المسألة 149
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- عباس حسن
- الكتاب
- النحو الوافي
- المؤلف
- عباس حسن (المتوفى: 1398هـ)
- الناشر
- دار المعارف
- الطبعة
- الطبعة الخامسة عشرة
- عدد الأجزاء
- 4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
:
الأدوات الخمس 1 التي ينصب بعدها المضارع "بأن" مضمرة وجوبا 2:
الأداة الأولى: لام الجحود "أي: النفي" وتمهد لها بالأمثلة التالية:
ما كان الحر ليقبل الضيم.
...
ما كان الطبيب ليتواني عن المريض.
...
ما كان العاقل ليسارع في الإتهام.
... ما المعنى الدقيق الذي قصده.
لم يكن المتقن ليرضى بالنقص.
... الناطق بإحدى هذه الجمل؟
لم يكن الأدب ليقرأ تافه الكلام.
...
لم يكن ربيب السوء لينسى نشأته.
...
إن من نطق بالأولى نفى عن الحر نفيا قاطعا أنه قبل في حالة في حالاته
الضيم، أو سكت عليه، مهما كانت الدواعي.
فكأنه قال: ما كان الحر مريدا1 قبول الضيمن راضيا به، أو مهيأ لقبوله في وقت ما.
فالنفي منصب على ما قبل اللام وما بعدها معا "أي: واقع على الكلام كله" فهو نفي عام لهذا، ولأنه -أيضا- شامل جميع حالات الحر، دون التقييد بحالة معينة، أو الاقتصار عليها.
ومن نطق بالثانية نفي عن الطبيب نفيا باتا في جميع أحواله أنه تباطأ في إنقاذ مريضه، وأنه رضي ذلك، أو أراده في صورة من الصور؛ فكأنما قال: ما كان الطبيب مريدا2 التواني مطلقا، ولا راضيا به، مهما كانت حالته وصورته.
فالنفي عام ينصب على ما قبل اللام وما بعدها، ويشمل كلا حالات الطبيب؛ فهو عام بسبب هذين الأمرين.
والغرض الضمني الذي يرمي إليه الأسلوب من وراء ظاهره هو أن الحر لم يخلق ولم يوجد مطلقا لما نفي عنه، وكذلك الطبيب.
ومثل هذا يقال في الصور الأخرى المعروضة.
وما يشاكلها؛ فكل منها يرمي إلى نفي شيء نفيا قاطعا ينصب على ما قبل اللام وما بعدها معا، ويشمل جميع الحالات المعنوية التي يتضمنها الكلام -كما يرمي إلى أن الذي نفي عنه ذلك الشيء لم يرض به مطلقا، ولم يهيأ لقبوله، وإنما خلق وهيئ لدفعه ورفضه.
فهذا أسلوب يبلغ الغاية في قوة الجحد، إذا اريد به الاتجاه المعنوي السالف.
وبملاحظة كل جملة -مما سلف- نجدها تشتمل على أربعة أمور مجتمعة:
1- الفعل الناسخ: "كان" أو "يكون" -دون غيرهما من سائر الأفعال الناسخة أو التامة.
وكلاهما يسمى: "فعل كون"، لاشتقاقه من المصدر "كون" الذي يدل على الوجود العام "المطلق".
2- وجود حرف نفي1 قبل فعل "الكون" الناسخ؛ وهذا النافي المسموع هو: "ما"2 أو: "لم" وتختص "ما" بالدخول على: "كان"، الماضية الناسخة، وتختص "لم" بالدخول على المضارع المجزوم: "ين" الناسخ، ولا يصلح للدخول عليه غيرها3.
والنفي منصب في الحالتين على معنى كل الكلام الذي يليه، فهو شامل ما قبل اللام وما بعدها.
3- أن فعل "الكون" إما ماض لفظا ومعنى: كالأمثلة الثلاثة الأولى، وإما ماض معنى فقط؛ كالثلاثة الأخيرة التي وقع فيها فعل "الكون" مضارعا مسبوقا بالحرف الجازم "لم"، وهذا الحرف إذا دخل على المضارع قلب زمنه ماضيا -في الغالب- مع ترك صورته اللفظية المجزومة على حالها، فيصير مضارعا في لفظه، ماضيا في زمنه ومعناه.
4- أن فعل الكون الناسخ يليه -مباشرة- اسمه ظاهرا، لا ضميرا، ثم مضارع منصوب، مبدوء بلام مكسورة.
أما خبره فعام محذوف، يجب أن يتعلق به الجار مع مجروره.
والجار هو "اللام" التي اشتهرت باسم: "لام الجحود"4 والتي تتصل بالمضارع -كما قلنا- والمضارع بعدها منصوب "بأن" مضمرة وجوبا، والمصدر المكون من "أن" وما دخلت عليه من المضارع وفاعله -في محل جر "بلام الجحود".
والجار والمجرور متعلقان بالمحذوف العام المنصوب، لأنه خبر الناسخ.
والتقدير ما كان الحر مهيأ أو مريدا لقبول الضيم ... أو ما شابه هذا.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فعند إعراب المثال الأول نقول: "ما" نافية -"كان": فعل ماض ناقص- "الحر" اسمها مرفوع -"ليقبل": اللام لام الجحود، حرف أصلي- "يقبل": مضارع منصوب "بأن" مضمرة وجوبا، وفاعله مستتر جوازا تقديره: هو "الضيم" مفعول به.
والمصدر المؤول من المضارع وفاعله مجرور باللام، والتقدير: له قبول ... والجار مع مجروره متعلقان بمحذوف منصوب خبر "كان" والتقدير: ما كان الحر مهيأ أو مريدا لقبول الضيم ...
ولا يختلف إعراب "إن" النافية عن إعراب: "ما"، في شيء مطلقا -عند من يبيح دخول "إن"- فكلاهما يصح أن يحل محل الآخر بغير تفاوت بينهما.
ومثل هذا يقال في بقية الأمثلة.
مع ملاحظة أن: "لم" حرف نفي جازم، ولا بد بعده من المضارع: "يكن" المجزوم به.
من كل ما سبق يتبين معنى: "لام الجحود".
وعملها.
وأن المضارع ينصب بعدها "بأن" مضمرة وجوبا، بشرط اجتماع الشروط الأربعة السالفة "وهي: أن يسبقها فعل كون عام ناسخ دون غيره من الأفعال -منفي-1 ماض لفظا ومعنى أو معنى فقط -بعده اسمه ظاهرا، يليه المضارع المنصوب المبدوء باللام مباشرة"؛ فإنه فقد شرط من الأربعة لم تكن اللام لام الجحود، ولم يكن الأسلوب داخلا فما نحن فيه ...
وجدير بالتنويه أن فاعل المضارع الذي تدخل عليه لام الجحود لا يكون اسما ظاهرا -في الأعم الأغلب- بل يكون ضميرا مستترا جوازا.
يعود على اسم الناسخ السابق، ومنع أكثر النحاة أن يكون اسما ظاهرا2 ...
زيادة وتفصيل:
أ- اختلف النحاة في الحكم على نوع "لام الجحود".
فمن قائل: إنها حرف زائد، وزيادته غير محضة؛ إذ لا يمكن الاستغناء1 عنه؛ لأنها تفيد "الاختصاص"، وتقوية النفي الذي ينصب على ما قبلها، وما بعدها2 أيضا.
ومع زيادتها فهي الناصبة للمضارع بنفسها، والفعل وفاعله خبر الكون.
ومن قائل: هي زائدة زيادة غير محضة أيضا، ولكن المضارع منصوب بأن مضمرة وجوبا بعدها، والمصدر المؤول خبر.
وقيل ... وقيل ...
وهذه الآراء ضعيفة؛ لأن أكثرها يعارض ويناقض القواعد النحوية العامة.
وأقرب الآراء إلى القبول هو الراي البصري، الذي يجعل لام الجحود حرف جر أصلي يفيد تقوية معنى النفي قبلها وبعدها، والمضارع منصوب بعدها "بأن" المضمرة وجوبا.
والمصدر المؤول مجرور باللام، والجار والمجور متعلقان بمحذوف عام.
وهذا الإعراب هو الشائع بين أكثر النحاة، وهو أقل عيوبا من سواه، ويؤيده بعض الأمثلة الفصيحة التي وردت مشتملة على خبر "الكون" مذكورا كقول القائل:
سموت ولم تكن أهلا لتسمو ... ولكن المضيع قد يصيب
فذكر الخبر "أهلا" يمنع أن تكون اللام في هذه الأساليب زائدة محضة أو غير محضة، كما يمنع أن يكون المضارع وفاعله هما الخبر فيها، أو المصدر المؤول هو الخبر ...
ب- إذا لم يكن الفعل المنفي قبل اللام "فعل كون" لم يصح اعتبارها "لام جحود".
ووجب اعتبارها نوعا آخر يناسب السياقن ويساير معنى الأسلوب،
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كأن تكون زائدة، أو للتعليل1.
أو للعاقبة ... أو ... والأغلب أن تصلح للتعليل في كثير من الأساليب المنفية، فتدل على أنا ما بعدها علة لما قبلها -وقد تسمى في هذه الحالة "لام كي" كما سبق2، نحو: لم يكذب الشاهد ليساعد المتهم؛ فعدم مساعدة المتهم هو العلة في عدم كذب الشاهد، أي: لم يكذب الشاهد كذبا يكون سببه وعلة حدوثه "أي: الغرض منه" هو مساعدة المتهمن فمساعدة المتهم هنا لم تتحقق؛ فهي منفية.
