النحو الوافيالمسألة 99

المسألة 99

عن هذه الطبعة
عَلَم
عباس حسن
الكتاب
النحو الوافي
المؤلف
عباس حسن (المتوفى: 1398هـ)
الناشر
دار المعارف
الطبعة
الطبعة الخامسة عشرة
عدد الأجزاء
4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

: إعمال المصدر، واسمه 1:

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  1 حين نقول: "تَحسَّنَ" أو "يتحسن" أو: "تحسنْ" نجد أن كل كلمة مستقلة من هذه الكلمات لا بد أن تدل على أمرين معًا؛ هما: المعنى المحض السالف "أي: الحدث المجرد" والزمان "ماضيًا، أو حالًا، أو مستقبلًا ... و......" ولا يمكن أن تؤدي أمرًا واحدًا دون الآخر؛ ولذلك لا تسمى: "مصدرًا" وإنما تسمى: "فعلًا"، فالمصدر الصريح -غير الدال على المرة أو الهيئة- يؤدي شيئًَا واحدًا من شيئين يؤديهما الفعل، وهذا الشيء الواحد هو ما سوى الزمان.
وفيه يقول ابن مالك في بيت سبق شرحه "في باب المفعول المطلق جـ2 ص155 م74": المصدر اسم ما سوى الزمان منْ ... مدولي الفعل؛ في كأمْنٍ من أمِنْ 2 وأننا حين نقول "متحسن" نفهم من هذه الكلمة -دون الاستعانة بغيرها- أمرين معًا؛ وهما: المعنى المحض "أي: الحدث المجرد" الذي أوضحناه، و"الذات" أي: المادة المجسدة المجمدة، أو: "الجسم" الذي يتصف بالتحسن، فلا بد من المعنى والذات معًا، ولهذا لا تصلح كلمة "متحسن" لأن تسمى: "مصدرًا" ولا فعلًا، وإنما تسمى: اسم فاعل "وسيجيء الكلام عليه في ص238. 3 وفي مثل: أعطيت المحتاج عطاء يكفيه، نجد كلمة: "عطاو" تدل على معنى مجرد محض، ولا تدل معه على شيء آخر.
ولكنها لا تشتمل على جميع الحروف التي في فعلها المذكور في جملتها؛ إذ الهمزة الأولى غير موجودة لفظًا ولا تقديرًا، ومن هنا لا نستطيع أن نسمي كلمة: "عطاء" مصدرًا للفعل الماضي: "أعطى" وإنما نسميها: "اسم مصدر"؛ وسنعرفه هنا.
ومثلها: كلمة "سلام" و"عون" في نحو: سلمت على اللاجئ سلام الأخ، وعاونته عون الشقيق؛ فإن كل واحدة منهما لا تصلح مصدرًا للفعل المذكور معها "برغم أنها تصلح لغيره" لأن حروفها خالية لفظًا وتقديرًا من بعض حروف فعلها، فكلمة: "سلام" تشتل على "لام" واحدة مع أن فعلها المذكور في جملته مشتمل على لام مشددة تعد لامين.
وكلمة: "عون" خلية من الألف التي في فعلها المذكور معها، فكلاهما ليس مصدرًا، وإنما يسمى: "اسم مصدر" -وسيجيء في الصفحة الآتية إيضاحه، وأنه سماعي.
4 وفي مثل: دهن وكحل "بضم أولهما" من كل ما يشتمل على حروف فعله ولكنه ذات لا نسميه مصدرًا.
5- وفي مثل: برة؛ بمعنى: البر، وسبحان بمعنى: التسبيح، وحماد، بمعنى: الحمد -نجد هذه الكلمات وأشباهها، تدل على الحدث المجرد، ولا تدل معه على ذات، ولا زمان، ولا غيره، ولكننا لا نستطيع أن نسميها "مصادر؛ لأن كل واحدة منها صارت علم جنس"، يدل على المعنى الخاص به؛ فكلمة: "برة" جنس على "المبرة" بمعنى: البر، و"سبحان" علم جنس على: "التسبيح"، و"حماد" علم جنس على: الحمد؛ فهي ونظائرها أسماء مصادر "سبق الكلام عليها =

