الإضافة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- عباس حسن
- الكتاب
- النحو الوافي
- المؤلف
- عباس حسن (المتوفى: 1398هـ)
- الناشر
- دار المعارف
- الطبعة
- الطبعة الخامسة عشرة
- عدد الأجزاء
- 4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
"وهذا ما يعبرون عنه بأنه إضافة الاسم المنعوت إلى نعته". كقولهم: "صلاة الأولى" تذهب الخمول. كان الخلفاء السابقون يقصدون "مسجد الجامع"؛ ليذيعوا على الناس ما يريدون إذاعته. إني أحرص على "ديانة القيِّمة"؛ لأسعد.
والأصل: الصلاة الأولى، أو: صلاة الساعة الأولى. المسجد الجامع أو: مسجد الوقت الجامع، الديانة القيِّمة، أو ديانة الملة القيِّمة1.
2- إضافة الاسم إلى اسم آخر كان قبل الإضافة منعوتًا للمضاف.
فصار بعدها هو المضاف إليه.
"أي: إضافة النعت إلى منعوته" كقوله تعالي: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ﴾ . وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ﴾ والأصل في الآيتين: اليقين الحق، فتقدمت الصفة على الموصوف، وصارت مضافًا، وصار الموصوف مضافًا إليه مجرورًا.
ومثله ما جاء في خطبة قائد بين جنوده: "إن العدو لن يعبأ بكم إلا إذا أحس منكم صادق الجهاد، وعظيم البلاء، وملأتم قلبه فزعا، وضربتموه كما تضرب عوادي الوحوش، وطردتموه كما تطرد غرائب الإبل، وتركتم جنوده بين صريع وأسير ... " أي: الجهاد الصادق.
البلاء العظيم، الوحوش العوادي، الإبل الغرائب ...
3- إضافة المسمى إلى الاسم2؛ نحو: شهر3 رجب معظَّم في
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الجاهلية والإسلام.
شجر التفاح كثير في الشام.
وهذه هي إضافة: "البيان أو: "الإضافة البيانية" التي يقصد منها إيضاح الأول وبيانه بالثاني1، وهي كثيرة في استعمالنا؛ كإضافة الأيام والعلوم إلى أسمائها؛ مثل: يوم الخميس.
يوم الجمعة.
علم الحساب.
علم الهندسة ... ولها أمثلة أخرى وردت في المطولات، منها قولهم: لقيته ذات مرة، أو ذات ليلة.
مررت به ذات يوم.
داره ذات اليمين، أو؛ ذات الشمال.
مشينا ذا صباح2 ...
ومن المفيد المهم أن ننقل هنا ما دونه ابن يعيش شارح المفصل3 خاصًا بهذا.
قال ما نصه "مع حذف بعض الأمثلة، اكتفاء ببعض":
"اعلم أنهم قد أضافوا المسمى إلى الاسم مبالغة في البيان؛ لأن الجمع بينهما آكد "أقوى" من إفراد أحدهما بالذكر.
وفي ذلك دليل من جهة النحو على أن الاسم عندهم غير المسمى؛ إذ لو كان إياه لما جاز إضافته إليه، وكان من إضافة الشيء إلى نفسه.
فالاسم هو اللفظ المعلق على الحقيقة؛ عينا كانت تلك الحقيقة، أو معنى؛ تمييزا لها باللقب مما يشاركها في النوع،
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والمسمى تلك الحقيقة؛ وهي ذات اللقب، أي: صاحبته1.
فمن ذلك قولهم: "لقيته ذات مرة"، والمراد: الزمن المسمى بهذا الاسم الذي هو: مرة.
ومثله: "ذات ليلة، ومررت به ذات يوم، وداره ذات الشمال، وسرنا ذا صباح" كل هذا معناه وتقديره: داره شمالًا، وسرنا صباحًا ... ، بالطريق التي ذكرناها.
