"لا" النافية للجنس
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- عباس حسن
- الكتاب
- النحو الوافي
- المؤلف
- عباس حسن (المتوفى: 1398هـ)
- الناشر
- دار المعارف
- الطبعة
- الطبعة الخامسة عشرة
- عدد الأجزاء
- 4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
المسألة السادسة والخمسون: "لا النافية للجنس" 1
نسوق بعض الأمثلة لإيضاح معناها:
حين نقول: لا كتابٌ فى الحقيبة؛ بإدخال: "لا" على جملة اسمية - فى أصلها -، ورفع كلمة: "كتاب" - التى للمفرد" يكون معنى التركيب مُحتَمِلا أمرين:
أحدهما: نفى وجود كتاب واحد فى الحقيبة، مع جواز وجود كتابين أوأكثر فيها.
والآخر: نفى وجود كتاب واحد، وما زاد على الواحد؛ فليس بها شئ من الكتب مطلقاً.
فالتركيب مُحتمِل للأمرين، ولا دليل فيه يعين أحدهما، ويمنع الاحتمال.
وكذلك حين نقول: لا مصباحٌ مكسوراً، "بإدخال: "لا" على جملة اسمية - فى أصلها - ورفع كلمة: "مصباح" التى للمفرد" فإن التركيب يحتمل أمرين:
أحدهما: نفى وجود مصباح واحد مكسور، ولا مانع من وجود مصباحين مكسورين؛ أوأكثر.
والآخر: نفى وجود مصباح واحد مكسور وما زاد على الواحد أيضاً.
فلا وجود لشئ من جنس المصابيح المكسورة.
فالتركيب يحتمل نفى الواحد المكسور فقط، كما يحتمل نفى الواحد وما زاد عليه.
ومثل هذا يقال فى: لا سيارةٌ موجودةً، بإدخال "لا" على جملة اسمية الأصل، ورفع كلمة: "سيارة" - التى للمفردة" حيث يحتمل التركيب الأمرين: نفى وجود سيارة واحدة، دون نفى سيارتين وأكثر، ونفى وجود شىء من جنس السيارات مطلقاًن فلا وجود لواحدة منها؛ ولا لأكثر.
مما سبق نعلم: أن، "لا" فى تلك الأمثلة - وأشباهها - تدل على نفى
يُحتَمل وقوعُه على فرد واحد فقط، أوعلى فرد واحد وما زاد عليه.
ولمّا كان النفى بها صالحاً لوقوعه على الفرد الواحد سماها النحاة: "لا" - التى لنفى الوَحْدة "أى: الواحد" وهى إحدى الحروف الناسخة1 التى تعمل عمل "كان" الناقصة.
فإذا أردنا أن تدل الأمثلة السابقة وأشباهها على النفى الصريح2 العام3 ودب أن نضبط تلك الألفاظ ضبطاً آخر؛ يؤدى إلى هذا الغرض؛ فنقول: لا كتابَ فى الحقيبة؛ - لا مصباحَ مكسورٌ - لا سيارةَ موجودةٌ، فضبط تلك الكلمات المفردة بهذا الضبط الجديد - وهوبناء الاسم على الفتح، ورفع الخبر، كما سيجئ - يجعل النفى فى كل جملة صريحاً فى غرض واحد؛ لا احتمال معه لغيره، كما يجعله عامًّا؛ ينصبُّ على كل فرد؛ فيقع على الواحد، وعلى الاثنين، وعلى الثلاثة، وما فوقها، ولا يسمح لفرد أوأكثر بالخروج من دائرته.
ومثل هذا يقال فى نحو: لا مهملاً عملَه فائزٌ - لا راغباً فى المجد مُقصّرٌ ... ونحوهما مما يقع فيه الاسم منصوباً بعد: "لا" وليس مرفوعاً، والخبر هوالمرفوع - على الوجه الذى سنشرحه - فهى تنفى الحكم عن كل فرد من أفراد جنس الشئ الذى دخلت عليه نفيًا صريحًّا وعاماً؛ كما قلنا: وهذا مراد النحاة بقولهم فى معناها:
"إنها تدل على نفى الحكم عن جنس اسمها نصًّا"4.
أو"إنها لاستغراق5 حكم النفى لجنس اسمها كله نصًّا." ويسمونها لذلك؛ "لا" - النافية للجنس"6.
أى: التى قصد بها التنصيص على استغراق النفى لأفراد الجنس
كله.
تمييزاً لها من: "لا" التى لنفى الوَحْدَة؛ فليست نصًّا فى نفى الحكم عن أفراد الجنس كله؛ وإنما تحتملِ نفيه عن الواحد فقط، وعن الجنس1 كله؛ على ما عرفنا.
