المسألة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- عباس حسن
- الكتاب
- النحو الوافي
- المؤلف
- عباس حسن (المتوفى: 1398هـ)
- الناشر
- دار المعارف
- الطبعة
- الطبعة الخامسة عشرة
- عدد الأجزاء
- 4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
108: التعجب
معناه:
إذا رأينا في أحد الكواكب أشباحًا تحاول الاتصال بنا، أو شاهدنا بئرًا تغيض1 فجأة، أو مطرًا ينهمر في يوم صحو2، أو سيارة جديدة تتوقف عن المسير بغير سبب معروف، كان هذا أمرًا باعثًا للدهش، وانفعال3 النفس به؛ واستعظامها إياه؛ لخفاء سره عليها، وعدم وجود نظير له، أو قلة نظائره، وقد يعبر عنه الناس بأنه أمر عجيب، أو غريب، أو مثير ... أو نحو هذا من العبارات التي يريدون منها ما يسميه اللغويون: "التعجب"، ويعرفونه بأنه:
"شعور داخلي4 تنفعل به النفس حين تستعظم أمرًا نادرًا، أو لا مثيل له؛ مجهول الحقيقة5، أو خفي السبب"6.
ولا يتحقق التعجب إلا باجتماع هذه الأشياء كلها.
أسلوبه:
له أساليب كثيرة7 تنحصر في نوعين:
أحدهما: مطلق؛ لا تحديد له ولا ضابط، وإنما يترك لمقدرة المتكلم، ومنزلته البلاغية، ويفهم بالقرينة.
والآخر: "اصطلاحي"، أو "قياسي" مضبوط بضوابط وقواعد محددة، ولا تكاد تختلف في استعماله أقدار المتكلمين.
ومن أمثلة الأول: "لله در1 فلان"، في قول القائل:
لله درك!! أي جنة2 خائف ... ومتاع دنيا.
أنت للحدثان3
ومنها: "يا لك، أو يا له، أو يا لي" ... كقول الشاعر:
فيالك بحرًا لم أجد فيه مشربًا ... وإن كان غيري واجدًا فيه مسبحًا
ومنها: "شَدَّ4" في نحو: شَدَّ ما يفخر اللئيم بأصوله إن كانت له أصول، ويتمدح بفعاله إن كان له فعل محمود.
ومنها كلمة: "عَجَب"، مصدرًا، ومشتقاته، مثل: عَجِب، و"عجيب" في نحو: قولهم: عجبت لمن يشتري المماليك بماله، ولا يشتري الأحرار بكريم فعاله.
وقول الشاعر:
أقاطنٌ5 قومُ سَلْمَى أَم نَوَوْا ظَعْنَا6؟ ... إِنْ يَظْعَنوا فعجيبٌ عيْشُ مَنْ قَطَنا
ومنها: الاستفهام المقصود منه التعجب؛ كقوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْْ﴾ ، وكقول شوقي يخاطب تمثال أبي الهول7:
إلامَ ركوبُكَ مَتنَ الرمالِ ... لِطَيِّ الأَصيلِ، وجَوْب السِّحَرْ?
ومنها: "سبحان الله" التي تصاحبها قرينة تدل على أن المقصود منها التعجب؛ كقول رجل سئل عن اسمه: "سبحان الله! تجهلني، والخيل والليل والبيداء تعرفني؟!! ... ".
إلى غير ذلك من كل لفظ يدل على التعجب1 وتُفهم منه هذه الدلالة بقرينة، من غير أن يكون من النوع "الاصطلاحي" "القياسي".
أما النوع "الاصطلاحي، أو القياسي: فصيغتان2: "ما أفعله" و"أفعِل به".
وهذان وزنان يُستعملان عند إرادة التعجب من شيء تنفعل به النفس على الوجه الذي شرحناه؛ فعند التعجب من الجمال الباهر -مثلًا- أو الضخامة البالغة، أو: القصر المتناهي ... أو غيره ... نأتي بأحد أسلويين قياسيين.
