النحو الوافيالمسألة 132: الأسماء التي لا تكون إلا منادى

المسألة 132: الأسماء التي لا تكون إلا منادى

عن هذه الطبعة
عَلَم
عباس حسن
الكتاب
النحو الوافي
المؤلف
عباس حسن (المتوفى: 1398هـ)
الناشر
دار المعارف
الطبعة
الطبعة الخامسة عشرة
عدد الأجزاء
4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

من الألفاظ ما لا يستعمل إلا منادى؛ فلا يكون مبتدأ، ولا خبرا، ولا اسما لناسخ أو خبرا له، ولا شيئا آخر غير المنادى1.
وأشهر هذه الأسماء ما يأتي: 1- "أبت، وأمت" بشرط وجود تاء التأنيث في آخرهما على الوجه الذي فصلناه2 -ووجودها يحتم أن يكون كل منهما منادى، ولا يصح استعمالهما في شيء آخر معها- نحو: يا أبت، إني لك مطيع، ويا أمت إني بك بار.
أي: يا أبي ... أي أمي.
2- "اللهم"، المختومة بالميم المشددة3، نحو: اللهم لا سعادة إلا فيما يرضيك، ولا شقاء إلا فيما يغضبك.
3- "فل" "بضم الفاء واللام معا"؛ وهي عند النداء كناية عن مفرد معين من جنس الإنسان.
و"فلة"، و"بضم الأول وفتح الثاني" وهي عند النداء كناية عن مفردة معينة من جنس الإنسان كذلك؛ نحو: يا فل، عمل المرء عنوان نفسه، ودليل عقله - يا فلة، القصد يمن، وخير الكلام أصدقه.
فالمنادى "فل، وفلة" مبني على الضم دائما في محل نصب.
ولا يعنينا أن يكون سبب التعيين هنا في الكناية ما يقوله بعض النحاة من أنها علم على إنسان، كسائر الأعلام الشخصية "مثل: محمد ... وفاطمة ... " أو: ما يقوله بعض آخر: إن سببه طارئ بالمناداة والقصد، وأنها نكرة مقصودة،

مثل: يا رجل؛ لمعين، أو: يا فتاة؛ لمعينه، وقد عرفت النكرة بالنداء والإقبال ... -لا يعنينا شيء من هذا كله؛ لأن نتيجة الرأيين واحدة؛ هي بناء الكلمة بصورتها الحالية على الضم دائما، في محل نصب، وعدم استعمالها في غير النداء إلا لضرورة شعرية، وكذلك عدم استعمالها منادى منصوبا مباشرة؛ لأنها لا تكون مضافة، ولا شبه مضافة، ولا نكرة غير مقصودة؛ إذ السماع الوارد في لفظها يقتضي قصرها على المنادى المبني على الضم1 ...

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  زيادة وتفصيل: يدور الجدل حول أصل هاتين الكلمتين، ولولا ما له من أثر يساعد عند الرجوع على مادتهما اللغوية في المعاجم، وعند التصغير، والمشتقان ... لأهملناه.
وملخصه: أن فريقا من النحاة يرى أصل: "فل" و"فلة" هو "فلان" و"فلانة" وأنهما في النداء -كأصلهما- كنايتان عن علم شخص لرجل معين، كعلي ... وامرأة معينة؛ كزينب ... ، حذفت من آخرهما الألف والنون، للترخيم1 -برغم أن قواعده لا تسمح بهذا الحذف الكثير دفعة واحدة- وأن الألف والتاء زائدتان. وأما النون فأصلية؛ لأن مادة فعلهما الماضي هي: "فلن" وعند التصغير -إذا سمي بهما- يقال فيهما "فلين" و"فلينة"، وأنهما يختلفان في الاستعمال عن أصلهما الخالي من الحذف، فلا يستعملان إلا في النداء، أما أصلهما فيكون منادى وغير منادى. ويوافق آخرون على هذا الرأي، إلا أنهم يعتبرون حذف تلك الحروف للتخفيف، لا للترخيم، وإلا وجب أن يقال في المذكر "فلا" وفي المؤنث "فلان" طبقا لقواعد2.
ويخالفهما كثير من البصريين؛ فيرى أنهما كلمتان مستقلتان، وليستا اختصار "فلان" و"فلانة" -كما يرى أنهما مختومتان بياء أصلية، حذفت تخفيفا؛ كحذفها من كلمة "يد"، فأصلهما: "فلي" و"فلية"3 وتصغيرهما