...... -
"ملاحظة": سبق2 بيان هام في حكم "لا" النافية المهملة "أي: التي لا عمل لها في الجملة الاسمية ولا في غيرها" فإنها من ناحية أثرها المعنوي في الجملة الاسمية تشبه "لا" العاملة"ليس" فالحرفان متشابهان في المعنى دون العمل، إذ أن أحدهما يعمل، والآخر لا يعمل.
= في زمن معين حين تقوم قرينة كلامية أو غير كلامية تدل على نوع الزمن- ويكثر أن يكون الحال - كقوله تعالى: ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ ... ﴾ وكأن يسأل سائل: أفي المزرعة الآن أحد؟ فيجاب: لا أحد فيها: وقد يكون الزمن بالقرينة مستقبلا، كقوله تعالى عن يوم القيامة ﴿لا بشرى يومئذ للمجرمين﴾ أو ماضيا - كقول الشاعر: تعز، فلا إلفين بالعيش متعا ... ولكن لوراد المنون تتابع وغير هذا من الأمثلة التي سيجيء بعض منها.
فإن لم توجد قرينة فالغالب الحال.
عملها وشروطه:
"لا" النافية للجنس حرف ناسخ من أخوات: "إنًَّ"1 ينصب الاسم2: ويرفع الخبر3.
ولكنها لا تعمل هذا العمل إلا باجتماع شروط ستة:
أولهما: أن تكون نافية.
فإن لم تكن نافية لم تعمل4 مطلقاً.
ثانيهما: أن يكون الحكم المنفى بها شاملا جنس اسمها كله، "أى: منصبًّا على كل فرد من أفراد ذلك الجنس".
فإن لم يكن كذلك لم تعمل عمل "إنّ"5،: نحو: لا كتابٌ واحدٌ كافياً....، إذ أن كلمة: "واحد" قد دلت دلالة قاطعة على أن النفى ليس شاملا أفراد الجنس كله، وإنما هومقصور على فرد واحد.
ثالثهما: أن يكون المقصود بها نفى الحكم عن الجنس نصًّا - لا احتمالا - فإن لم يكن على سبيل التنصيص لم تعمل عمل "إنّ"5 كالأمثلة السالفة أول البحث.
رابعها: ألا تتوسط بين عامل ومعموله "بأن تكون مسبوقة بعامل قبلها
يحتاج لمعمول بعدها" كحرف الجر فى مثل: حضرت بلا تأخير1 وقول الشاعر: مُتارَكةُ السَّفيه بلا جوابٍ ... أشَدُّ على السَّفيه من الجواب خامسها: أن يكون اسمها وخبرها نكرتين2 فإن لم يكونا كذلك لم تعمل: مطلقاً4 ولا تعد من أخوات "إنّ" ولا "ليس"؛ كالتى فى قول الشاعر:3
لا القومُ قومى، ولا الأعْوان أعْوانى ... إذا وَنا1 يوم تحصيل العُلا وانِى
سادسها: عدم وجود فاصل بينها وبين اسمها. فإن وجد فاصل اهْملَتْ "أى: لم تعمل شيئاً" وتكررت؛ نحو: لا فى النبوغ حَظ لكسلان، ولا نصيبٌ2.
وهذا الشرط يستلزم الترتيب بين معموليها3 فلا يجوز أن يتقدم الخبر - ولوكان شبه جملة - على الاسم.
فإن تقدم مثل: لا لهازلِ هيبةٌ ولا توقير - لم تعمل مطلقاً.
وكذلك لا يجوز تقدم معمول الخبر على الاسم؛ ففى مثل: لا جندىَّ تاركٌ ميدانَه ... لا تعمل حين نقول، لا ميدانَه جندىٌّ تاركٌ.
فإذا استوفت شروطها وجب إعمالها4: "إن اقتضى المعنى ذلك؛ سواء أكانت واحدة، أم متكررة - على التفصيل الذى سنعرفه".
حكم اسم "لا" المفردة؛ "أى: المنفردة التى لم تتكرر".
لهذا الاسم حالتان:
الأولى: أن يكون مضافاً1 أوشبيهاً بالمضاف2.
وحكمه وجوب إعرابه، مع نصبه بالفتحة، أوبما ينوب عنها.
فمن أمثلة المضاف:
لا قولَ زُورٍ نافعٌ............................
...
كلمة: "قول" اسم "لا"، منصوبة بالفتحة، لأنها اسم مفرد: ومضاف.
لا أنصارَ خيرٍ متنافورن...................
...
كلمة: "أنصار" اسم "لا"، منصوبة بالفتحة لأنها جمع تكسير، ومضاف.
لا ذا أدبٍ نمامٌ............................. ...