وأساس نفيها وعدم تحققها ما قرروه3: من أن النفي الذي قبل لام التعليل ينصب على ما بعدها، دون أن يشمل معه ما قبلها إلا بقرينة، كما في المثال السالف "وتفسير هذا ما قرروه أيضا من أن الجار والمجرور بعد "لام التعليل" المسبوقة بفعل منفي إنما يتعلقان بذلك الفعل المنفي، ويصيران قيدا فيه؛ فلا يكون نفيه مطلقا خاليا من التقييد، ولكنه مقيد بهما، فالنفي ينصب عليه في حالة واحدة فقط، هي حالة تقيده بهما، دون بقية أحواله المطلقة التي لا تخضع للقيد.
وفي هذه الحالة الواحدة يسري النفي إلى القيد فيشمله أيضا "أي: يسري على الجار مع مجروره"، ففي المثال السالف يكون الكذب المنفي نوعا معينا محدودا؛ هو الكذب المقيد بأنه المساعدة المتهمن أما الكذب لغير هذه المساعدة فمسكوت عنه؛ لا يمكن الحكم عليه بشيء؛ فقد يكون منفيا أو غير منفي بقرينة أخرى خارجة عن الجملة.
والقيد نفسه "وهو: المساعدة" منفي حتما4..
مثال آخر: ما صلى العابد لينافق.
أي: ما صلى العابد صلاة يكون سببها.
وعلة أدائها هو: النفاق.
فالجار والمجرور المكونان من لام التعليل وما دخلت عليه قد انصب عليهما النفي حتما.
وأما ما قبلهما -وهو الصلاة غير المقيدة- فمسكوت عنه.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وإن شئت فقل: هما متعلقان بالفعل المنفي: "صلى" فهما قيد له، وصار بهما مقيدا، فالصلاة المنفية هي الصلاة المقيدة، بأنها للنفاق، وليست مطلق صلاة.
أما الصلاة المطلقة التي لست للنفاق فمسكوت عنها، لا يفهم أمرها ولا الحكم عليها من هذا التركيب؛ فقد تكون موجودة أو لا تكون ... وتوجيهها لأحد الأمرين يحتاج إلى قرينة أخرى خارجة تعينها لهذا أو لذاك، والقيد في الحالين منفي حتما ... 1.
وإذ كان الفعل المنفي قبل اللام فعل "كون" غير ناقص لم يصح اعتبارها لام جحود، ووجب توجيهها لشيء آخر، ويكثر أن يكون هو: "العليل" أيضا على الوجه السالف؛ نحو: ما كان الحاكم ليظلم؛ بمعنى: ما وجد الحاكم ليظلم.
فالشأن في "كان" هنا كالشأن في كل فعل غير ناسخ يحل محلها من ناحية أن الجار والمجرور منفيان حتما، ويتعلقان به، فيصير مقيدا بهما؛ ويصير معناه بسبب النفي الواقع عليه غير مطلق، وإنما هو مقيد بحالة معينة دون غيرها أما غيرها فمسكوت عنه يحتاج لقرينة خارجة عن الجملة، تبين أمره نفيا وعدم نفي، والقيد "الجار والمجرور المتعلقان به" منفي حتما فكأن الناطق بهذا المثال يقول: ما كان الحاكم "أي: ما وجد وظهر الحاكم" الذي يكون سبب وجوده، وعلة ظهوره: الظلمز فسبب الوجود وعلته هو: الظلم، والظلم منفي، فالمسبب عنه منفي لا محالة أو الجار والمجرور متعلقان بالفعل، فهما قيد له.... و.....
وفي هذا المثال لا يصح اعتبار اللام "للجحود"؛ لأن هذا يؤدي إلى مخالفا الواقع الذي يدل على أن كثيرا من الحكام ظالمون.
ومن الأمثلة السالفة وأشباهها يتبين أن النفي قبل لام التعليل ينصب على الفعل الذي قبلها في حالة واحدة؛ هي التي يكون فيها مقيدا بهذه اللام الجارة ومجرورها، وليس مطلقا من التقييد، وأن هذا النفي ينصب على ما بعدها دائما "أي: على القيد".
فإذا كان الفعل غير مسبوق بنفي لم تكن اللام للجحود.
وإذا كان الفعل ناسخا غير "كون" لم تصلح اللام للجحود -كما تقدم-2
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في أصح الآراء؛ فلا يقال: ما أصبح محمد ليهمل عمله، ولم يصبح محمود ليهين غيره ... وما ظننت الأمة الناهضة لتسيء إلى علمائها، ولم أظن الشعوب القوية لتركن إلى الراحة ... قال أبو حيان: "كل هذه التراكيب فاسدة؛ إذ لم يسمع لها نظير في كلام العرب، فوجب منعها وردها" اهـ.
ح- يتردد هنا -وفي الأبواب الأخرى- لفظ: "لام التعليل"، و "لام الجحود" فما الفارق الدقيق بينهما؛ بحيث تتميز إحداهما من الأخرى بغير غموض ولا خفاء؟
الفارق بينهما ما أسلفناه من أن لكل واحدة منهما معنى يخالف معنى الأخرى؛ فلام الجحود تفيد النفي العام، ولام التعليل تفيد التعليل "أي: أن ما بعدها علة وسبب فيما قبلها" على الوجه الذي شرحناه في كل منهما".
وشيء آخر؛ هو أن النفي مع لام الجحود مسلطا على ما قبلها وما بعدها معا في كل حالاتهما؛ فهو منصب على الكلام كله؛ لأن ما قبلها كون عام منفي، وخبره المحذوف أمر عام منفي، فيتسر إليهما النفي منه حتما؛ لدخولها فيما يشتمل عليه ... ، ويؤثر فيه بالنفي؛ كالأمثلة التي في أول البحث؛ حيث يعم النفي ما قبل لام الجحود وما بعدها، ويكون شاملا غير مقيد يخرج بعض الحالات.
أما لام التعليل.
فالنفي قبلها داخل على فعل خاص، ليس كونا عاما، وغنما هو فعل مقيد بالجار والمجرور "وهما: لام التعليل، وما دخلت عليه"؛ فالنفي منصب على هذا لفعل المقيد؛ أي: منصب عليه في حالة تقيده -وهي حالة واحدة، دون غيرها من الحالات الأخرى الكثيرة التي لا تدخل في التقييد؛ والتي هي مسكوت عنها، كما قدمنا- فلا يحكم على تلك الحالات الأخرى بالنفي أو بعدمه إلا بقرينة خارجة عن الجملة.
والقيد "وهو لام التعليل ومجرورها" -منفيان حتما، لتعلقهما بالفعل الخاص المنفي.
فالمعنى بعد لام التعليل منفي.
أما قبلها فلا يتعين النفي إلا في الصورة الواحدة التي شرحناها وهي التي يكون فيها الفعل مقيدا بالجار مع مجروره؛ فمعنى الفعل فيها ليس عاما1 مطلقا.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وبناء على ما سبق اشترطوا لصحة "لام الجحود" ألا ينتقض النفي بعدها بشيء؛ مثل "إلا1 الاستثنائية" -أو إحدى أخواتها- فلا يقال: ما كان الحر إلا ليقبل الضيم؛ لأن "إلا" هذه تنقض النفي السابق عليها؛ وتجعل ما بعدها مثبتا.
وهذا مخالف لما تتطلبه لام الجحود من نفي ما قبلها وما بعدها معا بالحرف النافي المذكور في صدر جملتها.
ولم يشترطوا هذا في لام التعليل فأجازوا: ما حضر المتعلم إلا ليستفيد، فصدر الجملة ينفي الحضور عن المتعلم، وعجزها الواقع بعد "إلا" ينفي ذلك النفي وينقضه، ويثبت الحضور ... ، وأنه لاستفادة المتعلم؛ فكأن الجملة: حضر المتعلم ليستفيد.
د- هل يصح حذف "لام الجحود"؟ وهل يصح حذف فعل "الكون" قبلها؟ يجيز الحذف بعض النحاة، معتمدا على ظاهر أمثلة واردة عن العرب، وقد تصدى لبحثها بعض المحققين، وانتهى منها إلى أن المحذوف فيها لا يتعين أن يكون أحدهما، بل يستقيم المعنى على تقديره، أو تقدير غيره؛ فلا داعي لإباحة حذف واحد منهما.
الأداة الثانية: "أو" العاطفة1 التي بمعنى: "حتى"، أو "إلا" الاستثنائية:
ينصب المضارع بأن مضمرة وجوبا بعد "أو" العاطفة في موضعين:
أحدهما: أن تكون "أو" العاطفة صالحة للحذف، ووضع "حتى" في مكانها من غير أن يتغير المعنى؛ سواء أكانت: "حتى" دالة على الغاية، أم دالة على التعليل.
أ- فالدالة على الغاية: "ويسمونها: "الغائية" أو: التي بمعنى: "إلى"" هي التي ينقضي المعنى قبلها شيئا فشيئا، لا دفعة واحدة، ويتم انقضاؤه بمجرد وقوع ما بعدهان وتحقق معناه؛ فإذا وقع ما بعدها انقطع ما قبلها نهائيا.
وذلك بأن يكون لما قبلها نوع امتداد زمني، واستمرار معنوي متلاحق، لا ينقطع ولا يتوقف نهائيا إلا بتحقق ما بعدها وحصوله، فإذا تحقق ما بعدها وحصل انقطع المعنى قبلها بمجرد هذا التحقق والحصول؛ نحو: أقرأ الكتاب، أو أتعب، "أي: حتى أتعب، أو: إلى أن أتعب"، فقراءة الكتاب تتطلب وقتا، يتابع بعضها بعضا فيه، ولا تتم دفعة واحدة بغير استمرار زمني محدد، فإذا حصل التعب -وهو المعنى الذي بعد "أو"- انتهت القراءة وانقضت بمجرد حصول هذا التعب.
