النحو الوافيالمسألة 150

المسألة 150

عن هذه الطبعة
عَلَم
عباس حسن
الكتاب
النحو الوافي
المؤلف
عباس حسن (المتوفى: 1398هـ)
الناشر
دار المعارف
الطبعة
الطبعة الخامسة عشرة
عدد الأجزاء
4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

: حكم المضارع إذا لم توجد قبله "فاء السببية": عرفنا1 أن "فاء السببية" تخالف "واو المعية" في أمور؛ منها: أن فاء السببية قد تسقط من الكلام جوازا؛ فلا يصح نصب المضارع بعدها، وإنما يصح جزمه إن استقام المعنى المراد على الجزم.
ومعنى سقوطها: غيابها واختفاؤها عن موضعها، وخلو مكانها منها؛ سواء أوجدت أولا الحضارة باللباب الحميد فتسعد، وتجنب الزائف البراق فتسلم" يصلح أن يقال: "خذ من الحضارة باللباب الحميد تسعد، وتجنب الزائف البراق تسلم".
بجزم المضارعين: "تسعد، وتسلم"، بعد سقوط فاء السببية، وقد كانا منصوبين عند وجودها.
ويشترط لجزم المضارع بعد سقوطها -على الوجه السالف- ثلاثة شروط مجتمعة: أولها: أن تكون مسبوقة بنوع من أنواع الطلب المحض أو ملحقاته -لا بنوع من النفي وملحقاته- وقد عرفنا أنواع الطلب الثمانية2 "وهي: الأمر، النهي، الدعاء، التمني3 الترجي، العرض، التحضيض الاستفهام".
ثانيها: أن تكون الجملة المضارعية بعدها جوابا4 وجزاء للطلب الذي قبلها "أي: مسببة عنه: كتسبب جزاء الشرط على فعل الشرط".
ثالثها: أن يستقيم المعنى بحذف "لا" الناهية ووقع "إن" الشرطية وبعدها

"لا" النافية محل "لا" الناهية1 التي حذفت، وحل محلها الحرفان قبل المضارع المنصاب.
وهذا الحذف والإحلال لازمان حين تكون أداة الطلب "لا" الناهية".
فإن كانت الأداة الطلبية نوعا آخر كفعل الأمر، أو الدعاء، أو غيرهما من الأدوات الاسمية والفعلية والحرفية وجب أن يستقيم المعنى بالاستغناء عن أداة الطلب وإحلال "إن" الشرطية هذه محلها، فتدخل وحدها على المضارع الذي دخلت عليه الأداة السابقة، إن وجد مضارع مذكور.
وإن لم يوجد أتينا بعدها، أو بدلا منها2 -على حسب نوع الأداة- بمضارع مناسب نتصيده في مكانه، ويوافق المراد.
وليس الغرض من مجيء "إن" "بالصورة السالفة قبل "لا" الناهية أو قبل غيرها من باقي أنواع الطلب" بقاءها واستمرارها، وإحداث أسلوب جديد يبقى ويستمر مع إهمال الأول، وإنما المراد استخدامها بصورة مؤقتة أو تخيلية؛ لترشدنا إلى صحة الجزم أو عدم صحته، تبعا لسلامة المعنى أو فساده؛ فليست إلا مجرد أداة للاختيار المؤدي لغرض خاص.
من غير أن يكون لها أثر نحوي أو معنوي آخر.
فإذا ما تحقق الغرض زالت.
وبقي الأسلوب الأول "الذي كان قبل مجيئها" على حالته اللفظية والمعنوية، ولا اعتبار لغيره.
فمتى اجتمعت الشروط الثلاثة جاز الجزم، فمثال الجزم بعد الأمر قولهم: "أفضل على من شئت تكن أميره، واستغن عمن شئت تكن نظيره.
واحتج إلى من شئت تكن أسيره".
وقولهم: "ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء".
والتأويل: إن تفضل على من شئت تكن أميره، وإن تستغن تكن ... ، وإن تحتج تكن ... ، إن ترحموا من في الأرض يرحمكم3 ...

ومثال الجزم بعد النهي: لا تكن عبد هواك، تأمن سوء العواقب، ولا تهمل مشورة الناصح الخبير، تدرك حميد الغايات.
والتأويل: إلا تكن عبد هواك تأمن سوء العواقب، وإلا تهمل مشورة الناصح تدرك.... وبعد الدعاء: رباه.
وفقني، أهتد لما يرضيك، ولا تدعني بغير تأييدك أجد خير ناصر ومعين.
والتأويل: إن توفقني أهتد ... وإلا تدعني ... وبعد الاستفهام: أتجاهل الناس بالحق تكسب رضاهم؟ وهلا تينهم في غير ضعف تأمن أذاهم؟ والتأويل: إن تجامل ... تكسب ... إن تلاين تأمن ... وبعد التمني: ليت إخوان الصفاء كثير يقو بهم جانبي، وليت صفاءهم دائم أعش به سعيدا.
والتأويل: إن تتحقق أمنيتي بكثرة إخوان الصفاء يقو بهم جانبي ... و ... وبعد الترجي: لعلك تساعد المحتاج تؤجر، ولعلك تحاذر المن عليه يضاعف أجرك.
والتأويل: إن تساعد المحتاج تؤجر ... و ... وبعد الحض: هلا تستبق إلى الخير تذكر به، وهلا تدعو إليه تشتهر بالفضل.
والتأويل: إن تستبق إلى الخير تذكر به ... و ... وبعد العرض: ألا تعرف الفضل لأهله تكن منهم، ألا تنكر جحود المغرورين تخرج من زمرتهم، والتأويل: إن تعرف الفضل لأهله تكن منهم و ... و.... فإن فقط شرط، أو أكثر، لم يصح الجزم، ووجب رفع المضارع وإعرابه على حسب ما يقتضيه السياق ويستلزمه المعنى.
أ- فعند فقد الشرط الأول -بسبب وجود نفي، لا طلب، أو ملحقاته-

لا يصح جزم المضارع وإنما يجب رفعه؛ ففي مثل: ما يحسن العيي الكلام يملك به أفئدة السامعين ... ، لا يصح جزم المضارع: "يملك" في جواب النفي عند غياب فاء السببية1 إلى عند الكوفيين الذين يجيزون جزمه على اعتباره جوابا للنفي.
أما غيرهم فلا يبيحه، ويوجب رفع المضارع: "يملك" على اعتباره في هذا المثال بدل مضارع من المضارع الذي قبلهن أو على اعتباره شيئا آخر في أمثلة تخالف السالف، وتقتضي معانيها إعرابها على غير البدلية.. كرفعه على اعتبار الجملة المضارعية مستأنفة2، أو صفة، أو حالا ... ، أو غير هذا مما تصلح له في موضعها ويقتضيه المعنى ... ب- وعند فقد الشرط الثاني -"بسبب أن المضارع بعد الفاء المختفة ليس مرادا منه أن يكون جوابا للطلب ولا جزاء، وأن المعنى على غيرهما"- لا يصح جزمه، وإنما يجب رفعه؛ مراعاة لاعتبار معنوي3 أو أكثر مما يقتضي رفعه.
ومن

تلك الاعتبارات المعنوية.
1- رفعه على اعتبار الجملة المضارعية استئنافية؛ نحو أتقيم عندنا اليوم؟ يسافر غدا زملاؤك.
ونحو: قم للصلاة؛ يغفر الله لنا ولك.
2- رفعه على اعتبار الجملة المضارعية صفة لنكرة لمحضة1؛ نحو: استمع إلى خطيب يملك ناصية القول.
3- رفعه على اعتبار الجملة المضاريعة حالا من معرفة محضة، نحو: تمتع بعذاب من يحسدونك؛ ينظرون نعم الله عليك، محترقين بنار الحسد.
4- رفعه على اعتبار الجملة المضارعية صالحة للحال والوصف؛ لوقوعها موقعا يؤهلها لكل منهما، وعدم وجود قرينة تعينها لأحدهما - كوقوعها بعد نكرة موصوفة أو غيرها مما ليس محضا من المعارف والنكرات -نحو: كرم عالما نابغا يعتزم الرحيل.
5- رفعه على اعتبار الجملة المضارعية صالحة "للحال"، والوصف، والاستئناف" مع عدم وجود قرينة تعينها لواحد دون الآخر؛ كقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ ، فيصح في الجملة المضارعية: "تطهرهم" الأمور الثلاثة2 ... وهكذا3 ...