كلمة: "ذا" اسم "لا"، منصوبة بالألف نيابة عن الفتحة؛ لأنها من الأسماء الستة، مضافة.
لا نصيحتىْ إخلاصٍ أنفعُ من نُصح الوالدين
...
كلمة: "نصيحتى ... " اسم "لا"، منصوبة بالياء نيابة عن الفتحة، لأنها، مثنى مضاف؟
لا خائِنى وطنٍ سالمون................ ...
كلمة: "خائنى ... " اسم "لا" منصوبة بالياء نيابة عن الفتحة، لأنها جمع مذكر؛ مضاف.
لا مهملاتِ عملٍ مُكرماتٌ...............
...
كلمة: "مهملات" اسم "لا"، منصوبة بالكسرة نيابة عن الفتحة: لأنها جمع مؤنث سالم مضاف.
ومن أمثلة الشبيه بالمضاف:
لا مرتفعاً قدرهُ مغمورٌ ... ... كلمة "مرتفعاً" اسم "لا" منصوبة بالفتحة
لا بائعاً دينَه بدنياه رابحٌ ... ... كلمة "بائعاً" اسم "لا" منصوبة بالفتحة
لا خمسةً وعشرين غائبون ... ... كلمة "خمسة" اسم "لا" منصوبة بالفتحة
لا ساعياً وراء الرزق محرومٌ ... ... كلمة "ساعياً" اسم "لا" منصوبة بالفتحة
لا قاعداً عن الجهاد معذور ... ... كلمة "قاعداً" اسم "لا" منصوبة بالفتحة
لا سائقَيْنٍ طيارةً غافلان ... ... كلمة "سائقين" اسم "لا" منصوبة بالياء لأنها مثنى
لا حارسِينَ بالليل نائمون ... ... كلمة "حارسين" اسم "لا" منصوبة لأنها جمع مذكر
لا راغباتٍ فى الشهرة مُسْتَريحاتٌ ... كلمة "راغبات" اسم "لا" منصوبة بالكسرة؛ لأنها جمع مؤنث سالم
ومن الأمثلة السالفة يتضح الإعراب مع النصب بالفتحة مباشرة فى المفرد1 وفى جمع التكسير، "ومثله: اسم الجمع2، كقوم، ورَهْط3.
إذا كانا من الحالة الأولى المذكورة"، وبما ينوب عن الفتحة وهو: الألف، فى الأسماء الستة، والياء فى المثنى وجمع المذكر السالم، والكسرة فى جمع المؤنث السالم.
الثانية: أن يكون مفرداً "ويراد بالمفرد هنا: ما ليس مضافاً ولا شبيهاً بالمضاف، ولوكان مثنى، أومجموعاً" وحكمه: وجوب بنائه على الفتح4 أوما ينوب عن الفتح5 فيبنى على الفتح مباشرة إن كان مفرداً أوجمع تكسير
أواسم جمع؛ مثل: لا عالمَ متكبرٌ1 - لا علماءَ متكبرون - لا قومَ للسفيه.
ويبنى على الياء نيابة عن الفتة إن كان مثنى أوجمع مذكر سالماً؛ نحو: لا صديقَيْن متنافران - لا حاسدِينَ متعاونون.
ويبنى على الكسرة نيابة على الفتحة إن كان جمع مؤنث سالماً، نحو: لا والداتٍ قاسياتٌ.
وبالوجهين روى قول الشاعر:
إن الشباب الذي مجد عواقبه ... فيه نلذ، ولا لذات للشيب
ببناء كلمة: "لذات" على الفتح، أو على الكسر.
= منصوب بالألف بغير تنوين، لأنه مضاف، واللام زائدة.
والخبر محذوف.
والتقدير: لا أباك موجود.
ومع أنه مضاف - ليس معرفة، لأن إضافته غير محضة، فهي كالإضافة في قولنا: "غيرك"، و "مثلك".... ونحوهما مما لا يفيد المضاف تعريفا.
وذلك القائل لم يقصد نفي أب معين، وإنما يقصد نفيه ومن يشبه، إذ هو - غالبا - دعاء بعدم الناصر، والإضافة غير المحضة ليس مقصورة على إضافة الوصف العامل إلى معمول، فلم تعمل "لا" في المعرفة.
وإنما زيدت اللام بين المضاف والمضاف إليه دفعا لكراهية إدخال: "لا" على المضاف إليه الذي يشبه في صورته الظاهرية المعرفة، دون حقيقته المرادة.
وهناك آراء أخرى تقتضي الفائدة الإلمام بها "وقد ذكرناها تفصيلا عند الكلام على هذا الأسلوب ومعناه في ص 115" وكل رأي يواجه باعتراض.