أولهما3: فعل ماضٍ، ثلاثي4، يشتمل على المعنى الذي يراد التعجب منه، ثم نجعل هذا الماضي على وزان، "أفعل".
وقبله: "ما" الاسمية التي هي مبتدأ، وعلامة التعجب؛ ولذا تسمى: "ما التعجبية" وتقديمها على هذا الماضي واجب، وفاعله ضمير مستر وجوبًا، تقديره: "هو" يعود على: "ما"، وبعده اسم منصوب هو في ظاهره وفي إعرابه مفعول به5.
ولكنه في المعنى فاعل6؛ إذ كان في الجملة -وفي الحقيقة- قبل التعجب فاعلًا؛ نحو؛ ما أجمل الوردة الناضرة!.
ما أضخم هرم الجيزة!.
ما أقصر
سكان المناطق القطبية! فكلمة: "ما" في هذه الأمثلة وأشباهها مبتدأ1، والجملة الفعلية بعدها خبرها، ثم المفعول به الذي هو فاعل في المعنى: فالأصل جملت الوردة، ضخم الهرم، قصر سكان المناطق القطبية.
وعند إرادة التعجب من كبر قارة آسيا، وسعتها، وغزارة سكانها، وعلو جبالها ... و ... نقول: ما أكبرها!! وما أوسع رقعتها!! وما أغزر سكانها!! وما أعلى جبالها!! ... والإعراب كما سبق تمامًا، وكذلك المفعول به.
و"ما" التعجبية في هذه التراكيب -ونظائرها- هي نوع من "النكرة التامة"2، وتتضمن -بذاتها3- معنيين معًا، أو أنها ترمز إليهما معًا؛ هما: "توجيه الذهن إلى أن ما بعدها عجيب.
وأن الذي أوجده أمر عظيم"، ويصفها النحاة بأنها "نكرة تامة".
والماضي بعدها جامد لا محالة4 مع أنه في أصله ثلاثي متصرف، ولكنه يفقد التصرف باستعماله في التعجب رباعيًا على وزن "أفعل" كما يفقد -في الأرجح- الدلالة على الزمن إن لم توجد قرينة تدل على الزمن5.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
زيادة وتفصيل:
أ- لسنا بحاجة إلى الأخذ برأي من يقول: إن "ما" التعجبية اسم موصول، مبتدأ، والجملة بعدها صلتها، والخبر محذوف.
ولا برأي آخر يقول: إنها نكرة ناقصة "تحتاج إلى نعت بعدها" والجملة بعدها نعت لها، والخبر محذوف، ولا استفهامية ... ولا ... ولا ... فكل هذه الآراء تحمل في طياتها كثيرًا من التعسف، وتقوم على الحذف والتأويل من غير داعٍ، ومن غير أن تمتاز بمزية تصرفنا عن الإعراب الأول الذي يتضمن كل مزاياها، ويخلو من عيوبها.
فعلينا التمسك به وحده، وأن نختصر في الإعراب، فنقول: "ما" تعجبية، قاصدين مع هذا الاختصار أنها نكرة تامة مبتدأ -من غير حاجة للتصريح بما اصطلحنا عليه ...
ب- ورد عن العرب قولهم: "ما أمليح فلانًا وما أحيسنه، بتصغير الفعلين الماضيين: "أملح وأحسن" عند استخدامهما في التعجب، مع أن الأفعال لا تصغر ... فهل يصح تصغير غيرهما من الأفعال الماضية المستخدمة في التعجب، والتي على وزن "أفعل"؛ قياسًا على هذين الفعلين الماضيين؟ الرأي الشائع عدم الجواز، ولكن سيبويه وبعض البصريين وفريق من غيرهم يبيحه.
وفي الأخذ بهذا الرأي -أحيانًا- تيسير وتوسعة لا ضرر منهما1 ...