ح- وعند فقد الشرط الثالث1 لا يصح الجزم؛ ففي مثل: لا تقترب من النار تحترق، لا يصح جزم المضارع: "تحترق"؛ لعدم استقامة المعنى عند إحلال "إن" الشرطية وبعدها "لا" النافية محل "لا" الناهية؛ إذ يفسد المعنى حين نقول: "إلا2 تقترب من النار تحترق.
بخلاف: لا تقترب من النار تسلم، فيصح جزم المضارع؛ لصحة قولنا: إلا2 تقترب من النار تسلم ... ومن الأمثلة: لا تهمل الرياضة تضعف؛ فلا يصح جزم المضارع -تضعف- للسبب السالف؛ بخلاف: لا تهمل الرياضة تأمن الضعف.
ومن أمثلة الطلب بغير "لا" الناهية: أحسن معاملتي أحسن معاملتك، فيصح جزم المضارع: "أحسن"؛ لصحة قولنا: إن تحسن معاملتي أحسن معاملتك؛ بوضع "إن" الشرطية وبعدها مضارع مناسب موضع فعل الأمر "أحسن".
بخلاف: أحسن إلي لا أحسن إليك؛ فيجب رفعه؛ إذ لا يصح قولنا: إن تحسن إلي لا أحسن إليك؛ لفساد المعنى3 ... ومن الأمثلة الطلب بغير "لا" الناهية أيضا: أين بيتك أزرك؟ يجزم المضارع؛ = ويتعين رفعه واعتبار جملته مستأنفة في مثل: "ليتك تزورني.
ينزل المطر" "أتساعد المحتاج؟ يحب الناس الغني" "لا تهمل شراء الكتب النافعة.
نسافر غدا لزيارة بعض الأقارب" "اجتنب الصياح ورفع الصوت خلال الكلام.
يقبل المثقف على كتب الأدب الرفع".
ويصلح لأكثر من حالة في مثل قوله تعالى: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً، يَرِثُنِي﴾ وقوله تعالى لموسى: ﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا﴾ وقوله تعالى له: ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لا تَخَافُ دَرَكًا وَلا تَخْشَى﴾ . وكذلك قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ فيصبح في المضارع: "تطهر" أن يكون مجزوما في جواب الأمر، أو مرفوعا إما على اعتبار جملته مستأنفة، أو صفة للنكرة المحضة التي قبلها أو حالا من فاعل فعل الأمر: "خذ" وكذلك لك أسلوب على شاكلته.

لصحة مجيء "إن" الشرطية وبعدها مضارع متصيد.
والتقدير: إن تعرفني بيتك أزرك.
بخلاف: أين بيتك أقف في السوق؛ إذ لا يصح: إن تعرفني بيتك أقف في السوق، لعدم استقامة المعنى؛ بسبب عدم ارتباط أجزائه، وفقد المناسبة بينهما ... وهكذا بقية أنواع الطلب الأخرى ومنها: الأمر والترجي بالتفصيل الآتي1 فيجري على بقية الأنواع -في الأغلب-2 ما جرى على نظائرها. وبعض الكوفيين -وفي مقدمتهم زعيمهم الكسائي- لا يشترط إحلال "إن" مع "لا" النافية محل "لا" الناهية، ولا إحلال "إن" قبل بقية أدوات الطلب، ولا ما يترتب على هذا الإحلال، من استقامة المعنى أو عدم استقامته. قائلا: إن إدراك المراد من الجملة الأصلية، والتفريق بين الغرض المقصود منها وغير المقصود مرجعه القرائن وحدها، فعليها دون غيرها المعول. ففي مثل قولك للمشترك: "أسلم تدخل النار" يجيز جزم المضارع "تدخل" على معنى: إن لم تسلم تدخل النار؛ فهو يقدر وجود النفي، بشرط وجود قرينة توجه الذهن إليه. في حين يستبعد النفي ويهمله إن كان الطلب نهيا، ويجعل الجملة المضارعية جوابا وجزاء للنهي مباشرة، معتمدا في فهم المراد وتعيينه على القرائن؛ مثل: لا تقترب من النار تحترق ... يجزم المضارع: "تحترق" واعتبار الجملة المضارعية هي الجواب والجزاء بغير تأويل ولا تقدير3.
وقد مال بعض النحاة القدامي إلى هذا

