النحو الوافيالمسألة 106: اسم الزمان واسم المكان

المسألة 106: اسم الزمان واسم المكان

عن هذه الطبعة
عَلَم
عباس حسن
الكتاب
النحو الوافي
المؤلف
عباس حسن (المتوفى: 1398هـ)
الناشر
دار المعارف
الطبعة
الطبعة الخامسة عشرة
عدد الأجزاء
4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

1 تعريفهما: اسمان يصاغان من المصدر الأصلي1 للفعل بقصد الدلالة على أمرين معًا: هما: المعنى المجرد الذي يدل عليه ذلك المصدر؛ مزيدًا عليه الدلالة على زمان وقوعه، أو مكان وقوعه.
أو يقال: اسم الزمان ما يدل -بكلمة واحدة- على المعنى المجرد وزمانه1، واسم المكان ما يدل -بكلمة واحدة- على المعنى المجرد ومكانه2.
ومن الميسور الوصول إلى هذه الدلالة بتعبيرات أخرى خالية من الاسمين السالفين.
ولكنها تعبيرات لن تبلغ في الإيجاز مبلغ اسم الزمان واسم المكان، فمزية كل منهما أنه يؤدي بكلمة واحدة ما لا يؤديه غيره إلا بكلمات متعددة.
صوغهما: أ- طريقة صياغتهما، والوصول إليهما من الماضي الثلاثي، غير معتلِّ العين بالياء3، تتحقق بالإتيان بمصدره القياسي -مهما كانت صيغته- ثم "1، 1" لم يعرض لهما ابن مالك في: "ألفيته".
وعرضنا لهما هنا استيفاء للمشتقات.
وقد سبق في ص182 بيان مفصل عن المشتقات، وعن أصلها؛ أهو المصدر الصريح، أم الفعل الماضي؟ وأن بعض القدامى يطلق كلمة: "الأخذ" على الاشتقاق من غير المصدر الصريح.

جعلها على وزن: "مَفعَل"1 -بفتح الميم والعين- في جميع الحالات، ما عدا حالتين، تكون الصيغة فيهما على وزن "مَفعِل"1 -بكسر العين-: الأولى: الماضي الثلاثي صحيح الأحرف الثلاثة، مكسور العين في المضارع؛ مثل: جلس يجلس، رجع يرجع، قصد يقصد، حسب يحسب ... و ... الثانية: الماضي معتل الفاء بالواو1، صحيح اللام2، بشرط أن يكون مضارعه مكسور العين3، تحذف فيه الواو لوقوعها بين الفتحة والكسرة، مثل: وأل يئل4، وثق يثق، وجم يجم5، وخز يخز6، وعد يعد.
فمن أمثلة "مفعَل" -بفتح العين- للزمان: مطلع الفجر خير وقت للقراءة والإطلاع النافع.
لكثير من الطيور هجرة سنوية، فرارًا من البرد فإذا أقبل المشتى، وحل المهجر، رحلت إلى بلد أكثر دفئًا، وأنسب "1، 1" سيجيء في "ب" من ص325 حكم زيادة تاء التأنيث في آخر هذه الصيغة.