ونحو: أتناول الطعام أو أشبع.
"بمعنى: حتى أشبع، أي: إلى أن أشبع" فتناول الطعام لا يتم دفعة واحدة؛ وإنما يستغرق وقتا يتوالى فيه بعضه وراء بعض، ويستمر هذا حتى يحصل الشبع يتحقق -وهو المعنى الذي بعد: "أو"- فإذا حصل وتحقق انقطع تناول الطعام.
ومثل: "أنام الليل أو يطلع الفجر، وأصلي الصبح وأتعبد أو تشرق الشمس2 ...
فالحرف "أو" فيما سبق حرف عطف بمعنى "حتى" الجارة1.
ولكنه لا يعرب حرف جر2 ...
ب- والدالة على "التعليل" "ويسمونها: "أو التعليلية" أي: "التي بمعنى: "كي التعليلية"، أو "لام التعليل" يكون ما بعدها علة لما قبلها؛ نحو: لأرضين الله أو يغفر لي، بمعنى: حتى يغفر، أو: كي يغفر لي، فما بعد "أو" -وهو: المغفرة- علة فيما قبلها، وهو إرضائي الله.
ولا تصح أن تكون "أو" هنا بمعنى: "حتى" الغائية"؛ لفساد المعنى؛ إذ يكون: سأرضي الله إلى أن يغفر لي، فإذا تحقق الغفران انقطع إرضائي له، وأغضبته ...
ومن الأمثلة: أحاذر العدوة أو أسلم، وأحرص على التوقي أو أنجو من المرض.
فأو بمعنى: "حتى التعليلية" ولا تصلح الغائية، لفساد المعنى معها ...
و"أو" تعرب هنا حرف عطف.
ولا يصح إعرابها حرف جر أو شيئا غير العطف، بالرغم من أنها بمعنى "حتى" التعليلية الجارة2..
والآخر: أن تكون "أو" بمعنى: "إلا" الاستثنائية؛ وهذا حين لا يصلح في موضعها "حتى" بنوعيها السالفين؛ "وهما: الغائبة، والتعليلية".
فلا بد من الالتجاء أول الأمر إلى: "حتى" ووضعها في مكان: "أو"، فإن لم يستقم المعنى معها قصدنا "إلا" الاستثنائية.
نحو: تهوي الطائرة أو تسلم من الخلل، وتسقط أو تبرأ من الفساد ... أي: إلا أن تسلم -إلا أن تبرأ ... ونحو: يقتل النمر بالرصاص أو تخطئه الرصاصة ... ويحرص الصياد
على جلده، أو يعجز عن سلخه.
فلفظ "أو" في الأمثلة السالفة بمعنى: "إلا" ولا يصلح غيرها.
ومع أنه بمعناها -يعرب حرف عطف، ولا يصح اعتباره حرف استثناء ...
فإن لم تصلح "أو" العاطفة لأن تكون بمعنى: "حتى" أو: "إلا" لفساد المعنى بوضع أحد هذين في موضعها، كانت لمجرد العطف1؛ فلا ينصب المضارع بعدها، إلا أن اقتضى المعنى بعدها نصب المضارع لسبب آخر غير السالف2 ... ، فإن اقتضى المعنى نصب المضارع لسبب غير ما تقدم: وجب نصه "بأن" أيضا، ولكن يجوز إظهارها وإضمارها، كقول أحد الولاة لشاعر هجاء؛ "لولا شعرك الجيد أو يحرم أولادك عائلهم لقطعت لسانك.
فلا عفو بعد اليوم، أو أقبل شفاعة".
ويصح إظهار "أن" فنقول: أو أن يحرم أولادك ... وأن أن أقبل شفاعة.
وفي كلتا الحالتين يعرب المصدر المسبك من "أن" "الظاهرة أو المضمرة جوازا" مع ما دخلت عليه معطوفا.
أما المعطوف عليه فلا بد أن يكون اسما صريحا قبل "أو"3، وهو هنا: "شعر، وعفو".
والتقدير: لولا شعرك، أو حرمان أولادك ... فلا عفو أو قبول شفاعة ... ومن هذا قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ بمعنى: أو أن يرسل رسولا.
فالمضارع "يرسل" منصوب" "بأن" مضمرة جوازا، وفاعله مستتر جوازا، تقديره: هو، والمصدر المؤول معطوف على الاسم الصريح: "وحيا" والتقدير: إلا وحيا أو إرسالته رسولا..
ملاحظة: لما كانت "أو" التي ينصب بعدها المضارع بأن المضمرة وجوبا أو جوازا، حرف عطف -وجب أن يكون المصدر المؤول بعدها معطوفا على
شيء قبلها يناسبه1؛ "كمصدر صريح، أو مؤول، وكاسم جامد ليس بمصدر ... " فإن وجد في الكلام السابق معطوف عليه مذكور، عطفنا عليه المصدر المؤول الذي بعد "أو" كما في الأمثلة الأولى، وكما في الأمثلة الأخيرة "وهي: لولا شعرك الجيد أو يحرم ... -فلا عفو أو أقبل شفاعة ... - إلا وحيا أو يرسل رسولا.." وإن لم ذكر في الكلام السابق معطوف عليه تصيدنا من ذلك الكلام اسما جامدا، مصدرا كان أم غير مصدر، وجعلنا المعطوف عليه.
والأنسب أن يكون مصدرا -لا اسما جامدا محضا؛ ليكون المعطوف والمعطوف علهي متناسبين، في المصدرية.
ويقول النحاة: إن تصيد هذا المصدر -المعطوف عليه- من الكلام الذي قبل "أو" لا يحتاج في تلمسه إلى ضابط معين، ولا إلى طريق خاصة.
وكل ما يشترط فيه أن يكون ملائما المعنى، مسايرا السياق الصحيح2 ... وفيما يلي بعض الأمثلة السالفة الخالية من ذكر المعطوف عليه صراحة، ثم اشتمالها عليه بعد تصيده:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
زيادة وتفصيل:
أ- يجري على المضارع المنصوب بأن المضمرة بعد: "أو" جميع الأحكام الخاصة بالمضارع المنصوب بأن المصدرية1 من السبك، والفصل، وعدمه ...
ب- صرحنا فيما سبق أن: "أو" التي بمعنى: "حتى" أو" إلا" هي حرف عطف، ولا يصح إعرابها حرف جر، أو حرف استثناء تبعا للحرف الذي يصلح في موضعها؛ فهي بمعناه فقط، وليست مماثلة له في إعرابه؛ فلكل منهما إعرابه الخاص به.
وهو يخالف إعراب الآخر.
ولهذا السبب وجب إعراب المصدر المؤول بعد "أو" معطوفا على شيء قبلها، ولا يصح إعرابه مجرورا، أو مستثنى، برغم أن "أو" بمعنى: "حتى" الجارة أو "إلا" الاستثنائية.
ح- قد تصلح "أو" السالفة لأن تكون بمعنى: "حتى" أو "إلا" عند عدم قرينة تعينها لأحدهما؛ ولكن يختلف المعنى في كل صورة؛ نحو: لألزمنك أو تسدد لي ديني.
فيصح أن تكون "أو" هنا بمعنى "حتى"، أو "إلا" والمعنيان مختلفان.
د- من الملاحظ أن "أو" السالفة تقع بين معنيين مختلفين؛ أحدهما قبلها، والآخر بعدها، والأول محقق الوقوع أو مرجحة حتى يقع ما بعدها، وحصول الثاني ووقوعه مشكوك فيه غالبا؛ فقد يقع أو لا يقع.
فإذا أريد الدلالة على أن ما قبلها وما بعدها متساويان في الشك وجب توجيهها للعطف المجرد، ووجب رفع المضارع بعدها؛ ليكون الرفع شارة وعلامة على هذه المساواة في الشك.
بخلاف ما لو أريد الدلالة على أن الأول محقق الوقوع أو مرجحه، وأن الثاني وحده هو المشكوك في حصوله؛ فيجب نصب المضارع حتما بأن مضمرة وجوبا بعد "أو"؛ ففي مثل: أسافر يوم الجمعة أو أستريح ... -يصح رفع
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المضارع: "أستريح" على إرادة أن السفر والاستراحة متساويان من ناحية وقوعهما أو عدم وقوعهما؛ فكلاهما مشكوك في حصوله، غير مقطوع بواحد منهما. ويصح نصب المضارع "أستريح" على إرادة أن الأول -وهو: السفر- محقق الوقوع والحصول، أو كالمحقق، وأن الراحة مشكوك فيها؛ فقد تحصل أو لا تحصل، وأن المعنى أسافر حتى أستريح، أو لا أن أستريح. فالسفر ليس موضع شك؛ وإنما الشك في الاستراحة؛ إذ لا يدري المتكلم أتتحقق أو لا تتحقين؟
ومثل المساواة في الشك المساواة في غيرها من المعاني الأخرى التي تدل عليها "أو" المتجردة للعطف المحض1.
لهذا كان استعمال: "أو" في معناها الصحيح محتاجا إلى يقظة ودقة فهم ...
الأداة الثالثة 1: "حتى" الجارة للمصدر المنسبك من "أن" والجملة المضارعية:
والكلام عليها -هنا- يتجه إلى ناحية معناها، وعملها، وحكم المضارع بعدها.
= أ- إما مؤولة عن ماض: وهي التي يكون زمنها قد فات قبل التكلم، ومعنى المضارع قد وقع وانتهى، وتم كل هذا قبل النطق بالجملة المشتملة على "حتى" مع مضارعها.
