المسألة الثالثة والأربعون: حكم الناسخ ومعموليه من ناحية التقديم والتأخير
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- عباس حسن
- الكتاب
- النحو الوافي
- المؤلف
- عباس حسن (المتوفى: 1398هـ)
- الناشر
- دار المعارف
- الطبعة
- الطبعة الخامسة عشرة
- عدد الأجزاء
- 4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
الترتيب - فى هذا الباب - واجب بين الناسخ واسمه؛ فلا يجوز تقديم الاسم على عامله الناسخ1.
أما الخبر فإن كان جملة خالية من ضمير يعود على اسم الناسخ، فالأحسن تأخيره عن الناسخ واسمه2؛ ذلك لأن تقدمه - فى هذه الصورة - على الناسخ أوتوسطه بين الناسخ واسمْه، غير معروف فى الكلام العربى الفصيح3.
ويجب تأخيره عنهما إن كان جملة مشتملة على ضمير يعود على اسم الناسخ؛ كالضمير الذى فى الجملة الفعلية: "تُوسعه" من قول أعرابى ينصح صديقه: "دَعْ ما يسْبق إلى القلوب إنكارُه، وإن كان عندك - اعتذارُه4 فليس من حكى عنك نُكْراً5 تُوسِعُهُ فيك عُذرا6".
مما تقدم يكون للجملة الواقعة خبرا للناسخ حكم واحد، هو: التأخير عنهما - إما وجوبا، وإما استحسانا.
وأما الخبر الذى ليس جملة "وهوالمفرد وشبه الجملة" فله ست حالات7:
الأولى: وجوب التأخر عن الاسم1، وذلك:
1- حين يترتب على التقديم لبْس لا يمكن معه تمييز أحدهما من الآخر2 نحو: كان شريكى أخى - صار أستاذى رفيقى فى العمل - باتت أختى طبيبتى ... فلوتقدم الخبر لأوقع فى لبس لا يظهر معه الاسم من الخبر.
والفرق بينهما كبير؛ لأن أحدهما محكوم عليه؛ وهو: الاسم، والآخر محكوم به، وهو: الخبر.
2- حين يكون الخبر واقعاً فيه الحصر؛ كأن يكون مقروناً بإلا المسبوقة بالنفى؛ نحو: ما كان التاريخ إلا هادياً.
أو"بإنما"؛ مثل: إنما كان التاريخ هادياً؛ لأن المحصور فيه: "بإلا" يجب اتصاله بها متأخراً عنها، والمحصور فيه: "بإنما" يجب تأخيره.
فلوتقدم المتأخر فى الصورتين تغير المقصود، وفات الغرض الهام من الحصر.
الثانية: وجوب التقدم على الاسم فقط، "فيتوسط الخبر بينه وبين العامل الناسخ" وذلك حين يكون الاسم مضافاً إلى ضمير يعود على شيء متصل بالخبر3؛ مع وجود ما يمنع تقدم الاسم على الأداة؛ مثل يعجبنى أن يكون للعملِ أهلُه فلا يصح: "يعبجنى أن يكون للعمل أهلُه 4؛فلا يصح: "يعجبني أن يكون أهله للعمل"، لما فى هذا من عود الضمير على متأخر لفظاص ورتبة، وهوممنوع فى مثل هذا5....
الثالثة: وجوب التقدم على العامل الناسخ وذلك حين يكون الخبر اسماً واجب الصدارة؛ كأسماء الاستفهام و"كم" الخبرية ... نحو: أين كان الغائب؟ وقوالشاعر:
وقد كان ذِكْرى2 للفِراق يُرُوعبُنى ... فكيف أكونُ اليوم؟ وهويقينُ
ويشترط في هذه الحالة ألا يكون العامل الناسخ مسبوقا بشيء آخر له الصدارة، مثل: "ما" النافية.... لأن الخبر الذي له الصدارة لا يدخل على ماله الصدارة3، فلا يصح: أين ما كان الغائب؟ ولا: أين ما زال البستاني؟ وكذلك لا يصح أن يكون العامل الناسخ هو: "ليس" لأن خبرها لا يجوز أن يسبقها، في الرأي الأرجح4.
الرابعة: وجوب التوسط بين العامل الناسخ واسمه، أوالتأخر عنهما معاً؛ وذلك حين يكون العامل مسبوقاً بأداة لها الصدارة، ولا يجوز أن يفصل بينها وبين العامل الناسخ فاصل.
ومن أمثلته: الاستفهام "بهل" فى: هل أصبح المريض صحيحاً؟ فيجب تأخره كهذا المثال، أوتوسطه فنقول.
هل أصبح صحيحاً المريض.
الخامسة: وجوب التوسط بين الناسخ واسمه، أوالتقدم عليهما، وذلك:
1- حين يكون الاسم مضافاً لضمير5 يعود على شئ متصل بالخبر؛ فمثال234
التوسط: أمسى "فى البستان" حارسه، وبات "مع الحارس" أخوه1.
ومثال التقدم عليهما2: فى البستان أمسى حارسه، ومع الحارس بات أخوه.
فقد توسط الخبر أوتقدم؛ لكيلا يعود الضمير الذى فى الاسم على شئ متأخر لفظاً ورتبة، وهولا يجوز هنا.
2- حين يكون الاسم واقعاً فيه الحصر كأن يكون مقروناً بإلا المسبوقة بالنفى؛ فمثال التوسط؛ ما كان حاضراً إلا على، ومثال التقدم على العامل ما حاضراً3 كان إلا على: لأن تقديم المحصور فيه يفسد الحصر.
السادسة: جواز الأمور الثلاثة "التأخر، والتقدم على العامل، والتوسط بينه وبين الاسم" فى غير ما سبق؛ نحو: كان الخطيب مؤثراً.
أوكان مؤثراً الخطيبُ، أومؤثراً كان الخطيب.
ومثله: كان خلقُ المرء سلاحَه، ويجوز: كان سلاحَه خلقُ المرءِ4، كما يجوز: سلاحَه كان خلقُ المرء.
فأحوال الخبر الستة تتلخص فيما يأتى إذا كان غير جملة:
1- وجوب تأخيره عن الناسخ واسمه معا.
2- وجوب تقديمه عليهما معا.
3- وجوب توسطه بينهما.
4- وجوب تقديمه على العامل الناسخ أوالتوسط بينه وبين الاسم.
5- وجوب توسطه، أوتأخره.
6- جواز تأخره، أوتقدمه، أوتوسطه.
وتلك الأحوال والأحكام تنطبق على جميع أخبار النواسخ فى هذا الباب إلا الأفعال التى يشترط لإعمالها أن يسبقها نفى، أوشبهه، وإلا "دام" التى يشترط لإعمالها أن يسبقها "ما" المصدرية الظرفية، وإلا "ليس" كما سبقت الإشارة إليها1.
فهذه ثلاثة أشياء لكل واحد منها صور ممنوعة، وإليك البيان.
فأما الأفعال التى يشترط أن يسبقها نفى أوشبهه فتنطبق عليها الأحكام السابقة إلا حالة واحدة هى وجود النافى "ما"، فلا يجوز تقديم الخبر عليه؛ لأن "ما" النافية لها الصدارة كما سبق2؛ فلا يصح: متكلماً ما زال محمود، ولكن يصح تقدمه على العامل الناسخ وحده دون حرف النفى: "ما" فيصح: ما متكلماً زال محمود.
كما يصح تقدمه على حروف النفى الأخرى؛ "مثل: لا، ولم، ولن ... " أما بقية الصور الأخرى من التقديم والتأخير فشأن هذه الأفعال التى لا تعمل إلا بسبق نفى أوشبهه، كشأن غيرها.
وأما "دام" فتنطبق عليها الأحوال والأحكام السابقة إلا حالة واحدة لا تجوز؛ وهى تقدم الخبر عليها وعلى "ما" المصدرية الظرفية3، ففى مثل: "سأبقى فى
البيت ما دام المطر منهمراً" لا يصح أن يقال: "سأبقى فى البيت منهمراً ما دام المطر"؛ لأن "ما" المصدرية الظرفية كسائر الحروف المصدرية المختلفة1، لا يصح أن يتقدم عليها شئ من الجملة التى بعدها "وهى الجملة التى تقع صلة لها" لكن يجوز أن يتقدم الخبر على "دام" وحدها فيتوسط بينها وبين "ما" المذكورة2؛ ففى المثال السابق يصح أن نقول: سأبقَى فى البيت ما منهمراً دام المطر. وفى مثل؛ اقرأ فى الكتاب ما دامت النفس راغبة؛ لا يصح أن نقول: اقرأ فى الكتاب راغبةً ما دامت النفس، ويصح أن نقول، اقرأ فى الكتاب ما راغبةً دامت النفس ... وهكذا3.
وأما "ليس" فتنطبق عليها جميع الأحوال والأحكام السابقة أيضاً4 إلا حالة
واحدة وقع فيها الخلاف بين النحاة وهى الحالة التى يتقدم فيها الخبر عليها؛ ففريق منع، وفريق أجاز1 والاقتصار على المنع أوْلى.
الآن وقد عرفنا حكم الخبر المفرد، وشبه الجملة، من ناحية التقدم، أو التوسط، أو التأخر.... بقي أن نعرف حكم معمولاته من هذه الناحية أيضا؟ وسيجيء البيان في الصفحة التالية.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
زيادَة وتفصيل:
"ا" عرفنا مما تقدم حكم الخبر المفرد وشبه الجملة، من حيث تقدمه وحده على عامله الناسخ، أوتوسطه بينه وبين اسمه، أوتأخره عنهما، وبقى للموضوع بقية تتصل بتقديم معمول هذا النوع من الأخبار على عامل الخبر؛ وهى أن الخبر يمتنع تقديمه وحده على الناسخ إذا كان الخبر قد رفع اسماً ظاهراً؛ ففى مثل: "كان الرجل نبيلا مقصدُه" و"بات المغنى ساحراً صوته" لا يصح: "نبيلا كان الرجل مقصدُه" - ولا ساحراً بات المغنى صوته1؛ لأنه لا يجوز تقديم الخبر وحده دون معموله المرفوع - كما قلنا - فإن تقدم مع معموله المرفوع جاز2؛ فيصح: "نبيلا مقصدُه كان الرجل". "ساحراً صوته بات المغنى" فإن كان معمول الخبر منصوباً نحو: "أضحى الرجل راكباً الطيارةَ" جاز تقديم الخبر وحده على العامل الناسخ لكن مع قبح3.
نحو: الطيارةَ أضحى الرجل راكباً.
وإن كان المعمول ظرفاً أوجارًّا مع مجروره جاز تقديم الخبر وحده بغير قبح، ففي مثل؛ ظل الفتى عاملا يوماً، وأمسى قرير العين فى بيته - يقال: يوماً ظل الفتى عاملا، وفى بيته أمسى قرير العين.
"ب" يتصل بمسألة تقديم معمول الخبر مسألة توسط هذا المعمول بين الناسخ واسمه، ففى مثل: كان القادم راكباً سيارة: وكان المسافر راكباً سفينة ... نعرب كلمة: "سيارة" وكلمة: "سفينة" - وأمثالهما - مفعولا به لخبر: "كان" فكل واحدة منهما معمولة لذلك الخبر، وليست معمولة للفعل "كان".
فهل يجوز تقديم ذلك المعمول وحده على الاسم بحيث يتوسط بينه وبين كان؛ فنقول: كان سيارةً القادمُ راكباً؟ وكان سفينةً المسافرُ راكباً....؟ لا يجوز ذلك، بشرط ألا يكون المعمول "شبه جملة"، لأن
لأنه مخالف للنهج العام الذى تسير عليه الجملة العربية فى نظام تكوينها المأثور، وطريقة ترتيب كلماتها.
وذلك النهج يقتضى ألا يقع بعد العامل - مباشرةً معمل لغيره جملة....1، ففي مثل: أقبل القطار يحمل الركاب، نعرب كلمة: "الركاب" مفعولا به للفعل: "يحمل" وهذا الفعل هو، عاملها؛ فهى وثيقة الصلة به، وليست أجنبية منه، فلا يصح أن نقدمها ونضعها بعد عامل آخر؛ هو: "أقبل" لأنها أجنبية عنه؛ فلوقلنا: أقبل الركابَ الواردفى تركيب الجملة؛ وهوالنسق الذى تدل عليه تلك القاعدة العامة التى أشرنا إليها، والتى ملخصها: "أنه لا يجوز أن يلى العامل - مباشرة - معمول لعامل آخر".
أو: "لا يصح أن يلى العامل - مباشرة - معمولٌ أجنبي عنه".
ولا فرق فى المعمول التقدم بين أن يكون معمولا الخبر "كان"، أولغيرها من النواسخ، وغير النواسخ، ولا بين أن يكون المعمول مفعولا أوغير مفعول ... إلا الظرف والجار مع مجروره، فإنه يجوز أن يلى عاملا آخر غيرَ عامله.
والقاعدة - كما أسلفنا - لا تختص بعامل، ولا تقتصر على معمول، وهى مستمدة من الأساليب الكثيرة الفصيحة وعلى أساسها بنى الحكم السابق.
هذا إذا تقدم المعمول وحده بدون الخبر كالأمثلة السابقة، أوتقدم ومعه الخبر، وكان المعمول هوالسابق على الخبر؛ ففى مثل: كان الطالبُ قارئاً الكتاب، لا يصح أن يقال: كان الكتابَ الطالبُ قارئاً.
أما لوتقدما معاً وكان الخبر هوالسابق فالأحسن الأخذ بالرأى الذى يبيحه؛ لمسايرته الأساليب الفصيحة المأثورة2 فيصح أن نقول: كان قارئاً الكتابَ الطالبُ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
غير أن هناك حالة واحدة يصح فيها تقديم معمول الخبر وحده، أومع الخبر، متقدماً عليه، أومتأخراً عنه؛ هى - كما سبق -: أن يكون المعمول شبه جملة "أى: ظرفاً، أو: جارا مع مجروره"، نحو: بات الطير نائماً على الأشجار؛ وأصبح الطَّلُّ متراكما فوق الغصون، فيصح أن يقال: بات على الأشجار الطيرُ نائماً - وأصبح فوق الغصون الطّلّ متراكما ... وهكذا1.... وقد وردت أمثلة قليلة مسموعة تقدم فيها معمول الخبر وحده، مع أنه ليس شبه جملة؛ فتناولها النحاة بالتأويل والتكلف لإدخالها تحت قاعدة عامة تصونها من مخالفة القاعدة السابقة.
والأحسن إغفال ما قالوه، - إذ لا يرتاح العقل إليه2 - والحكم على تلك الأمثلة القليلة بالشذوذ؛ فلا يصح القياس عليها.