً، أوجارًّا مع مجروره بشرط أن يكون شبه الجلمة بنوعيه متعلقاً بفعل مستقبل الزمن في الأغلب2.
الثانى؛ كل نكرة عامة، وصفت بجملة فعلية، مستقبلة المعنى، أوبظرف، أوبجار مع مجروره على الوجه السالف الذى يقضى بتعليق شبه الجملة بمضارع مستقبل الزمن في الأكثر -.
وإذا اقترن الخبر بالفاء وجب تأخيره عن المبتدأ؛ كالأمثلة التى أوضحناها، فإن تقدم وجب حذف الفاء2.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
زيادة وتفصيل:
لم يكتف النحاة بالتركيز الذى أشرنا إليه وإنما عرضوا للتفصيل، وعدّ المواضع المختلفة التى تقع فيها المشابهة - بشرط استيفاء كل منها الشروط الثلاثة السالفة، مبالغة منهم فى الإبانة والإيضاح.
وإليك بيانها بعد التنبيه إلى أمرين:
أولهما: أن الأغلب في كل الجمل الفعلية الواقعة صلة أو صفة في الصور الآتية أن يكون زمنها مستقبلا محضا.
ويجوز أن يكون ماضيا - مع قلته، كما أسلفنا1 - فليس من الواجب المحتوم استقبال الزمن في تلك الجمل الفعلية.
والأغلب كذلك في شبه الجملة بنوعيه "الظرف والجار مع مجروره" الواقع صلة أو صفة في الصورة التالية أن يتعلق بفعل مستقبل الزمن.
ونستغني بهذا التنبيه عن ذكر كلمة "الأغلب" في كل صورة من الصور التالية.
منعا للتكرار.
ثانيها: أن كثيراً منها مع صحته لا تستسيغه أساليبنا الحديثة العالية.
فخير لنا ألا نستعمله قدر الاستطاعة، وأن نعرف هذه المواضع لنفهم ما قد يكون منها في كلام السابقين، دون القياس عليها، بالرغم من إباحة هذا القياس.
1- خبر المبتدأ الواقع بعد "أمَّا" الشرطية.
نحو: أما الوالد فرحيم.
وهذا الموضع يجب فيه اقتران الخبر بالفاء دون باقى المواضع1؛ فيجوز فيها الاقتران وعدمه، والاقتران أكثر.
2- أن يكون المبتدأ اسم موصول صلته جملة فعلية زمنها مستقبل1، تصلح أن تكون جملة للشرط2: نحو: الذى يستريض فنشيط.
"1 و1" انظر رقم 2 و3 من هامش ص 536.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
3- أن يكون المبتدأ اسم موصول صلته ظرف؛ نحو: الذى عندك فأديب.
ولا بد أن يكون شبه الجلمة فى هذه الصورة وفما يليها متعلقاً بمضارع مستقبل الزمن كما سلف.
4- أن يكون المبتدأ اسم موصول صلته جار مع مجروره، نحوالذى فى الجامعة فرجل.
5- أن يكون المبتدأ نكرة عامة بعدها جملة فعلية زمنها مستقبل، صفة لها؛ نحو: رجل يقول الحق فشجاع.
6- أن يكون المبتدأ نكرة عامة، بعدها ظرف، متعلق بفعل مستقبل - والظرف 1 صفة لها، نحو: طالب مع الأستاذ فمستفيد.
7- أن يكون المبتدأ نكرة عامة، بعدها جار ومجرور، صفة لها؛ نحو: طالبٌ فى المعمل فمنتفع.
8- أن يكون المبتدأ مضافاً إلى موصول صلته جملة فعلية مستقبلة الزمن، تصلح أن تكون جملة للشرط؛ نحو: كتاب الذى يتعلم فمصون.
9- أن يكون المبتدأ مضافاً إلى موصول صلته ظرف؛ نحوقلم الذى أمامك فجيد.
10- أن يكون المبتدأ مضافاً إلى موصول صلته جار مع مجروره؛ نحو: مرشدة التى فى البيت فخبيرة.
11- أن يكون المبتدأ لفظ "كل" "أوما بمعناها؛ مثل جميع" مضافاً إلى نكرة موصوفة بجملة فعلية بعدها ... 1، نحو: كل رجل يهمل فصغير.....
12- أن يكون المبتدأ لفظ "كل" "أوما بمعناها"، مضافاً إلى نكرة موصوفة بظرف، نحو: كل وطنى أمام الوطن فمخلص.