جوًّا.
والمراد: زمن طلوع الفجر.
زمن الشتو "بمعنى: الشتاء".
زمن الهجر: "بمعنى الهجرة".
وأفعالها الثلاثية هي: طلع.
شتا.
هجر.
ومن أمثلة "مفعل" -بكسر العين- للزمان: كلمتا مغرس، وموعد في قولهم: لغرس الشجر مواسم معينة: فإذا حان المغرس، وحل موعده أسرع الزراع إلى غرس ما يريدون.
ومن أمثلة "مفعِل" -بفتح العين -للمكان: "مدخل، مطعم، مطبخ، مكتب، ملعب، مشرب، منأى، مسرح، مأوى ... " في قول القائل: "زرت بيتًا لأحد الرفاق؛ فراقني جماله؛ وتمام نظافته، وبراعة تنسيقه، ووفاؤه بمطالب الحياة السعيدة؛ فهذا مدخل للأضياف، يسلمهم إلى غرفة استقبال أنيقة.
وهذا مطعم واسع، حسن الترتيب، يحمل إليه شهي الطعام من مطبخ آية في النظافة.
وفي جانب هادئ غرفة واسعة جعلها رب البيت مكتبًا له، تطل على حديقة عامرة بعيون الأزاهير.
وفي أحد الأطراف ملعب فسيح، مهدت طرقه، وفرشت أرضه بالكلأ الناعم الأخضر.
وفي ركن منه مشرب للدافىء والبارد.
وفي منأى عنه مسرح ومأوى للطيور الأليفة، وبعض الحيوانات المستأنسة ... ". والمراد؛ مكان الدخول، مكان الطعام، مكان الطبخ، مكان الكتابة.
مكان اللعب، مكان الشرب، مكان النأي، أي: البعد.
مكان السرح أي: الرعي، مكان الإيواء ... ومن أمثلة "مفعل" -بكسر العين- للمكان؛ مجلس، مرجع، مقصد، موثق، موئل، مورث؛ كقولهم في وصف أمير المؤمنين علي بن أبي طالب: كان واضح الجلال، عظيم الهيبة.
مجلسه مجلس علم ووقار؛ لا تسمع فيه لغوًا، ولا تأثيمًا، والإمام فيه مرجع الفتوى، ومقصد المستفهم، وموثق الشاك، وموئل اللائذ ... أي: مكان الجلوس، مكان الرجوع، مكان القصد، مكان الوثوق، مكان الوأل، "أي: الالتجاء".

أما صياغتهما والوصول إليهما من الماضي الثلاثي المعتل العين بالياء فقد سبق بيانها1.
ب- فإن كان الماضي غير ثلاثي فطريقة صوغهما تتحقق بالإتيان بمضارعه: ثم قلب أوله ميمًا مضمومة، وفتح الحرف الذي قبل الآخر، فتنشأ صيغة صالحة لأن تكون اسم زمان واسم مكان2، ويكون توجيهها لأحدهما خاضعًا للقرائن اللفظية أو غير اللفظية، فالقرينة وحدها هي التي تتحكم في هذه الصيغة؛ فتجعلها لأحدهما دون الآخر.
فمن الأمثلة: ممسى ومصبح "أمسى، يمسى، ممسى.
أصبح، يصبح، مصبحًا"، نحو: الحمد لله ممسانا ومصبحنا، ونحو قول التاجر: متجري مصبحي وممساي.
والمراد: "الحمد لله في وقت إمسائنا وإصباحنا.
متجري مكان إصباحي وإمسائي.
ونحو: الفلك دوار في حركة دائبة، فليس له منقطع يتوقف عنده إذا حان، ولا متوقف يستريح ساعته إذا حلت.
والمراد؛ ليس له زمان انقطاع، ولا زمان توقف.
ومن الأمثلة: كوخ تملؤه السكينة والطمأنينة والوئام خيرٌ مستقرًا وأعظم مقامًا من قصر فخم يسوده القلق والفزع، ودواعي الشقاق.
والمراد: خير مكان للاستقرار، وأعظم مكان للإقامة.
حكمها: اسم الزمان والمكان مشتقان يصح أن يتعلق بهما شبه الجملة3