إلا أن في قولنا: ذا صباح، وذات مرة –تفخيما للأمر.
"ومن ذلك قول الشاعر:
عزمت على إقامة ذي صباح ... لأمر ما يسود من يسود
المراد: على إقامة صاحب هذا الاسم، وصاحبه هو: صباح؛ فكأنه قال: على إقامة: صباح ...
ومثله قول الكميت:
إليكم ذوي آل النبي تطلعت ... نوازع من قلبي ظماء وألبب2
فالمراد: يا آل النبي، أي: يا أصحاب هذا الاسم الذي هو آل النبي، ولو قال: "يا آل النبي" لم يكن فيه ما في قوله: "يا ذوي آل النبي" من المدح والتعظيم.
وفائدة هذا الأسلوب ظاهرة؛ لأنه لما قال: يا ذوي آل النبي جعلهم أصحاب هذا الاسم؛ وهو آل النبي.
ومن كان صاحب هذا الاسم كان ممدوحًا معظمًا لا محالة ...
ومثله قول الأعشى:
فكذَّبوها بما قالت: فصحبهم ... ذو آل حسان يزجي الموت والشرعا3
أي: صبحهم الجيش الذي يقال له: آل حسان.
ومثله قول الآخر:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إذا ما كنت مثل ذوي عدي ... ودينار، فقام على ناعي
أي: مثل كل واحد من الرجلين المسميين "عديًا"، و"دينارًا" ... "وحكي عن العرب: هذا ذو زيد، ومعناه: هذا صاحب هذا الاسم، وقد كثر ذلك عندهم.
وربما لطف1 هذا المعنى على قوم، فحملوه على زيادة. "ذي"، و"ذات". والصواب ما ذكرناه" ا. هـ.
وهذا كلام جليل في إيضاح تلك الأساليب التي أضيف فيها المسمى إلى الاسم؛ لتحقيق غرض بلاغي هام، كالإيضاح مع التوكيد.
ومن أمثلتها الواردة أيضًا قولهم: "اذهب بذي تسلم. اذهبا بذي تسلمان. اذهبوا بذي تسلمون ... ". أي: اذهب بسلامتك التي تلازمك ولا تفارقك. اذهبا بسلامتكما. اذهبوا بسلامتكم"2.
4- إضافة الموصوف إلى اسم قائم مقام الصفة؛ كقول الشاعر:
علا زيدنا يوم النقا رأس زيدكم ... بأبيض، ماضي الشفرتين يماني ... 3
أي: علا زيد صاحبنا رأس زيد صاحبكم؛ فحذف الصفتين، وجعل الموصوف خلفًا عنهما في الإضافة.
ويرى بعض النحاة أن البيت ونحوه هو من إضافة الشيء إلى ملابسه4 بعد تنكير العلم، وإضافته إضافة محضة من غير حاجة لتأويل بما ذكر5.
والرأيان صحيحان.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
5- إضافة المؤكَّد إلى المؤكِّد، وأكثر ما يكون ذلك في أسماء الزمان المبهمة "أي: التي لا تحدد ببدء وانتهاء معرفين؛ مثل كلمة: حين، وقت، زمن، أيام ... ونحوها مما سبق الكلام عليه في الجزء الثاني، باب: "الظروف"، نحو: إذا اشتدت وقدة الصيف أسرع الناس إلى سواحل البحار؛ ليقيموا بها ما وسعهم الأمر، وحينئذ ينعمون بجو معتدل، وهواء رطب منعش ... أي: حين إذ يقيمون ... ينعمون؛ فحذفت الجملة المضارعية الأولى، وهي المضاف إليه، وعوض عنها التنوين. فالمؤكد هو: "الحين" وهو زمن مبهم. والمؤكِّد هو: "إذ" الظرفية المضافة إلى الجملة المضارعية المحذوفة1.