ثانيهما1: فعل ثلاثي لازم مشتمل على المعنى الذي يراد التعجب منه، ونجعل هذا الفعل على وزن: "أفعل"، وبعده باء الجر، تجر اسمًا ظاهرًا، أو: ضميرًا متصلًا بها، وكلاهما هو الذي يختص بمعنى الفعل.
ففي الأمثلة السابقة يقال: أَجْمِلْ بالوردة النَّاضرة! أضْخِم بهرم الجيزة! أَقْصِرْ بسكان المناطق القطبية!.
أَكْبِرْ بقارة آسيا! وأَوْسِعْ برقعتها! وأغزِرْ بسكانها! وأَعْلِ بجبالها! أو: أَكبِرْ بقارة آسيا! وأَوسِعْ بها! وأَغزرْ بسكانها! وأكثْر بهم!
أما إعراب: "أجملْ بالوردة الناضرة" ففيه وفي نظائره إعرابان:
أ- أن نقول "أجْمِلْ"، فعل ماضٍ على صورة الأمر، "أي على شكله الظاهر فقط2، دون الحقيقة المعنوية" ... "بالوردة" الباء، حرف جر زائد3 "الوردة " فاعل مجرور بالباء لفظًا، ولكنه في محل رفع على الفاعلية.
"الناضرة" نعت، إما مجرور بالكسرة تبعًا للفظ الفاعل المنعوت، وأما مرفوع بالضمة تبعًا لمحل المنعوت، ويكون المراد هو: جَمُلت الوردةُ، أي: صارت ذات جمال عجيب، وضخم الهرمُ، أي: صار ذا ضخامة عجيبة.
قَصُرَ سكان المناطق القطبية.
أيضًا ... وهكذا باقي صيغ "أفْعِل" التي جاءت في ظاهرها على صورة الأمر، وهي في الحقيقة فعل ماضٍ؛ يراد منه في ظاهره وفي حقيقته التعجب.
ومِثْل النعت هنا غيره من التوابع؛ فكل منها يجوز فيه الجر والرفع.
هذا إعراب الفاعل المجرور بالباء حين يكون اسمًا ظاهرًا معربًا، أما حين يكون اسمًا مبنيًا؛ كالضمير البارز، أو غيره من المبنيات "ومن الأمثلة
الآية الكريمة: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ وبعض الأمثلة التي سلفت؛ "فإنه يكون مبنيًا ويذكر في إعرابه: "أنه مجرور بكسرة مقدرة على آخره، منع من ظهورها علامة البناء الأصلي في محل رفع"1؛ فهو كسابقه في أنه مجرور اللفظ، مرفوع المحل، وفي أنه يجوز في تابعه الأمران: الرفع والجرّ.
ب- أو نقول: "أَجْمِلْ" فعل أمر حقيقي، وفاعله ضمير مستتر تقديره: أنت، يعود على مصدر الفعل المذكور "وهو: الجمال"، و"بالوردة" الباء حرف جر أصلي، وهي ومجرورها أصليان متعلقان2 بالفعل. والمراد الملحوظ: يا جمالُ أجمِلْ بالوردة؛ أي: لازِمْها؛ ولا تفارقْها. فالخطاب الملحوظ موجه لمصدر الفعل المذكور، بقصد طلب استمراره، ودوام بقائه معه3.
ومثل هذا يقال في الأمثلة الأخرى، والفاعل مفرد مذكر للمخاطب دائمًا؛ لأنه ضمير مستتر للمصدر المخاطب في كل الأحوال.
والإعرابان صحيحان4.
والمعنى عليهما صحيح أيضًا؛ فلا خلاف بينهما
في تأدية الغرض.
إلا أن الإعراب الثاني أيسر وأوضح، وهو إلى عقول ناشئة المتعلمين أقرب.
ويزداد يسرًا ووضوحًا حين يكون الفاعل المجرور بالباء اسمًا مبنيًا كالضمير، وغيره من المبنيات التي تحتاج في إعرابها إلى تطويل.