وانتهى الأمر إلى أن الأفضل اعتبار كلمة: "أبا" اسم "لا" مبنية على فتح مقدر على الألف "كما جاء في الخضري في أول باب "لا"، جريا على لغة العصر التي تلزم الألف فيها آخر الأسماء الستة.
وعلى أساسها لا تكون كلمة "أبا" في الأسلوب السالف معربة.
أما الخبر فالجار والمجرور بعدها.
ومن الأساليب المسموعة - بكثرة - أيضا قولهم: "لا غلمي لك" "بالتثنية" و "لا خادمي لك" "بالجمع" على اعتبار أن نون المثنى ونون الجمع قد حذفت كلتاهما للإضافة- كما سبق في ص 156 - وأن المثنى والجمع منصوبان، لأنهما مضافان.
فكيف يعدان من نوع المضاف مع وجود اللام فاصلة بين المضاف والمضاف إليه، وهذا لا يجوز في رأي المعترضين؟ وقد أجيب بأن النون لم تحذف للإضافة، وإنما حذفت للتخفيف، فالكلمتان مبنيتان على الياء، لا معربتان، والجار والمجرور بعدهما خبر.
وقيل: إن الكلمتين شبيهتان بالمضاف بسبب اتصال "لك" بهما.
والنون محذوفة للتخفيف.
وخبرهما محذوف.... إلى غير ذلك من الإجابات.
ومن الواجب ألا نحاكي هذا الأسلوب برغم أن بعض النحاة يبيحه، "كما سيأتي في باب الإضافة، جـ 3 ص 10- م 93". لأن الأخذ به - ولا سيما اليوم - يبعد اللغة عن أخص خصائصهما، وهو: الإبانة، والوضوح، والفرار من اللبس.
ومع أنه مبنى فى الحالات السالفة، هوفى محل نصب دائماً.
أى: مبنى لفظاً منصوب محلا1.2
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
زيادة وتفصيل:
"ا" سبق1 أن من شروط إعمال "لا": تنكير معموليها.
وقد وردت أمثلة فصيحة وقعت فيها عاملة مع أن اسمها معرفة.
من ذلك قوله عليه السلام، إذا هلك كِسْرِى فلا كسرَى بعده، وإذا هَلَك قَيْصَرُ فلا قيصرَ بعده.
ومن ذلك قولهم قضية" ولا أبا حسن2 لها.
وقولهم: لا أمية3 في البلاد وقولهم: لا هيثم 4 الليلة للمطىّ.
وقولهم: يُبْكَى على زيد ولا زيدَ مثلُه ... وغير هذا من الأمثلة المسموعة.
وقد تناولها النحاة بالتأويل5 كي يخضعوها لشرط التنكير.
وهوتأويل لا داعى لتكلفه مع ورود تلك الأمثلة الصريحة، الدالة على أن فريقاً من العرب لا يلتزم التنكير.
فعلينا أن نتقبل تلك النصوص بحالها الظاهر دون محاكاتها، ونقتصر فى استعمالنا على اللغة الشائعة المشهورة التى تشترط الشروط التى عرفناها؛ توحيداً لأداة التفاهم، ومنعًا للتشعيب بين المتخاطبين بلغة واحدة.
ب- قلنا إن حكم اسم "لا" المفرد هوالبناء على الفتحة، أوما ينوب عن الفتحة.
وقد يصح بناؤه على الضمة العارضة فى حالة واحدة6، هى أن يكون الاسم كلمة: "غير" - ونظيراتها - فتكون كلمة: "غير" مبنية على الضمة الطارئة
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فى محل نصب، بشرط أن تكون مضافة مسبوقة بكلمة: "لا - أو: ليس" - وبشرط أن يكون المضاف إليه محذوفاً قد نُوى معناه على الوجه المفصَّل فى مكانه من باب الإضافة نحو: قطعت ثلاثة أميال لا غيرُ - أوليس غيرُ - أى: لا غيرُها، أوليس غيرُها مقطوعاً.
والنحاة يقولون فى إعراب هذا: إنه مبنى على فتح مقدر، منع من ظهوره الضم العارض للبناء أيضاً - فى محل نصب.
وفى هذا تكلف وتطويل يدعوهم إليه رغبتهم فى إخضاع هذا النوع الحكم المفرد بحيث يكون الحكم "وهوالبناء على الفتح فى محل نصب" عاماً مطردًا.
لكن لا داعى لهذا التكلف، إذ لا مانع من أن يقال: إنه مبنى على الضمّ - مباشرة - فى محل نصب.
"كما فى الصبان والخضرى، عند كلامها على أحكام: "غير" فى باب الإضافة وستجئ فى الموضع الذى أشرنا إليه"1.