المسألة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- عباس حسن
- الكتاب
- النحو الوافي
- المؤلف
- عباس حسن (المتوفى: 1398هـ)
- الناشر
- دار المعارف
- الطبعة
- الطبعة الخامسة عشرة
- عدد الأجزاء
- 4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
81: الاستثناء 1
تمهيد: يتردد في هذا الباب كثير من المصطلحات الخاصة به، والتي لا بد من معرفة مدلولاتها قبل الدخول في مسائله وأحكامه؛ ليمكن فهم المراد، ومن تلك المصطلحات:
المستثنى منه، المستثنى، أداة الاستثناء، التام، الموجب، المفرغ، المتصل، المنقطع، ... وفيما يلي بيانها.
أ- "المستثنى منه - المستثنى - أداة الاستثناء".
هذه الثلاثة تنكشف مدلولاتها على أكمل وجه إذا عرفنا أن أسلوب الاستثناء في أكثر حالاته، هو أسلوب أهل الحساب في عملية: "الطرح"، فالذي يقول: أنفقت من المال مائة إلا عشرة، إنما يعبر عما يقول أهل الحساب: "أنفقت" 100-10"، والذي يقول: اشتريت تسعة كتب إلا اثنين؛ إنما يعبر عن قولهم: اشتريت "9-2" ... وهكذا ...
والتعبير الحسابي السالف وأمثاله يشتمل على ثلاثة أركان مهمة؛ هي: "المطروح منه"؛ "مثل 100 ومثل 9 ... وأشباههما ... " "المطروح"؛ "مثل 10 ومثل 2 ... " و "علامة الطرح"، ويرمزون لها بشرطة أفقية قصيرة: "_".
ولهذه المصطلحات الحسابية الثلاثة ما يقابلها تمامًا في الأسلوب الاستثنائي؛ ولكن بأسماء أخرى اصطلاحية، فالمطروح منه يقابله: "المستثنى منه"، والمطروح يقابله: "المستثنى"، وعلامة الطرح يقابلها أداة الاستثناء وهي: "إلا"، أو إحدى أخواتها، أي ثلاثة إزاء ثلاثة.
ولما كانت عملية الطرح بمصلطحاتها شائعة واضحة، بل أولية كان ربط
أسلوب الاستثناء بها عند شرحه وتبيينه كفيلًا بإيضاح مصطلحاته الثلاثة السالفة، ومعرفة مدلولاتها في سهولة، واستقرار1، معرفة توصلنا إلى المعنى المقصود من الجملة كلها.
وفي ضوء هذا نستطيع أن نفهم قول النحاة في تعريف الاستثناء الاصطلاحي: "إنه الإخراج "بإلا" أو إحدى أخواتها لما كان داخلًا في الحكم السابق عليها"2، فليس هذا الإخراج إلا "الطرح"؛ بإسقاط ما بعدها من المعنى الذي قبلها، ومخالفته للمتقدم عليها فيما تقرر من أمر مثبت أو منفي ...
ب– الاستثناء التام:
ما كان فيه المستثنى منه مذكورًا؛ كالأمثلة السالفة، ومثل: ركب الطائرة عشرين ساعة إلا خمسة، وكان معي زملائي إلا ثلاثة، فكلمة "عشرين" هي المستثنى منه، وكذا كلمة: "زملاء" وبسبب وجود كل منهما في الكلام سمي الاستثناء: "تامًا".
ج- الاستثناء الموجب، وغير الموجب:
فالأول: ما كانت جملته خالية من النفي3؛ وشبهه "وشبه النفي هنا: النهي؛ والاستفهام الذي يتضمن معنى النفي4" كالأمثلة السابقة، وكقول الشاعر:
قد يهون العمر إلا ساعة ... وتهون الأرض إلا موضعًا
والثاني: ما كانت جملته مشتملة على نفي أو شبهة؛ نحو: ما تأخر المدعوون للحقل إلا واحدًا هل تأخر المدعون إلا واحدًا1؟.
ومن النفي ما هو معنوي "يفهم من المعنى اللغوي للكلمة، دون وجود لفظ من ألفاظ النفي"، مثل: "يأبى الله إلا أن يتم نوره"، فمعنى "يأبى": لا يريد، ومثل: "قل رجل يقول ذلك"، معنى: "قل" في هذا الأسلوب المسموع، هو: النفي: أي: لا رجل يقول ذلك.
أما "لو" في مثل: لو حضر الضيوف إلا واحدًا، لأكرمتهم فإنه نفي ضمني غير مقصود، فلا ينظر إليه من هذه الناحية، فكأنه غير موجود.
د – الاستثناء المفرغ2، هو: ما حذف من جملته المستثنى منه، والكلام غير موجب، فلا بد من الأمرين معًا3 نحو: ما تكلم ... إلا واحد ما شاهدت ... إلا واحدًا، ما ذهبت ... إلا لواحد، والأصل مثلًا قبل الحذف: ما تكلم الناس إلا واحدًا ما شاهدت الناس إلا واحدًا، ما ذهبت للناس إلا واحدًا4، ثم حذف المستثنى منه؛ فوقع لتغيير بسبب حذفه كالذي في قول الشاعر:
لا يكتم السر إلا كل ذي شرف ... والسر عند كرام الناس مكتوم
والأصل: لا يكتم الناس السر إلا كل ذي شرف ... و ...
فالاستثناء المفرغ يقتضي أمرين مجتمعين حتمًا: أن يكون الكلام غير تام وغير موجب، وهذا أمر يجب التنبه له، وإلى أن أداة الاستثناء الفعلية لا يصح استخدامها فيه؛ لأنها لا تستخدم إلا في الاستثناء التام المتصل1.
هـ الاستثناء المتصل والمنقطع:
فالأول: ما كان فيه المستثنى بعضًا 2 من المستثنى منه؛ نحو: سقيت الأشجار إلا شجرة فحص الطبيب الجسم إلا اليد.
والثاني: ما لم يكن فيه المستثنى بعضًا من المستثنى منه؛ نحو: حضر الضيوف إلا سياراتهم، اكتمل الطلاب إلا الكتب، ومثل قوله تعالى عن أهل الجنة: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً إِلَّا سَلامًا﴾ فاللغو هو: رديء الكلام وقبيحه، والسلام ليس بعضًا منه، وكذلك قوله تعالى: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلا تَأْثِيماً﴾ .