والمراد من لفظ: "الحين" المبهم هو المراد من لفظ: "إذ" المخصصة بالجملة التي أضيفت إليها، فالظرف الزمني الثاني مؤكد للأول؛ لاتفاق معناهما، والمراد منهما، مع مجيئه بعده2..
ويرى بعض النحاة -بحق- أن مثل هذا يعد من إضافة العام إلى الخاص، لا المؤكد إلى المؤكد، لتخصيص الظرف الثاني -كما قلنا- بالجملة التي أعربت مضافًا إليه، وهي الجملة المضارعية التي حذفت وقام مقامها التنوين عوضًا عنها ...
ومن النادر أن تكون إضافة المؤكد إلى المؤكد في غير أسماء الزمان المبهمة؛ كقول الشاعر:
فقلت أنجوا عنها نجا الجلد إنه ... سيرضيكما منها سنام وغاربه3
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يريد: اسلخا عن الناقة نجا الجلد -والنجا، بالقصر- هو: الجلد.
6- إضافة الاسم الملغى1 إلى الاسم المعتبر2؛ كقوله تعالي: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ....﴾ ، ومثل: مررت بكم فألقيت اسم السلام عليكم. والأصل: الجنة التي وعد المتقون ... - ألقيت السلام عليكم3.
7- إضافة الاسم المعتبر إلى الاسم الملغى كقول الشاعر:
أقام ببغداد العراق وشوقه ... لأهل دمشق الشام شوق مبرح4
8- ومن الإضافة غير المحضة قولهم: "لا أبا لفلان" لوجود الفاصل بين المتضايفين.
وقد سبق5 -في مناسبة أخرى- الكلام على هذا الأسلوب من ناحية الإضافة، ومن ناحية إعرابه ومعناه.
9- ومن الإضافة غير المحضة إضافة صدر المركب المزجي إلى عجزه -مسايرة لبعض اللغات الجائزة فيه- نحو: قامت الطائرة من "أفغانستان" فوصلت إلى "بور سعيد" في بضع ساعات.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وإنما كانت الإضافة هنا لفظية؛ لأن كلًّا من الجزأين يكمل الآخر كما يكمل الحرف الواحد في الكلمة الواحدة نظائره فيها، كالخاء، أو الشين، أو الباء ... في كلمة: "خشب" مثلًا.
وفائدة هذه الإضافة التخفيف الناشئ من التركيب، مع التنبيه إلى شدة الامتزاج1.
10- ومن الإضافة غير المحضة: "الكنية" على الوجه الذي سبق تفصيله وإيضاحه في الجزء الأول2 ...
إلى هنا انتهت تلك الإضافات الملحقة "بغير المحضة".
ونعود إلى ما أشرنا إليه3 من الجدل الدائر حولها.
ويتركز فيما يأتي:
أمحضة أم غير محضة؟ أهي نوع ثالث مستقل بنفسه، ولكن إضافته "شبيهة بالمحضة"؛ ويجب أن يسمى بهذا الاسم؟
ثم لهذا النوع -عندهم- اعتباران؛ أحدهما الاتصال؛ لأن المضاف غير مفصول من المضاف إليه بالضمير الذي يلاحظ وينوى في الإضافة غير المحضة، كما سلف بيانه.
والآخر: الانفصال؛ لأن المعنى لا يصح إلا بتأول
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وتكلف يخرجان الإضافة عن ظاهرها1.
فأيهما الصحيح؟.
وبعد كل ما سبق أقياسية هي أم سماعية؟.
لكل رأي أدلته التي يقويها أصحابه بتأويل الأسلوب تأويلًا يبعده عن ظاهره، وبتخريجه إلى حيث يريدون من إثبات رأيهم ودعمه ...
والأمر لا يحتاج إلى هذا العناء الجدلي الذي له أسبابه التاريخية النحوية التي لا تعنينا اليوم؛ فحسبنا أن نترك فضول التأويل والتخريج، ونعول على ظاهر الأسلوب الإضافي تعويلًا لا يعارض المراد منه؛ فنجد تلك الإضافات المتعددة قد انحصرت في قسمين:
أولهما: يكون فيه المضاف والمضاف إليه بمعنى واحد، مع اختلاف لفظهما.