ولكن المتكلم يتخيل أن ذلك الزمن بما يحويه من معنى المضارع لم ينته، وأنه موجود قائم حين النطق بالجملة.
وهذه الطريقة تسمى: "حكاية الحال الماضية" "وسيجيء تفصيل الكلام عليها هنا، وفي ج من ص338. حيث نعرف الداعي لها، وأثرها النحوي والمعنوي".
أما علامة هذه الحالة الماضية المحكية فصحة الاستغناء عن مضارعها، وإحلال ماضيه محله فلا يتغير المعنى، ولا يفسد التركيب "كما سيجيء في ص348" وكما يوضحه المثال التالي في: "ب".
ب- وإما مؤولة عن مستقبل؛ وهي التي يقع الكلام ويتحقق دون أن يقع ويتحقق زمنها وزمن مضارعها في أثنائه، أو قبل النطق به.
ولكن المتكلم يتخيل أن زمنها قائم وقت الكلام.
وعلى هذا لا يصح اعتبار: "حتى" ابتدائية إذا كان معنى المضارع الذي بعدها قد تحقق في زمن انتهى حقيقة، أو أنه سيتحقق في زمن مستقبل حقيقة، بغير تخيل الحال وحكايتها في كل واحدة منهما.
فمثال حكاية الحال الماضية التي يتخيل المتكلم وقوعها وقت كلامه -على الرغم من أن زمنها قد فات حقا، وانتهى قبل أن يتكلم- قول المؤرخ: "يقيم الفراعنة المصريون القدماء مسلات ضخمة، حتى يكتبون على جوانبها تاريخهم، ومآثرهم".
أي: حتى كتبوا.
ومثال الحال المؤولة عن المستقبل: "يأتي الشتاء في الشهر القادم؛ وها هو ذا المطر ينهمر.
ويشتد البرد حتى ترتجف منه أعضائي".
ومثال الحال الحقيقة: "أقف الآن على شاطئ البحر والشمس منحدرة إلى مغربها حتى أتابع منظر غروبها -هذه الوردة في يدي أرقبها وأشمها، حتى أتمتع بلونها وبطيب رائحتها"- فمتابعة الغروب تتحقق في الزمن الذي ينطبق فيه المتكلم بالجملة المشتملة على "حتى"؛ فزمنهما واحد هو: الحال.
كذلك التمتع بطيب الوردة ولونها؛ يقع في الزمن الذي يقع فيه النطق بالجملة المشتملة على "حتى" وهو الزمن الحالي.
وفي هذه الأمثلة وأشباهها تعرب "حتى" حرف ابتداء يدل على "الغاية" والجملة بعدها مستقلة في إعرابها لا في معناها -وقد شرحنا في الصفحة التالية المراد من الغاية.
ثالثها: "حتى" الجارة، وهي نوعان:
1- نوع يجر الاسم الظاهر الصريح "والظاهر: ما ليس ضميرا، والصريح: ما ليس مصدرا مؤولا" ومعناها: الدلالة على الغاية، نحو: قرأت الكتاب حتى الخاتمة.
ولا شأن لنا بهذا النوع هنا -"فقد سبق تفصيل الكلام عليه في الجزء الثاني، باب حروف الجر، م90 ص445".
2- ونوع يجر المصدر المؤول من "أن" المضمرة وجوبا وما دخلت عليه من جملة مضارعية.
ومعنى "حتى" إما الدلالة على الغاية، وإما الدلالة على التعليل، وإما الدلالة على الاستثناء، والنوع الجار للمصدر المؤول -وإن سبق مجملا في الموضع السالف- هو موضوع التفصيل في كلامنا الآن.
لكن الكوفيين يعتبرون "حتى" حرفا مصدريا ينصب المضارع بنفسه مباشرة، ويجيزون ظهور "أن" المصدرية بعده فتكون للتوكيد اللفظي.
"انظر البيان في "ب" ص350"، "ملاحظة": يصح حذف ما دخلت عليه "حتى" مهما كان نوعها بشرط ألا يكون اسما صريحا مجرورا بها.
ومن الأمثلة قول الشاعر وقد ذهب لزيارة شخص:
فلما لم أجدك -فدتك نفسي- ... رجعت بحسرة وصبرت حتى ...
يريد: حتى يأذن الله -مثلا.
أ- فأما معناها فالدلالة على "الغاية"، أو: على "التعليل"، أو: على "الاستثناء".
فتدل على الغاية إذا كان المعنى بعدها نهاية حقيقة لمعنى قبلها ينقضي تدريجا لا دفعة واحدة، ولا سريعا، ويترتب على تحقق المعنى الذي بعدها أن ينقطع المعنى السابق فورا، وأن يتوقف بمجرد تحقق اللاحق وحصوله؛ نحو: "يمتد الليل حتى يطلع الفجر" -"يزداد الحر نهار الصيف حتى تغيب الشمس، ويزداد البرد ليل الشتاء حتى تشرق"- "يسرع القطار حتى يدخل المحطة، والطائرة حتى تدخل حظيرتها" ... فامتداد الليل يستمر تدريجا إلى أن يظهر الفجر، وعند ظهوره ينقطع الامتداد ويختفي.
وازدياد الحر يدوم إلى أن تختفي الشمس، ومتى اختفت انقطع الازدياد وتوقف ... وهكذا بقية الأمثلة ونظائرها مما تقع فيه: "حتى" دالة على الغاية "أي: على نهاية المعنى الذي قبلها، وانقطاعه، بسبب ظهور معنى جديد بعدها، وابتداء حصوله وتحققه"، ولذا يسمونها: "حتى الغائية" أو: "حتى التي بمعنى: إلى": لدلالة كل واحدة منهما على انتهاء ما قبلها بمجرد حصول ما بعدها.
ولا بد أن يكون المعنى السابق من الأمور التي تنقضي شيئا فشيئا -كما نرى- فلا ينقضي مرة واحدة، ولا ينقطع بغير تمهل.
والضابط الذي تتميز به "حتى الغائية" من غيرها هو صحة حذفها، وإحلال "إلى"1 محلها من غير أن يفسد المعنى، أو التركيب.
وتدل على "التعليل" إذا كان ما قبلها سببا وعلة فيما بعدها1؛ نحو: "نقرأ الصحف حتى نعرف الشئون الداخلية والخارجية، ونستمع إلى الإذاعة حتى نعلم ما يدور في البلاد المختلفة"؛ فقراءة الصحف هي السبب في معرفة الشؤون الداخلية والخارجية، والاستماع إلى الإذاعة هو السبب في العلم بما يدور في البلاد المختلفة.
فما قبل: "حتى" هو العلة والسبب فيما بعدها2؛ ولهذا، تسمى: "التعليلية".
ومن الأمثلة أيضا؛ "تحرص الأمم على نشر التعليم حتى تنهض وتقوى، وتتنافس في ميادين الصناعة حتى تفوز بأكبر قسط من مزاياها، وتتسابق إلى كشف الكواكب حتى تستأثر بما فيها" ...
وتدل على "الاستثناء" -كإلا- إذا لم تصلح للدلالة على الغاية أو على التعليل؛ فلا بد من القطع بعدم صلاحتها "للغاية، أو للتعليل" قبل جعلها للاستثناء الخالص.
نحو: "لا يصلح الوالي للحكم حتى يلتزم العدل، ويحرص عليه" ... والتقدير: لا يصلح الوالي للحكم إلا أن يلزم العدل".
"فحتى" هنا بمعنى: "إلا" -وعند التقدير نقول معناها: "إلا أن"، فتظهر "أن" بعد "إلا" في حالة التقدير فقط، لمجرد الإيضاح، ولا يصح إظهار بعد "حتى"- ولا تصلح أن تكون "غائية" ولا "تعليلية"؛ إذ لو كانت "غائية" لوجب أن ينقضي المعنى قبلها تدريجيا -كما سبق- والنفي من المعاني التي تنقضي دفعة واحدة؛ لأنه حكم بالسلب على أمر، والحكم بالسلب ينصب سريعا، دفعة واحدة؛ لا تدريجا -في الصحيح3 ...
ولو كانت "تعليلية" لوجب أن يكون ما قبلها سببا وعلة فيما بعدها. وهذا لا ينطبق على ما نحن فيه؛ إذ ليس عدم صلاح الوالي للحكم هو السبب في أنه يلتزم العدل.
ومن أمثلة "حتى" التي بمعنى: "إلا" قول علي رضي الله عنه: "لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه"1.
وكذلك قول شوقي:
وما السلاح لقوم كل عدتهم ... حتى يكونوا من الأخلاق في أهب2
...........................................3 ... ..................................... = وبهذه المناسبة نشير على أهم الأحكام الخاصة "بحتى الاستثنائية"؛ وقد نبه العلماء إليها؛ لدقتها، وخفائها على كثير: "أولها" أن "حتى" الاستثنائية تسبق -كثيرا- بنفي؛ يجعل معنى الجملة التي قبلها منفيا.
"ثانيها" أن معنى الجملة المشتملة على هذا النفي يظل على حاله عند التقدير مستمرا ومنفيا لا ينقطع استمراره ونفيه بوقوع ما بعدها، مهما كانت الأحوال.
والسبب في هذا أن الاستثناء الذي تتضمن معناه، وتدل عليه "هو استثناء منقطع" -في الأعم الأغلب- "أي: لا يكون فيه المستثنى.
من جنس المستثنى منه، فهي بمعنى: "لكن" ساكنة النون".
كالذي هنا، وقد يكون متصلا أحيانا كالذي في يقوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ فهي للاستثناء المتصل من عموم الأحوال.
"ثالثها" أن "حتى" تتضمن معنى "إلا" الخالية من "أن" بعدها.
أما "أن" التي تظهر في تأويل الجملة فهي "أن" المصدرية المضمرة وجوبا بعد "حتى".
فإذا وضعنا "إلا" مكان "حتى" ظهرت "أن" المضمرة؛ إذ لو كانت "حتى" بمعنى: "إلا" و"أن" معا لتكررت "أن" عند التأويل، وصار الكلام: لا يصلح الوالي للحكم، "إلا أن أن" يلتزم العدل، بذكر "أن" مرتين؛ إحداهما التي كانت مضمرة وجوبا مع "حتى" والأخرى هي المزعومة خطأ بعد "إلا".
ب- وأما عملها: فالجر باعتبارها حرف جر أصلين بشرط أن يكون المضارع بعدها منصوبا بأن المصدرية، المضمرة وجوبا.
وهذا النوع الجار من أنواع "حتى" "وهو الذي يعنينا هنا" لا يجر إلا المصدر المنسبك من "أن" المصدرية مع صلتها الجملة المضاريعة.
ففي مثل: "الصبر يحمي النفس الحزينة، حتى تفيء إلى السكينة، يكون الإعراب: "حتى" حرف جر "تفيء" فعل مضارع، منصوب "بأن" المضمرة وجوبا بعد "حتى".
والفاعل ضمير مستتر جوازا تقديره: "هي".
والمصدر المسؤول من "أن" وما دخلت علهي من الجملة المضارعية مجرور "بحتى".
والتقدير: حتى إفاءتها ... وهذا الجار ومجروره متعلقان بالمضارع: "يحمي" ...
وهي تعمل الجر دائما ولو كان معناها: "الاستثناء"؛ فشأنها في الاستثناء والجر معا كشأن "خلا، وعدا، وحاشا"، وهذه الثلاثة حروف جر، ومعناها: الاستثناء.
ح- وأما حكم المضارع بعدها: فتارة يجب رفعه؛ فتكون ابتدائية1، وتارة يجب نصبه بأن مضمرة وجوبا، فتكون جارة للمصدر المؤول بالطريقة التي أوضحناها، وتارة يجوز فيه الأمران؛ فتكون ابتدائية عند رفعه، وجارة عند نصبه بالحرف المصدري "أن".
وفي كل أحوال المضارع لا يجوز أن يفصل بينه وبين "حتى" فاصل مذكور أو مقدر إلا "أن" المضمر وجوبا2 في حالة نصبه.
1- فيجب رفعه في كل حالة تستوفي ثلاثة شروط مجتمعة3: = وكذلك: لا تسدين إلى عارفة ... حتى أقوم بشكر ما سلفا "والعارفة: المعروف، وإسداؤها: تقديمها وبذلها".
الشرط الأول: أن يكون زمن المضارع للحال حقيقة أو تأويلا، والحال الحقيقية -كما سلف-1 هي التي يقع فيها الكلام؛ فزمنها زمن النطق بالكلام المشتمل على "حتى".
أي: أن الزمن الذي يحصل فيه الكلام هو نفسه الزمن الذي يجري فيه -أول مرة-2 معنى المضارع التالي لها. فلا بد أن تجمع الحال الحقيقية بين الأمرين؛ وهما: الكلام المشتمل على "حتى"، وحصول معنى المضارع الذي يتلوها؛ بحيث يتكلم الناطق بها وبجملتها في وقت تحقق معنى المضارع وحصوله أول مرة؛ نحو: "ينساب هذا الماء بين الزروع حتى تشرب" فالشرب -وهو معنى المضارع التالي: "حتى"- يتحقق ويحصل فعلا أول مرة في الوقت الذي يتكلم فيه المتكلم بالجملة؛ فزمن النطق والشرب واحد؛ هو: الزمن الحالي، وهو الذي يجمع بينهما. ومثل: "يسمع الطبيب دقات القلب الآن حتى يعرف أمره. ويجس نبض المريض حتى يسترشد به في معرفة الداء". بشرط أن يقال هذا في وقت استماع الطبيب للدق، وجس النبض. ومثل: "أشاهد العواصف تشتد الساعة حتى تقتلع الأشجار، وتزداد شدة وعنفا حتى تهدم البيوت، وتغرق السفن، وتسقط الطائرات" ... بشرط أن يكون الزمن الذي يتحقق فيه معنى الأفعال المضارعة التالية "حتى" في كل ما سبق هو زمن النطق بالكلام، فكأن الناطق بالمضارع الحالي الزمن يقول: الأمر الآن كذا وكذا، أي: شأنه في الحال القائمة كذا وكذا ...
فالمضارع في الأمثلة السالفة -وأشباهها- مرفوع وجوبا3.
و"حتى" حرف ابتداء، يدل على أن الجملة بعده جديدة مستقلة عما قبلها في الإعراب دون المعنى؛ إذ لا بد من اتصالها فيه -كما عرفنا.
ولا مانع أن يستمر معنى المضارع الحالي الزمن؛ فيمتد وقته بعد انتهاء
النطق بالجملة المشتملة على: "حتى" وإنما الممنوع أن ينقضي معناه قبل النطق بكلمة "حتى"؛ فيكون ماضي المعنى.
أو أن يتأخر بدء تحققه إلى ما بعد النطق بها والفراغ منها؛ فيكون تحققه في زمن مستقبل حقيقي بالنسبة لها؛ إذ يتحقق بعد الانتهاء من التكلم بجملتها.
أما الحال المؤولة "أو: المحكية" فلها صورتان، لا بد في كل منهما من قرينة تدل على حكايتها.
الصورة الأولى: الزمن الماضي المؤول بالحال، وهو الذي يكون فيه معنى المضارع قد تحقق وانتهى فعلا قبل النطق بالجملة، وكان المناسب أن يذكر الفعل بصيغة الماضي، ولكنه يعاد ذكره بصيغة المضارع بقصد حكاية الحال1 لماضية التي ترشد إليها القرينة -بالطريقة التي شرحناها2..
وفي هذه الصورة التي يكون فيها زمن المضارع حالا1 ماضية ولكنها مؤولة -يجب رفعه، وتكون "حتى" ابتدائية؛ كما وجب رفعه في الزمن الحالي حقيقة وكانت فيه "حتى" ابتدائية أيضا.
ومن أمثلة الحال الماضية المؤولة أن يقول أحدنا اليوم "هذا زهير الشاعر الجاهلية، يراجع قصيدته حتى تجود بعد حول في مراجعتها؛ فيذيعها، ولذا تسمى قصائده: "الحوليات" ... ". فمعنى المضارع -وهو الجودة بعد الحول- أمر فات حقا قبل النطق بكلمة: "حتى" وبجملتها.
كفوات المراجعة.
وزمن الأمرين في حقيقته ماض، ولكن التحدث عنهما بصورة المضارع -قصد به حكاية ما مضى، وإرجاع ما فات، على تخيل أنه يقع الآن -في وقت الكلام- أو على تخيل أن المتكلم قد ترك زمانه الذي يعيش فيه، ورجع إلى الزمن السالف الذي يتحقق فيه المعنى أمامه ساعة النطق، وكأنه من أهل ذلك العصر القديم.
ووجود الرفع هنا يعتبر الدليل على الحكاية3، وعلى ما يترتب عليها من أثر معنوي.
ويسمى هذا الاتجاه: "حكاية الحال الماضية"، أي: إعادة حالة سبقت وحادثة وقعت، وترديد قصتها وقت الكلام، وكأنها تحصل أول مرة ساعة النطق بها، مع أنها -في حقيقة الأمر- قد حصلت من قبل، وانتهى أمرها قبل ترديدها.
وهذه الصورة الغالبة في الحكاية.
والغرض من "حكاية الحال الماضية" هو الإشعار بأهمية القصة، وبصحة ما تضمنته من معنى قبل "حتى" وبعدها؛ لادعاء أنها تقع الآن -في وقت الكلام- وأن ما بعد "حتى" مسبب عما قبلها، وغاية له، فيثور الشوق إلى سماعها ويمتزج السامع بجوها.
ومن الأمثلة أيضا: "انظر إلى الفراعين يبنون قبورهم في حياتهم منحوته في الصخر الأصم حتى تستريح نفوسهم لصلابتها وقوتها، وربما أخفوها حتى يأمنون الأيدي الغابثة بها ... " فزمن بناء القبور قد انتهى وانقضى، وكذلك الاستراحة، والإخفاء، والأمن ... فكان المناسب ذكر هذه المعاني بصيغة الماضي لا المضارع، ولكن جيء بالمضارع على سبيل "حكاية الحال الماضية"؛ ليكون من وراء ذلك توجيه الأنظار إلى القصة الهامة العجيبة، وأنها صحيحة؛ كأنها تقع الآن أمامنا ساعة التكلم بما يلابسها من غرائب؛ وكأن التكلم يطلب إلى السامع التنبه إلى ما يحيط بها، وأن يستعيد صورتها كاملة ويعيش -ساعة سماعها- في جو يشابه الجو الحقيقي الذي ولدت فيه أول أمرها، دون الاكتفاء بالسماع المجرد.
أو يريد منه أن ينتقل بخياله إلى العصر الحقيقي الذي وجدت فيه، ليشاهد وقت الكلام نشأتها، وتحققها هناك.
فالتعبير عن القصة الماضية بصيغة المضارع و"الحال المحكية" يجعل القصة الماضية بمنزلة ما يحصل أمامنا الآن، أو يجعلنا بمنزلة من تقدم بهم الزمان فشاهدوها في وقتها الحقيقي السالف.
والأمران على سبيل التخيل المحض، ولهذا يعتبر زمن المضارع حاليا تأويلا1، لا حقيقة، ويجب
رفعه مراعاة لهذه الحالية التأويلية.
ولا بد في حكاية الحالة هذه من قرينة تدل على الحكاية.
والصورة الثانية: -وهي صورة أقل استعمالا من الأولى- ويراد بها حكاية الحالة المستقبلة التي لم تقع بعد، والتعبير عنها بما يدل على أنها تقع الساعة، وتحصل الآن "أي: وقت الكلام" مع أنها لم تقع ولم تتحقق قبل الكلام، ولا في أثنائه.
والغرض منها: إفادة القطع بمجيئها، وأنها آتية لا محالة، فهي بمنزلة ما وقع وتحقق، أو يقع ويتحقق في أثناء الكلام.
ولا بد في هذه الحكاية من قرينة تدل عليها.
ومن أمثلتها قول أحدهم: "ويل للمشرك يوم القيامة، إني أراه الآن يتلفت حتى يجد الشفيع ولا شفيع يومئذ، وأمعه يصرخ حتى يسمع النصير، ولا نصير".
= عنه للمضارع الذي يقوم -مع القرينة- مقامه تأويلا وتنزيلا.
وهذا يسمى: "حكاية الحال الماضية".
وتقوم على أحد اعتبارين.
أولهما: تخيل المتكلم أن المعنى الماضي الذي حصل وتحقق قبل النطق بالكلام -لم يحصل ولم يتحقق فيما مضى، وإنما يحصل ويتحقق وقت الكلام، أي: في الزمن الحالي؛ فكأن هذا المعنى يحصل ويتحقق أمامه الآن؛ لهذا يعبر عنه بفعل مضارع يدل على الحال.
وثانيهما: أن يتخيل -أيضا- أنه لا يعيش في الزمن الذي يتكلم فيه، إنما رجع به زمنه إلى الوراء؛ ونقله من عصره الحاضر القائم إلى عصر مضى، ووقع فيه ذلك المعنى، فكأن المعنى يقع أمامه ويتحقق في الزمن الذي ينطق ويتكلم فيه بذلك المعنى؛ وهو: "الحال" ويجيء بالمضارع ليعبر عن هذا المعنى، وزمنه، بدلا من الماضي.
فحكاية الحال الماضية قائمة تخيلا؛ إما: على تقديم المتكلم ونقله من زمنه الذي يعيش فيه إلى زمن سبق، وتحقق فيه المعنى، وإما: على تأخير زمن المعنى إلى عصر المتكلم.
وفي الحالتين يستعمل المضارع بدل الماضي؛ للدلالة على أن زمن المعنى وزمن التكلم واحد؛ هو: الزمن الحالي.
وكل هذا على سبيل التخيل، والتأول، والحكاية؛ فتحدث الآثار المشار إليها هنا وفي ص346. ويوضح الاعتبارين السالفين المثال الآتي يقوله أحدنا اليوم.
دعا الرسول عليه السلام قومه إلى طاعة ربه، وإلى ترك المرذول من عادات الجاهلية، فبذل الجهد في هذا السبيل، واحتمل الأذى من قومه، وصبر على ما لقيه من العنت والاضطهاد.
فهذه قصة وقع معناها، وتحقق فعلا قبل النطق هنا؛ فالتعبير عنها بالفعل الماضي هو المناسب لها.
لكن المتكلم قد يعدل عنه إلى التعبير بالمضارع؛ لسبب بلاغي ومعنوي -كما أشرنا- فيقول: "وهو يتخيل أن الزمن تقدم به إلى عصر النبي، فهو يشاهدها فيه، أو أنها تأخرت إلى عصره فهو يشاهدها كذلك، وفي الحالتين يكون زمن مشاهدتها والتكلم بها واحدا، هو: الزمن الحالي": إن رسولنا يدعو قومه ... ويبذل الجهد ... ويحتمل الأذى ... ويصبر ...
الشرط الثاني: من شروط رفع المضارع بعد "حتى"1 ... : أن يكون ما بعدها مسببا عما قبلها؛ كالأمثلة السالفة -ليقع الربط بين ما قبلها وما بعدها-2 فإن لم يكن مسببا عما قبلها لم يصح رفع المضارع، ووجب اعتبارها جارة ينصب بعدها "بأن" مضمرة؛ وجوبا -نحو: "يقضي هؤلاء الزراع نهارهم في العمل حتى تغرب الشمس".
فغروب الشمس ليس مسببا عن قضاء النها رفي العمل، فيجب نصب المضارع: "تغرب"، ولا يجوز رفعه ... ؛ ونحو: "يحرص هذا البخيل على ماله حتى يموت"، فالموت ليس مسبا عن البخل؛ ولهذا يجب نصب المضارع ...
الشرط الثالث: أن يكون ما بعد "حتى" فضله "أي: تم الكلام قبله من الناحية الإعرابية كالأمثلة المتقدمة" لا جزءا أساسيا في جملة لا تستغني عنه في إتمام ركنيها الأصليين؛ "فلا يكون خبرا لمبتدأ3، أو خبرا لناسخ4 ... ،..." فإن لم يكن فضلة لم يصح الرفع، ووجب النصب بأن مضمرة وجوبا بعد "حتى"، نحو: "عملي حتى تغرب الشمس -كان عملي حتى تغرب الشمس- إن عملي حتى تغرب" ... فالمصدر المنسبك من "أن" المضمرة وما دخلت عليه مجرور بـ"حتى" والجار والمجرور خبر المبتدأ، أو خبر الناسخ ...
"ملاحظة": علامة كونه حالا أو مؤولا به صحة الاستغناء عن "حتى" مع وضع "الفاء" الداخلة على كلمة: "الآن" مكانها؛ فلا يتأثر المعنى، ولا الأسلوب5 ... ويجب حينئذ أن يكون ما بعدها فضلة.
ومسببا عما قبلها.
2- ويجب نصب المضارع في كل حالة من الحالات الثلاث السالفة التي لا تصلح للرفع؛ وهي:
أ- أن يكون زمنه -وقت التكلم- ليس حالا، حقيقة ولا تأويلا، بأن كون زمنه ماضيا1 خالصا، أو مستقبلا خالصا، فمثال الماضي المحض؛ "في سنة عشرين من الهجرة تم فتح مصر على يد العرب حتى ينقدوها من ظلم الرومان" ... فالفتح والإنقاذ وقعا في زمن خالص المضي، وبقيا هنا على حالهما من غير تأويل زمنهما بالحال.
ومثل: "بنى العباسيون مقياسا للنيل بجزيرة الروضة2 حتى يعرفوا زيادته ونقصه".
ومثال المستقبل الحقيقي: "في الشهر القادم يزور بلادنا وفود من العلماء الأجانب حتى يطلعوا على مظاهر الحضارة والتقدم عندنا، وسننتهز فرصة وجودهم للانتفاع بعلمهم وتجربتهم حتى تقوم مشروعاتنا العمرانية الجديدة على أسس علمية وفنية صحيحة"؛ فالمراد: لكي يطلعوا في المستقبل "الشهر القادم" على مظاهر الحاضرة، ولكي تقوم مشروعاتنا في المستقبل على أسس علمية بعد زيارتهم، وكذلك بعد انتهاز الفرصة للانتفاع بهم.
والزمن المستقبل هنا هو الزمن الاتي حقا، ولا يكون مجيئهم إلا بعد انتهاء الكلام، وقول الشاعر:
يا ليت من يمنع المعروف يمنعه ... حتى يذوق رجال غب ما صنعوا
أي: لأجل أن يذوق أولئك الرجال في المستقبل غب ما صنعوه.
والمستقبل
هو الزمن الذي يأتي بعد أن يذوقوا المنع1 ...
ب- أن يكون ما بعد "حتى" غير مسبب عما قبلها؛ فينصب المضارع وجوبا في هذه الصورة؛ نحو: "أصوم يومي هذا حتى يجيء المغرب"، فمجيء المغرب ليس مسببا عن الصيام.
ونحو: "يتسابق السباحون حتى ينتهي الوقت"، فانتهاء الوقت ليس مسببا عن التسابق ...
ح- أن يكون ما بعد "حتى" غير فضلة.
فينصب المضارع وجوبا إذا كان ما بعدها جزءا أساسيا في الإعراب من جملة قبلها ... ؛ نحو: سهري حتى أنجز عملي.
أو: كان سهري حتى أنجز عملي ... أو: إن سهري حتى أنجز عملي ...
فكلمة: "حتى" في الحالات الثلاث حرف جر أصلي، والمضارع بعدها واجب النصب "بأن" مضمرة وجوبا.
و"أن" وما دخلت عليه من المضارع وفاعله في تأويله مصدر مجرور "بحتى"، والجار والمجرور متعلقان بعامل مناصب في الكلام.
أما معناها في هذه الحالات فخاضع لما يناسب كل حالة؛ فقد يكون الدلالة على الغاية، أو الدلالة على التعليل.
أو على الاستثناء، طبقا لما شرحناه2، ولا مانع أن تجيء "حتى" صالحة للدلالة على أكثر من معنى واحد، عند فقد القرينة التي تعين معنى دون غيره.