الرأي، وإلى الأخذ به في أنواع الطلب المختلفة "نهيا وغير نهي" ولعل الدافع لهذا الميل هو التيسير، وأن الناس يستعملونه فلا يخفى المراد منه مع قيام القرينة الحامسة، ولكن الرأي الأول هو الأحسن، والأجدر بالاقتصار عليه؛ لأنه أكثر ورودا في فصيح الكلا وأوضح معنى، وأبعد من اللبس والخفاء1 ... = مجزومة في جواب الطلب مباشرة، ولكن على اعتبار أن المعنى هو: لا تمنن؛ فيترتب على عدم المن أنك تطلب من الله كثرة النعم وزيادة الثواب؛ فالاستكثار بهذا المعنى ليس معيبا ولا منهيا عنه.
أو أن الفعل "تستكثر" مجزوم لأنه بدل من الفعل: تمنن.
فالمعنى لا تمنن ... أي: لا تستكثر ما أنعمت به ... وكذلك يقولون في المضارع.. "يؤذ"، إنه بدل من المضارع: يقرب، أي: لا يؤذنا، أما المثال الأخير: "يصب" فيحكون عليه بالشذوذ؛ إذ لا يجدون له تأويل سائغا.
وفيما يلي بعض أمثلة للنهي يستقيم فيها المعنى على تخيل "إن" وإحلالها مع "لا" النافية بالطريقة التي سلفت محل "لا" الناهية، وجزم المضارع في الجواب ... وأمثلة أخرى لا يستقيم فيها المعنى على تخيلهما.
أ- فمن الأولى: لا تهمل يشتهر أمرك بالإجادة، إلا تهمل يشتهر أمرك ... لا تفش أسرار الناس تكتسب ودهم، إلا تفش ... تكتسب ... لا تسرق تحترم، إلا تسرق تحترم.
لا ترفع صوتك تحسن، إلا ترفع صوتك تحسن.
لا تصافح المريض تسلم، إلا تصافح المريض تسلم.
ب- ومن الثانية: لا تهمل يخمل شأنك، إلا تهمل يخمل شأنك.
لا تفش أسرار أناس تفقد ودهم، إلا تفش أسرار الناس تفقد ودهم.
لا تسرق تعاقب، إلا تسرق تعاقب.
لا ترفع صوتك يزعج السامعين، إلا ترفع صوتك يزعج السامعين.
لا تصافح المريض تنتقل إليك عدواه، إلا تصافح المريض تنتقل إليك عدواه.

جواب الأمر والترجي: كل ما تقدم يسري على المضارع الخالي من الفاء، الواقع في جواب نوع من الطلب؛ كالأمرن أو الترجي، أو غيرهما ... ونخص هذين بشيء من البيان.
أ- من أنواع الطلب المحض: الأمر -كما عرفنا-1 والمضارع في جوابه إذا كان مقرونا بفاء السببية، يجب نصبه بأن مضمرة وجوبا.
وكثرة النحاة تشترط لنصبه هذا أن يكون بالصيغة الصريحة الدالة على فعل الأمر مباشرة؛ نحو: "ارحم من هو أضعف منك؛ فيرحمك من هو أقوى منك"، أو بالصيغة التي تشبهها؛ وهي لام الأمر الجازمة للمضارع؛ نحو: "لترحم من هو أضعف منكم فيرحمك من هو أقوى ... ". فإن لم تكن الدلالة على الأمر بإحدى هاتين الصيغتين فالفاء بعدها ليست للسببية؛ كالدلالة باسم فعل الأمر في مثل: صه عن اللغو؛ فيرتفع قدرك، ومثلك مكانك فتحمدين أو تستريحين.
أو بالمصدر الواقع بدلا من التلفظ بفعله في مثل: سعيا في الخير، فتجتمع القلوب حولك.
أو بصيغة الدعاء بالاسم في مثل: سقيا لوطن الأحرار فيسعدون به.
أو بصيغة الجملة الخبرية بقصد الدعاء -أو غيره-2 نحو: يعينني الله فأحتمل أعباء الجهاد.
فالفاء في كل هذه المواضع ليست للسببية يف رأي الكثرة.
وقد سبق3 أن الأفضل التيسير بقبول الرأي الذي يجعلها سببية.
واتفق رأي الكثرة والقلة على صحة جزم المضارع الواقع بعد هذه الفاء إذا سقطت، وخلا الكلام منها؛ فيصير المضارع بعد غيابها واقعا في جواب الأمر فيجزم؛ سواء أكانت الدلالة على الأمر بالصيغتين الأصليتين أم بغيرهما من باقي الصيغ التي عرضناها؛ بشرط استقامة المعنى عند إحلال "إن" الشرطية،