أي: أن اللفظين مختلفان، ولكن مدلولهما متحد، كإضافة المسمى إلى الاسم "في مثل: شهر رمضان -شجر البرتقال- علم الهندسة ... "، ومثل هذه الإضافة لا تفيد المضاف تعريفًا ولا تخصيصًا؛ لأن المضاف من حيث المعنى هو نفس المضاف إليه، أو بمنزلته؛ والشيء لا يتعرف ولا يتخصص بنفسه، أو بما هو بمنزلة نفسه؛ فلا يمكن أن تكون الإضافة في هذا القسم "محضة"؛ إذ "المحضة" لا بد أن تفيد المضاف تعريفًا أو تخصيصًا إذا كان غير متوغل في الإبهام، وأن تتضمن معنى حرف من أحرف الجر الثلاثة المعروفة2، و"الإفادة والتضمين"، يقتضيان أن يكون معنى المضاف غير معنى المضاف إليه.
ثانيهما: يكون فيه أحد الاسمين المتضايفين أصليًا والآخر زائدًا "يمكن الاستغناء عنه من غير أن يتأثر المعنى المراد بحذفه" نحو: مررت بكم فألقيت اسم السلام عليكم ... فكلمة: "اسم" زائدة؛ فلا فائدة منها مستجدة، وإذا كانت كذلك فكيف تعتبر إضافتها محضة؟.
إن الإضافة المحضة تؤثر في الأسلوب تأثيرًا معنويًا؛ لا غنى عنه -كما قلنا- فحيث يمكن الاستغناء عن أحد طرفي الإضافة لا تكون الإضافة محضة.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أما قياسية تلك الإضافات الملحقة بغير المحضة، أو عدم قياسيتها، فكثرة النحاة تقصرها على المسموع، ولا تبيح فيها القياس.
إلا الكوفيين فيبيحون القياس على المسموع، بشرط اختلاف لفظي المضاف والمضاف إليه، بحجة أن الوارد من تلك الإضافات كثير كثرة تكفي للقياس عليه، وأن الحاجة قد تدعو لاستخدام القياس؛ للانتفاع بفائدة تلك الإضافات المتعددة الأنواع، فإنها لا تخلو من فائدة معنوية –كالإيضاح مع التوكيد-، برغم أن هذه الفائدة المعنوية تختلف -نوعًا ومقدارًا- عن الفائدة المعنوية التي للإضافة المحضة1 ...
ورأي الكوفيين سديد مفيد.
وفي الأخذ به هنا تيسير محمود تتطلبه حياة الناس كما طلبته قديمًا.
لكن من المستحسن -وبخاصة القسم الثاني- أن نأخذ به في أضيق الحدود؛ حين تشتد إليه الحاجة، وتقوم قرينة على بيان المراد منه، بحيث لا يشوبه لبس أو غموض.
وقد صرح بعض كبار النحاة باستحسان الرأي الكوفي، ففي شرح شواهد العيني للبيت المرقوم "448" وهو الذي سبق هنا في الإضافة الخامسة "ص45" وصدره:
"فقلت: انجُوَا عنها نجا الجلد إنه ... "
ما نصه:
"الشاهد في: "نجا الجلد" حيث أضاف المؤكَّد إلى المؤكِّد؛ لأن "النجا" -بالقصر- هو الجلد.
والأحسن ما قاله الفراء: إن العرب تضيف الشيء إلى نفسه عند اختلاف اللفظين كقوله تعالى: ... ﴿حَقُّ اليَقِينِ﴾ 2.."ا.
هـ.