3- ويجوز رفع المضارع ونصبه إذا كان معناه مستقبلا بالنسبة للمعنى الذي قبل: "حتى" بأن يكون المعنى بعدها قد تحقق قبل الزمن الحالي كما تحقق المعنى قبلها؛ فكلاهما قد وقع وتحقق فعلا قبل النطق بالكلام الذي قبلها والذي بعدها ... غير أن تحقق معنى المضارع تأخر عن تحقق المعنى السابق عليها؛
فهو مستقبل بالنسبة للسابق، أي: أن المعنيين قد وقعا وحصلا قبل النطق بالكلام، ولكن أحدهما وهو الذي قبل "حتى" -أسبق في زمن تحققه وحصوله من المتأخر عنها؛ ولهذا يعتبر المتأخر في زمنه "وهو ما يلي "حتى" مستقبلا بالنسبة لما قبلها1؛ لتحقق معناه بعد ذلك المتقدم عليها.
وكل هذا بغير: "حكاية الحال الماضية" ويغير تخيل أنها قائمة الآن2 بطريق الحكاية.
ومن الأمثلة ما قاله أحد المؤرخين: "بنى المعز لدين الله الفاطمي مدينة القاهرة حتى تكون مقرا لحكمه، ومأوى يتسع لأعوانه وجنده.
ولما تم بناؤها عرت عليه أسماء كثيرة حتى يختار منها اسما؛ فاختار لها: "القاهرة" ... " فالمعنى قبل "حتى" -وهو بناء القاهرة- قد تحقق وفات.
وكذلك اتخاذها مقرا للحكم ومأوى.
إلا أن البناء تحقق أولا، ثم تحقق بعد المقر.
فالمقر معنى متأخر في زمن حصوله على زمن البناء، ولهذا يعتبر مستقبلا بالنسبة لزمن البناء ...
وكذلك تمام بنائها أمر فات وانتهى، ومثله اختيار اسم لها.
فالمعنيان قد فاتا وانقضى زمنهما.
غير أن اختيار الاسم متأخر عن تمام البناء، فهو مستقبل بالنسبة لتمام البناء، بالرغم من أن كلا منهما قد انتهى وانقضى.
ولكن أحدهما "وهو ما يلي "حتى" متأخر في زمنه عما سبقها ... ؛ وبسبب هذا التأخر كان مستقبلا بالنسبة للسابق، من غير حكاية حال ماضية، ولا تخيل إرجاعها.
ومن الأمثلة أيضا قول مؤرخ آخر: "استطاع المسلمون الأوائل فتح فارس.
والشام، ومصر، في شهور قلائل؛ لأن سلطان العقيدة غلب كل سلطان آخر، فوجب الرجل منهم نفسه للقتال حتى ينتهر أو يموت شهيدا، لا يعرف التردد، ولا الفرار، ولا الخيانة.
وخاض المعركة حتى يبلغ أمنيته في النصر أو الاستشهاد ... ؛ فالمعنى قبل "حتى" -وهو: الهبة للقتال- قد مضى وانتهى.
وكذلك المعنى بعدها؛ وهو: النصر، أو الموت.
إلا أن الهبة أسبق في مضي زمنها؛ ولذا يعد الثاني -وهو المتأخر في زمن انقضائه- مستقبلا بالنسبة للأسبق.
ومثل هذا يقال في خوض المعركة، وفي بلوغ الأمنية، فكلاهما ماضي المعنى قد فات وقته حقا، إلا أن خوض المعركة أسبق في المضي من بلوغ الأمنية، فكان بلوغ الأمنية -بسبب تأخر زمنه- مستقبلا بالنسبة لخوض المعركة.
وجواز الفرع والنصب في هذه الحالة وأشباهها قائم على أساس التأويل؛ فالرفع على تخيل زمن المضارع حالا مؤولة افتراضا، من غير حكاية؛ لأن المضارع الذي للحال المحكية يجب رفعه -كما تقدم-1 والنصب إما على اعتباره مستقبلا بالنسبة للمعنى الذي قبل "حتى"، لا بالنسبة لزمن التكلم.
وإما على اعتبار العزم والنية على تحقيق معنى المضارع قبل وقوع معناه.
وفي صورة رفعه تكون "حتى" ابتدائية، وفي صورة نصبه تكون جارة والمضارع بعدها منصوب بأن المضمرة وجوبا -كما أسلفنا.
ومن الخير عدم استعمال هذه الصورة القليلة التي يصح فيها الأمران1، وإهمالها قدر الاستطاعة.
فملخص الحالات الثلاث الخاصة بالمضارع الواقع بعد "حتى"، هي:
أ- وجوب رفعه واعتبار "حتى" ابتدائية -إذا كان زمنه للحال حقيقة أو تأويلا2، وكان مسببا عما قبله، وفضله.
فوجوب الرفع لا يتحقق إلا باجتماع هذه الشروط الثلاثة.
ب- وجوب نصبه بأن مضمرة وجوبا بعد "حتى" مع اعتبار "حتى" حرف جر، إذا كان زمن المضارع ماضيا حقا، أو مستقبلا استقبالا حقيقيا
بغير تأويل فيهما، أو كان زمنه للحال، ولكنه فقط شرط "السببية"، أو شرط "الفضلة"1 ...
ح- جواز رفعه ونصبه إن كان زمنه مستقبلا بالنسبة لزمن المعنى الذي قبل "حتى" لا بالنسبة لزمن الكلام. وكلا الزمنين -قبلها وبعدها- قد مضى وانتهى حقيقة. وتكون "حتى" ابتدائية عند رفعه، وجارة عند نصبه؛ مراعاة للاعتبار الخاص بكل نوع ... والأحسن عدم محاكاة هذا النوع قدر الاستطاعة.
بقيت أمور جديرة بالتنويه:
أولها: علامة المضارع بعد "حتى" إذا كان معناه ماضيا حقا، ولكن زمنه إما للحال تأويلا، وإما للمستقبل بالنسبة للمعنى الذي قبل "حتى" -هي صحة الاستغناء عنه؛ بوضع فعله الماضي موضعه فيظل المعنى مستقيما، والتركيب صحيحا -كما أسلفنا2.
ثانيها: أوضحنا3 أن الرفع -بالشروط التي تقتضيه بعد "حتى"- يفيد الإخبار بوقوع معنى الكلام وحصوله قبل "حتى" وبعدها، كما يفيد أن الثاني مسبب عن الأول.
أما النصب في الحالات التي ينصب فيها المضارع بعدها فيفيد الإخبار بوقوع شيء واحد وحصوله هو معنى الكلام الذي قبل "حتى"
وأن معنى الكلام الذي بعدها مترقب الحصول في المستقبل، ينتظهر تحققه من غير أن يفيد هذا الكلام القطع بأنه سيقع ويتحقق؛ واو كان وقوعه معلوما، من قرينة أخرى ... ثالثها: أن وجوب رفع المضارع الحالي الزمن حقيقة أو تأويلا هو -كما أشرنا-1 لمنع التعارض بين دلالته على الحالية وما تد عليه "أن" الناصبة له؛ إذ لو نصبته لجعلت زمنه للمستقبل المحض، كشأن كل النواصب، مع أن المراد أن يكون زمنه للحال الحقيقية أو المؤولة، ومن ثم يقع التعارض بين الحال والاستقبال؛ أي: بين الحالية المطلوبة هنا، والاستقبال الخالص الذي يحتمه وجود "أن الناصبة" للمضارع، وهذا التعارض لا يوجود مع الرفع.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
زيادة وتفصيل:
أ- من الأحكام السابقة يسهل ضبط المضارع في الأمثلة الآتية التي عرضها بعض النحاة لبيان ضبطه. ومنها: ومنها: "سرت حتى تطلع الشمس"، فيجب النصب؛ لعدم تسبب الطلوع عن السير. وكذلك: "ما سرت حتى أدخل البلد"؛ لعدم وقوع شيء يصلح أن يكون سببا في الدخول؛ إذ أن الدخول لا يتسبب -عادة- عن عدم السير، ومثله: "قلما سرت حتى أدخلها"، إذا كان معنى "قلما" هو النفي ...
وكذلك في: "أسرت حتى تدخلها؟ " لأن السبب لم يتحقق؛ بسبب الاستفهام عنه؛ فلو رفع الفعل لزم تحقق وقوع المسبب1.
مع الشك في وقوع السبب، وهذا لا يصح ...
ففي الأمثلة السالفة ونظائرها يجب النصب، ولا يصح الرفع.
بخلاف: أيهم سار حتى يدخلها الآن؟ ومتى سرت حتى تدخلها الآن؟ فيجوز الرفع، لأن السير محقق.
وإنما الشك في معرفة من فعل الفعل، أو في زمن الفعل.
ب- يرى الكوفيون أن "حتى" حرف ناصب بنفسه، ويجوز وقوع "أن" المصدرية بعده فتكون مؤكدة توكيدا لفظيا لحتى.
أما البصريون فيوجبون أن يكون الناصب هو: "أن" المضمرة وجوبا بعد "حتى" الجارة، ولا يجيزون ظهور "أن" بعدها.
ويجيزون ظهور "أن" بعد التابع2، مستدلين بقول القائل يمدح بني شبيان:
ومن تكرمهم في المحل3 أنهمو ... لا يعرف الجار فيهم أنه جار
حتى يكون عزيزا من نفوسهمو ... أو أن يبين جميعا وهو مختار
وموضع الشاهد ظهور "أن" قبل المضارع: "يبين" وبعد "حتى"
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الملحوظة المعطوفة على أخرى قبلها.
والتقدير عند البصريين: حتى يكون عزيزا من نفوسهم أو حتى أن يبين ...
ح- يتساءل بعض النحاة عن معنى "حتى" في قول العرب: "ما سلم فلان حتى ودع"، وفي قول الشاعر:
ركب الأهوال في زورته ... ثم ما سلم حتى ودعا
فقيل إنها ابتدائية تفيد الاستثناء هنا "فهي بمعنى: "إلا" التي تليها "أن" والاستثناء مفرغ في الظرف.