وليس معنى انقطاعه أنه لا صلة له بالمستثنى منه، ولا علاقة تربطهما ارتباطًا معنويًا؛ فهذا خطأ بالغ لا يكون في أسالب الاستثناء مطلقًا؛ وإنما معناه انقطاع صلة "البعضية" بينهما؛ الصلة على الوجه السالف لا بد أن يكون هناك نوع اتصال معنوي يربط بينهما، ولهذا تؤدي أداة الاستثناء فيه معنى الحرف: "لكن"، "ساكن النون أو مشددها" الذي يفيد الابتداء والاستدراك معًا3؛ وبالرغم من إفادته الابتداء والاستدراك معًا لا يقطع الصلة
المعنوية بين ما بعده وما قبله، ومن ثم كان من المحتوم في كل "استثناء منقطع" صحة وقوع الحرف: "لكن" الساكن النون، أو مشددها موقع أداة الاستثناء فيه مع استقامة المعنى1.
ولا يجوز في الاستثناء المنقطع أن تكون أداته فعلًا؛ لأن هذه الأداة الفعلية لا تستخدم إلا في التام المتصل، كما تقدم في "الصفحة السالفة".
والآن نبدأ الكلام في أحوال الاستثناء، وأحكامه، وهي متعددة2 بتعدد أنواعه، وأدواته الثمانية التي منها الحرف المحض، والاسم المحض، والفعل المحض، وما يصلح فعلًا وحرفًا.
الكلام على أحكام المستثنى الذي أداته حرف خالص، وهي: "إلا"3:
أ- إذا كانت أداة الاستثناء هي "إلا"، ولم تكرر4 فللمستثنى بها ثلاثة أحكام:
الأول: وجوب النصب في الأغلب5، بشرط أن يكون الكلام تامًا موجبًا5؛ سواء أكان "المستثنى" متأخرًا بعد "المستثنى منه"، أم متقدمًا6 عليه، وسواء أكان "متصلًا"، أم "منقطعًا"، فمتى تحقق الشرط كان النصب واجبًا في الأغلب5 وعامًا يشمل كل الأحوال، وعند الإعراب يقال: "إلا" حرف
استثناء، والمستثنى: منصوب على الاستثناء كالأمثلة الآتية، ولا بد أن تتقدم "إلا" على المستثنى في كل الحالات1، سواء أكان متقدمًا على المستثنى منه أم متأخرًا عنه:
... "امتلأت الجداول إلا جدولا كبيرا" ... ، "امتلأت - إلا جدولا كبيرًا - الجداول"
... "كتبت الرسائل إلا رسالة واحدة" ... ، "كتبت - إلا رسالة واحدة - الرسائل"
... "تمتعت بالصحف إلا صحيفة تافهة" ... ، "تمتعت - إلا صحيفة تافهة - بالصحف"
... "أعدت ملابس الرحلة إلا الحقائب" ... ، "أعدت - إلا الحقائق - ملابس الرحلة"
... "تناولت الطعام إلا الماء" ... ، " تناولت - إلا الماء - الطعام"
... "أضأت المصابيح إلا غرفة" ... ، "أضأت - إلا غرفة - المصابيح"
الثاني: إما نصب "المستثنى" "والإعراب كالحالة السابقة"، وإما ضبطه على حسب حركة "المستثنى منه"، "فيكون مثله؛ مرفوعًا، أو منصوبًا، أو مجرورًا"، ويعرف: "بدلًا"2، ولا بد من الحالتين أن يكون الكلام تامًا غير موجب3.
ولا فرق بين المتصل والمنقطع 4، ومن الأمثلة:
ما تخلف السابقون إلا واحدًا ... - أو: واحد.
ما جهلت السباقين إلا واحدًا ... - أو: واحدًا5.
هل تأخرت عن السياقين إلا واحدًا ... - أو: واحد.
ويجوز أن يتقدم "المستثنى"1 وهو منصوب، على المستثنى منه مباشرة، ويبقى كل شيء كما كان، فلا يتغير الإعراب كالأمثلة الآتية:
ما تخلف – إلا واحدًا – السابقون.
ما جهلت إلا واحدًا – السابقين2.
هل تأخرت إلا واحدًا – عن السباقين.
أما لو تقدم وهو بدل في الأصل؛ فإن الأمر يتغير تغيرًا كليًا3، فيعرب "المستثنى" المتقدم على حسب حاجة الكلام قبله، ويزول عنه اسم المستثنى، كما يزول عن "المستثنى منه" المتأخر، اسمه ويعرف بدلًا من الاسم الذي تقدم، وتابعًا له في حركة إعرابه، تصير "إلا" ملغاة4، ومن الأمثلة:
ما تخلف إلا واحد – السباقون.
ما جهلت إلا واحدًا – السابقين5.
هل تأخرت إلا عن واحد6 – السباقين.
ففي مثل: ما تخلف – إلا واحد – السباقون ... تعرب كلمة "إلا" ملغاة.
وتعرب كلمة: "واحد" فاعلًا للفعل: "تخلف" وتعرب كلمة: "السباقون" بدلًا منها7، بدل كل من كل، وهذا إعرابها في باقي الأمثلة المعروضة8.
الثالث: أن يعرف ما بعد "إلا" على حسب العوامل قبلها؛ بشرط أن يكون الكلام "مفرغًا"1، وهذه الصورة لا تعد من صور الاستثناء؛ لعدم وجود المستثنى منه2، لهذا تعرب "إلا" ملغاة، ويعرب ما بعدها فاعلًا، أو مبتدأ، أو مفعولًا، أو خبرًا، أو غير ذلك على حسب السياق ... فكأن كلمة: "إلا" غير موجودة من هذه الناحية الإعرابية3 فقط، دون المعنوية ويسمون الكلام: "مفرغًا"؛ لأن ما قبل "إلا" تفرغ للعمل الإعرابي فيما بعدها، ولم يشتغل بالعمل في غيره، ومن الأمثلة:
ما أخطأ إلا واحد متسرع ... - ما العدل إلا دعامة الحكم الصالح.
ما سمعت إلا بلبلًا صداحًا ... - ليس العمل إلا سلاح الشريف.
ما ذهبت إلا للنابغ4 ... - ما سعيت إلا في الخير.
ونحو:
يأبى الحر إلا العزة ... - يأبى الله إلا أن يتم نوره5.
وأصل الكلام مثلًا قبل حذف المستثنى منه:
... ما أخطأ المتكلمون إلا واحدًا متسرعًا ... - أو: واحد متسرع.
... ما العدل دعامة الحكم الصالح ... - أو: دعامة الحكم الصالح.
... ما سمعت طيورًا مغردة إلا بلبلًا صداحًا ... - أو: بلبلًا صداحًا.
... ليس العمل سلاحًا إلا سلاح الشريف ... - أو: سلاح الشريف.
... ما ذهبت لحد إلا النابغ ... - أو: النابغ.