وقال الأشموني عند الكلام على بيت ابن مالك3:
ولا يضاف اسم لما به اتحدْ ... معنى، وأوِّلْ موهمًا إذا وردْ
ما نصه: "لا يضاف اسم لما اتحد به معني؛ كالمرادف مع مرادفه؛
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والموصوف مع صفته؛ لأن المضاف يتخصص أو يتعرف بالمضاف إليه؛ فلا بد أن يكون غيره في المعنى؛ فلا يقال، قمح بر، ولا رجل فاضل، ولا فاضل رجل. وإذا جاء من كلام العرب ما يوهم جواز ذلك وجب تأويله؛ فمما أوهم إضافة الشيء إلى مرادفه قولهم: "جاءني سعيد كرز". وتأويله: أن يراد بالأول المسمى، وبالثاني الاسم؛ أي: جاءني مسمى هذا الاسم1.
ومما أوهم
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إضافة الموصوف إلى صفته قولهم: "حبة الحمقاء"، و"صلاة الأولى"، و"مسجد الجامع"، وتأويله أن يقدر موصوف، أي: حبة البقلة الحمقاء، وصلاة الساعة الأولى، ومسجد المكان الجامع1.
ومما أوهم إضافة الصفة إلى الموصوف قولهم: جرد قطيفة2" وسحق عمامة3، وتأويله: أن يقدر موصوف أيضًا، وإضافة الصفة إلى جنسها؛ أي: شيء جرد من جنس القطيفة، وشيء سحق من جنس العمامة" ا. هـ. كلام الأشموني.
ثم قال ما نصه:
"أجاز الفراء إضافة الشيء إلى ما بمعناه لاختلاف اللفظين. ووافقه ابن الطراوة، وغيره ونقله في "النهاية" عن الكوفيين، وجعلوا من ذلك ما ورد في الآيات القرآنية من نحو: ﴿وَلَدَارُ الآخِرَةِ﴾ ، ﴿حَقُّ الْيَقِينِ﴾ ، ﴿حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ ، ﴿جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ ، وظاهر التسهيل وشرحه موافقته"4.
ا. هـ. الأشموني.
ويقول الرضي في شرح الكافية5 -بعد أن شرح مذهب الكوفيين وغيرهم وعرض أمثلة مما سبق- ما نصه: "الإنصاف أن مثله كثير لا يمكن دفعه"6.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وقد أطلنا الكلام في أمر الإضافات السالفة لنفصل في أمرها بحكم قاطع -وهو إباحتها- فيُحسَم النزاع، ويوقَف الجدل الذي امتد حتى وصل إلينا عنيفًا، واستخدمه اليوم -بغير حق- بعض الباحثين في إصدار أحكام بالفساد والخطأ على بعض الإضافات الشائعة، مثل: "استرحنا من عناء التعب"، و"نعمنا برغد الرخاء".
السابع: عدم الفصل بين المضاف والمضاف إليه باسم ظاهر، أو بضمير بارز1، أو بغيرهما؛ لأن المتضايفين بمنزلة الكلمة الواحدة ذات الجزأين، لا يصح أن يتوسط بينهما فاصل.
غير أن هناك مواضع يجوز فيها الفصل في السعة2؛ فإباحتها في الشعر، وملحقاته، أقوى. ومواضع أخرى يجوز فيها الفصل للضرورة3.
1- فأما مواضع الفصل في السعة فمنها:
1- أن يكونا المضاف مصدرًا والمضاف إليه هو فاعله في الأصل قبل الإضافة، والفاصل بينهما إما مفعول به للمصدر4؛ كقول الشاعر:
حملت إليه من ثنائي حديقة ... سقاها الحجا سقي الرياضَ السحائبِ
والأصل: سقي السحائب الرياض.
وقول الآخر:
عَتَوْا إذ أجبناهم إلى السلم رأفةً ... فسقناهم سوق -البغاثَ- الأجادلِ5
يريد: سوق الأجادلِ البغاثَ، فوقع الفصل في المثالين بين المصدر وفاعله بمفعوله المنصوب.