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  = في الجزء الأول ص209 م22 في علم الجنس".
وقد قلنا إن المصدر لا بد أن يشتمل على كل حروف فعله الماضي، أو على أكثر منها.
والمراد اشتماله عليها لفظًا أو تقديرًا.
فاللفظي أن تكون جميع الحروف موجودة منطوقًا بها؛ نحو: أخذت أخذًا.
تعلم الصبي تعلمًا، والتقديري: أن يكون الحرف محذوفًا قد عوض عنه حرف آخر، كمجيء تاء التأنيث في آخر المصدر عوضًا عن واو الفعل، في مثل وعد، عِدَةً، وكالتاء أيضًا حين تكون في أوله عوضًا، مثل سلم تسليمًا، وعلم تعليمًا؛ فإن إحدى اللامين حذفت من المصدر وجاءت في أوله التاء عوضًا.
أو يكون الحرف محذوفًا للتخفيف وكثرة الاستعمال، مع ظهوره أحيانًا في بعض اللهجات واللغات؛ مثل: ضارب ضرابًا.
قاتل قتالًا ... والأصل: ضيرابًا وقيتالًا؛ فقلبت الألف ياء لوقوعها بعد الكسرة، ثم حذفت تخفيفًا، ومن العرب من كان يظهرها.
ومثال اشتمال المصدر على حروف أكثر من حروف فعله الماضي: إكرام، وإجمال -وأشباهمها؛ فإنهما مصدران للفعلين: "أكرم، وأجمل" وقد زيد في وسط كل مصدر منها الألف.
ومثل: "فرقان" مصدر "فَرَق" فقد زيد في وسطه الألف.
ومثل الألف التاء في كلمة: "معاونة" مصدر: عاون.
ب- وأما اسم المصدر "وهو مقصور على السماع" فقالوا في تعريفه: "إنه ما ساوى المصدر في الدلالة على معناه، وخالفه بخلوه لفظًا وتقديرًا من بعض حروف عامله -الفعل، أو غيره- دون تعويض".
وذلك كعطاء؛ فإنه مساوٍ لإعطاء في المعنى، ومخالف له بنقص الهمزة الأولى لفظًا وتقديرًا من غير أن يعوض عنها شيء.
فإن خلا منه لفظًا ولم يخلُ تقديرًا فليس اسم المصدر؛ وإنما هو مصدر -كما تقدم- مثل كلمة قتال؛ فإن أصلها: قيتال، على الوجه الذي شرحناه في هذه الصفحة، وإن خلا منه لفظًا ولكن مع تعويض عنه فليس باسم المصدر، وإنما هو مصدر أصيل؛ نحو: عدة، مصدر الفعل "وعد" فقد حذفت الواو، وجاءت التاء في آخر الاسم عوضًا عنها؛ كما قلنا آنفًا.
فلا بد في اسم المصدر من نقص بعض حروفه الأصلية أو الزائدة.
وأن يكون النقص بغير تعويض عنه، وبغير وجود المحذوف مقدرًا.
إن الفرق اللفظي بين المصدر الأصلي واسم المصدر واضح مما سبق "ولا سيما قصر "اسم المصدر" على السماع، أما المصدر الأصلي فمنه القياسي ومنه السماعي ... " ولكن الفرق المعنوي بينهما في حاجة إلى تجلية وإبانة.
فما معنى: "أن اسم المصدر يساوي المصدر في الدلالة على معناه؟ " ذهب النحاة في الإيضاح مذاهب لا تخلو من غموض أو نقص.
ولعل خيرها ما جاء في كتاب: "الأشباه والنظائر" للسيوطي، منسوبًا لابن النحاس: قال ما نصه: "الفرق بينهما أن المصدر في الحقيقة هو الفعل الصادر عن الإنسان وغيره؛ كقولنا: إن كلمة "ضَرْب" هي مصدر في قولنا: يعجبني ضرب زيد عمرًا.
يكون مدلوله: "معنى" "يقصد: أن مدلول كلمة "المصدر" ومفهومها وسماها، هو أمر معنوي محض، وأنه هو المصدر حقيقة، لا مجازًا.
أما اللفظ المذكور في الجملة، المركب من حروف هجائية معينة، فليس بالمصدر الحقيقي" وسموًا ما يعبر به عنه مصدرًا، "مجازًا"، "أي: تسمية مجازية، لا حقيقية" -نحو: "ضرْب" في قولنا: إن: "ضرْبًا" مصدر منصوب، إذا قلت: ضربت ضربًا؛ فيكون مسماه لفظًا".
ا. هـ =

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  = فهو يريد: أن كلمة "ضربًا" هي المسمى اللفظي المجازي لكلمة: "مصدر.
ومقتضى هذا أن كلمة "مصدر" اسم له مدلولان أو مفهومان، وإن شئت فقل: له مسميان، أحدهما: معنوي محض؛ هو الحدث المجرد، وهذا الحدث هو المسمى الحقيقي -لا المجازي- لكلمة: مصدر.
والمسمى الآخر لفظي؛ هو اللفظ الذي ننطق به، أو نكتبه، والذي نقول في إعرابه: إنه مصدر منصوب، وهو المصدر المجازي المراد منه المصدر الحقيقي المعنوي ثم قال بعد ذلك: "واسم المصدر اسم للمعنى الصادر عن الإنسان وغيره؛ كسبحان؛ والمسمى به: "التسبيح" الصادر عن الشخص المسبِّح -مثلًا- لا لفظ التاء، والسين، والباء، والياء، والحاء، بل المعنى المعبر عنه بهذه الحروف، ومعناه البراءة والتنزية".
ا. هـ. راجع ياسين على التصريح.
ويفهم مما سبق أن اسم المصدر كالمصدر المجازي السالف؛ كلاهما يدل مباشرة على الحدث المجرد من غير واسطة.
ولكن كثيرًا من المحققين يقولون إن اسم المصدر يدل مباشرة على لفظ لا على الحدث المجرد، وأن دلالته على لفظ المصدر تؤدي -تبعًا- إلى الدلالة على معنى المصدر، وبذا تكون دلالته على الحدث المجرد دلالة غير مباشرة، وإنما هي بالواسطة؛ إذ هي من طريق المصدر.
"راجع الخضري والصبان في هذا الموضع من الباب".
ومن أوضح أسماء المصادر كل اس يدل على معنى مجرد، وليس له فعل من لفظه يجري عليه؛ كالقهقهري؛ فإنه لنوع من الرجوع، ولا فعل له -في المشهور- يجري عليه من لفظه.
وكذلك كل اسم يدل على معنى مجرد، ويجري على وزن مصدر الثلاثي، مع أن الفعل المذكور معه في الجملة غير ثلاثي؛ مثل: توضأ وضوءًا، وأعان عونًا، وما شابههما من الوارد المسموع -كالشأن في جميع أسماء المصادر فإنها مقيدة بالسماع.
بقيت مسألة هامة، تتلخص في: أن بعض الباحثين المحققين ينكر وجود قسم مستقل يطلق عليه: "اسم المصدر".
وحجته: ما سبق هنا، وأن تعريف المصدر الأصيل ينطبق عليه.
وهذا رأي قوي ودفعه عسير.
ومسألة أخيرة: "أشرنا إليها في ص183"، نوردها بمناسبة دلالة المصدر -في الغالب- على شيء واحد من شيئين يدل عليهما الفعل؛ فإن هذه الدلالة تثير سؤالا: أيهما أصل للآخر؟ فالبصريون يقولون: المصدر.
ويحتجون بأدلة، أقواها: أنه يدل على شيء واحد؛ هو المعنى المجرد؛ فهو "بسيط".
والفعل الماضي يدل على شيئين؛ المعنى والزمن؛ فهو مركب.
و"البسيط" أصل المركب.
والكوفيون يقولون: الفعل الماضي هو الأصل الذي يدخله بعض التغيير.
فتتفرع منه المشتقات؛ لأنه يدل على ما يدل عليه المصدر وزيادة؛ والذي يتضمن غيره والزيادة عليه يعد أصلًا له.
وهذا -وغيره مما ذكره الفريقان- لا يعدو أن يكون أدلة جدلية دفاعية، لها طلاوة الجدل القوي، وليس لها قوة الحجة المنطقية، ولا صحة البرهان.
إذ ليس لدينا في المشتقات الكثيرة المسموعة عن العرب ما يدل من قرب أو بعد على الأصل الذي تفرع منه هذا المشتق.
أما المسألة في واقعها فليست إلا مجرد اصطلاح محض، غير أن كلمة: "المصدر" في أصلها اللغوي معناها: "الأصل" وقد شاعت بهذا المعنى بين أكثر النحاة.
وأطلقوها اصطلاحًا على أنها للفعل وللمشتقات كلها، فلا ضرر من الأخذ بهذا.
والاقتصار عليه.

يعمل المصدر عمل الفعل1 في حالتين: الأولى: أن يحذف الفعل، وينوب عنه مصدره في تأدية معناه، وفي التعدي واللزوم، وكثير من أنواع العمل، نحو قول الشاعر: يا قابل التوب.
غفرانا مآثم، قد ... أسلفتُها، أنا منها خائفٌ وَجِلُ وقول الآخر: شكرًا لربك يوم الحرب نعمته ... فقد حماك بعز النصر والظفر ونحو: تعظيمًا والديك، وتكريمًا أهلك، وإشفاقًا على ضعيفهم المحتاج.
والأصل: اغفر مآثم2 ... اشكر لربك، عَظِّم والديك، كرِّم أهلك، وأشفق على ضعيفهم.
فحذف فعل الأمر وجوبًا، وناب عنه مصدره، فعمل عمله في رفع الفاعل المستتر هنا، وفي نصب المفعول به، إن كان الفعل المحذوف ينصب مفعولًا به؛ كالفعلين: عظم، وكرم، وفي أكثر الأعمال الأخرى التي يعملها الفعل، كالعمل في النعت، وكتعلق الجار والمجرور به في المثال الأخير، وكغيرهما من باقي المعمولات؛ فكل هذا يعمله المصدر النائب عن فعله المحذوف وجوبًا.
"وقد سبق3 تفصيل الكلام على هذا الموضع، وبيان الحذف الجائز فيه والواجب، والقياسي وغير القياسي، وكيفية إعراب هذا المصدر وباقي معمولاته، وكل ما يتصل به من هذه النواحي المختلفة....".

الثانية: أن يكون المصدر صالحًا -في الغالب1- للاستغناء عنه، بأن يحل محله فعل من معناه، مسبوق "بأن" المصدرية2، أو: "ما" المصدرية، فيسبق الفعل "بأن" المصدرية حين يكون الزمن ماضيًا، أو مستقبلًا.
ويسبق "بما" المصدرية حين يكون ماضيًا، أو حالًا، أو مستقبلًا، ولكنها أوضح وأقوى في الزمن الحالي، حيث لا تصلح له "أن"؛ "لأنها لا تصلح إلا للماضي والمستقبل3؛ بخلاف "ما" فإنها صالحة للثلاثة".
فمن أمثلة الماضي: ساءنا بالأمس مدح المتكلم نفسه.
التقدير: ساءنا بالأمس أن مدح المتكلم نفسه، أو: ما مدح ... ومن أمثلة المستقبل: سنسر غدًا باجتياز الاختراع مرحلة الاختبار.
وقولهم: تأن، ولا تعجل بلومك صاحبًا ... لعل له عذرًا وأنت تلوم4 والتقدير: " ... بأن يجتاز الاختراع مرحلة الاختبار، أو: بما يجتاز ... بأن تلوم صاحبًا أو: بما تلوم صاحبًا ... " ومثل: لا شيء أنقص للأحرار من إفشائهم الأسرار، أي: من أن يفشوا الأسرار، أو: مما يفشون، ومن أمثلة الزمن الحالي: ينعشنا الآن إشاعة الشمس الدفء.
والتقدير: ينعشنا الآن ما تشيع الشمس الدفء.
ومن هنا يتبين أن المصدر يصلح للعمل في الأزمنة الثلاثة بالطريقة المفصلة السالفة؛ دون غيرها.
والذي يعينه لنوع خاص منها هو: القرينة.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  زيادة وتفصيل: 1- قلنا: إن الحالة الثانية هي التي يصلح فيها المصدر للاستغناء عنه "بأن والفعل" الذي بمعناه، أو: "ما والفعل" ... هذا الاستغناء أمر غالبي -فقط- كما نصوا على ذلك. وذكروا أمثلة لغير الغالب؛ منها قول بعض العرب: "سَمْع أذني أخاك يقول ذلك" فكلمة: "سمْع" مصدر، مبتدأ مضاف إلى فاعله: "أذُن" -وكلمة "أخا" مفعول للمصدر ... والجملة المضارعية من الفعل: "يقول"، وفاعله في محل نصب "حال" سدت مسد الخبر1 وأغنت عنه. ومثل قولنا: "كان استقبالك الضيوف حسنًا. إن إكرامك الوفود حميد لا إعراضَ عن أحد" ... فهذه المصادر -وأشباهها- عاملة في بعض كلام العرب، مع أنه يمتنع تأويلها بالفعل الذي قبله الحرف المصدري "أن"، أو "ما"؛ لالتزام أغلب العرب عدم وقوع الفعل المسبوق بأحد الحرفين في هذه المواضع؛ فلم يعرف عنهم وقوعه مبتدأ خبره حال سدت مسد الخبر، مثل: أن تسمع أذني أخاك يقول ذلك، ولم يعرف عنهم أيضًا وقوع "أن" المصدرية -بنوعيها المخففة من الثقيلة، والناصبة للمضارع- مع صلتها بعد "كان" و"إن" إلا مفصولة بالخبر، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى﴾ ، ولا وقوع الحرف المصدري وصلته بعد "لا"، غير المكررة. أي: أنه لا يتحقق في هذه المواضع الاستغناء عن المصدر بالفعل المسبوق "بأن، أو ما" المصدريتين2.
وليس من اللازم كذلك أن يتحقق هذا لعمل المصدر في شبه الجملة بنوعيه، فقد يعمل فيهما من غير إحلال ما ذكر محله.
أما عمله القياسي في غير شبه الجملة فيستلزم صحة الإحلال بالتفصيل السالف.
ب- من المصادر التي لا تعمل مطلقًا المصدر المؤكد لعامله المذكور

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  في الجملة؛ مثل: "خرج الإنسان من نطاق الكرة الأرضية خروجًا"؛ لأن إعماله يقتضي -مراعاة للغالب- أن يصلح في مكانه إحلال الفعل مع "أن" المصدرية، أو "ما" المصدرية؛ فيكون التقدير؛ خرج الإنسان أن خرج، أي: خروجه، فيصير المصدر المنسبك مضافًا إلى ضمير كان في الأصل فاعلًا له. وهذه الإضافة تخرجه من المصدر المؤكد: -وهو مصدر مبهم، وإلى مصدر مضاف لفاعله، والمصدر المضاف نوعي، لا توكيدي؛ كما عرفنا في باب: "المفعول المطلق". ولكن هناك نوعًا من المصدر يؤكد عامله المحذوف وجوبًا، ويعمل عمله. وقد سبق إيضاح هذا النوع، وسرد فروعه وأحكامه1.
كذلك المصدر العددي؛ فإنه لا يعمل -في الغالب الأرجح؛ لأن مجيء "أن" أو "ما" وصلتهما يزيل العدد حتمًا2، ويضيعه؛ ليحلا محله، فلا يوجد في التركيب الجديد ما يدل على العدد.
أما المصدر النوعي فيعمل في بعض حالات قليلة -ولكنها قياسية- منها: أن يكون مضافًا لفاعله3 ولو كان هذا المصدر مفعولًا مطلقًا -نحو: زرعت حقلي زراعة الفلاح حقله ... أي: مثل زراعة الفلاح حقله، فقد عمل في فاعله المضاف إليه، وعمل النصب في مفعوله.
وقد تكلمنا بمناسبة أخرى4- على أقسام المصدر ما يعمل منها، وما لا يعمل.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  ج- شروط أخرى: الشرط السابق لإعمال المصدر هو شرط "وجودي"، أو "إيجابي" كما نقول اليوم، "أي: لا بد من تحققه ووجوده" وهناك شروط أخرى يسميها النحاة شروطًا عدمية "أو: سلبية، بمعنى: أنه لا بد من عدم وجودها"، وأهمها: 1- ألا يكون مصغرًا؛ فلا يجوز: فُتَيْحك الباب بعنف أمر لا يسوغ.
تريد: فتحك الباب1.
2- ألا يكون ضميرًا، فلا يجوز: حبي الأوطان عظيم، وهو بلادًا أجنبية أقل.
تريد: وحبي بلادًا أجنبية أقل؛ فناب الضمير عن المصدر المحذوف.
وهذا غير جائز إلا عند الكوفيين، ورأيهم هنا ضعيف؛ لأن الضمير النائب عن المصدر المحذوف لا ينوب عنه في العمل؛ طبقا للرأي الأصح، الأغلب الذي يؤيده الوارد الكثير.
3- ألا يكون مختومًا بالتاء الدالة على الوحدة2؛ فلا يصح: ابتهجت بضربتك العدو الغادر؛ لأن ضربة، مصدر مختوم بالتاء الزائدة الدالة على المرة الواحدة3.
فإن كانت التاء من صيغة الكلمة وليست للوحدة، نحو: "رحمة" و"رهبة" جاز أن يعمل؛ نحو: رحمتك الضعفاء دليل نبلك.
4- ألا يتأخر عن معموله الذي ليس شبه جملة؛ فلا يصح: أعجبتني

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  -المريض- مساعدتك".
والأصل: أعجبتني مساعدتك المريض.
أما المعمول شبه الجملة فالأحسن الأخذ بالرأي الذي يبيح تقديمه؛ لوروده في القرآن الكريم1 في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿لا يَبْغُونَ، عَنْهَا، حِوَلًا﴾ ، وقوله تعالى: ﴿وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا، رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ ، وقولهم: "اللهم اجعل، لنا من أمرنا، فَرَجًا"، وقول الشاعر: وبعض الحلم عند الجهـ ... ـل للذلة إذعانُ والأصل: السعي معه.
حِوَلًا عنها.
رأفة بهما.
فرجًا لنا من أمرنا.
إذعان للذلة ... و ... ولا داعي للتكلف والتأويل للمنع، من غير داعٍ، وبخاصة في القرآن.
5- ألا يكون مفصولًا من معْموله -المفعول، وغير المفعول- بفاصل أجنبي2، ولا بتابع3، ولو كان هذا التابع نعتًا أو غيره من التوابع الأربعة4، فلا بد أن تقع بعده -مباشرة- كل معمولاته من غير فاصل أجنبي بينها؛ لأن الفصل بالأجنبي ممنوع مطلقًا ... فلا يجوز: إني أقوى على تأدية في الصباح أعمالًا مختلفة؛ أي: على تأدية أعمالًا مختلفة في الصباح.
كما5 لا يجوز: إني أبادر إلى تلبية صارخًا المستغيث.
أي: إلى تلبيةٍ المستغيثَ صارخًا ... و.... و....

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  6- ألا يكون مثنى أو جمعًا "فيجب أن يكون مفردًا" ومن الشاذ إعمال غير المفرد؛ كقول الشاعر: قد جربوه فما زادت تجاربهم ... أبا قدامة إلا المجد والفَنَعَا1 فكلمة: "أبا" "من أبا قدامة" مفعول به للمصدر المجموع جمع تكسير، وهو: "تجارب"2.
وأجاز بعض النحاة إعمال الجمع.
ورأيه حسن؛ لورود السماع به في بضعة أمثلة، ولما فيه من تيسير يفيد ولا يضر.
7- ألا يكون محذوفًا والمعمول غير شبه جملة؛ فإن كان شبه جملة جاز إعمال المصدر المحذوف؛ ولهذا أجازوا أن يكون الجار والمجرور في: "بسم الله الرحمن الرحيم".
متعلقًا بمصدر محذوف، والتقدير: ابتدائي باسم الله.

أقسام المصدر العامل المقدر بالحرف المصدري وصلته: ثلاثة أقسام رئيسية: 1- مضاف، وهو أكثرها عملا، وأعلاها فصاحة؛ نحو قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ ، المصدر الأول: "ذكر" مضاف لضمير "الكاف"، ومعها الميم1.
وإذا أضيف المصدر فقد يضاف لفاعله وينصب المفعول به2 إن وجد؛ فيكون الفاعل مجرورًا في اللفظ، مرفوعًا في المحل، كقولهم؛ "مصاحبة المرءِ العقلاءَ ألزم، ومجانبة المرءِ السفهاءَ أسلم".
فقد أضيف كل من المصدرين: "مصاحبة"، و"مجانبة" لفاعله: "المرء"، وجره لفظًا فقط؛ لأنه مرفوع محلا، ونصب المفعول بعد ذلك؛ وهو: "العقلاء" و"السفهاء"، ومثل قول الشاعر: وأقتل داء رؤية العين ظالما ... يسيء، ويتلى في المحافل حمدُهُ فالمصدر؛ وهو؛ "رؤية" أضيف لفاعله -"العين" المجرور لفظًا، المرفوع محلًّا، ونصب المفعول به "ظالمًا".
ومثل: يا من يعز علينا أن نفارقهم ... وجداننا كل شيء بعدكم عدمُ فالمصدر: "وجدان" أضيف لفاعله: "نا" -على الوجه السالف- ونصب المفعول به: "كل".
فإذا جاء تابع للفاعل -كالنعت، أو: التوكيد، أو: العطف، أو: البدل -جاز في التابع الجر؛ مراعاة للفظ الفاعل المتبوع، وجاز الرفع مراعاة لمحل هذا الفاعل؛ ففي المثال الأول: نقول: مصاحبة المرء العاقل العقلاء ألزم، ومجانبة المرء المهذب السفهاء أسلم، بجر كلمتَي: "العاقل"

و"المهذب"؛ أو برفعهما، على الاعتبارين السالفين1.
وقد يضاف المصدر للظرف2؛ فيجره، ويرفع الفاعل وينصب المفعول به إن وجد؛ نحو: إهمال اليوم المريض الدواء معوق للشفاء.
وقد يضاف المصدر لمفعوله؛ فيصير المفعول به مجرورًا في اللفظ منصوبًا في المحل3؛ ويجيء الفاعل بعدهما مرفوعًا إن وجد؛ كقولهم: "صيانة4 الحواسِّ الشابُ وديعة تنفعه في شيخوخته"5.
والأصل: صيانة الشاب الحواس، فأضيف المصدر: "صيانة" إلى مفعوله: "الحواس" فصار المفعول به مجرورًا لفظًا، منصوبًا محلا. وتلاهما الفاعل مرفوعًا6.
فإذا جاء للمفعول به تابع -من التوابع الأربعة- جاز في التابع الجر مراعاة للفظ المفعول به، أو النصب مراعاة لمحله.
فنقول في المثال السالف: صيانة الحواس ِّالخمسَِ الشابُّ، دين عليها ... بجر كلمة: "الخمس" أو نصبها ... "ملاحظة": إنما يضاف المصدر لفاعله وينصب المفعول به، أو: العكس، حين يقتضي المقام ذكرهما، وإلا فقد يحذف أحدهما، أو

يحذفان معًا.
فمن إضافة المصدر لفاعله مع حذف المفعول به الذي لا يتعلق الغرض بذكره؛ قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ﴾ ، والأصل: استغفار إبراهيم ربه لأبيه.
كما يجوز العكس بحذف الفاعل مع ذكر المفعول به كقوله تعالى: ﴿لا يَسْأَمُ الإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ﴾ ، أي: من دعائه الخير.
2- منون، ويلي السابق في كثرته وفصاحته، نحو قوله تعالى: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ، يَتِيمًا﴾ 1، فكلمة: "يتيمًا"، مفعول به للمصدر: "إطعام"، ومنه قول الشاعر: بضربٍ بالسيوف رءوسَ قومٍ ... أزلْنا هامهُنَّ2 عن المقيلِ3 فكلمة: رءوس، مفعول به للمصدر: "ضَرْب".
3- مبدوء "بأل" وهو -مع قياسيته كسابقيه- أقل منهما استعمالًا وبلاغة.
ومن أمثلته قول الشاعر يَذُم: ضعيف النكاية4 أعداءَه ... يخال الفرارَ يراخي الأجلْ5 فكلمة: "أعداء" مفعول به للمصدر: "النكاية".
إعمال اسم المصدر 6: اسم المصدر نوعان: علَم، وغيرُ علَم، فالأول لا يعمل7؛ ومن أمثلته: "برة" علم جنس على: "البر"، و"فجار" علم جنس على: "الفجرة" بمعنى: "الفجور"، بشرط أن يكون فعلهما: "أفجر" و"أبر" في

مثل: أفجر فلان فلانًا، وأبره؛ بمعنى: صيره ذا فجور، وبر. فإن كان فعلهما "فجر" و"بر" فهما مصدران مباشرة1.
أما غير العلم فيعمل بالشرط الذي يعمل به المصدر الذي ليس نائبا عن فعله؛ "وهو: إحلال الحرف المصدري "أن" أو: "ما" وصلتها محله2". وإعمال اسم المصدر -مع قياسيته- قليل.
والأفضل العدول عنه إلى المصدر قدر الاستطاعة، ومن أمثلة إعماله قول الشاعر: بعشرتك الكرام تعد منهم ... فلا ترين لغيرهمُ الوفا وقول الآخر: إذ صح عون الخالق المرء لم يجد ... عسيرًا من الآمال إلا ميسرا فكلمة: "الكرام" مفعول به لاسم المصدر: "عشرة"، وفعله هنا: "عاشر".
وكلمة: "المرء" مفعول به لاسم المصدر: "عَوْن" وفعله هنا عاون ... 3.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  = بعد إضافة المصدر إلى ما أضيف له، وبعد جره للمضاف إليه -كمل عمله بعد ذلك بالنصب أو بالرفع، وذلك بأن تأتي باللفظ منصوبًا مفعولًا به إن كان المصدر قبله مضافًا للفاعل المجرور في اللفظ، المرفوع في المحل.
أو أن تأتي بكلمة مرفوعة فاعلًا، إن كان المصدر قبلها مضافًا للمفعول به وصير هذا المفعول مجرورًا في اللفظ منصوب المحل.
وختم الباب بقوله: وجرّ ما يتبع ما جُرَّ ومن ... راعى في الإتباع المحل فحَسَنْ يريد: إن جاء تابع للمضاف إليه المجرور فجُرَّ "فاجرُرْ ... " هذا التابع؛ مراعيًا لفظ المجرور، سواء أكان مرفوعًا محلًا؛ لأنه فاعل، أو منصوبًا محلًا؛ لأنه مفعول به.
وبين أن هذا الجر لمراعاة اللفظ ليس محتومًا؛ فمن يراعي المحل المرفوع أو المنصوب فعمله حسن، ورأيه سديد.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  زيادة وتفصيل: أ- بعض النحاة يجعل لاسم المصدر قسمًا ثالثًا يسميه: "المبدوء بميم زائدة لغير المفاعلة".
ومن أمثلته: المحمدة، أي: الحمد، والمضرب، أي: الضرب، ومصاب، "بمعنى: إصابة" في قول الشاعر: أظلومُ1 إن مصابكم رجلا ... أهدى السلام -تحية- ظلمُ لكن يرى المحققون أن المبدوء بالميم كالأمثلة السابقة -ونظائرها- هو نوع من المصدر يسمى: "المصدر الميمي"، "وله أحكام خاصة ستجيء في بابه"2، وليس باسم مصدر.
وهذا الرأي هو الشائع اليوم، والأخذ به واجب، وإعماله عمل فعله كثير بالطريقة التي سنشرحها هناك2.
أما المبدوء بميم زائدة للمفاعلة فمصدر أصيل نحو: قاومت الباطل مقاومة عنيفة، وناصرت أهل الحق مناصرة لا تواني فيها ولا قصور.
ب- اسم المصدر العامل ثلاثة أقسام، كالمصدر العامل: 1- مضاف، وهو الأكثر؛ نحو: ناصرت الوطن نصر الحر وطنه، وهدمت الباطل هدم الخيمة صاحبها.
وإضافته -كما رأينا- قد تكون لفاعله مع نصب المفعول به، وقد تكون للمفعول به مع رفع الفاعل.
ويجوز في تابع المضاف إليه الجر مراعاة للفظه، كما

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  يجوز مراعاة محله في الرفع والنصب على الوجه الذي سبق في المصدر1.
2- منون؛ نحو: طربت لنصرٍ حرٌّ وطنه انتصارًا باهرًا.
3- ومحلى بأل؛ مثل: عاونت الصديق كالعون الأهلَ.. ج- من أحكام اسم المصدر العلَم أنه لا يضاف، ولا تدخل عليه "أل" التي للتعريف، ولا يقع موقع الفعل، ولا يوصف، ولا يقصد به الشيوع2.

جارٍ التحميل