ويلاحظ أن صيغة: "أفْعِلْ" هذه جامدة -كأختها الأولى- مع أن فعلهما الأصلي ثلاثي متصرف، ولكنه يفقد التصرف بسبب استعماله في التعجب -كما أوضَحْنا1-
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
زيادة وتفصيل:
أ- همزة الماضي: "أفعل" في التعجب هي لتعدية الصيغة التي يكون فعلها الثلاثي إما لازمًا في الأصل، وإما متعديًا، ولكنه يفقد التعدية عند أخذ الصيغة منه؛ فتحل محلها تعدية جديدة تغايرها. فمثال الأول: ما أظرف الأديب!! فإن الفعل: "ظرف" لازم أصالة؛ فصار متعديًا. ومثال الثاني: ما أنفع الحذر!! فإن الفعل: "نفع" متعدٍّ في أصله. وتزول عند أخذ الصيغة منه، فتنصب مفعولًا به جديدًا كان في الأصل فاعلًا؛ إذ الأصل: نفع الحذر. فكلمة: "الحذر" فاعل يصير مفعولًا به بعد التعجب1.
أما همزة "أفْعِلْ"، فللصيرورة على اعتباره ماضيًا على صورة الأمر ...
ويجب تصحيح العين في الصيغتين إن كانت في غير التعجب تستحق الإعلال بالنقل؛ مثل: ما أطول النخلة، وأطول بها2 ومن هذا قولهم: "ما أحوج الجبانَ إلى أن يرى ويسمع عجائب الشجعان" وكذلك يجب فكَ "أفْعِلْ" المضعف، نحو: أشْدِد بحمرة الورد.
وقول الشاعر:
أعْزِرْ عَليّ بأن تكون عليلًا ... أو أن يكون لك السَّقام نزيلًا
ب- يشيع في هذا الباب ذكر: "المتعجب منه" "وهو المعمول المنصوب أو المجرور بالباء" والتعبير الأنسب: هو: "المعمول المتعجب من شيء يتصل به" الأن التعجب في مثل: ما أنفع العلم!!، إنما هو من نفع العلم" لا من العلم ذاته.
ولا بأس بالتعبير الشائع على اختصاره المقبول؛ لأن المراد منه مفهوم.
ج- هناك صيغ أخرى للتعجب3، وأشهرها: "فَعُلَ"4 -بضم
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
العين وهو فعل لازم؛ نحو: كبرت كلمة تخرج من فم الجاحد، وخبث لفظًا يجري على لسانه.
ومنها: "أفْعَلَ" بغير "ما" التعجبية، وأصله فعل ثلاثي زيد في أوله، همزة التصيير؛ نحو: أحسنت قولًا، وأبرعت عملًا.
أي: ما أحسن قولك، وما أبرع عملك ... وفعلها الثلاثي حَسُن وبرَعَ.
والمشهور أن الصيغة الأولى قياسية، والثانية سماعية ذكرناها لندرك أمثلتها المسموعة.
= السبب الثاني الذي يجعل الفعل المتعدي لازمًا:
"التحويل إلى "فَعُل" -بضم العين- لقصد المبالغة والتعجب، نحو: ضَرُب الرجل، وفهُم ... بمعنى: ما أَضرَبَه وأَفهَمَه! ". ا. هـ، فلم يأتِ في كلامه ولا في حاشية الصبان ما يدل صراحة على أن المبالغة والتعجب يلازمان مدحًا أو ذمًّا؛ مع أن النحاة صرحوا بأن تحويل الفعل الثلاثي إلى "فَعُل" -بضم العين- بقصد المدح أو الذم يستلزم التعجب حتمًا -كما سيجيء في ص384.
شروط الفعل الذي يبنى منه الصيغتان القياسيتان بناءً مباشرًا:
يشترط فيه ثمانية شروط:
1- أن يكون ماضيًا1.