ولكنهما لا يعملان شيئًا من عمل فعلهما؛ فلا يرفعان الفاعل -أو نائبه، ولا ينصبان المفعول به، ولا غيره ... ويصح -عند الحاجة- زيادة تاء التأنيث في آخر صيغة "مفعل" -بفتح العين، وكسرها- بشرط أن تكون الصيغة للمكان؛ مرادًا تأنيث معناه؛ سيجيء البيان الخاص بهذا1.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  زيادة وتفصيل: أ- يقول فريق من النحاة: إن اللغة أسماء للزمان أو للمكان على وزن "مفعل" -بكسر العين- سماعًا عن العرب.
وكان القياس الفتح؛ ومنها: المشرق، المغرب، المطلع، المسجد، المرفق1، المنسك2، المفرق3، المجزر4، المسقط5، المنبت، المسكن، المحشر، الموضع، مجمع الناس، المخزن، المركز، المرسن6، المنفذ7، المعدن، المأوى، إذا كان خاصًّا بالإبل تأوي إليه.
والملاحظ أن النحاة كثير من مراجعهم حين يسردون الكلمات السالفة يصفونها بأنها وردت عن العرب بالكسر، وأن قياسها الفتح، ويكتفون بهذا، دون أن يعرضوا ببيان شافٍ لأمرين هامين.
أولهما: ما تنص عليه المراجع اللغوية من ورود السماع الصحيح بالكسر وبالفتح في أغلب تلك الكلمات "دون الاقتصار على أحد الضبطين"8 مثل: مسجد، موضع، منبت، مطلع، مسقط، مظنة، مشرق، مغرب، مسكن، مجمع الناس، مغرب، مرفق، منسك9، محشر ... فورود السماع بالفتح أيضًا أدخل تلك الكلمات في مجال الضابط العام، وجعله منطبقًا عليها.
وإذًا لا معنى لإبرازها ووصفها بأنها: "وردت مكسورة، وكان قياسها الفتح".
فقد ثبت أنها وردت بالفتح أيضًا؛ فاجتمع في الفتح السماع وانطباق الضابط

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  العام عليه، "أي: اجتمع فيه السماع والقياس" كما أن ورود السماع بالكسر يجيز فيها استخدام الكسر أيضًا: مراعاة للمسموع، دون أن يوجب الاقتصار عليه. بل إن ورود السماع بالكسر وحده لا يوجب الاقتصار عليه وإهمال القياس1.
فيكف وقد اجتمع لها السماع والقياس معًا؟ ثانيهما: أن كثيرًا من أفعال تلك الألفاظ يصح في مضارعه كسر العين؛ طبقًا للوارد عن العرب؛ كمضارع الأفعال الصحيحة: "رفق، فرق، جزر، حشر ... " فليست عين المضارع فيها مقصورة في اللغة على الفتح أو على الضم؛ بل يجوز فيها الكسر أيضًا" طبقًا للوارد.
وإذا جاز فيها الكسر كانت صيغة الزمان والمكان بكسر العين قياسية مطردة؛ وتكون كنظائرها الكثيرة المكسورة التي تخضع للضابط العام، وتنطبق عليها القاعدة الخاصة بطريقة الصوغ المطرد، ولا يكون ثمة معنى لإبرازها من بين نظائرها، وتخصيصها بأنها: "وردت مسموعة بالكسر، وكان قياسها الفتح".
ذلك أن الفتح والكسر سماعيان وقياسيان معًا فيها ... وخلاصة ما تقدم أن تلك الكلمات التي تمالأ فريق من النحاة على أنها مسموعة بالكسر، وأن قياسها الفتح ليست مخالفة للقياس الأصيل، ولا خارجة عن نطاق القاعدة العامة المتعلقة بالصياغة المطردة؛ إما لأنها مسموعة بالفتح أيضًا كورودها مسموعة بالكسر، وإما لأن عين مضارعها مسموعة بالكسر وغير الكسر، ومتى ورد فيها الكسر صح مجيء الصيغة مكسورة العين، وفاقًا للقاعدة العامة، والقياس المطرد ... 2.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ب- وردت صيغ -كثيرة لاسم المكان، قليلة لاسم الزمان- من مصدر الثلاثي على وفاق القاعدة، ولكنها مختومة بتاء التأنيث للدلالة على تأنيث المعنى المراد من الكلمة؛ "إذ يقصد منها: البقعة، بمعنى المكان".
فمما ورد في الكلام العربي الفصيح: "المَزِلَّة" بكسر الزاي لموضع الزلل، المظَنة بفتح الظاء1" لمكان الظن، المَشْرَقة "بفتح الراء" لموضع شروق الشمس والقعود فيها، موقَعَة الطائر "بفتح القاف" للمكان الذي يقع فيه، المشرَبة للغرفة، المدبغة، المزرعة، المزلقة، المنامة ... وكثير مثل هذا يزيد على المائة، ولكنه يكاد يقتصر على المكان.
فهل يجوز القياس على هذا الوارد من المكان مرادًا منه: "البقعة"، بزيادة تاء التأنيث على صيغة "مفعَِل" التي هي بفتح العين أو بكسرها، لتصير "مفعَِلة" بفتح العين أو كسرها2 مع بقاء الدلالة على ما كانت عليه؟ اختلف قدماء النحاة في الرأي؛ فقليلهم يجيز القياس، وأكثرهم يميل -بغير داعٍ قوي- إلى المنع؛ لتوهمه أن هذا الكثير -المسموع المختوم بالتاء في صيغة اسم المكان- قليل لا يكفي للقياس عليه.
والحق أن الرأي الذي يبيح القياس عليه سديدٌ موفقٌ؛ إذ كيف يوصف الوارد من تلك الأمثلة المكانية بالقلة مع أنه يبلغ العشرات3؟ نعم؛ إنها قلة، ولكنها: "نسبية"، "أي: بالنسبة للصيغ الواردة من غير تاء التأنيث"، والقلة "النسبية" على هذا الوجه تبيح القياس العام، وتجيز المحاكاة من غير تقييد4، وإن كانت لا تبلغ في درجة القوة والفصاحة مبلغ الأولى5، فاختلاف الدرجة في القوة والفصاحة لا يمنع من صحة القياس والمحاكاة.
ولا داعي للتضييق الذي لا يدفع عن اللغة أذى؛ ولا يجلب لها نفعًا.
فالأنسب إباحة القياس في صيغة "مفعَِلة"

