المسألة 75
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- عباس حسن
- الكتاب
- النحو الوافي
- المؤلف
- عباس حسن (المتوفى: 1398هـ)
- الناشر
- دار المعارف
- الطبعة
- الطبعة الخامسة عشرة
- عدد الأجزاء
- 4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
:
حذف المصدر الصريح، وبيان ما ينوب عنه:
يجوز حذف المصدر الصريح بشرطين: أن يكون صيغته "أي: مادته اللفظية" من مادة عاملة اللفظية1، وأن يوجد في الكلام ما ينوب عنه بعد حذفه.
وحكم هذا النائب: النصب دائمًا2، ويذكر في إعرابه: أنه منصوب لنيابته عن المصدر المحذوف، أو: منصوب؛ لأنه مفعول مطلق، ولا يصح في الإعراب الدقيقي أن يقال: "منصوب؛ لأنه مصدر"؛ ذلك؛ لأنه ليس مصدرًا للعامل المذكور؛ إذ مصدر العامل المذكور قد حذف، وهذا نائب عنه ... فمن الواجب عدم الخلط بين المصطلحات، والتحرز من الخطأ في مدلولاتها؛ فعند إعراب المصدر الأصلي المنصوب نقول: إنه "مصدر منصوب" أو: "مفعول مطلق" منصوب كذلك: أما عند حذف المصدر الأصلي، ووجود نائب عنه فنقول في إعرابه: "إنه نائب عن المصدر المحذوف، منصوب"، أو: "مفعول مطلق، منصوب"، ولا يصح أن يقال: مصدر ...
والأشياء التي تصلح للإنابة عن المصدر كثيرة 1؛ منها: ما يصلح للإنابة عن المصدر المؤكد، قد ينوب عن المصدر المبين أيضًا إذا وجدت قرينة تعين المصدر المبين المحذوف، ومنها ما لا ينوب عن المصدر المؤكد، ولكنه ينوب عن غيره من باقي أنواع المصدر، فمما يصلح للإنابة عن المصدر المؤكد:
1- مرادفه2؛ مثل: أحببت عزيز النفس مقة، وأبغضت الوضيع كرهًا.
2- اسم المصدر3, بشرط أن يكون غير علم4: نحو: توضأ المصلي وضوءًا – اغتسل – الصانع غسلًا، فالوضوء والغسل اسما مصدرين للفعلين قبلهما، نائبين عن المحذوف، ومثل: فرقة، وحرمة، في قولهم: افترق الأصدقاء فرقة، ولكني أحترم عهودهم حرمة، فالكلمتان اسما مصدرين للفعلين "افترق، واحترم" قبلهما، ونائبين عن المصدرين المحذوفين5؛ كالشأن في كل ما يلاقي المصدر في أصول مادة الاشتقاق6؛ بأن يشاركه في حروف مادته
الأصلية؛ إما مع كونه مصدر فعل آخر؛ كالمثالين الأولين، ونحو: "التبتيل" في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ 1 إِلَيْهِ تَبْتِيلاً﴾ ، فإنه مصدر2 للفعل: "بَتَّل" وقد تاب عن "التبتل"، الذي هو مصدر الفعل: "تبتل" وإما مع كونه اسم3 عين؛ نحو قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتاً﴾ ، فكلمة: "نباتًا" اسم للشيء الثابت من زرع أو غيره، وقد ناب عن: "إنباتًا" الذي هو المصدر القياسي للفعل: "أنبت"4.
3- بعض أشياء أخرى؛ كالضمير العائد عليه بعد الحذف؛ وكالإشارة له بعد الحذف أيضًا: كقولهم لمن يتكلم عن الإخلاص: "أخلصته لمن أوده"، وعن الإقبال: "أقبلت هذا"، والأصل: أخلصت الإخلاص، وأقبلت الإقبال، فالضمير عائد على المصدر المؤكد الذي حذف، ونائب عنه، وهو: "الإخلاص" واسم الإشارة يشير إلى المصدر المؤكد الذي حذف وينوب عنه؛ وهو "الإقبال".
والذي يصلح للإنابة في الأنواع الأخرى:
1- لفظ كل أو بعض، بشرط الإضافة لمثل المصدر المحذوف؛ نحو: لا تنفق كل الإنفاق، ولا تبخل كل البخل؛ وابتغ بين ذلك قوامًا5 إذا سنحت الفرصة لغاية كريمة فلا تتمهل في اقتناصها بعض تمهل، ولا تتردد بعض تردد؛ فإنها قد تفلت، ولا تعود.
ومثل كل وبعض ما يؤدي معناهما من الألفاظ الدالة على العموم، أو على
البعضية، مثل: جميع، عامة، بعض، نصب، شطر ...