وقول الشاعر:
كُلُّ سَعْى سوى2 الذى يورث الفو ... زَ فعقباه حسْرةٌ وخَسَارُ "1و 1" بشرط أن تكون الجملة الفعلية المستقبلة للزمن، صالحة لأن تقع شرطية.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
13- أن يكون المبتدأ لفظ "كل" "أوما بمعناها" مضافاً إلى نكرة موصوفة بجار ومجرور؛ نحو: كل فتاة فى العمل فنافعة.
14- أن يكون المبتدأ موصوفاً باسم موصول صلته جملة فعلية مستقبلة الزمن تصلح للشرط، نحو: الزميل الذى يعاونك فرياضى.
15- أن يكون المبتدأ موصوفاً باسم موصول صلته ظرف: نحو: الزائرة التى معك فمثاليّة.
16- أن يكون المبتدأ موصوفاً باسم موصول صلته جار مع مجروره؛ نحو: الرائد الذى فى الرحلة فأمين.
17- أن يكون المبتدأ مضافاً إلى اسم موصوف صلته جملة فعلية؛ نحو: خادم الرجل الذى يزرع فنافع.
18- أن يكون المبتدأ مضافاً إلى اسم موصوف بموصول صلته ظرف؛ نحو: كاتب الرسالة التى معك فقدير.
19- أن يكون المبتدأ مضافاً إلى اسم موصوف بموصول صلته جار مع مجروره؛ نحو: مؤلف الكتب التى فى الحقيبة فعظيم.
وفى جميع الأمثلة السابقة يجوز أن يكون الخبر مفرداً، أوجملة، أوشبه جملة.
ولا بد من خلوالجملة بعد المبتدأ من أداة شرط - ومن غيره مما سبق في رقم 3 من هامش ص 538.
تلك هى أشهر الصور التى يقترن فيها الخبر بالفاء - وجوباً فى واحدة، وجوازاً فى الباقى - لغرض هام، هو: النص على مراد المتكلم من ترتب الخبر على الكلام الذى قبله، وإبانة أن الخبر نتيجة مترتبة على ما سبقه....2.
ولوفقد شرط من الثلاثة التى بيناها لامتنع دخول الفاء على الخبر؛ فمثال فقد العموم: سعيك الذى تبذله فى الخير محمود.
ومثال فَقْد الاستقبال: الذى زارنى أمس مشكور.
ومثال الجملة الفعلية3 المستقلة الواقعة صلة أوصفة وهى غير صالحة لأن تقع شرطية لاشتمالها على ما، أو: لن، أو: قد، أو ...1
أو: إلخ.
الذى لن يزورنى مسئ ... ومثل هذا يقال فى الصفة أوالصلة التى لم تستوف الشروط.
وقد تدخل الفاء جوازاً - ولكن بقلة - فى الخبر الذى مبتدؤه كلمة "كل" إما مضافة لغير موصوف أصلا؛ نحو: كل نعمة فمن الله، وقول الشاعر1:
وكلُّ الحادثات وإن تناهتْ ... فمقرون بها الفرج القريبُ
وإمّ مضافة لموصوف لكن غير ما سبق2 نحو: كل أمر مفرح أومؤلم فنتيجة لعلم صاحبه.
وإذا كان المبتدأ "أل" الموصولة وصلتها3 صفة صريحة مستقبلة الزمن - جاز الإتيان بالفاء فى الخبر نحو: الصانع والصانعة فنافعان.
المخترع والمخترعة فمفيدان.
ومنه قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ ... وفريق من النحاة منع دخول الفاء فيما سبق، وأوّلَ الآية.
وهذا رأى لا يصح الأخذ به مع وجود آية كريمة تعارضه، كما لا يصح تأويل الآية لتوافقه.
فالصحيح دخولها على الخبر ولوكان أمراً أونهيًّا.
بقى أن نعرف أن المبتدأ الذى يشبه اسم الشرط فيما سبق إذا دخل عليه ناسخ - غير إنّ، وأنّ، ولكنّ - فإن الناسخ يمنع دخول الفاء على خبره.
أما إنّ، وأنّ، ولكنّ، فلا تمنع؛ فيجوز معها دخول الفاء: مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ وقول الشاعر:
فوالله ما فارقتكم قالياً5 لكم ... ولكنّ ما يُقْضَى فَسَوْف يكونُ4
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وإذا عطفت على المبتدأ الذى خبره من الأنواع السابقة المقرونة بالفاء، أوعلى ما يتصل به من صلة، أوصفة، ونحوها - وجب تأخير المعطوف عن الخبر؛ إذ لا يجوز الفصل بينه وبين مبتدئه بالمعطوف، ففى مثل: الذى عندك فمؤدب، لا يصح أن يقال: الذى عندك والخادم فمؤدب، أوفمؤدبان، وهكذا ...