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  بفتح العين أو كسرها؛ تبعًا للقواعد السابقة الخاصة بصياغتها، مع الاقتصار في القياس على اسم المكان؛ لأن أمثلته الواردة هي التي بلغت في الكثرة حدًّا يبيح القياس عليها، دون اسم الزمان، حتى لقد علل النحاة واللغويون التأنيث بأنه إرادة البقعة لا المكان1 وهى غير "مفعلَة" الآتية هنا في "ج". وأهم مما سبق وأقوى في إباحة القياس أن النحاة يقررون أن إلحاق تاء التأنيث بالمشتقات قياسي لتأنيث معناها، وأن هذا الإلحاق قياسي مطرد في جميع أنواعها، إلا بعض صيغ معينة، ليس منها صيغة اسم الزمان والمكان -كما سيجيء في باب التأنيث، ج4 م169 ص440. هذا، وقد أباح مؤتمر المجمع اللغوي القاهري "في دورته الثالثة والثلاثين التي بدأت في آخر يناير سنة 1967 زيادة التاء للتأنيث في "مفعلة" "صيغة اسم المكان" مطلقًا، "أي: سواء كثر في المكان الشيء أو لم يكثر، وعرض عليه من المسموع الصحيح الوارد لها نحو: ستة وعشرين ومائة "126" كلمة ختمت فيها صيغة المكان بتاء التأنيث2.
ج- قد يصاغ من الاسم الجامد الثلاثي3 الحسي4 صيغة على وزن:

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  "مَفعَلة" بفتح الميم والعين دائمًا بقصد الدلالة على مكان يكثر فيه ذلك الشيء1 الحسي المجسم، "أي: الذي ليس معنويا2.
فإذا وجد مكان يكثر فيه: "ورق" -مثلًا- صغنا "مفعَلة" من: "ورق" فقلنا: "مورَقَة"؛ للدلالة على مكان يكثر فيه ذلك الشيء الحسي المسمى: "بالورق".
وإذا وجد مكان يكثر فيه: "عنب" صغنا من كلمة "عنب": "معنَبة"، للدلالة على مكان يكثر فيه ذلك الشيء المجسم المسمى: "بالعنب".
وإذا وجد مكان يكثر فيه: "البلح"، صغنا من كلمة: "بلح"؛ "مبلحة" للدلالة على المكان الذي يكثر به البلح.
وهكذا تصاغ "مفعلة" -من الاسم الثلاثي الجامد للدلالة على أمرين معًا، هما: المكان وما يكثر فيه من شيء حسي معين، "كما سبقت الإشارة لهذا3". فالمراد: هو وصف بقعة، أو قطعة من الأرض بكثرة ما فيها من شيء خاص مجسم.
ومن الأمثلة أيضًا: مأسدة: لأرض يكثر فيها الأسد.
مذأبة: لأرض يكثر فيها الذئب.
مذهبة: لأرض يكثر فيها الذهب.
مقمحة: لأرض يكثر فيها القمح.
مرملة: لأرض يكثر فيها الرمل.
إلى غير ذلك من الأسماء الثلاثية الجامدة الحسية.
ويسمى الاشتقاق بالطريقة السالفة: الاشتقاق من أسماء الأعيان3 الثلاثية".
أما غير الثلاثية فلا يصاغ منها "مفعلة" لهذا القصد.
إلا إن كان الاسم مشتملًا على بعض الحروف الزائدة التي يمكن حذفها، وتجريده منها، وإبقاؤه على ثلاثة أحرف أصلية تشتق منها تلك الصيغة بغير لبس؛ مثل: "مبطخة" لأرض يكثر فيها: "البطيخ".
و"مغزلة" لأرض يكثر فيها الغزال، و"محصنة" لأرض يكثر فيها الحصان.
فالأمر في هذه الصيغة مقصور على الثلاثي؛ إما أصالة، وإما4

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  تحويلًا؛ بأن يتجرد المزيد من أحرف زيادته ويسير ثلاثيًا؛ اتِّباعا للمأثور الغالب عن العرب. أما المجرد من غير الثلاثي فيسلك معه مسالك أخرى في التعبير عن هذه الدلالة على حسب اختيار المتكلم وقدرته البلاغية؛ دون استخدام لتلك الصيغة؛ إذ لا يكاد يوجد خلاف في منع صياغة: "مفعلة" من المجرد الذي تزيد حروف الأصلية على ثلاثة1.
بقي أن نشير إلى مسألتين هامتين: الأولى: أقياسيةٌ تلك الصيغة أم مقصورةٌ على السماع؟ لقد ارتضى المجمع اللغوي القاهري قياسيتها، ونصُّ قرارِه2: "جاءت أمثلة من تلك الصيغة عن العرب، ولنا أن نتكلم بما جاء عنهم.
وهل لنا أن نقيس عليه؛ فنقول مثلًا: "مغزلة" للأرض التي يكثر فيها الغزال، وقد جرد لفظ: "الغزال" من زيادته، ومخسة للأرض التي يكثر فيها الخس، و"متبرة" للأرض التي يكثر فيها التبر -إذا كان العرب لم يقولوا هذا؟