2- ثلاثيًا؛ فلا يصاغان من فعل زادت حروفه على ثلاثة؛ مثل: دحرج. تعاون. استفهم ... إلا أن كان الرباعي قبل التعجب على وزن: "أفعل" فيجوز -في الرأي الأنسب2- صياغتهما منه بشرط أمن اللبس؛ كالأفعال "أعطَى "أعطى، أقفر، أظلم، أولى ... " فيقال: ما أعطى التقي، ما أقفر الصحراء، ما أظلم عقول الجهلاء، ما أولى الناصح بردع نفسه.
ومن الشاذ قولهم: ما أخصرَ كلام الحكماء، فبَنوه من "اخْتُصِر" الخماسيّ المبنى للمجهول أيضًا3.
3- متصرفًا في الأصل تصرفًا كاملًا، قبل أن يدخل في الجملة التعجيبة.
"أما بعد دخوله فيها فيصير جامدًا4". فلا يصاغان من: ليس، عسى، نعم، بئس ... ونحوها من الأفعال الجامدة تمامًا، ولا من نحو: "كاد" التي هي من أفعال المقاربة؛ لأن "كاد" هذه ناقصة التصرف ليس لها إلا المضارع في الأغلب.
4- أن يكون معناه قابلا للتفاضل والزيادة؛ ليتحقق معنى "التعجب"؛ فلا يصاغان مما لا تفاوت فيه، نحو: فَنِيَ، مات، غرق، عَمِيَ؛ إذ لا تفاوت في الفناء، ولا في الموت، ولا الغرق، ولا العمى، وحيث يمتنع التفاوت والزيادة في معنى الفعل يمتنع الداعي للعجب؛ إذ يكون المعنى مألوفا.
5- ألا يكون عند الصياغة مبنيًّا للمجهول بناء يطرأ ويزول، كالأفعال: عُرِف، عُلِم، فُهِم ... وغيرها مما يبنى للمجهول حينًا وللمعلوم حينًا آخر، دون أن يلازم البناء للمجهول في كل الأحوال.
أما الأفعال المسموعة التي يقال إنها تلازم البناء للمجهول.
"مثل: زُهيَ، هُزِلَ ... "1 فالأنسب الأخذ بالرأي الذي يجيز الصياغة منها بشرط أمن اللبس2؛ فيقال: ما أزهى الطاووس! وما أهزل المريض! ...
6- أن يكون تامًّا، "أي: ليس ناسخًا"؛ فلا يصاغان -وفي الرأي الأقوى- من "كان، وكاد"، وأخواتهما ...
7- أن يكون مثبتًا، فلا يصاغان من فعل منفى؛ سواء أكان النفي ملازمًا له، أم غير ملازم؛ مثل: ما عاج الدواء، بمعنى: ما نفع، ومثل ما حضر الغائب، فالفعل الأول، وهو: "عاج" الذي مضارعه: "يَعِيج " ملازم للنفي في أغلب أحواله، لا يفارقه إلا نادرًا، والفعل: "حضر" في هذا التركيب وأشباهه مسبوق بالنفي، ويستعمل بغير النفي كثيرًا، وكذلك أفعال أخرى متعددة.
8- ألا تكون الصفة المشبهة1 منه على وزن: "افعل" الذي مؤنثه: "فعلاء"، نحو "عرج، فهو: أعرج، وهي: عرجاء".
"خضر، فهو: أخضر، والحديقة خضراء".
"حمر الجلد؛ فهو: أحمر، والوردة حمراء".
"حور فهو: أحور، وهي: حوراء" ... وهكذا من كل صفة مشبهة تدل على لون، أو عيب، أو حِلية، أو شيء فطري2 ...
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
زيادة وتفصيل:
زاد بعض النحاة شرطا آخر خالف به الأكثرين؛ هو: ألا يُستغنَى عن الصياغة منه بصيغة أخرى مسموعة؛ فلا يصح: ما أقْيله!! في التعجب من قيلولته1؛ لأنهم استغنوا عنها بقولهم: ما أكثر قائلته.
ولا يصح ما أسكره، ولا ما أقعده، ولا ما أجلسه؛ لأنهم استغنوا عنها بقولهم: ما أشدَّ مكره.
ما أكثر قعوده.
ما أحسن جلوسه.
والحق أن هذا شرط غير مقبول2؛ إذ يقتضينا أن نرهق أنفسنا بالبحث المضني في جميع المظان لمعرفة ما استغنوا به عن الصيغة القياسية؛ وهذا تكليف لا يطاق، ولا يمكن تحقيقه، وفيه تعويق للتعبير، وتعطيل للقاعدة، وتحويل للقياس عن معناه السديد.
كيفية التعجب إذا كان الفعل غير مُسْتَوْفٍ للشروط الثمانية:
1- إن كان الفعل جامدًا؛ مثل: نعم، وبئس ... أو غير قابل للتفاوت؛ مثل: مات.
فني ... و ... فلا يصاغ منه صيغة تعجب.
2- إن كان الفعل زائدًا على ثلاثة "مثل: انتصرَ وتَغَلَّب" أو: كان الوصف منه على "أفْعَل فَعْلاء" "مثل: حور وخضر" لم تجئ منه الصيغة مباشرة.
وإنما تجيء من فعل آخر مستوفٍ للشروط؛ صالح لما نريده؛ "نحو: قوي، ضَعُفَ، حَسُن، قَبُح، عظُمَ، حَقَر ... " فنقول: "ما أقوى، ما أضعف، ما أحسن، ما أقبح، ما أعظم، ما أحقر، ما أشد، ما أكبر، ما أصغر" ... ونحو ذلك مما يناسب؛ أو نقول: "أقْوِ، أضعف، أحْسِنْ، أقْبِحْ، أعظِمْ، أحْقِرْ ... ".
ثم نجيء بعد هذه الصيغة بمصدر الفعل الذي لم يستوفِ الشروط بسبب زيادته على ثلاثة أحرف، أو بسبب أن الوصف منه على: "أفعل فعلاء"، ونضعه بعد صياغة الفعل الجديد المناسب، المستوفي.
وننصب هذا المصدر بعد "ما أفعل" ونجره بالباء بعد "أفعل": نحو: ما أقوى انتصار الحق! وما أضعف تغلب الباطل! أقو بانتصار الحق! وأضعف بتغلب الباطل! ... ونحو: ما أَجْمَلَ حَوَر العيون! أجمل بحور العيون! ما أنضر خضرة الزرع! أنضر بخضرة الزرع! والأفعال غير المستوفية هي: "انتصر، تغلب، حور، خضر".
أما الأفعال التي تخيرناها للصياغة مكانها فهي: "قوي، ضعف، جمل، نضر ... ".
3- إن كان الفعل منفيًّا أخذنا الصيغة من الفعل المناسب الذي نختاره بالطريقة السالفة، ووضعنا بعدها مضارع الفعل المنفي مسبوقًا "بأن" المصدرية، والنفي: ففي نحو: ما فاز الرأي الضعيف!.
نقول: ما أجمل ألا يفوز الرأي الضعيف1!. وفي نحو: ما حضر خطيب الحفل، نقول مثلًا: ما أقبح ألا
يحضر خطيب الحفل.
والمصدر المؤول من "أن والفعل" في هذه الأمثلة وأشباهها في موضع نصب مفعول به.
وإنما أتينا "بأن والفعل"؛ لنستطيع المحافظة على بقاء الفعل الأصلي منفيًا؛ إذ لو أخذنا منه صيغة التعجب مباشرة لزال نفيه، ولم يظهر الشأن في التعجب أهو منفي أم غير منفي?
ويجوز أن نقول في الصور السابقة: أجْمِلْ بألا يفوز الرأي الضعيف! أقْبِح بألا يحضر خطيب الحفل! فيكون المصدر المؤول مجرورًا بالباء.
فالمصدر المؤول من: "أن والفعل" المنفي وفاعله إما أن يكون في محل نصب بعد: "ما أفعل" وإما أن يكون في محل جر بالباء بعد: "أفعل".
ويجوز في الفعل المنفي أن نجيء بمصدره الصريح -بدلًا من المصدر المؤول- مسبوقًا بكلمة: "عدم" الصريحة في معنى النفي "أو بما يشبهها" ومجرورًا بالإضافة إليها؛ ففي مثل: ما صرخ المتكلم وما هسَّ، نقول: ما أحسن عدم صراخ المتكلم، وما أجمل عدم همسه.
أحسن بعدم صراخ المتكلم!، وأجمل بعدم همسه!.
4- إن كان الفعل مبنيًّا للمجهول بناء عارضًا يطرأ ويزول أخذنا الصيغة من الفعل الذي نختاره بالطريقة التي شرحناها، ووضعنا بعدها الفعل المبني للمجهول، مسبوقا بـ"ما المصدرية"1، ففي نحو: عُرف الحق، وهُدي إليه الضالّ: نقول: ما أحسَنَ ما عُرف الحق! وما أنفع ما هُدي إليه الضال.
أو: أحسِن بما عرف الحق!، وأنفع بما هدي إليه الضال؛ فالمصدر المؤول من "ما" وصلتها مفعول به بعد الصيغة الأولى، ومجرور بالباء بعد الصيغة الثانية.
وإنما أتينا "بما" المصدرية محافظة على بقاء الفعل مبنيًّا للمجهول، ولولاها لزال بناؤه للمجهول فلا يتبين أسلوب التعجب أللمجهول هو أم للمعلوم؟
أما الفعل الملازم للبناء للمجهول سماعًا عند من يقول بهذه الملازمة1 فقد سبق2 أن الأنسب الأخذ بالرأي الذي يجيز الصياغة من مصدره مباشرة.
5- وإن كان الفعل ناسخًا، "أي: غير تام" فإن كان له مصدر وجب أن نضع مصدره بعد صيغة التعجب التي نأخذها من الفعل الآخر الذي نختاره على الوجه المشروح فيما سلف، ففي مثل: كان العربي رحالًا بطبعه، نقول: ما أكثر كون العربي رحالًا بطبعه! -أو: أكثر بكون العربي رحالًا بطبعه! ... وإن لم يكن له مصدر أخذنا الصيغة من الفعل الآخر الذي نختاره ووضعنا بعدها الفعل الأصلي الذي ليس له مصدر، وقبله "ما" المصدرية فينشأ منها ومن الفعل والفاعل بعدها مصدر مؤول هو مفعول به منصوب بعد: "ما أفتل" ومجرور "الباء" بعد: "أفعل".
ففي مثل: كاد الكذب يهلك صاحبه، نقول: ما أسرع ما كاد الكذب يهلك صاحبه ... وهكذا ...
هذه هي الطرائق الموصلة للتعجب إذا كان الفعل غير مستوفٍ للشروط.
أما إذا كان مستوفيًا للشروط كلها فإن الصيغتين القياسيتين3 تؤخذان منه مباشرة.
ولا مانع من التعجب منه بالطريق غير المباشر أيضا؛ وذلك بالإتيان بفعل آخر مناسب.
"نحو: حَسُن، قبُح، قوي، وغيرها من الأفعال الثلاثية التي تناسب المراد"، ثم نأخذ منه الصيغة التعجبية، ونجعل بعدها مصدر الفعل المستوفي للشروط، إما منصوبًا بعد "ما أفعل" وإما مجرورًا بالباء بعد "أفعل" ففي مثل: برع الذكي، وسبق أنداده، نقول: ما أعظم براعة الذكي!، وما أوضح سبقه أنداده! أو: أعظم ببراعة الذكي! وأوضح بسبقه أنداده ... فليس من اللازم -والفعل مستوفٍ للشروط- أن نأخذ
منه صيغة التعجب مباشرة، وإنما يجوز أن نأخذها منه أو من طريق فعل مختار آخر كما أوضحنا1 ...