النحو الوافيالمسألة

المسألة

عن هذه الطبعة
عَلَم
عباس حسن
الكتاب
النحو الوافي
المؤلف
عباس حسن (المتوفى: 1398هـ)
الناشر
دار المعارف
الطبعة
الطبعة الخامسة عشرة
عدد الأجزاء
4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

70: تعدية الفعل ولزومه الكلام على المفعول به، وأحكامه المختلفة الفعل التام1 ثلاثة أنواع: أ- نوع يسمى: "المتعدي2"؛ وهو: "الذي ينصب بنفسه مفعولًا به3 أو اثنين، أو ثلاثة؛ من غير أن يحتاج إلى مساعدة حرف جر، أو غيره مما يؤدي إلى تعدية الفعل اللازم4" مثل، سمع - ظن - أعلم، في نحو: لما سمعت الخبر ظننت الراوي مخطئا، لكن الصحف أعلمتنا الخبر صحيحا.

ب- نوع يسمى "اللازم"1 أو: "القاصر"، وهو: "الذي لا ينصب بنفسه مفعولًا به أو أكثر؛ وإنما ينصبه بمعونة حرف جر، أو غيرها مما يؤدي إلى التعدية" مثل: أسرف - انتهى - قعد - في نحو: إذا أسرف الأحمق في ماله انتهى أمره إلى الفقر، وقعد في بيته ملومًا محسورًا2، فكل كلمة من: مال، فقر، بيت ... هي في المعنى - لا في الاصطلاح - مفعول به للفعل قبلها، ولكن الفعل لم يوقع معناه وأثره عليها مباشرة من غير وسيط؛ وغنما أوصله ونقله بمساعدة حرف جر؛ كان هو الوسيط في ذلك؛ فهي في الظاهر مجرورة به، وهي في المعنى في حكم المفعول به لذلك الفعل3.
جـ- نوع مسموع، يستعمل متعديًا ولازمًا، مثل: شكر، ونصح4.

وقد أراد النحاة تيسير التمييز بين الفعل المتعدي بنفسه والفعل اللازم، وسهولة تعيين كليهما؛ فوضعوا لذلك ضابطين يصلح كل منهما لأداء هذه المهمة - في رأيهم1.
أولهما: أن يتصل بالفعل ضمير؛ كالهاء2، أو: ها - يعود على اسم سابق غير ظرف وغير مصدر. وطريقة ذلك: أن يوضع الفعل في جملة تامة، وقبله اسم جامد، أو مشتق؛ بشرط أن يكون هذا الاسم غير مصدر وغير ظرف، وبعد الفعل ضمير يعود على ذلك الاسم المتقدم، وإن صح التركيب واستقام المعنى فالفعل متعد بنفسه، وإلا فهو لازم، فإذا أردنا أن نبين حقيقة الفعل: "أخذ" من ناحية التعدي واللزوم وضعنا قبله اسمًا غير مصدر وغير ظرف، وجعلنا بعد الفعل ضميرًا يعود على ذلك الاسم؛ فنقول: الصحف أخذتها، فنرى المعنى سليمًا، والتركيب صحيحًا "لموافقته الأصول والضوابط اللغوية"؛ فنحكم بأن هذا الفعل متعد؛ ينصب المفعول به بنفسه، إلا إن صار المفعول به نائب فاعل فيرفع3.
ومثل هذا يتبع في الفعل "قعد" حيث نقول: الغرفة قعدتها؛ فندرك سريعًا فساد الأسلوب والمعنى، ولا سبب لهذا الفساد اللغوي إلا تعدية الفعل، "قعد" تعدية مباشرة، لهذا نحكم بأنه لازم.
ومثل الفعلين "أخذ" و"قعد" غيرهما من الأفعال؛ حيث يمكن التوصل إلى معرفة المتعدي واللازم باستخدام الضابط السالف.
وإنما اشترطوا في الاسم السابق أن يكون غير مصدر وغير ظرف؛ لأن الضمير يعود عليهما من الفعل المتعدي واللازم على السواء؛ فلا يصلح الضمير العائد على المصدر أو الظرف أن يكون أداة للتمييز، بين المتعدي واللازم؛ ففي مثل: طلبت

منك أن تمشي في الصباح المبكر طويلا، ثم تستريح ساعة، تذهب بعدها إلى مزاولة عملك فماذا فعلت؟ قد يكون الجواب: "المشي مشيته، والساعة استرحتها1، والذهاب ذهبته، والعمل زاولته"، ففي الإجابة ضمائر عاد بعضها على المصدر أو على الظروف، مع أن أفعالها لازمة، كما في الثلاثة الأولى، وعاد بعضها على المصدر أيضًا مع أن الفعل: "زوال" متعد بنفسه.
ثانيهما: صياغة اسم مفعول تام2 من الفعل الذي معرفة تعديته أو لزومه؛ فإن أدى اسم المفعول معناه بغير حاجة إلى جار ومجرور كان فعله متعديًا بنفسه، وإلا كان لازمًا، في مثل: فتح - أكل - أعلن ... نقول: الباب مفتوح - الفاكهة مأكولة - الخبر معلن ... فنرى اسم المفعول مستغنيًا عن الجار والمجرور في أداء لمراد منه، بخلافه عند صياغته في مثل: قعد - يئس - هتف ... حيث نقول: الحجرة مقعود فيها - القضاء على أسباب الحرب ميئوس منه - العظيم مهتوف باسمه ... فاسم المفعول هنا لم يستغن في أداء معناه عن الجار مع مجروره ... فالوسيلة إلى معرفة التعددية واللزوم تكون باستخدام أحد الضابطين السالفين، أو باستخدامهما معًا؛ كما يقول النحاة3.

وبالرغم من هذه الوسيلة لجئوا إلى أخرى أدق منها وأصح؛ فقد بذلوا الجهد -قدر استطاعتهم- في استقصاء كلام العرب، وحصر الأفعال اللازمة الواردة فيه، وتقسيمها أقسامًا تقريبية متعددة، لكل قسم عنوان معين ينطبق - إلى حد كبير - على عدد كثير من الأفعال اللازمة الداخلة تحته؛ فيكتفي الراغب بمعرفة هذا العنوان، وتطبيق معناه على الفعل الذي يريد الحكم عليه بالتعدية أو باللزوم؛ فيصل - غالبًا - إلى ما يريد، فمنزلة هذا العنوان العام منزلة القاعدة التي تطبق على أفراد متعددة؛ فتغني عن المراجع اللغوية، وتوصل إلى الغاية المرجوة بغير جهد مبذول، ولا وقت ضائع، وقد نجحوا في وضع هذه العناوين أو القواعد التقريبية نجاحًا كبيرًا يمكن الاعتماد عليه، والاكتفاء به، بالرغم من أنها لم تنطبق على قليل من الأفعال وصف بالشذوذ، ونحوه، وأشهر تلك العناوين والقواعد التقريبية الدالة -في الغالب- على الأفعال اللازمة ما يأتي: 1- الأفعال الدالة على صفة تلازم صاحبها، ولا تكاد تفارقه إلا لسبب قاهر، وهي الأفعال الدالة على السجايا، والأوصاف الفطرية: مثل: شرف فلان؛ نبل - ظرف - قصر - طال - سمن - نحف ... والأغلب في هذه الأفعال أن تكون على وزن: "فعل" - بفتح فضم - وهذه صيغة تكاد تقتصر على الفعل 1 اللازم.
ويتصل بها ما لا يدوم ولكن ومنه يطول، أو يتكرر؛ مثل: جبن - شجع - نهم 2 - جشع.
= بهما معًا دون تحكيم اللغة أولًا، والاعتماد على ما تشير به، ولها وحدها القول الفصل، أما الضابطان أو أحدهما فيستطيع من عرف أولًا، من اللغة تعدية هذا الفعل أو لزومه - أن يلجأ إليهما، لمجرد الاستئناس، لا لمعرفة أمر مجهول، بل إنه لا يحتاج إلى مثل هذا الاستئناس؛ لاستغنائه عنه بالمعرفة اللغوية السابقة.
وهناك سبب آخر هام، هو أن هذه "الهاء" - ونحوها- قد تتصل بآخر الفعل اللازم وتعرب مع لزومه مفعولًا به، طبقًا للبيان والتفصيل في رقم 3 من هامش ص 247، فكيف تصلح علامة المتعدي؟

2- الأفعال الدالة على أمر عرضي1 طارئ، يزول بزوال سببه المؤقت؛ كالأفعال في مثل: مرض المتعرض للعدوى - أحمر وجهه - ارتعشت يده ... وكالأفعال الدالة على فرح أو حزن؛ "هنئ - سعد - حزن - جزع - فزع - رجف"، أو على نظافة ودنس؛ مثل: نظف الثوب أو غيره - طهر - وضؤ - دنس - وسخ - قذر - نجس.
3- الأفعال الدالية على لون، أو حلية، أو عيب، مثل: خمر - احمر - احمار - سود، أسود - ابيض ... ومثل: دعج2، كجل - عور - عمي ... 4-الأفعال التي على وزن "افعلل" نحو: اقشعر - ابذعر3 - اشمأز - وما ألحق بهذا الوزن من مثل: افوعلّ "بسكون الفاء، وفتح الواو والعين، وتشديد اللازم"، نحو: أكوهد4 وأكوأل ... 5- الأفعال التي على وزن "افعنلل"؛ من كل فعل في وسطه نون بعدها حرفان أصليان، نحو: رنجم5.
وكالأفعال التي تضاهي "افعنلل" من كل فعل في وسطه نون بعدها حرفان أحدهما زائد للإلحاق، نحو: اقعنسس6؛ فإن السين الثانية زائدة للإلحاق 7؛ باحرنجم.

ويلحق بهما ما كان على وزن "افعنلى" نحو اسلنقى1 واحرنبى2.
6- الأفعال التي على وزن "فعل" -بكسر العين أو فتحها- إذا كان الوصف منها على "فعيل"؛ نحو: قوي الرجل، فهو قوي، وذل3 الضعيف فهو ذليل. 7- الأفعال التي على وزن: انفعل؛ نحو: انبعث وانطلق، والتي على وزن "أفعل"، ومعناها: صار صاحب شيء معين، مثل: أغد البعير؛ بمعنى: صار ذا غدة4.
أو التي على وزن: "استفعل" وتفيد الصيرورة5 أيضَا؛ نحو: استنوق الجمل، أي: صار كالناقة، واستأسد القط؛ أي: صار كالأسد في صورته.
8- الأفعال الدالة على مطاوعة 6 فعل لفعل آخر متعد بنفسه لواحد؛ مثل: "امتد" في نحو: مددت الحديد الساخن فامتد، ومثل: "توفر" في نحو: وفرت المال فتوفر، ومثل: انكسر في نحو: كسرت الخشبة فانكسرت.
9- الأفعال الرباعية الأصول التي يزاد عليها حرف أو حرفان؛ مثل: تدحرج، واحرنجم.
تلك هي أشهر أنواع الأفعال التي يغلب عليها اللزوم7.

"ملاحظة": للفعل اللازم ثلاثة أنواع يتردد ذكرها في مناسبات مختلفة1.
أولها: اللازم أصالة؛ ويراد به الفعل الموضوع في أصله اللغوي لازمًا؛ مثل: نام - قعد - تحرك.
ثانيها: اللازم تنزيلًا؛ ويراد به الفعل المتعدي لواحد، ولكن مفعوله هذا يحذف - غالبًا - في بعض الاستعمالات؛ كأن يشق من مصدر هذا الفعل اسم فاعل يضاف إلى فاعله، فيصير اسم الفاعل بسبب هذه الإضافة دالًا على الثبوت بعد أن كان قبل الإضافة دالًا على الحدوث، ويصير في حالته الجديدة: "صفة مشبهة" ويسمى باسمها، وتجري عليه كل أحكامها مع بقائه على صورته الأولى، دون بقاء اسمه السابق، وهو في حالته الجديدة لا ينصب "مفعولًا به"؛ لأنه صار - كما قلنا - صفة مشبهة، والصفة المشبهة لا تشتق أصالة إلا من فعل لازم، فحق ما هو بمنزلتها أن يكون كذلك، فيحذف - في الغالب - مفعوله؛ مجاراة لها، ففي مثل: رحم قلب المؤمن الضعفاء، يقال فيه: فلان راحم القلب.
ثالثها: اللازم تحويلًا، وهذا يكون بتحويل الفعل المتعدي لواحد إلى صيغة: "فعل" بقصد المدح أو الذم2 وهذه الصيغة لا تكون إلا لازمة؛ مثل: جهل الأمي، في ذم الأمي، والأصل المتعدي قبل التحويل هو: جهله ... ؛ فصار بعد التحويل لازمًا.
= يريد: اللازم هو الذي ليس متعديًا، وشرع يبين أنواع الأفعال اللازمة، فقال: حتم لزوم أفعال السجايا وعدم تعديتها، أي: أن لزومها محتوم: وسرد أنواعًا أخرى في الأبيات التالية: كذا: "افعلل" والمضاهي اقعنسسا ... وما اقتضى نطافه أو دنسا أو عرضا، أو طاوع المعدى ... لواحد؛ كمده فامتدا أي: ما كان على وزان "افعلل" فهو لازم، وكذا الفعل الذي على وزن يضاهي ويشابه في أحكامه الفعل: "اقعنسس"، فإنه يشابه الفعل "افعنلل" مثل: "احرنجم" - كما أوضحنا في الشرح - وكذلك من اللازم أيضًا ما دل على نظافة، أو دنس، أو عرض، أو مطاوعة لفعل متعد لواحد ...

جارٍ التحميل