... ما سعيت في أمر إلا الخير ... - أو: الخير.
... يأبى الحر كل شيء، إلا العزة ... - أو: العزة.
... يأبى الله كل شيء إلا إتمام نوره ... - أو: إتمام ...
فالكلام في أصله كلام تام غير موجب، يجوز فيه الأمران السالفان؛ إما النصب على الاستثناء، وإما الاتباع على البدلية، فلما حذف المستثنى منه صار الكلام نوعًا جديدًا؛ هو: المفرغ1، وصار له حكم جديد خاص، تبعًا لذلك ...
ويمكن تلخيص كل ما تقدم من أحكام المستثنى بـ"إلا" الواحدة1 فيما يأتي:
أ- النصب صحيح في جميع أحوال المستثنى "بإلا" التي لم تتكرر، ما عدا حالة: "التفريغ"؛ فإن المستثنى يعرب فيها على حسب حاجة الجملة، وتعرف "إلا" ملغاة.
ب– يزاد على النصب "البدلية" حين يكون الكلام "تامًا" غير موجب، بشرط ألا يتقدم المستثنى على المستثنى منه مباشرة؛ فإن تقدم وهو منصوب بقي على حاله منصوبًا على الاستثناء، وإن تقدم وهو "بدل" تغير الأمر؛ فزال اسم المستثنى عنه، وصار معربًا على حسب حاجة الجملة؛ لأن الكلام يصير: "مفرغًا" أما المستثنى منه الذي تأخر فيزول عنه اسمه أيضًا، ويعرب "بدل كل من كل" من المستثنى الذي تقدم وتغير حاله2.
ثم انظر "أ" الآتية في "الزيادة والتفصيل" ص 326 حيث النوع من التفريغ المشتمل على جملة فعلية قسمية ... ويشبع في الأساليب الأدبية المسموعة، وهو نوع يخالف ما سبق.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= ثم عرض بعد ذلك لحالة المستثنى المتقدم حين يكون الكلام تامًا غير موجب، فبين أن غير النصب هو: "البدل" قد يجوز، ولكن النصب هو المختار، فالأمران جائزان قياسيان، ولكن أحدهما أكثر في الاستعمال في الآخر كثرة نسبية؛ يقول:
وغير نصب سابق في النفي قد ... يأتي، ولكن نصبه اختر إن ورد
ثم انتقل الكلام على الاستثناء المفرغ، فقال:
وإن يفرغ سابق "إلا" لما ... بعد يكن كما لو ألا عدما
أي: إذا كان الكلام قبل إلا مفرغًا "متجهًا للعمل فيما بعدها"، فإن تأثيره فيما بعدها يقوم على افتراض أنها غير موجودة، وعلى هذا الفرض نضبط ما بعدها؛ فقد يكون فاعلًا، أو مفعولًا، أو مبتدأ، أو خبر أو غيره ... على حسب حاجة ما قبلها.
لكن ما إعراب عراب: " كما لو ألا...." في البيت الأخير؟ وكذا في البيت الآتي في ص 342 حيث يقول هناك: كما لو كان دون زائد"؟
قال الصبان في الموضعين، وكذا الخضري فيهما: "إن: "ما" مصدرية، و"لو" زائدة، أو العكس".
ا. هـ.
وهذا يؤيد المذهب الكوفي الذي لا يرى في الأسماء حرجًا، وجاء في الصبان ج 3، باب: "الترخيم" عند بيت ابن مالك:
واجعله إن لم تنو محذوفًا كما ... لو كان بالآخر وضعًا تممًا....
ما نصه: "الظاهر: أن: "ما" في قوله: "كما" زائدة، و"لو" مصدرية، والتقدير: ككونه متممًا بالآخر في الوضع، إنما كان هذا هو الظاهر مع أن الحقيقي يجعله مزيدًا هو الثاني دون الأول، لوقوعه في مركزه، لكثرة زيادة "ما" بخلاف: "لو".
ا. هـ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . زيادة وتفصيل: أ- يتردد في فصيح الأساليب الواردة أسلوب مطرد1، يحوي نوعًا آخر من التفريغ، يخالف ما سبق ... وضابط هذا النوع: أن يكون الكلام مشتملًا على جملة قسمية، ظاهرها مثبت، لكن معناها منفي، وجواب القسم جملة فعلية ماضوية لفظًا، مستقبلة معنى، مصدرة "بإلا" نحو: سألتك بالله إلا نصرت المظلوم، ناشدتك الله إلا تركت الإساءة، حلفت بربي إلا عاونت الضعيف، وقول الشاعر: بالله ربك إلا قلت صادقة ... هل في لقائك للمشغوف من طمع فالاستثناء في الأمثلة السابقة ونظائرها مفرغ يقتضي أن يكون الكلام في معناه غير تام، وغير موجب، فالمراد: "ما سأتلك بالله ... إلا نصرك المظلوم" "ما ناشدتك الله ... إلا تركك الإساءة ... " "ما حلفت بربي ... إلا على معاونتك الضعيف"، "ما حلفت بالله ربك ... إلا على قولك صادقة ... " فقد اجتمع في الكلام الأمران معًا تقديرًا؛ "وهما عدم التمام، وعدم الإيجاب" واجتمع معهما أمر ثالث؛ هو: أن الفعل مع فاعله بعد "إلا" مؤول بمصدر منسبك بغير سابك، ليمكن إعراب هذا المصدر على حسب ما تحتاج إليه الجملة قبل "إلا" أي: على حسب ما يقتضيه "التفريغ"؛ تطبيقًا لحكم "الاستثناء المفرغ"، فيكون مفعولًا به في المثال الأول، "وهو: سأتلك بالله إلا نصرت المظلوم"، أي: ما سألتك بالله إلا نصرك المظلوم، ويكون شيئًا آخر غير مفعول به إذا اقتضى الكلام غيره؛ لعدم صلاحية المفعول به، ويجري هذا التأويل والسبك في بقية الأمثلة، وأشباهها مما يطرد صوغه على النمط الوارد الموافق للمأثور2.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وبهذه المناسبة تذكر "لما" التي سبقت الإشارة إليها1، وهي التي تماثل "إلا" في الحرفية، وفي الدلالة على الاستثناء، ولكنها لا تدخل إلا على جملة اسمية؛ كقوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ ، في قراءة من شدد الميم، واعتبر "إن" التي في صدر الجملة، نافية أو على جملة فعلية ماضوية لفظًا لا معنى؛ "بأن يكون الفعل ماضيًا في لفظه، مستقبلًا في معناه"، نحو: أنشدك الله لما فعلت، أي: أنشدك بالله، وأستحلفك به إلا فعلت، والمعنى: ما أسألك إلا فعلك؛ على تقدير: إلا أن تفعل كذا ... ؛ ليكون الفعل الماضي مستقبل الزمن؛ تطبيقًا لما تقرر من أن الماضي الذي يليها يكون ماضيًا في لفظه، مستقبلًا في معناه2 وسيجيء3 تفصيل الكلام على جواب القسم، وأنواعه، وأحكامه.
ب نعود لذكر ما قرره النحاة خاصًا بتقديم المستثنى بالإ، قالوا: لا يصح مطلقًا تقديمه وحده عليها4، ولا يجوز أن يتقدم على المستثنى منه، وعلى عامله = ليتأتى التفريغ، والفعل مع فاعله مؤول بالمصدر ليأتي فيه المفعولية ... فإن قام الاعتراض بأن تأويل الفعل مع فاعله بالمصدر من غير سابك هو تأويل شاذ غير قياسي، وأنه مقصور على ما ورد السماع به من مثل: "تسمع بالمعيدي خير من أن تراه"، كان دفع الاعتراض بأن تأويل الفعل بالمصدر من غير سابك أمر قياسي في بعض الحالات، كالتي نحن فيها، دون بعض؛ فيحكم عليه بالشذوذ في كل باب لم يطرد فيه السبك عن العرب، إما إذا اطرد السبك في باب واستمر فيه؛ فإنه لا يكون شاذًا؛ كالأساليب التي نحن بصددها حيث التزمت فيها العرب ذلك النسق، وكإضافة بعض أسماء الزمان إلى الجملة في مثل: جئت حين ركب الأمير، أي: في حين ركوب الأمير، وفي مثل قوله تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ ، أي: يوم نفع الصادقين ... فهذا وأمثاله مطرد، ومثل: لا تأكل السمك وتشرب اللبن، فإنك إذا نصبت "تشرب"، فإنما تنصبه بأن مضمرة؛ فيصير اسمًا معطوفًا في الظاهر على فعل، وهذا العطف ممتنع إلا عند التأويل؛ فيحتاج إلى أن تتصيد من الفعل "يأكل" مصدرًا من غير سابك كأن تقول مثلًا: لا يكن منك أكل السمك وشرب اللبن، ولا يعد هذا شاذًا، لاطراده في بابه، وكذلك مثل: سواء علي أقمت أم قعدت، أي: قيامك وقعودك، فهذا مؤول بالمصدر بدون أداة سبك؛ لاطراده في باب التسوية ... ا. هـ، الملخص.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
معًا؛ فلا يصح: إلا التفاح أكلت الفواكه، أما تقدمه على أحدهما وحده فجائز؛ وقد تقدمت1 الأمثلة لتقدمه على المستثنى منه دون العامل، وأما تقدمه على العامل وحده فنحو: الفواكه إلا التفاح أكلت، حيث تقدم المستثنى على عامله بعد أن سبقهما معًا المستثنى منه.
وإذا كان المستثنى منه اسم موصول لم يجز تقديم المستثنى على الصلة؛ لأنه لا يصح الفصل بين الموصول وصلته بالمستثنى.
وإذا كان للاسم الواقع بعد إلا مباشرة أو لغيره مما بعدها في جملتها معمول؛ فإنه لا يجوز تقديمه عليها؛ ففي مثل: ما أنا طالب علمًا لا يصح: ما أنا علمًا إلا طالب.
وإذا كان قبلها عامل له معمول؛ فإنه لا يجوز تأخير هذا المعمول عنها؛ ففي مثل ما يجيد الناشئون الخطابة إلا الأديب أول مثل: ما يحرص على الأدب إلا الأديب ... لا يصح أن يقال: ما يجيد الناشئون إلا الأديب الخطابة ولا ما يحرص إلا الأديب على الأدب، وبعض النحاة يجيز تأخير هذا المعمول إذا كان شبه جملة، أو حالًا، ويؤيد رأيه بأمثلة كثيرة فصيحة تجعله مقبولًا؛ فيصح أن يقال: "يتكلم الخطباء، إلا المريض، واقفين ... " "يعترف الأجانب، إلا بعضهم، بعظمة العرب ... " "تتضافى النفوس، إلا الخبيثة، أمام الخطر".
ويصح تقديم المستثنى على صفة المستثنى منه؛ ففي مثل: ما كرمت الأمة المتحضرة إلا النابغين ... يصح أن يقال: ما كرمت الأمة إلا النابغين المتحضرة.
جـ– تعددت الآراء في الناصب للمستثنى؛ "إلا" وقيل: العامل الذي قبلها بمساعدتها، وقيل: فعل محذوف تقديره: استثنى ... و ... ولا أثر لهذا الخلاف النظري في أحكام المستثنى، وضبطه: فالخير في إغفاله؛ اكتفاء بأن تقول في الإعراب: المستثنى منصوب على الاستثناء، ولعل أقوى الآراء أنه منصوب بالفعل قبلها، أو بغيره مما يعمل عمل الفعل2، إلا المستثنى المنقطع
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فعامله هو: "إلا" ونحن في غنى عن التعرض لأقواها وغيره إلا حين يعرض أمر يختص بالعامل وهذا قليل وعندئذ يرجع الفعل، أو ما يعمل عمله كالحالات السالفة التي يجوز فيها تقدم المستثنى على عامله أو عدم تقدمه.
د– وردت أمثلة مسموعة وقع فيها المستثنى غير منصوب، مع أن الكلام تام موجب؛ ومنها قوله تعالى: ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُم﴾ في قراءة كلمة: "قليل" بالرفع، ومنها: تغير المنزل إلا باب1 ومنها قوله عليه السلام: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فعليه الجمعة، إلا امرأة، أو مسافر، أو مريض"، وقوله أيضًا: "فتفرقوا كلهم إلا قتادة ... " ... و ... و ...
وقد كلف النحاة أنفسهم عناء التأويل والتقدير؛ ليجلعوا الكلام تامًا غير موجب، فيصلوا من هذا إلى جواز البدل، وإلى أن الأمثلة مسايرة للقاعدة عندهم، فمما قالوه في الآية: إن نصها على لسان طالوت هو: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي﴾ ... ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ﴾ فمعنى: "شربوا منه": لم يكونوا مني ولا من أنصاري، فهي في تأويل كلام منفي في تقديرهم.
وقالوا: في المثال الثاني وأشبابه: إن: "تغير" معناها لم يبق على حاله، فالكلام يتضمن نفيًا في المعنى ... كما عرضوا تأويلات أخرى لبقية الأمثلة الواردة.
ولا شك أن كلامهم مردود، وتأويلهم بعيد، لسببين:
أولهما: أن كل كلام مثبت لا بد له من نقيض غير مثبت، ويستحيل الحكم على شيء بالإثبات دون أن يتصور العقل له ضدًا منفيًا؛ فمعنى "سكت الفتى: لم يتكلم، ومعنى لم يتكلم: سكت، ومعنى: "نام الرجل" لم يتيقظ، ومعنى "تيقظ": ليس بنائم، ومعنى "تحرك الطفل": لم يسكن، ومعنى "سكن": لم يتحرك ... ومعنى "شرب": لم يفقد الماء ويظمأ، ومعنى "فقد الماء": ما شرب ...
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
و ... و ... ، وهكذا، فلو أخذنا برأيهم، وفتحنا باب التأويل على هذا النمط لم يبق في الكلام العربي أسلوب مقصور على "التمام مع الإيجاب" دون أن يصلح للنوع الثاني "وهو: التام غير الموجب"، وهذا غير مقبول.
وثانيهما: وهو الأهم أن الآية والمثال وغيرها مما وقع فيه المستثنى غير منصوب في الكلام التام الموجب إنما ورد صحيحًا مطابقًا للغة بعض القبائل العربية، التي تجهل السلقية الكلام "التام الموجب، والتام غير الموجب" متماثلين في الحكم1؛ ويجوز فيهما: إما النصب على الاستثناء، وإما البدل من المستثنى منه، وإما الرفع على الابتداء 2 ... و ... فلا معنى للتأويل بقصد إخضاع لغة قبيلة للغة نظيرتها3.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وإذا كان التأويل على هذا النمط معيبا، وواجبنا الفرار منه جهد استطاعتنا، فإن الأنسب لنا اليوم أن نتخير عند الضبط اللغة الضاربة في الفصاحة، الشائعة بين اللغات المتعددة؛ لنقتصر عليها في استعمالنا تاركين غيرها من اللغات واللهجات القليلة، توحيدًا للتفاهم، وفرارًا من البلبلة الناشئة من تعدد اللهجات واللغات بغير حاجة ماسة؛ فعلينا أن نعرف تلك اللغات في مناسباتها، ويستعين بها المتخصصون على فهم النصوص الواردة بها، دون محاكاتها في الضبط، أو القياس عليها كما أشرنا لهذا كثيرًا على الرغم من أنها صحيحة يجوز محاكاتها1.
هـ- إذا كان الكلام تامًًا موجبًا 2، فلا يكون المستثنى منه في الفصيح = "كأنه قال: لم يسبق من المال إلا مسحت أو مجلف".
ا. هـ، كلام الزمخشري.
"والمعنى: أن هذا الموجب الذي هو "فشربوا منه" هو في معنى النفي؛ كأنه "قيل: فلم يطيعوه؛ إلا قليل فارتفع "قليل" على هذا المعنى؛ ولو لم يحفظ فيه معنى النفي لم يكن ليرتفع ما بعد إلا، فيظهر أن ارتفاعه هو على أنه بدل من جهة" المعنى، فالموجب فيه كالنفي.
وما ذهب إليه الزمخشري من أنه ارتفع ما بعد "إلا" على التأويل هنا دليل على أنه لم يحفظ الاتباع بعد الموجب؛ فلذلك تأوله.
"ونقول: إذا تقدم موجب جاز في الذي بعد إلا وجهان، أحدهما: النصب على الاستثناء، وهو الأفصح والثاني: أن يكون ما بعد إلا تابعًا لإعراب المستثنى منه؛ إن رفعا فرفع، أو نصبًا فنصب، أو جرا فجر؛ فنقول: قام القوم إلا زيد، ورأيت القوم إلا زيدًا، ومررت بالقوم إلا زيد، وسواء أكان ما قبل إلا مظهر أو مضمرًا، واختلفوا في إعرابه؛ "فقيل: هو كذا ... أو كذا ... وسرد آراء مختلفة ... "، ثم قال بعدها: "ومن الاتباع بعد الموجب قوله: "وكل أخ مفارقه أخوه ... لعمر أبيك إلا الفرقدان ا. هـ، النص المنقول حرفيًا من تفسير أبي حيان.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
نكرة، إلا إن أفادت 1 فلا يقال: جاء قوم إلا رجلًا، ولا قام رجال إلا محمدًا، لعدم الفائدة، بسبب أن النكرة محضة، فإن أفادت جاز؛ نحو قوله تعالى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَاماً﴾ ، وقام رجال كانوا في بيتك إلا واحدًا منهم، أما الكلام التام غير الموجب فالفائدة تحقق فيه بالنفي وشبهه؛ لدلالة النكرة معه غالبًا على العموم نحو: ما جاءنا أحد إلا رجلًا، أو إلا عليًا ...
كذلك لا يكون المستثنى منه معرفة، والمستثنى نكرة لم تخصص؛ فلا يقال: قام القوم إلا رجلًا: فإن تخصصت جاز؛ نحو: خرج القوم إلا رجلًا منهم، أو: إلا رجلًا حارسًا....
و– عرفنا 2 أن المستثنى المنقطع ليس بعضا من المستثنى منه، فليس فردًا من أفراد نوعه، وليس جزءًا من أجزاء الفرد؛ كما سبق 2 فكيف يكون مستثنى وبينه وبين المستثنى منه هذا التخالف والتباين؟ كيف يكون المطروح مباينًا جنس المطروح منه؟.
قال النحاة:
1– إن كان المستثنى المنقطع جملة 2؛ مثل قوله تعالى ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ ، ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ ، {إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ، فَيُعَذِّبُهُ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ ... } أعربت هذه الجملة 1، في موضع نصب على الاستثناء، و"إلا" أداة استثناء حرف؛ بمعنى: "لكن" الساكنة النون، التي تفيد الاستدراك والابتداء 2 معًا، وتقتضي أن تسبقها جملة، وتدخل على جملة جديدة اسمية أو فعلية2، فهي متوسطة بين جملتين؛ فكأن التقدير؛ لست عليهم بمسيطر، لكن من تولى وكفر فيعذبه الله ...
2– إن كان المستثنى المنقطع مفردًا منصوبًا فأداة الاستثناء: "إلا" تكون عند أكثر النحاة بمعنى: لكن "المشددة النون" التي تفيد الابتداء2، والاستدراك، وتعمل عمل: "إن"، نحو: نام أصحاب البيت إلا عصفورًا مغردًا، فكلمة؛ "إلا" بمعنى: "لكن" المذكورة، التي تقتضي بعدها جملة اسمية الأصل تنصب فيها المبتدأ وترفع الخبر؛ سواء أكان خبرها مذكورًا أم محذوفًا، ولا بد على هذا الرأي من جملة اسمية بعدها، ولا بد من ذكر جملة أخرى قبلها، فكأن التقدير: نام أصحاب البيت لكن عصفورًا مغردًا يقظ، أو: لم ينم ...
ويرى سيبويه أن المستثنى المنقطع المنصوب بعد "إلا" إنما هو منصوب بعامل قبلها، شأنه في هذا شأن المستثنى المتصل، فما بعد "إلا" عند سيبويه مفرد سواء أكان متصلًا أم منقطعًا، وهي بمعنى: "لكن" العاطفة التي لا يقع المعطوف بها إلا مفردًا، غير أن "إلا" ليست حرف عطف.
والأخذ برأي سيبويه هنا في اعتبار عامل المستثنى المنقطع، أسهل وأيسر.
3– وإن كان المستثنى المنقطع مفردًا مرفوعًا؛ كما في حالة البدلية ...
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عند من يجيزها، والابتداء عند من لا يجيزها1 في نحو؛ ما سهر أصحاب البيت إلا عصفور مغرد كانت أداة الاستثناء "إلا" بمعنى: لكن "ساكنة النون"، فأصل التقدير، ما سهر أصحاب البيت لكن عصفور مغرد سهر.
والسبب في تعدد هذه التقديرات كما يبدو هو إدخال كل ضبط من تلك الضبوط تحت قاعدة نحوية عامة، أما المعنى فلن يتغير في المستثنى، ولا المستثنى منه، ولا غيرهما، وسيظل المستثنى منصوبًا على الاستثناء إن كان جملة أو مفردًا منصوبًا، فإن كان مفردًا غير منصوب فهو بدل، ويجوز في الاسم المرفوع اعتباره مبتدأ خبره مذكور أو محذوف، كما تقدم والجملة منصوبة على الاستثناء.
بالرغم من أن المنقطع ليس بعضًا من المستثنى منه، فإنه لا يجوز أن يكون منقطع المناسبة والعلاقة بينه، وبين المستثنى منه انقطاعًا كليًا في المعتاد كما سبق 2، فلا يصح: أقبل الضيوف إلا ثعبانا، كذلك لا يصح أن يسبقه ما هو نص صريح في خروجه وفقد تلك العلاقة، فلا يجوز: صهلت الخيل إلا الإبل؛ لأن الصهيل نص قاطع في صوت الخيل وحدها؛ فلا صلة بين المستثنى والمستثنى منه مطلقًا؛ فيصير الكلام خلطًا وبترًا، بخلاف صوتت الخيل إلا الإبل.
ز– تقدم، في الحكم الثاني3 أن المستثنى في الاكلام التام غير الموجب يجوز فيه النصب والبدل، ويقول النحاة في تفريع هذا البدل كلامًا مرهقًا غير مقبول، والخبر في إهماله؛ ومنه:
إذا تعذر البدل على اللفظ أبدل على الموضع، فمثل: ما جاءني من أحد إلا البائع ... لا يجوز إعراب "البائع" بدلًا مجرورًا من لفظ: "أحد"، لزعمهم أن كلمة: "أحد" مجرورة اللفظ بالحرف الزائد: "من" وهو حرف لا يزاد غالبًا إلا في كلام منفي؛ كالمثال السالف، وأن كلمة: "البائع" معناها مثبت؛ لأن الكلام الذي بعد "إلا" مناقض لما قبلها في النفي والإثبات، كما هو معروف فإذا كان معناها مثبتًا، فكيف تكون بدلًا من كلمة: "أحد" المنفية،
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المجرورة لفظًا بالحرف الزائد، والبدل على نية تكرار العامل الذي يعمل في المبدل منه؟ فكأنهم يقولون:
إن كلمة: "البائع" المجرورة ملحوظ قبلها في التقدير الحرف "من" الزائد الذي عمل الجر في المبدل منه "أحد"، ويترتب على هذا عندهم دخول "من" الزائدة الجارة في كلام مثبت بعد "إلا" وهي في الغالب لا تكون إلا في كلام منفي، كما سبق، وقرارًا من هذا الذي يرونه محظورًا منعوا البدل الجر من لفظة: "أحد"، وأجازوا البدل بالرفع من محلها: لأنها مجرورة بمن "لفظًا" وفي محل رفع فاعل للفعل: جاء، فالتقدير: جاء البائع.
ومثل: ليس اللص بشيء إلا رجلًا تافهًا، فقالوا لا يجوز ضبط كلمة: "رجلًا" بالجر على اعتبارها بدلًا من كلمة: "شيء" المجرور لفظها؛ وإنما يجوز النصب على اعتبارها بدلًا من محل كلمة: "شيء"، وذلك للوهم السالف أيضًا؛ وهو أن المبدل منه، "وهو كلمة: شيء" مجرور بالباء الزائدة، وهذه الباء لا تزاد إلا في جملة منفية، والمستثنى "بإلا" مثبت بعد الكلام المنفي، فلو أبدلنا كلمة: "رجلًا" في كلمة: "شيء" المجرورة لكان هذا البدل مستلزمًا في التقدير وقوع الباء وهي العامل في المبدل منه قبل البدل أيضًا؛ لأن البدل على نية تكرار العامل؛ فيترتب على هذا دخول "باء" الجر الزائدة على مثبت؛ وهو عندهم ممنوع، فللفرار من هذا أبدلوا كلمة: "رجلًا" من كلمة: "شيء" مع مراعاة محلها، لا لفظها؛ لأن محلها النصب؛ فهي مجرورة لفظًا، منصوبة محلًا، باعتبارها خبر: "ليس"!!.
ومثل: لا ساهر هنا إلا حارس، لا يجوز عندهم أن تكون كلمة: "حارس" بدلًا منصوبًا من محل كلمة: "ساهر" المبنية على الفتح لفظًا في محل نصب، وحجتهم أن كلمة: "ساهر" ...
اسم "لا" واسم "لا" منفي، أما المستثنى هنا فموجب، لوقوعه بعد "إلا"، "وما بعدها مخالف لما قبلها نفيًا وإثباتًا، كما تقدم"، ولما كان العامل في المستثنى منه: هو "لا" النافية للجنس وجب عندهم أن تكون عاملة أيضًا في المستثنى؛ لأن العامل في الاثنين لا بد في الرأي المشهور أن يكون واحدًا، ثم يقولون: كيف تعمل "لا" في المستثنى الموجب، وهي لا تعمل إلا في منفي؟ وللفرار من هذا قالوا: إن البدل هو من محل اسم "لا"
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قبل دخولها، وليس من محل اسمها بعد دخولها، فاسمها قبل دخولها كان مبتدأ1، فالبدل مرفوع مثله، ولا عمل للناسخ فيه إذ ذاك.
ومثل: ما الخائن شيئًا إلا رجل حقير؛ فقد منعوا أن تكون كلمة: "رجل" بدلًا منصوبًا من كلمة: "شيئًا" المنصوبة، وحتموا أن تكون بدلًا مرفوعًا من كلمة: "شيئًا" باعتبار أصلها؛ فقد كانت خبرًا مرفوعًا للمبتدأ قبل مجيء "ما" الحجازية التي تعمل عمل: "ليس"، وسبب المنع أن المستثنى منه منفي، والمستثنى موجب، والعامل في الاثنين واحد؛ هو: "ما" الحجازية، فتكون "ما" الحجازية قد عملت في الموجب، وهي لا تعمل إلا في المنفي.
ذلك رأيهم ودليلهم 2 في كل ما سبق من الأمثلة الممنوعة، وهو رأي غريب "إذا ما الحكمة كما قال بعض آخر من النحاة في ارتكاب هذا التكلف 3؟ مع أن القاعدة: "أنه يغتفر فيا لتابع ما لا يغتفر في المتبوع 4".
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ومثلوا له بقوله تعالى: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ ، حيث لا يمكن تسليط العامل على المعطوف 1 فهلا جاز هنا في البدل الجر، أو النصب تبعًا للفظ المبدل منه على هذه القاعدة 2.
وشيء آخر له الأهمية الأولى، ولا أعرف أنهم ذكروه؛ هو كلام العرب في مثل ما سبق، والمأثور من أساليبهم، أجاء خاليًا من اتباع المستثنى للفظ المستثنى منه، أم لم يجئ؟ وفي الحالتين لا يقوم دليل على المنع؛ لأن عدم المجيء ليس معناه التحريم، فالأمر السلبي لا يكفي في انتزاع حكم قاطع مخالف للمألوف في نظرائه التي يتبع فيها البدل حركة المبدل منه اللفظية، كما أن المجيء قاطع في الصحة.
الحق أن هذا كله وأشباهه هو الجانب المعيب في: "نظرية العامل"؛ إذ يمنحه سلطانًا قويًا يتحكم به في صياغة الأسلوب، أو ضبطه، بغير سند يؤيده من فصيح الكلام، وقد سبق أن امتدحنا هذه النظرية البارعة التي لا تصدر إلا عن عبقرية، وذكاء لماح، وقلنا3: إنها لا عيب فيها إلا ما قد يشوبها في قليل من الأحيان من مثل هذه الهنوات.
ح– في مثل: ما أحد يقول الباطل إلا الدنيء، يجوز في كلمة: "الدنيء" أن يكون بدلًا مرفوعًا من كلمة: "أحد" أو: من ضميره المستتر الواقع فاعلًا للمضارع، ويجوز نصبه على الاستثناء، فللرفع ناحيتان، وللنصب واحدة.
أما في مثل: ما رأيت أحد يقول الباطل إلا الدنيء، فيجوز في كلمة: "الدنيء" النصب على الاستثناء، أو: على البدلية من كلمة: "أحدًا" المنصوبة ويجوز فيها الرفع على البدلية من الفاعل المستتر في الفعل المضارع؛ فللنصب ناحيتان وللرفع ناحية.
ب– الحكم إذا كانت أداة الاستثناء هي "إلا" المكررة 1:
أ- قد يكون تكرارها بقصد التوكيد اللفظي المحض، وتقوية "إلا" الأولى الاستثنائية، بغير إفادة استثناء جديد، ولهذه حالة صورتان:
الأولى: أن تقع "إلا" التي تكررت للتوكيد اللفظي المحض، بعد "الواو" العاطفة لا يصح أن تقع بعد غيرها من حروف العطف نحو: أحب ركوب السفن إلا الشراعية، وإلا الصغيرة، فالواو حرف عطف، "إلا" الثانية: للتوكيد اللفظي، ولا تفيد استثناء، و"الصغيرة" معطوفة على "الشراعية"؛ فهي مستثنى، بسبب العطف، لا بسبب "إلا" المكررة 2؛ ولهذا يكون المستثنى المعطوف تابعًا للمعطوف عليه في ضبطه، ولا تأثير لوجود "إلا" المكررة في ضبطه، أو ضبط غيره، وإنما تأثيرها مقصور على ما تتضمنه من فائدة معنوية يحققها التوكيد اللفظي بها.
الثانية: ألا تقع "إلا" التي جاءت للتكرار المحض بعد حرف عطف، ولكن يكون اللفظ الواقع بعدها مباشرة متفقًا مع المستثنى الذي قبلها في المعنى والمدلول، برغم اختلاف اللفظين في الحروف الهجائية، ويكون ضبط اللفظ بعد المكررة جاريًا على افتراض أنها غير موجودة؛ فوجودها وعدمها سواء من ناحية الحكم الإعرابي الذي يخصه، مثال ذلك رجل يقال له: هارون الرشيد، أو: محمد الأمين ... أو ... ، نحو: جاء القوم إلا هارون إلا الرشيد، اشتهر الخلفاء إلا محمدًا إلا الأمين، فكلمة: "إلا" الثانية في المثالين لا تفيد استثناء جديدًا؛ لأن "الرشيد" المقصود هو: "هارون"، و"الأمين" المقصود هو: "محمد"، وإنما أفادت الثانية توكيدًا لفظيًا
لكلمة: "إلا" الأولى، ولا تأثير للثانية في ضبط كلمتي: "الرشيد، والأمين"، فكل واحدة منهما تعرب هنا بدل كل من كل 1، أو: عطف بيان من المستثنى الأول، ولو حذفنا كلمة: "إلا" التي جاءت للتكرار ما تغير الضبط ولا الإعراب، فوجودها لا أثر له من هذه الناحية الإعرابية، على الرغم من أثرها المعنوي الذي يكون للتوكيد اللفظي المحض.
ولو قلنا: ما جاء القوم إلا هارون إلا الرشيد لصح في كلمة: "الرشيد" الرفع أو النصب، تبعًا لكلمة: "هارون" التي يجوز فيها الأمران، بسبب أن الاستثناء تام غير موجب، وكذلك ما جاء القوم إلا محمدًا، أو محمد، إلا الأمين، فيجوز في كلمة: "الأمين" المران للسبب السابق، فكأن "إلا" المكررة غير موجودة: إذ لا أثر لها في الحكم الإعرابي.
ولو قلنا: ما أشتهر إلا هارون إلا الرشيد، لوجب رفع كلمة "الرشيد" اتباعًا لكلمة: "هارون" التي يجب رفعها؛ بسبب أن الاستثناء مفرغ، وكذلك الحال في: ما جاء إلا محمد إلا الأمين2.
ب– وقد يكون تكرار "إلا" لغير التوكيد اللفظي المحض، وإنما الغرض استثناء جديد: بحيث لو حذفت لم يفهم الاستثناء الجديد، ولم يتحقق المراد منه، فهي في هذا الغرض كالأولى تمامًا؛ كلتاهما تفيد استثناء مستقلًا؛ وفي هذه الحالة تتعدد الأحكام على الوجه الآتي:
1- إن كان تكرارها لغير التوكيد في كلام تام موجب، فالمستثنيات كلها منصوبة في كل الأحوال؛ نحو: "ظهرت النجوم إلا الشمس، إلا القمر، إلا المريخ".
2– إن كان الكلام تامًا غير موجب والمستثنيات متقدمة على المستثنى منه نصبت جميعًا؛ نحو: "ما غاب إلا الشمس، إلا القمر، إلا المريخ، النجوم".
فإن تأخرت نصبت أيضًا، ما عدا واحدًا منها أي واحد فيجوز فيه أمران؛ إما النصب على الاستثناء كغيره، وإما البدل من المستثنى منه؛ مثل: ما غابت النجوم، إلا الشمس بالرفع أو النصب إلا القمر إلا المريخ.
3– إن كان الكلام مفرعًا وجب إخضاع أحد المستثنيات 1 لحاجة العامل الذي قبل "إلا"، "الأولى" ونصب باقي المستثنيات، نحو: "ما نبت إلا قمح جيد إلا شعيرًا غزيرًا إلا قصبًا قويًا ... ".
وإذا كانت "إلا" التي جاءت للتكرار تفيد استثناء جديدًا كما سبق، فلا بد أن يجيء بعدها مستثنى، ولا بد أن يكون له مستثنى منه، فأين هذا المستثنى منه؟ أهو المستثنى منه الأول السابق، أم هو المستثنى الذي قبل "إلا" المكررة مباشرة، فيكون المستثنى الذي بعدها خارجًا، ومطروحًا من المستثنى الذي قبلها مباشرة؟
وبعبارة أخرى: أين "المستثنى منه" بعد "إلا" المكررة لغير توكيد في مثل: بكر العاملون إلا صالحًا، إلا محمودًا، إلا حسينًا؟ فكلمة: "محمودًا" مستثنى ثان، فأين المستثنى منه؟ أهو: "العاملون" منه الأول، أم هو "صالحًا" المستثنى الذي قبله مباشرة؟.
وكذلك: "حسينًا" مستثنى ثالث ... فأين المستثنى منه؟ أهو العاملون "محمودًا"، أم ماذا؟.
إذا لم يمكن استثناء بعض المستثنيات من بعض كهذا المثال كان المستثنى منه هو الأول حتمًا، وهو هنا: العاملون: أما إذا أمكن استثناء كل واحد مما
قبله مباشرة كالأعداد فيجوز الأمران، أي استثناء كل واحد مما قبله مباشرة، أو استثناء المجموع من المستثنى منه الأول؛ ففي مثل: أنفقت عشرة، إلا أربعة، إلا اثنين، إلا واحدًا، يجوز إسقاط المستثنيات كلها من العشرة، فنجمع أربعة، واثنين، وواحدًا، ونطرح المجموع من العشرة؛ فيكون الباقي الذي أنفق هو ثلاثة، "أي: 10 – "4 + 2 + 1" = 3" كما يجوز إسقاط المستثنى الأخير مما قبله مباشرة، ثم نسقط الباقي من المستثنى الذي قبله مباشرة ... وهكذا، فما بقي آخر الأمر يكون هو المطلوب، ففي المثال السابق: نطرح 1 من 2 فيكون الباقي: 1 ثم نطرح 1 من 4 فيكون الباقي: 3 ثم نطرح 3 من 10 فيكون الباقي: 7 وهو المبلغ الذي أنفق.
والأحسن في الطريقة الثانية جمع الأعداد التي في المراتب الفردية، ومنها المستثنى منه الأول، ثم جمع الأعداد التي في المراتب الزوجية، وطرح مجموعها من مجموع الفردية، فباقي الطرح هو المطلوب.
ويلاحظ أن الطريقتين جائزتان ولكن نتيجتهما مختلفة، ولهذا كان اختيار إحداهما خاضعًا للقرائن؛ فهي التي تعين إحداهما فقط مراعاة للمعنى.
على الرغم من صحة استعمال الطريقتين، فالأنسب العدول عنها في كل مقام يقتضي وضوحًا في الأداء، وسموًا في التعبير.
ولو أردنا تلخيص كل ما تقدم من الأحكام الخاصة بكلمة: "إلا" المكررة 1
المفيدة لاستثناء جديد أي: التي ليست للتوكيد المحض لكان التلخيص الموجز هو:
1– إذا تكررت "إلا" لغير التوكيد المحض نصبت بعدها المستثنيات في جمع الأحوال، وفي مختلف الأساليب، إلا في حالة: "التفريغ" فيجب حتمًا تخصيص مستثنى واحد يخضع في إعرابه لحاجة العامل، ونصب ما عداه.
2– ويجوز في حالة الكلام التام غير الموجب إذا تأخرت المستثنيات اختيار واحد منها ليكون بدلًا من المستثنى منه الأول، ويجوز نصبه مع باقيها.
= تقدمت المستثنيات وجب نصبها جميعًا في مختلف أحوالها، أما إن تأخرت فقال فيها:
وانصب لتأخير، وجئ بواحد ... منها؛ كما لو كان دون زائد
كلم يفوا إلا امرؤ إلا علي ... وحكمها في القصد حكم الأول
أي: تنصب المستثنيات كلها في حالة التأخير؛ فإن كان الكلام تامًا غير موجب، صح اختيار واحد منها، وضبطه بما كان يستحقه من الضبط لو لم تتكرر إلا، وهذا الضبط هو البدلية أو النصب كما وضحه مثاله؛ وهو: "لم يفوا إلا امرؤ إلا علي"، فيجوز في "علي" الرفع على البدلية من "امرؤ"، أو النصب، ثم بين أن المستثنيات كلها مقصودة كالمستثنى الأول، فما تكرر من المستثنيات حكمه في المعنى حكم الأول؛ فيثبت له ما يثبت للأول من الخروج مما قبله إثباتًا أو نفيًا.
بقي أن نعرف إعراب: "كما لو كان ... "، وقد سبق البيان في آخر هامش ص 325.