والمضارع المناسب محل الأمر1؛ فتقول: ارحم من هو أضعف منك يرحمك من هو أقوى2، لترحم من أهو أضعف منكم يرحمك من هو أقوى.
كما تقول: صه عن اللغو يرتفع قدرك، ومكانك تحمدي أو تستريحي، سعيا في الخير تجتمع حولك القلوب، سقيا لوطن الأحرار يسعدوا به، يعينني الله أحتمل أعباء الجهاد ... ، ومثل الجملة الخبرية المقصود منها الأمر، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ، تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ﴾ 3، بجزم المضارعين "يغفر" و "يدخل" في جواب الأمر: إذ الأصل: آمنوا بالله ورسوله، وجاهدوا في سبيل الله ... يغفر لكم ... ويدخلكم ... ، ومثل الآية الكريمة3 كثير من فصيح الأساليب التي يحاكيها الناس حتى يومنا هذا -وقد أشرنا لبعضها في مناسبة سابقة-3 كقول الزارع ينصح زميله: "تزع حقلك وتعتني به تحصد كثيرا".
"وتهمل أمر زرعه، وتنصرف عنه تحزم يوم الحصاد".
التقدير: ازرع حقلك واعتن به تحصد كثيرا.
وأهمل أمره، وانصرف عنه تحزم.
ومن الأمثلة المأثورة: اتقي الله امرؤ فعل خيرا يشب عليه ... التقدير: ليتق الله امرؤ، وليفعل خيرا ... يشب عليه4..

ب- ومن أنواع الطلب -في الرأي الراجح- الترجي.
وقد سبق تعريفه والكلام عليه1؛ فإذا وقع في جوابه المضارع مقرونا بفاء السببية وجب نصبه بأن مضمرة وجوبا؛ ومن الأمثلة: "لعلك مزود بالجد والصبر فتبلغ اسمى الغايات، ولعلك تحفظ حق النعمة فيديمها الله عليك".
فإذا سقطت هذه الفاء وخلا مكانها، صار المضارع بعدها -في ذلك الرأي الراجح- جواب للترجي مجزوما إن تحققت شروط الجزم التي عرفناها؛ ففي الأمثلة السالفة نقول: لعلك مزود بالجد والصبر، تبلغ أسمى الغايات، ولعلك تحفظ حق النعمة يدمها الله عليك.
ومثل قول الشاعر: لعل التفاتا منك نحوي ميسر ... يمل بك من بعد القساوة لليسر ......................................2 ... ........................................

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  زيادة وتفصيل: أ- إذا دخلت "إن" الشرطية -أو غيرها من أدوات الشرط- على "لا" الناهية فقدت دلالتها على النهي وصارت للنفي؛ لأن أداة الشرط لا تدخل على النهي1.
وعلى هذا كيف نعرب: "لا" الناهية التي فقدت الدلالة على النهي بسبب وقوعها بعد "إن" الشرطية أو غيرها من أدوات الشرط؟ أنقول إنها حرف نهي باعتبار أصلها السابق، أم نقول إنها حرف نفي باعتبار الواقع الذي انتهت إليه؟ رأيان قد يكون خيرهما مراعاة الواقع.
ب- إذا جزم المضارع في جواب الطلب بعد أن اختفت فاء السببية -فما العامل الذي جزمه؟ للنحاة في هذا ميدان جدل فسيح، ولسنا في حاجة لغرض مساجلاتهم2، وحسبنا الإشارة العابرة إليها، والاكتفاء بأن نقول في المضارع المجزوم: إنه مجزوم لوقوعه في جواب: "الطلب".
1- فمن قائل إن أداة الطلب تضمنت معنى أداة الشرط فجزمت، كما أن أسماء الشرط تضمنت معنى الشرط فجزمت.
وقد دفع هذا باعتراضات كثيرة.
يصدمها ردود كثيرة أيضا.
2- ومن قائل إن أداة الطلب وجملته نابت في العمل عن أداة الشرط وجملته بعد حذفهما فجزمت؛ كما أن النصب بالمصدر في نحو: ضربا اللص؛ هو لنيابته عن اضرب، لا لتضمنه منعاه.
ونصيب هذا من الجدل نصيب سابقه ... وكلاهما يرمي إلى أن العامل مذكور.
3- ومن قائل إن عامل الجزم ليس مذكور في الكلام تضمنا أو إنابة كما

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يقول أصحاب الرأيين السالفين، وإنما هو شرط مقدر دل عليه الطلب المكذور فمن يقول: أكرمني أحسن إليك -يريد: أكرمني؛ فإن تكرمني أحسن إليك.
وهذا أشهر الآراء مع ما يتعاوره من معارضات مختلفة.
4- ومن قائل إن العامل ليس مذكورا -كما هو الرأي الثالث- ولكنه مقدر ينحصر في "لام الأمر" المقدرة -دون غيرها- فأصل: ألا تنزل عندنا تصب خيرا ... هو: ألا تنزل عندنا.
لنصب خيرا ... وهذا أضعف الآراء عندهم، والاعتراضات عليه كثيرة وقوية.

جارٍ التحميل