وإما ظرف للمصدر؛ كقولهم: تَرْكُ يومًا نفسك وهواها، سعيٌ لها في
رداها.
فقد فصل الظرف: "يومًا" بين المصدر وفاعله، وهما: ترك نفسك ... 1.
2- أن يكون المضاف اسم فاعل للحال أو الاستقبال، والمضاف إليه هو مفعوله، والفاصل بينهما إما: مفعوله الثاني، وإما الظرف، وإما الجار والمجرور المتعلقان بهذا المضاف، فمثال الفصل بالمفعول الثاني قول الشاعر:
ما زال يوقِنُ من يؤمُّك بالغنى ... وسواك مانع -فَضْلَهُ- المُحْتَاجِ
أي: مانع المحتاج فضله.
والأصل قبل الإضافة مانع المحتاج فضله؛ فاسم الفاعل هنا ناصب مفعولين، ثم أضيف إلى أولهما، وبقي الثاني منصوبًا، ولكنه تقدم وفصل بين المتضايفين.
ومثال الظرف قول الشاعر:
وداعٍ إلى الهيجا وليس كِفَاءَهَا ... كجالبِ -يومًا- حتفِهِ بسلاحِه
والأصل: كجالب حتفه يومًا ... ، ومثال الجار والمجرور المتعلقين به قوله عليه السلام: "هل أنتم تاركو - لي - صاحبي".
والأصل: تاركو صاحبي لي.
3- الفصل بالقسم، أو: بإما، أو: بالجملة الشرطية؛ سواء أكان المضاف شبه فعل2 أم غيره؛ فمثال القسم: شرُّ -والله- البلادِ بلاد لا عدل فيها ولا أمن.
ومثال "إما" قول الشاعر:
هما خُطَّتَا3 إما إسار4 ومنة5 ... وإما دَمٌ، والقتل بالحرِّ أجدرُ
أي: هما خطتا إسار ... وقد حذفت نون المثنى المضاف وفصلت بينه وبين المضاف إليه كلمة: "إما".
ومثال الشرط ما نقل من نحو: هذا غلام -إن شاء الله- أخيك".
والأصل: هذا غلام أخيك إن شاء الله.
4- الفصل بـ"ما" الزائدة حيث يكون المضاف منادى، وحرف النداء هو: "يا"؛ كقول الشاعر:
يا شاةَ -ما- قُنُصٍ لمن حلت له ... حرمت عليَّ وليتَهَا لم تحرم
5- الفصل بالتوكيد اللفظي بشرط أن يكون المضاف منادى قد تكرر لفظه للتوكيد اللفظي، من غير أن يضاف اللفظ الذي جاء للتوكيد، نحو: "يا صلاح، صلاح، الدين الأيوبي، ما أطيب سيرتك"؛ على اعتبار أن كلمة: "صلاح"، الأولى منادى، منصوب، مضاف، وكلمة: "الدين" مضاف إليه، وكلمة: "صلاح" الثانية هي التوكيد اللفظي للأولى، وقد فصلت بين المتضايفين1.
ب- وأما مواضع الفصل المباح في الضرورة فمنها:
1- وقوع المضاف اسما –مشبها الفعل في العمل، رافعًا بعده فاعله الذي يفصل بينه وبين المضاف إليه؛ كقول الشاعر:
نرى أسهما للموت تصمي2 ولا تنمي3 ... ولا نرعوي4 عن نقض -أهواؤنا- العزم
فقد فصل بين المضاف والمضاف إليه بكلمة: "أهواؤنا" وهي فاعل المصدر المضاف، والأصل: عن نقض العزم أهواؤنا.
أي: عن أن تنقض أهواؤنا العزم.