2– صفة المصدر المحذوف1؛ نحو: تكلمت أحسن التكلم وتكلمت أي تكلم2، إذ الأصل: تكلمت تكلمًا أحسن التكلم – وتكلمت تكلمًا أي تكلم، بمعنى: تكلمت تكلمًا عظيمًا – مثلًا.
3– مرادف المحذوف؛ نحو: وقوفًا وجلوسًا في مثل: قمت وقوفًا سريعًا للقادم العظيم، وقعدت جلوسًا حسنًا بعد قعوده، ومثل: لما اشتعلت النار صرخ الحارس صياحًا عاليًا؛ لينبه الغافلين، ولم يتباطأ توانيًا معيبًا في مقاومتها.
4– اسم الإشارة؛ والغالب أن يكون بعده مصدر كالمحذوف؛ كأن تسمع من يقول: "راقني عدل عمر"، فتقول: سأعدل ذاك العدل العمري، ويصح مع القرينة: سأعدك ذاك.
ومثل أن تسمع: أعجبني إلقاؤك الجميل، وسألقي ذاك الإلقاء أو سألقي ذاك، فقد حذف المصدر بعد اسم الإشارة: لوجود القرينة الدالة عليه بعد حذفه، وهي اسم الإشارة – في المثالين – فإنه يدل دلالة المصدر هنا بالإشارة إليه، ويغني عنه3.
5- الضمير العائد على المصدر المحذوف؛ كأن تقول لمن يتحدث عن الإكرام التام والإساءة البالغة: "أكرمه من يستحقه، وأسيئها من يستحقها" تريد: أكرم الإكرام التام من يستحقه ... ، وأسيء الإساءة البالغة من يستحقها4.
6– العدد الدال على المصدر المحذوف: نحو: يدور عقرب الساعات في اليوم والليلة أربعًا وعشرين1دورة، ويدور عقرب الدقائق في الساعة ستين1 دورة.
7- الآلة التي تستخدم لإيجاد معنى ذلك المصدر المحذوف، وتحقيق دلالته؛ نحو: سقيت العاطش كوبًا – ضرب اللاعب الكرة رأسًا، أو رجلًا، أي: سقيت العاطش سقي كوب – ضرب اللاعب الكرة ضرب رأس، أو ضرب رجل، بمعنى: سقيت العاطش بأداة تؤدي مهمة السقي: تسمى: "الكوب" وضرب اللاعب الكرة بأداة معروفة بهذا الضرب تسمى: الرأس، أو: الرجل1 ولا بد من الآلة أن تكون معروفة بأنها تستخدم في إحداث معنى المصدر؛ فلا يصح سقيت الرجل العاطش دلوًا – ولا ضرب اللاعب الكرة بطنًا؛ لأن الدلو لا يسقي بها الرجل، والبطن لا يضرب به الكرة.
8– نوع من أنواعه؛ نحو؛ قعد الطفل القرفصاء 2 – مشي العدو القهقري 3. أو: التقهقر – سرت وراءه الجري – نام الآمن ملء جفونه4 ... أي: قعد قعود القرفصاء – مشى مشي القهقري، وسرت سير الجري – نام الآمن نومًا ملء جفونه ... 1و 1 والأصل: دورانًا أربعًا وعشرين دورة – دورانًا ستين دورة، ثم حذف المصدر، وباب عنه عدده.
9– اللفظ الدال على هيئة المصدر المحذوف؛ كصيغة: "فعله"؛ نحو: مشى القط مشية الأسد، ووثب وثبة النمر، فكلمة: مشية – وثبة – تدل على نوع من الهيئة يكون عليه المصدر؛ فهي هنا نائبة عنه.
10– وقته؛ نحو: فلان يلهو ويمرح؛ لأنه لم يحي ليلة المريض، ولم يعش ساعة الجريح، أي: لم يحي حياة ليلة المريض، ولم يعش عيشة ساعة الجريح، "تريد: لم يحي في ليلة كليلة المريض، ولم يعش في ساعة كساعة الجريح؛ يذوق ما فيهما من آلام"، ومن هذا كلمة: "ليلة" في قول الشاعر:
ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا ... وبت كما بات السليم1 مسهدا
11– "ما" الاستفهامية؛ نحو: ما تكتب خطك؟ بمعنى: أي كتابة تكتب خطك؟ أرقعة، أم ثلثًا أم نسخًا ... ؟ ومثله: ما تزرع حقلك؟ بمعنى: أي زرع تزرع حقلك؟ أزرع قمح، أم ذرة، أم قطن ... ؟
12– "ما" الشرطية؛ نحو: ما شئت فاجلس، بمعنى: أي جلوس شئته فاجلس.
تلك هي أشهر الأشياء التي تنوب عن المصدر غير المؤكد عند حذفه2.وتتخلص كلها في أمر واحد، هو: وجود ما يدل عليه عند حذفه3، ويغني عنه من غير لبس.