والتقدير؛ ما سلم في وقت إلا وقت ودع الناس فيه.
وقيل إنها ابتدائية؛ بمعنى: لكن -ساكنة النون كالمألوف الكثير فيها- ومن شأن الابتدائية ألا تقطع الصلة المعنوية بين ما بعدها وما قبلها1، برغم أن ما بعدها لا بد أن يكون جملة مستقلة في إعرابها -فيكون المعنى ما سلم في وقت لكن ردع فيه.
والمعنيان متقاربان.
د- إذا دخلت "حتى" الابتدائية على جملة لم يصح وقوع هذه الجملة خبرا عن مبتدأ أو عن ناسخ ... أو2 ...
الأداة الرابعة: فاء السببية الجوابية1:
معناها: يتضح من الأمثلة التالية:
1- لا يغضب العاقل فيفقد صواب الرأي، ولا يتبلد فيفقد كريم الشعور.
2- لست أنكر الفضل فأتهم بالجحود أو بالحقد، ولست أبالغ في الثناء، فأتهم بالغفلة أو الرياء.
3- لا تصاحب غادرا فينالك غدره، ولا تأتمن خائنا فتصيبك خيانته.
4- أتعرف لنفسك حقها فتصونها عن الهوان؟ وهل تدرك أن الكبر كالضعة؛ كلاهما بلا فتحذره؟.
فإن الناطق بمثل: "لا يغضب العاقل؛ فيفقد صواب الرأي" ... يريد أمرين معا، هما: نفي الغضب عن العاقل، وبيان ما يترتب على نفيه من عدم فقد الرأي الصائب؛ فكأنه يقول: العاقل لا يغضب؛ فيترتب على عدم غضبه أنه لا يفقد صواب الرأي، أي: لا يغضب، فلا يفقد سديد الرأي.
فما بعد "الفاء" مسبب عما قبلها، وكلاهما منفي، هنا2.
والناطق بمثل: "لا يتبلد فيفقد كريم الشعور.
يريد أمرين معا؛ هما:
عدم التبلد، وما يترتب عليه من عدم فقد الشعور الكريم؛ فكأنه يقول: لا يتبلد، وعدم تبلده يؤدي إلى عدم فقده الشعور الكريم، أي: لا يتبلد فلا يفقد كريم الشعور ... فما بعد الفاء مسبب عما قبلها. وكلاهما منفي هنا أيضا.
والناطق بمثل: لست أنكر الفضل فأتهم بالجحود ... يريد الأمرين، عدم إنكار الفضل، وما يؤدي إليه من عدم الاتهام بالجحود. ومثل هذا يقال في الشطر الثاني من المثال.
والناطق بمثل: لا تصاحب غادرا فينالك غدره ... يريد أمرين معا؛ النهي عن مصاحبة الغادر، وبيان ما يترتب على مصاحبته من الإصابة بغدره. ومثل هذا يقال في بقية المثال.
والناطق بمثل: أتعرف لنفسك حقها؛ فتصونها عن الهوان؛ يريد أمرين؛ سؤال المخاطب عن معرفته حق نفسه، وبيان ما تؤدي إليه هذه المعرفة. كما يسأله عن إدراكه حقيقة الكبر والضعة، وبيان ما يترتب على هذا الإدراك ...
فنلحظ في كل الأمثلة السالفة -وأشباهها- أن "الفاء" تتوسط أمرين السابق منهما، هو "العلة" أو "السبب" في المتأخر الذي يليها، ولهذا سميت: "فاء السببية"، أي: "الفاء" التي معناها الدلالة على أن ما بعدها مسبب عما قبلها، ولا بد -هنا- أن يليها مضارع منصوب.
كما نلحظ شيئا آخر؛ هو: دلالتها على "الجواب"1.
والمراد من دلالتها على الجواب: أن ما بعدها مترتب على ما قبلها ترتب الجواب على السؤال؛ سواء أكان ما قبلها مشتملا على استفهام: كالمثال الرابع، أم غير مشتمل عليه، كبقية الأمثلة.
ولهذا توصف بأنها: "الجوابية"1 أي: التي تدل على أن ما بعدها
بمنزلة الجواب لما قبلها؛ فمعناها هو: "الدلالة على السببية والجوابية" معا.
ولما كان معناها الدلالة على "السببية والجوابية" معا سميت: "فاء السببية الجوابية".
لكن شاع الاكتفاء بتسميتها: "فاء السببية"؛ اختصارا، مع إرادة أنها تدل على: "الجواب" أيضا، فهي عند الاختصار اللفظي أو عدمه يراد منها الدلالة على الأمرين مجتمعين.
وبهذا جرى العرف بين النحاة وغيرهم فإذا ذكرت "فاء السببية" مطلقة من التقييد كان المراد منها: "فاء السببية الجوابية" التي ينصب بعدها المضارع "بأن" مضمرة وجوبا بالشرط الذي سنعرفه ... وقد صار هذا الاسم المختصر خاصا بها مقصورا عليها1 ...
ومع دلالتها على "السببية الجوابية" تدل معهما كذلك على "الترتيب والتعقيب"؛ لأنها "فاء عطف" أيضا؛ فالترتيب يوجب أن يتأخر ما بعدها عما قبلها في زمن تحققه؛ إذ المسبب متأخر في الوجود عن السبب حتما.
والتعقيب يوجب أن يكون زمن التأخر قصيرا، لا مهلة فيه؛ كما هو الشأن في الفاء العاطفة.
من كل ما تقدم يتبين أنها تفيد "السببية الجوابية"، مع الدلالة على "الترتيب والتعقيب".
عملها:
فاء السببية حرف عطف يفيد الترتيب والتعقيب، مع دلالته على "السببية.
الجوابية" -طبقا لما شرحنا- ويختص بالدخول على المضارع المنصوب "بأن" المضمرة وجوبا.
وهو يعطف المصدر المؤول من "أن" وما دخلت عليه من الجملة المضارعية، على مصدر قبله2، وعملها مقصور على هذا العطف.
ولا يجوز
الفصل بين فاء السببية والمضارع بغير "لا" النافية، إن اقتضى المعنى وجودها.
ولا تكون هذه "الفاء" للسببية الجوابية إلا بشرط أن يسبقها -في الأغلب-1 أحد شيئين؛ "إما النفي المحض، أو ما ألحق به"، "وإما الطلب المحض، أو ما ألحق به"1.
فإن لم يسبقها شيء مما تقدم لم يصح -في الأغلب-2 اعتبارها سببية جوابية. وفيما يلي التفصيل الخاص بهذا الشرط:
النفي المحض، وما ألحق به:
أ- المراد من النفي: سلب الحكم عن شيء بأداة معينة3.
وهذه الأداة النافية قد تكون حرفا؛ "مثل: لا، ما، لم، لن ... " وقد تكون فعلا، "مثل: ليس، زال" ... وقد تكون اسما؛ "مثل: غير ... " نحو: لا يهمل الصانع فيقبل على صناعته الناس - ليس الأحمق مأمونا فتصاحبه - الأديب الظريف غير حاضر فيؤنسنا.
ويلحق بالنفي: التشبيه المراد به النفي بقرينة دالة عليه، كقول الجندي لزميله المتكبر: "كأنك القائد فنطيعك" ... وكذا التقليل المراد به النفي -أحيانا- بقرينة؛ ومن ألفاظه: "قلما" و"قد"؛ نحو: "قلما يشبع الظلم والخلاف في أمه فتنهض.
بهذا خبرنا التاريخ، وقطع به" - "أيها المتحدث
عن الشجاعة في الحروب، وما حملت سيفا، ولا اقتحمت معركة؛ قد كنت في معركة فتصفها" ... فالمعنى في الأمثلة السالفة منفي؛ أي: ما أنت بالقائد فنطيعك -لا يشيع الظلم والخلاف في أمة فتنهض- ما كنت في معركة فتصفها1..
ب- والمراد بالمحض؛ الخالص من معنى الإثبات؛ فلا يوجد في الكلام ما ينقض معناه، مثل: "إلا الاستثنائية" التي تنقض النفي1، ومثل نفي آخر بعده يزيل أثره، ويجعل الكلام مثبتا؛ لأن نفي النفي إثبات، كما هو معروف.
ومن أمثلة النفي المحض: لا يسقط المطر في الصحراء فينبت الكلأ ... ، وكذا الأمثلة التي تقدمت في أول البحث.
فإن نقض النفي بإلا الاستثنائية، وكانت قبل فاء السببية، لم يصح نصب المضارع ووجب رفعه، على اعتبار هذه الفاء للاستئناف، أو للعطف المجرد2، وليست للسببية؛ نحو: لا يشاهد الخبير أعمالا إلا المشروعات العظيمة؛ فيعلن رأيه فيها -لم أشتر مطبوعات إلا الكتب النافعة؛ فأستوعبها- ما اكتسبت مالا إلا المال الحلال فأنفقه.
أما إن نقض النفي "بإلا" الاستثنائية، وكانت بعد الفاء والمضارع ... فيجوز في المضارع الرفع والنصب3؛ نحو: لا يشاهد الخبير أعمالا فيعلن رأيه فيها إلا المشروعات العظيمة -لم أشتر مطبوعات فأستوعبها إلا الكتب النافعة- ما اكتسبت مالا فأنفقه إلا المال الحلال.
وقول الشاعر:
وما قام منا قائم في ندينا ... فينطق إلا بالتي هي أعرف4
فيجوز في كل هذه الأفعال المضارعة -ونظائرها- الرفع والنصب5 ...