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  في المسألة رأيان مبنيان على الاختلاف في التقدير: "أحدهما: أن هذا البناء -مع كثرته- من قبيل المسموع ومعنى هذا أن الكثرة لم تصل إلى حد أن يقاس عليها.
"والآخر: أن الكثرة وصلت إلى حد أن يقاس عليها.
وله من كلام بعض1 الأئمة الكبار ما يعضده.
"وقد أخذ المجمع بالرأي الثاني؛ لأنه قوي، والحاجة داعية إلى القياس على ما قال العرب" ا. هـ2.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  الثانية: أن هذه الصيغة تختلف في مدلولها وفي المراد منها عن صيغتي: = واستصوب ... وإذا أجيز الصحيح في الأفعال فالإجازة في الأسماء مقبولة؛ لأن الأسماء في هذا الباب محمولة على الأفعال، في الإعلال" ا. هـ. هذا نص الاستفسار، وقرار اللجنة والمؤتمر بشأنه، "كما وردت نصوصها الحرفية في ص50 من مجموعة البحوث، والمحاضرات لمؤتمر المجمع، في دورته السادسة والعشرين، سنة 1959-1960". وإني ألحظ في هذا القرار غموضًا وتعارضًا يتطلبان التجلية والتوفيق.
فالقرار ينص على أن القاعدة هي: الإعلال.
وهذا حكم يقتضينا التمسك بالقاعدة.
وعدم الخروج عليها، ما دامت قد استحقت اسمها: وما خالفها فشاذ يحفظ ولا يقاس عليه كما يقولون.
لكن القرار يعود بعد ذلك فيقول: وردت ألفاظ كثيرة في اللغة بالتصحيح لا بالإعلال ... فما مراده بالكثرة؟ إن كانت قد بلغت الحد الذي يصح القياس عليه لم تكن القاعدة السالفة "وهي قاعدة: "الإعلال" فريدة يجب الاقتصار عليها؛ وإنما تكون إحدى قاعدتين، يجوز القياس على كل منهما؛ هما: "التصحيح والإعلال".
وإن كان لم تبلغ حد الكثرة المطلوبة وجب الاقتصار على الأول عند التعليق، واعتبار ما ورد من الثانية شاذًّا.
ثم ما المراد من أن الأصل يُلجأ إليه أحيانًا؟ أهذا الالتجاء واجب أم جائز؟ وما تحديد هذه الأحيان؟ ومن الذي له الحق في تحديدها؟ ... و ... وإذا كان بقاء الكلمة من غير إعلال أبين من غير شك "كما يقول القرار" في الدلالة على المعنى من الإعلال -فلماذا نترك الأبين إلى غيره؟ وكيف يختار أئمة النحو ضابطًا عامًّا يؤدي إلى غير الأبين مع ترك ما يؤدي إلى الأبين؟ وإذا كان الإعلال في هذا الباب غير مستحكم "كما يقول القرار" فلم التمسك به، وبناء القاعدة عليه؟ وإذا كان المنقول عن أبي زيد -كما يشعر القرار -جواز التصحيح في "أفعل" و"استفعل"، فهل يجوز التعميم بحيث يشمل التصحيح غيرهما أيضًا، بالرغم من أن أبا زيد قصر الأمر عليهما دون غيرهما؟ وبالرغم أيضًا مما قاله ابن جني في كتابه الخصائص "ج1 ص99" ونقله السيوطي وغيره في كتابه: "الأشباه والنظائر" وفي كتابه المزهر "ج1 ص136" عند الكلام على المطرد في الاستعمال مع شذوذه في القياس؟ مثل: استحوذ واستصوب؟ فقد قال ما نصه: "اعلم أن الشيء إذا اطرد في الاستعمال، وشذ عن القياس فلا بد من اتباع السماع الوارد فيه نفسه، لكنه لا يتخذ أصلا يقاس عليه غيره، ألا ترى أنك إذا سمعت استحوذ، واستصوب ... أديتهما بحالهما، ولم تتجاوز ما ورد به السماع فيهما إلى غيرهما؛ ألا تراك لا تقول في استقام استقوم، ولا في استساغ استسوغ، ولا في استباع استبيع، ولا في أعاد أعود ... ولم نسمع شيئًا من ذلك.
قياسًا على قولهم أخوص الرمث ... "الرمث: نبت حامض.
وأخوص: صار كالخوص" ... فهل يجوز التعميم برغم كل ما سبق مما نقلناه؟ وما المراد من قول التقرير: إذا أجيز التصحيح في الأفعال فالإجازة في الأسماء مقبولة ... ؟ فهل اطرد التصحيح في الأفعال حتى تحمل عليه الأسماء فيه؟ وإذا كان مطردًا أو كثيرًا إلى الحد الذي يبيح قياس الأسماء عليه فلم منعه القدماء إلا في المسائل التي نصوا عليها؟ ... تلك هي بعض =

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  "مفعل" و"مفعلة" الخاصتين "باسم المكان" فهاتان الصيغتان مشتقتان من المصدر، وتدلان على المكان وعلى المعنى المجرد الذي يحدث به.
أما تلك فتضاغ من الثلاثي المحسوس للدلالة على المكان وعلى شيء حسي معين يكثر به، لا على شيء معنوي، فالفرق كبير بين الدلالتين.
والفرق أكبر وأوسع في الأصل الذي يشتقان منه، وفي طريقة الصياغة، ووزن الصيغة، ما يتبين هذا جليًّا في الشرح الخاص بكل.
د- ملخص ما سبق من أوزان المصدر الميمي1 واسمي الزمان والمكان إذا كانت أفعالها الماضية ثلاثية، وماضي المصدر الميمي غير مضعف هو: 1- إذا كان الماضي الثلاثي معتل اللام، "مثل: دعا.
سعى ... " فالصيغة للمشتقات الثلاث هي وزن: "مفعل" "بفتح، فسكون، ففتح" تقول: مدعى.
مسعى ... 2- إذا كان الماضي الثلاثي صحيح الأحرف ومضارعه مضموم العين أو مفتوحها: "مثل: نظر ينظر.
فتح يفتح ... " فالصيغة للثلاثة على وزن "مفعل" أيضًا كالسابقة.
3- إذا كان الماضي الثلاثي صحيح الأحرف، ومضارعه مكسور العين، "مثل: جلس يجلس.
عرف يعرف ... " فالميمي على وزن: "مفعَل" أيضًا، واسما الزمان والمكان على وزن: "مفعِل" بكسر العين.
= الجوانب التي تحتاج إلى إلى التجلية والبيان، مع ترك جوانب أخرى من ذلك القرار يغشيها الغموض أيضًا ولا سيما إذا عرضنا لرأي سيبويه في مثل تلك الكلمات التي لم يجر عليها الإعلال بالنقل من مثل: استحوذ، استصوب.. فهو يقول ما ملخصه: سمعنا جميع الشواذ المذكورة معلة أيضًا على القياس إلا استحوذ، واستروح الريح، وأغيلت ... ثم قال: ولا مانع من إعلالها وإن لم يسمع؛ لأن الإعلال هو الكثير المطرد.
راجع ص47 من كتاب: ليس من كلام العرب لابن خالويه.
ويدور بخلدي أن القرار لو اقتصر على سرد القاعدة التي جاءت في صدره، وزاد عليها إباحة التصحيح في حالة واحدة هي: أن يخفى معنى الكلمة بالإعلال أو يلتبس بغيره، ولا منجاة من الخفاء اللبس إلا بالتصحيح -لو فعل هذا- لكان سليمًا من الغموض، بعيدًا من التعارض، مسايرًا بعض المذاهب اللغوية العامة.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  4- إذا كان الماضي الثلاثي معتل الفاء بالواو، صحيح اللام، ومضارعه مكسور العين تحذف فيه الواو؛ "مثل: وعد يعد ... " فالصيغة للثلاثة هي: "مفعل" بكسر العين. ويتبين مما سبق أن صيغة الثلاثة لا تختلف إلا في صورة واحدة هي التي يكون فيها الماضي الثلاثي صحيح الأحرف مكسور العين في المضارع، فيصاغ المصدر الميمي على وزن "مفعل" -بفتح العين- ويصاغ اسمًا للزمان والمكان على وزن "مفعل" بكسر العين. ويجوز في المصدر الميمي أيضًا أن يكون على وزن "مفعل" -بفتح العين أو كسرها- إن كان ماضيه مضعفًا1.
كل ما سبق حين يكون الماضي ثلاثيًا فإن كان غير ثلاثي فيصاغ الثلاثة -وكذا اسم المفعول- على وزن المضارع مع إبدال أوله ميمًا مضمومة وفتح الحرف الذي قبل آخره، وتكون القرائن هي المميزة بين الأنواع الثلاثة والدالة على النوع المناسب للسياق دون غيره الثلاثة الأخرى.

جارٍ التحميل