2- أن يكون الفاصل بين المضاف والمضاف إليه أجنبيا من المضاف، "أي: أن يكون الفاصل معمولًا لعامل آخر غير هذا المضاف"؛ كالفصل بالفاعل الأجنبي في قول الشاعر:
أنجب1 أيامَ والداه به ... إذ نجلاه2؛ فنعم ما نجلا
والأصل: أنجب والده به أيام إذ3 نجلاه ... فقد فصل الفاعل4 وهو "والداه" بين المضاف: أيام، وبين المضاف إليه وهو: "إذ نجلاه"، والفاصل هنا ليس معمولًا للمضاف.
3- الفصل بالمفعول الأجنبي؛ كالذي في قول الشاعر يصف فتاة:
تسقي امتياحا5 ندى -المسواكَ- ريقتِهَا ... كما تضمن ماءَ المزنة الرصفُ6
يريد: أنها تسقي المسواك ندى ريقتها.
فقد توسط المفعول به الأجنبي، "وهو: المسواك" بين المضاف والمضاف إليه، وفصل بينهما، مع أنه معمول للفعل: "تسقى" وليس معمولًا للمضاف.
4- الفصل بالظرف الأجنبي7: كالذي في قول الشاعر يصف رسوم الدار بأنها:
كما خطَّ8 الكتاب بكفِّ -يومًا- ... يهوديٍّ يقارب9 أو يزيلُ10
والأصل: كما خط الكتاب يومًا بكف يهودي؛ فوقع الظرف الأجنبي فاصلًا بين المضاف وهو: "كف"، والمضاف إليه، وهو: "يهودي".
5- الفصل بالجار مع مجروره الأجنبيين، كما في قول الشاعر1:
هما أخوا -في الحرب- من لا أخا له ... إذا خاف يومًا نبوة، ودعاهما
تريد: هما أخوا من لا أخا له في الحرب.
وقول الآخر2:
كأن أصوات -من إشغالهن3، بنا- ... أواخر الميس4 أصوات الفراريج5
يريد: كأن أصوات أواخر الميس ...
5- الفصل بنعت المضاف؛ مثل:
ولئن حلفت على يديك لأحلفن ... بيمين أصدق من يمينك مقسم
أي: بيمين مقسم، أصدق من يمينك.
6- الفصل بالنداء، كالذي في قول الشاعر:
وفاق6 –كعب7- يجير منقذ لك من ... تعجيل تهلكة7، والخلد في سقرا8
أي: وفاق بجير يا كعب ...
تلك أشهر مواضع: "الفصل" -بنوعيه- بين المضاف والمضاف إليه كما رآها كثرة النحاة.
لكن فريقًا من نحاة البصرة لا يبيحون الفصل في السعة، ويقتصرونه على الضرورات.
والأخذ برأيهم أفضل؛ حرصًا على وضوح المعاني، وجريًا على مراعاة النسق الأصيل في تركيب الأساليب.
فمما لا شك فيه أن الفصل بين المتضايفين لا يخلو من إسدال ستارٍ ما على المعنى لا يرتفع ولا يزول إلا بعد عناء فكري يقصر أو يطول، وأن الأسلوب المشتمل على: "الفصل" غريب على اللسان والآذان، ولا سيما اليوم.
سواء أخذنا بهذا الرأي الأفضل أم بذاك -وكلاهما جائز- فلا مناص لمن يبيح الفصل أن يبيحه حيث تقوم القرينة عليه، ويتضح المعنى معه، في غير إبهام ولا غموض1.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
زيادة وتفصيل:
من مواضع الفصل للضرورة: الفصل بين المتضايفين بالفعل الزائد "أي: الذي يمكن حذفه مع فاعله1 بغير أن يفسد المعنى" ومنه قول العربي يسأل عن أهله:
بأي -تراهمُ- الأرضين حلوًا؟ ... أبالدبران، أم عسفوا الكفارا
يريد: بأي الأرضين؟ فجملة: "تراهم"2 زائدة، فاصلة بين المتضايفين. ثم يسأل: أحلوا المكان الذي يسمى: الدبران -بفتح الباء- أم قصدوا المكان الآخر المسمى: الكفار؟
وأيضًا الفصل بالمفعول لأجله؛ كقول الشاعر:
أشم كأنه رجل عبوس ... معاود -جرأةً- وقتِ الهوادي
والأصل: معاود وقت الهوادي؛ جرأة. أي: يعاود الحرب وقت ظهور أعناق الخيل؛ لجرأته في الحرب3.