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  "فلي وفلية" ومادة ماضيهما "فلي" وأن منهما عند النداء فكرة مقصودة بالمناداة والإقبال؛ فتدل الأولى على رجل مقصود، وتعدل الثانية على امرأة مقصودة، ولا يرجعان في أصلهما إلى كلمتي: "فلان وفلانة" اللتين هما كنايتان عن علمين شخصيين أحدهما لرجل، والآخرة لامرأة -كما سبق- وهذا الرأي أوضح، وأبعد من التعقيد.
فالآراء متفقة على بناء "فل" و"فلة" على الضم1، مختلفة في أصلهما، في نوع المنادى؛ أهو مفرد علم، أم نكرة مقصودة؟ متفقة كذلك على أنهما لا يستعملان بصورتهما هذه إلا منادى.
وأن كلمتي: "فلان" و"فلانة" تستعملان في النداء وغيره2، مع اعتبارهما، كنايتين عن علمي شخصيين لرجل معين، وامرأة معينة، ونونهما أصلية، ومادة فعلهما "فلن"2؛ تقول في استعمالهما في النداء: يا فلان، تضيع الغاية بين العجز والملل، ويا فلانة، من أعجب بنفسه ضاعت هيبته ... كما تقول في غيره: أسرع فلان إلى سماع محاضرة فلان ... وبادرت فلانة للإصغاء إلى فلانة أو فلان.

4- لؤمان، وملأم "وكلاهما وصف بمعنى: كثير اللؤم والدناءة"، ونومان "وصف بمعنى: كثير النوم"؛ نحو: يا لؤمان أو: يا ملأم، من أساء إلى غيره حاقت به إساءته - يا نومان، الاعتدال في كل الأمور حميد.
ويجوز في الثلاثة زيادة تاء التأنيث عند نداء المؤنث.
ولا يقاس على هذه الثلاث المسموعة غيرها مما يشاركها في الوزن إذا كان غير مسموع.
فكل واحد من هذه منادى مبني على الضم في محل نصب.
5- ملأمان، ومخبثان "وصفان بمعنى: لئيم، وخبيث" ... وغيرهما؛ من كل وصف على وزن: "مفعلان"، وأصل مادته -في الغالب- يدل على أمر مذموم.
وقد يدل على أمر محمود، مثل: مكرمان، ومطيبان؛ "وهما وصفان بمعنى: عزيز مكرم، وطيب" ومن الأمثلة: يا ملأمان، من قبحت سيرته تقاسمته البلايا -يا مطيبان، من طابت سريرته سالمته الليالي.
ويجوز زيادة تاء التأنيث في: "مفعلان" عند نداء المؤنث.
والأنسب الأخذ بالرأي الذي يبيح القياس في هذه الصيغة؛ لكثرة الوارد بها، أما إعرابها فكالنوع السابق1 ... 6- ما كان وصفا على وزن: "فُعَل" بمعنى: فاعل؛ لذم المذكر وسبه، نحو: غُدَر، بمعنى: غادر، وسُفَه؛ بمعنى: سافه، وشتم، بمعنى: شاتم ... ، وغيرها مما هو على وزنها مع دلالة مادته في أصلها على السب والذم.
ومن الأمثلة: يا غدر، لا صداقة معك، ولا أمانة لك ...

  • يا سفه، مقتل الرجل بين فكيه ...

والأنسب الأخذ بالرأي الذي يبيح القياس في هذه الصيغة بشرط دلالة أصلها على السب، كما يبيح استعمالها في غير النداء.
أما إعرابها عند النداء فكالنوع السابق.
7- ما كان وصفا على وزن: "فعال" "فمعنى فاعل، أو: فعيلة" لسب الأنثى وذمها، وهو مبني على الكسر أصالة.
وينقاس -في الرأي الأنسب- في كل ما له: فعل، ثلاثي، تام، مجرد، متصرف تصرفا كاملا، ومعناه السب والشتم؛ نحو: غدار وسراق، بمعنى: غادرة، وسارقة، ونحو: خباث، ولكاع؛ بمعنى: خبيثة، ولكيعة؛ أي: لئيمة وخسيسة.
تقول: يا غدار؛ لا راحة لحسود، ولا عهد لغدار - يا خباث، لا هدوء مع خبث، ولا اطمئنان مع سوء نية1 ... ومن الشروط السالفة يتضح أن وزن: "فعال" لا يصاغ من مصدر فعل غير مستوف لتلك الشروط؛ كالفعل: "دحرج" لأنه غير ثلاثي، والفعل؛ "كان" لأنه غير تام، والفعل "ليس"؛ لأنه جامد، والفعل يذر، أو: يدع لأن كلا منهما ناقص التصرف2 ... أما إعرابها: فمنادى مبني على ضم مقدر منع من ظهوره كسرة البناء الأصلي -في محل نصب.
وبمناسبة الكلام على صيغة: "فعال" المبنية على الكسر أصالة، وأنها قياسية في الموضوع السالف بشروطها يستطرد النحاة فيقولون: إنها قياسية أيضا في موضع آخر، إذا تحققت تلك الشروط من غير اشتراط الدلالة على السب والشتم، وذلك الموضع هو: أنها تقع اسم فعل أمر مبني على الكسر دائما؛ مثل: تراك؛ بمعنى اترك ما آمرك بتركه - نزال، بمعنى: انزل إلى الحرب أو غيرها - شراب؛ بمعنى: اشرب، ومن هذا قولهم: شراب من ورد التجارب؛ فإنه خير الموارد.
وقول الشاعر:

تراك -يا صاحبي - ما ليس بحمده ... سراة1 قومك من أهل المروءات وقول الآخر: نزال إلى حيث المكارم تبتغي ... ألفا يناغيها، أمينا يصونها وسيجيء2 تفصيل الكلام على هذه الصيغة في باب اسم الفعل ... 3. وملخص ما سبق في هذا الباب: أن في اللغة ألفاظا لا تستعمل إلا منادى؛ وهي أنواع ثلاثة:

أ- نوع مقصور على السماع الوارد، لا يتجاوز الحكم لفظه ونصه الوارد إلى لفظ آخر، وأشهر ألفاظه: أبت، أمت، "الملازمين لتاء التأنيث"، اللهم، فل، فلة، لؤمان، ملأعم، نومان. وكل هذا النوع منادى، مبني على الضم إلا "أبت وأمت"، فلهما حكمهما التفصيلي في الباب السابق1.
ب- نوع قياسي، وهو ما كان على وزن: "فعال" لسب الأنثى وذمها.
وله شروط ... مثل: يا خباث - يا غدار ... وهذا النوع منادى مبني على ضم مقدر من ظهوره كسرة البناء الأصلي في محل نصب.
وهو غير النوع الذي على هذا الوزن، ويعرب اسم فعل أمر.
ج- نوع من قياسيته خلاف، والأحسن الأخذ برأي القائلين بقياسيته؛ لكثرة الوارد منه.
ومن ألفاظه ما كان على وزن: "مفعلان"2 للذم "غالبا"، أو للمدح، ومنه: ملأمان، مخبثان، مكرمان، مطيبان.
ومن ألفاظه أيضا ما كان على وزن: "فعل" لذم المذكر وسبه، نحو: غدر، وسفه ... وكل هذا النوع منادى مبني على الضم في محل نصب.
فالأنواع الثلاثة عند النداء تبنى على الضم الظاهر في محل نصب، إلا وزن: "فعال" فيبنى على ضم مقدر، وإلا أبت وأمت، ففي إعرابها التفصيل الذي سبق خاصا بهما.

نداء المجهول - اسمه: إذا أردنا نداء المجهول الاسم وجدنا في اللغة أساليب تختلف باختلاف ذاته ومكانته؛ فقد تقول له: يا رجل، يا شاب، يا فتى، يا غلام، يا هذا، أيها السيد، أيها الأخ، يا زميل ... كما نقول للأنثى: يا فتاة، يا شابة، يا سيدة أيتها الأخت، يا زميلة ... ، إلى غير هذا من الكلمات الصالحة للنداء، والتي يترك اختيارها لذوق المتكلم، وبراعته في حسن الاختيار الملائم للمقام، كما اختار العرب قديما، وكما يختار المتعلمون اليوم ... ومما اختاره العرب أحيانا كلمة: "هن" لنداء المذكر المجهول، و"هنة" "بسكون1 النون أو فتحها" للمؤنثة المجهول؛ تقول: يا هن، لا تستشعر الوحشة في بلدنا؛ فالغريب بيننا قريب - يا هنة ماذا تبتغين؟ ... ويقولون في التثنية: يا هنان ... ، ويا هنتان ... وفي جمعي السلامة: يا هنون2 يا هنات.
وربما ختموا هذه الكلمات عند ندائها بالأحرف الزائدة التي قد تختم بها في الندية3؛ فيقولون في الإفراد: يا هاه، ويا هنتاه، وفي التثنية: يا هنانيه ويا هنتانيه، وفي الجمع: يا هنوناه، ويا هناتوه؛ بسكون الهاء الأخيرة في كل ذلك عند الوقف، وحذفها، وصلا.
وقد تثبت وصلا في الشعر أو غيره؛ فتتحرك بالضم أو بالكسر.
ولما كانت "هن" و"هنة" متعددة المعاني اللغوية، ومن معانيها ما هو محمود وما هو مذموم، كان الأنسب اليوم أن نختار سواها عند نداء المجهول الاسم، وأن نهجرها بصورها وفروعها المختلفة.

جارٍ التحميل