وكذلك الفصل بلام الجر الزائدة بين المضاف المنادى والمضاف إليه4 كقول الشاعر:
يا بؤس للحرب ضرارًا لأقوامِ = والمضاف إليه بشيء نصبه ذلك المضاف، لكن بشرط أن يكون هذا الفاصل المنصوب مفعولًا به، أو ظرفا.
وقد أوضحنا هذه القاعدة بالشرح والتمثيل، وبالتفصيل المناسب.
ثم بين بعد ذلك أن الفصل بين المتضايفين جائز باليمين.
أما في حالة الضرورة فقد وجد الفصل بالأجنبي "وهو الذي ليس معمولًا للمضاف" أو بالنعت، أو بالندا.
هذا والنعت والنداء يدخلان في الفصل بالأجنبي؛ ولكنه خصهما بالذكر مبالغة في إيضاحهما.
ثم إن تخصيص هذه المسائل بحالة الضرورة يدل على أن ما سرده قبلها يكون في السعة.
الثامن: استفادة المضاف من المضاف إليه وجوب التصدير1، وانتقال هذا الوجوب من الثاني للأول.
فإذا كان المضاف إليه لفظًا من الألفاظ التي يجب تصديرها في جملتها كألفاظ الاستفهام ... و ... فإنه يفقد التصدير حين يصير مضافًا إليه، وينتقل وجوب التصدير إلى المضاف الذي ليس من ألفاظ الصدارة الحتمية؛ ولهذا وجب تقديم المبتدأ في مثل: كتاب من معك؟ والخبر في مثل: صباح أي يومٍ السفر؟ والمفعول به في مثل: دعوة أيهم تجيب؟ والجار والمجرور في مثل: من بلاد الأنصار أقبلت؟ وهكذا ... وأصل الكلام: معك كتاب من؟ السفر صباح أي يوم؟ تجيب دعوة أيهم؟ أقبلت من بلاد أي الأنصار؟ ففي الأمثلة السابقة تقدم وجوبا كل من المبتدأ، والخبر، والمفعول به، والجار مع مجروره ... و ... مع أن كل واحد من هذه الألفاظ ليس من الألفاظ الواجبة التصدير لذاتها؛ ولكنه استفاد حق التصدير الواجب من المضاف إليه، وسلبه هذا الحق؛ إذ المضاف إليه هنا أداة استفهام، وأدوات الاستفهام واجبة التصدير بنفسها قبل أن تصير: "مضافًا إليه" فحين صارت مضافًا إليه فقدت هذا التصدير الواجب، وانتقل منها إلى المضاف.
التاسع: وجوب تقديم المضاف، على المضاف إليه، وكذلك على معمولات المضاف إليه، إن وجدت.
فلا يجوز أن يتقدم المضاف إليه، ولا شيء من معمولاته "سواء أكانت هذه المعمولات مفردة، أم جملة، أم شبه جملة"، إلا حالة واحدة يجوز فيها تقديم المعمول؛ هي: أن يكون المضاف كلمة: "غير" التي يقصد بها النفي2؛ ففي نحو: "أنا مرشد الغرباء ... " لا يصح: "أنا الغرباء مرشد ... " وفي نحو: "أنا مثل كاتب سطورًا"، لا يصح أن يقال: "أنا - سطورا - مثل كاتب" أما في نحو: "أنا غير منكر فضلا-" فيجوز: "أنا - فضلًا - غير منكر"؛ لأنه يجوز: "أنا فضلًا لا أنكر".
ومنه قول الشاعر: