المسألة 160
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- عباس حسن
- الكتاب
- النحو الوافي
- المؤلف
- عباس حسن (المتوفى: 1398هـ)
- الناشر
- دار المعارف
- الطبعة
- الطبعة الخامسة عشرة
- عدد الأجزاء
- 4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
:
"لو" الشرطية:
هي نوعان: شرطية امتناعية، وشرطية غير امتناعية، وكلا النوعين حرف، واستعماله قياسي.
أ- "لو" الشرطية الامتناعية؛ معناها، وأحكامها النحوية:
فأما معناها فأمران مجتمعان؛ هما: "إفادة الشرطية، وأن هذه الشرطية لم تتحقق في الزمن الماضي؛ فقد امتنع وقوعها فيه".
فإفادتهما الشرطية تقتضي تعليق شيء على آخر؛ وهذا التعليق يستلزم -حتما- أن يقع بعدها جملتان، بينهما نوع ترابط واتصال معنوي؛ يغلب أن يكون هو: "السببية" في الجملة الأولى، و "المسببية" في الجملة الثانية؛ نحو: لو تعلم الجاهل لنهضت بلاده، لكنه لم يتعلم -لو عف السارق لنجا من العقوبة التي تزلت له به- لو أتقن الصانع عمله بالأمس ما بارت صناعته. فالجملة الأولى من المثال الأول هي: "تعلم الجاهل"، والثانية هي: "نهضت بلاده" وبين الجملتين ذلك الارتباط المعنوي؛ لأن نهضة الجواب"1.
ومثل هذا يقال في الأمثلة الأخرى.
وإفادتها امتناع المعنى الشرطي في الزمن الماضي تقتضي أن شرطها لم يقع فيما مضى، "أي: لم يتحقق معناه في الزمن السابق على الكلام" فهي تفيد القطع بأن معناه لم يحصل2، كما تفيد أن تعليق الجواب علهي كان في الزمن الماضي
أيضا1، على خلاف المعهود في التعليق بالأدوات الشرطية الجازمة، حيث يتعين الاستقبال في شروطها وجوابها معا -على الأغلب2.
ويترتب على امتناع الشرط هنا وعدم وقوعه امتناع جوابه تبعا له، إذا كان فعل الشرط هو السبب الوحيد في إيجاد جوابه وتحقيقه، وليس هناك سبب آخر للإيجاد والتحقيق؛ لأن امتناع السبب الوحيد الموجد للشيء يؤدي حتما إلى امتناع المسبب الوحيد؛ فامتنع له الجواب -وهو المسبب عنه- إذ ظهور النار متوقف على طلوع الشمس دون شيء آخر؛ فلا يمكن أن يظهر إلا بطلوعها ما دام طلوعها هو السبب الفرد في إيجاده.
فإن كان للجواب سبب آخر فلا يتحتم الامتناع بامتناع هذا الشرط، لجواز أن يؤدي السبب الآخر إلى إيجاد الجواب، وتحقيق معناه3؛ نحو: لو طلعت
الشمس أمس لكان النور موجودا.
فطلوع الشمس هنا ممتنع، أما الجواب فيصح أن يكون غير ممتنع -برغم امتناع الشرط- إذا وجد سبب آخر غير الشمس يحدثه؛ كمصباح مضيء، أو برق، أو نار ... ؛ فالشرط في هذا المثال ليس السبب الفريد في إحداث الجواب؛ فامتناعه لا يستلزم ولا يوجب امتناع جوابه؛ فقد يمتنع الجواب حينا؛ ولا يمتنع حينا آخر؛ على حسب ما تقضي به القرائن والمناسبات.
ومن الأمثلة لامتناع الجواب امتناعا حتميا تبعا لامتناع الشرط: لو توقفت الأرض عن الدوران لهلك الأحياء جميعا من شدة البرد أو الحر لو سكنت الأرض ما تعاقب عليها الليل والنهار -لو امتنع الغذاء لمات الحي- لو اختلت الجاذبية الكونية لا نفرط عقد الكواكب والنجوم لو توقف القلب عن النبض نهائيا لمات الحيوان ...
ومن أمثلة امتناع الشرط دون أن يستلزم امتناع الجواب استلزاما محتما: لو تعلم الفقير لاغتنى -لو استقل المسافر الطائرة لبلغ غايته- لو قرأ الريفي الصحف لعلم أهم الأخبار العالمية -لو واظب الغلام على السباحة لقوي جسمه- لو استشار المريض طبيبه لشفي ... ؛ فالجواب في هذه الأمثلة ليس حتمي الامتناع؛ إذ الشرط ليس السبب الوحيد في إيجاده، فهناك ما يصلح أن يكون سببا للإيجاد سواه.
ومما تقدم يتبين خطأ التعبير الشائع على ألسنة المعربين وهو: "أنها حرف امتناع لامتناع"؛ يريدون: أنها حرف يدل على امتناع الجواب لامتناع الشرط.
وإنما كان هذا خطأ لما قدمناه من أن امتناع الشرط لا يستلزم امتناع الجواب؛ فقد يستلزمه، أو لا يستلزمه -طبقات للبيان السالف- إلا أن كان غرضهم أن ذلك الامتناع هو الكثير الغالب.
والصواب ما ردده سيبويه من أنها: "حرف يدل على ما كان سيقع لوقوع غيره"، أي: لما كان سيقع في الماضي؛ لوقوع غيره في الماضي أيضا.
وهذه العبارة صحيحة دقيقة، لا تحتاج إلى تأويل أو تقدير، أو زيادة.
وأما أحكامها النحوية1: فإنها أداة شرطية قياسية الاستعمال؛ لا تجزم على الراي الأرجح2، ولا بد لها -كما سبق- من جملتين بعدها3؛ أولاهما: "الشرطية"، تليها: "الجوابية والجزائية". والأغلب أن تكون الجملتان فعليتين، ماضويتين لفظا ومعنى معا، أو معنى فقط "بأن يكون الفعل مضارعا مسبوقا بالحرف: "لم"4.
والفعل الماضي فيهما باق على مضيه؛ فلا يتغير زمنه بوجود "لو" الامتناعية، ومن الأمثلة: لو تراحم الناس لعاشوا إخوانا، لم يعرفهم البؤس، ولا الشقاء، ولا العداء، وقول الشاعر:
إن أرضا تسري5 إليها لو اسطا ... عت6 لسارت إليك قبل مسيرك
وقولهم: لو لم يثق المرء بعدل الخالق لعاش معذبا بالياسن ولو لم يطمئن إلى حكمته لاحترق بنار الشك.
فإن جاء بعدها مضارع لفظا ومعنى قلبت زمنه للمضي مع بقاء لفظه على حاله، ومن الأمثلة: لو يجيء الضيف أمس لأكرمته.
وقول الشاعر:
رهبان مدين، والذين عهدتهم ... يبكون من حذر العذاب قعودا
لو يسمعون كما سمعت كلامها ... خروا لعزة ركعا وسجودا
والمراد: لو جاء الضيف7 ... لو سمعوا7.
ولجوابها أحكام أخرى -غير المضي- يشترك في أكثرها جواب "لو" غير الامتناعية، وسنعرفها8.
ب- "لو" الشرطية غير الامتناعية9.
معناها: وأحكامها10 النحوية:
هي قليلة الاستعمال، ولكن استعمالها قياسي.
ومن أمثلتها: لو يشتد الحر في العطلة الصيفية المقبلة أصطاف في جهات معتدلة ...
فأما معناها فالدلالة على الشرطية الحقيقية؛ "وهي التي تقتضي تعليق أمر على آخر -وجودا وعدما- في المستقبل"، ولا بد لها من جملتين؛ ترتبط الثانية منهما بالأولى ارتباط المسبب بالسبب -غالبا-1 بحيث لا يتحقق في المستقبل؛ معنى الثانية، ولا يحصل إلا بعد تحقق معنى الأولى وحصوله في المستقبل؛ فكلاهما لا يتحقق معناه إلا في المستقبل.
غير أن معنى الثانية مترتب على معنى الأولى الذي لا يمتنع هنا.
وبهذين تختلف "لو" غير الامتناعية عن "لو" الامتناعية التي تقتضي أن يكون ارتباط جملتيها في زمن ماض فقط، وأن شرطها ممتنع، فيمتنع له الجواب -بالتفصيل السالف؛ ومن ثم قال النحاة: إن "لو" الشرطية غير الامتناعية شبيهة "بإن الشرطية"؛ فهما يفيدان -غالبا-1 تعليق الجواب على الشرط، ويوجبان أن يكون زمن الفعل في جملتي الشرط والجواب مستقبلان مهما كان نوع الفعل وصيغته، كما يوجبان -أيضا- أن يكون مستقبلا.
وأما حكمها النحوي فمقصور على أنها أداة شرطية حقيقية.
ولكنها لا تجزم على الرأي الأرجح.
ولا بد لها من الجملتين بعدها2؛ أولاهما جملة الشرط، والأخرى جملة الجواب.
والأغلب أن يكون فعل الشرط وفعل الجواب مضارعين لفظا ومعنى ويتحتم أن يكون زمنهما للمستقبل الخالص.
وإذا كان أحدهما ماضي اللفظ وجب أن يكون زمنه مستقبلا، فيكون ماضي الصورة دون الزمن.
ومن الأمثلة قول الشاعر:
ولو تلتقي أصداؤنا بعد موتنا ... ومن دون رمسينا3 من الأرض سبسب4
لظل صدى صوتي وإن كنت رمة ... لصوت صدى ليلى يهش ويطرب
وقول الآخر:
لا يلفك الراجوك إلا مظهرا ... خلق الكرام ولو تكون عديما5
ومثال الماضي الذي يصير زمنه مستقبلا خالصا مع بقاء صورته اللفظية على حالها -قوله تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ﴾ ، أي: لو يتركون؛ إذ لو كان الفعل باقيا على زمنه الماضي لفسد المعنى؛ لاستحالة الخوف بعد موتهم.
ومثله قول الشاعر:
ولو أن ليلى الأخيلية سلمت ... علي ودوني جندل1 وصفائح2
لسلمت تسليم البشاشة، أو زقا3 ... إليها صدى من جانب القبر صائح
فالماضي هنا -وهو محذوف بعد: "لو" على الرأي المشهور الذي سيأتي4.
وتقديره مثلا: لو ثبت أن ... مؤول بالمضارع. أي: لو يثبت أن ... ؛ لاستحالة المعنى على المضي الحقيقي؛ إذ يترتب عليه أنه قال هذا الكلام بعد موته. ومثل هذا قولهم: مسكين ابن آدم؛ لو خاف النار كما يخاف الفقر لنجا منهما جميعا، ولو رغب في الجنة كما يرغب في الدنيا لفاز بهما جميعا.
أحكام مشتركة بين النوعين:
1- كلاهما قياسي، له الصدارة، مختص بالدخول على الفعل حتما، وكلاهما لا يعمل فيه الجزم -على الرأي الأرجح- لكن النوع الأول مختص بالدخول على الماضي غالبا؛ والثاني مختص بالدخول على المضارع غالبا؛ فلا بد أن يقع الفعل بعدهما مباشرة. فإن لم يقع الفعل ظاهرا بعدهما وكان الظاهر اسما، فالفعل مقدر بينهما، يفسره مفسر مذكور بعد الاسم الظاهر5.
نحو: لو ذات سوار6 لطمت الرجل الحر لهان الأمر.
وقول الشاعر:
أخلاي1، لو غير الحمام أصابكم ... عتبت، ولكن ما على الدهر معتب
والتقدير: لو لطمت ذات سوار لطمت ... ، لو أصابكم غير الحمام أصابكم ... ، وقد يكون المفسر جملة، والفعل المحذوف هو "كان الشأنية"، كقول الشاعر:
لو بغير الماء حلقي شرق ... كنت كالغصان2؛ بالماء اعتصاري3
والتقدير: لو كان "الحال والشأن"، حلقي شرق بغير الماء، كنت كالغصان ...
2- كلاهما لا بد له من جواب مذكور أو محذوف.
أ- فإن وقع جواب أحدهما فعلا ماضيا لفظا ومعنى، أو لفظا فقط -جاز اقترانه "باللام" وعدم اقترانه؛ سواء أكن الماضي مثبتا أم منفيا ب"ما" إلا أن اقتران المثبت باللام أكثر من تجرده منها، والمنفي بعكسه.
فمن أمثلة اقتران الماضي المثبت وتجرده قوله تعالى في الصم البكم الذي لا يعقلون: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ ، وقوله تعالى في الزرع: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ وقوله تعالى بعد ذلك مباشرة في الآية نفسها عن الماء الذي نشربه: ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾ 4.
ومن أمثلة تجرد المنفي بـ"ما" واقترانه قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ وقول الشاعر5:
ولو نعطى الخيار لما افترقنا ... ولكن لا خيار مع الليالي
ولا تدخل هذه اللام على حرف نفي غير "ما".
ولبعض النحاة رأي حسن في مجيء هذه اللام في جواب "لو الشرطية" حينا،
وعدم مجيئها حينا آخر؛ يقول: هذه اللام تسمى: "لام التسويف"، أي: التأجيل والتأخير والتمهل؛ لأنها تدل على أن تحقق الجواب سيتأخر عن تحقق الشرط زمنا طويلا نوعا، وعدم مجيئها يدل على أن تحقق الجواب سيتأخر عن تحقق الشرط زمنا يسيرا، قصير المهلة بالنسبة للمدة السالفة.
فتحقق الجواب في الحالتين متاخر عن تحقق الشرط -كالشأن في الجواب دائما- إلا أن مجيء اللام معه دليل على أنه سيتأخر كثيرا، وأن مهلته ستطول، بالنسبة له حين يكون خاليا ... 1.
ب- وقد يكون الجواب جملة اسمية مقرونة باللام؛ ومنه -في رأي بعض النحاة- قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ﴾ ، والأصل: لو ثبت أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير.
فاللام داخلة على المبتدأ: "مثوبة" وخبره كلمة: "خير" والجملة الاسمية هي الجواب.
ج- وقد يكون الجواب مسبوقا بكلمة "إذا"2 التي تفيده وتقويه وتوكيدا؛ نحو: لو قصدتني إذا -لعاونتك.
وقول الشاعر:
لو أن للفصل فيما بيننا حكما ... إذًا لبين حقا أينا ظلما
ومن النادر الذي لا يقاس عليه أن يكون فعل الجواب هو "أفعل"، للتعجب مقرونا باللام، أو أن يكون الجواب مسبوقا بالفاء، أو رب، أو قد ... 3.
3- كلاهما صالح للدخول على: "أن -مفتوحة الهمزة- ومعموليها" -وهذا أحد مواضع الاختلاف بين "لو" و "إن" الشرطيتين- ومن الأمثلة قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ ، وقول المعري:
ولو أني حبيت1 الخلد2 فردا ... لما أحببت بالخلد انفرادا
وقول الآخر يصب ألفاظ أديب:
فلو أن ألفاظه جسمت ... لكانت عقودا لجيد الغواني3
وإذا دخلت "لو" على "أن ومعموليها" فهل تفقد اختصاصها الذي عرفناه؛ وهو دخولها على الأفعال في الأعم الأغلب؟
يرى فريق من النحاة أنها فقدت اختصاصها، وأن المصدر المنسبك بعدها من أن مع معموليها مبتدأ، خبره محذوف؛ تقديره: ثابت، ... أو نحو هذا مما يناسب بالسياق.
ففي مثل:
لو أن التاجر أمين لراجت تجارته -يكون التقدير: لو أمانة التاجر ثابتة لراجت تجارته ... وفي مثل: لو أن الحارس غافل لاجترأ اللص يكون التقدير: لو غفلة الحارس ثابتة لاجترأ اللص.
ويرى فريق آخر أنها لم تفقد اختصاصها، وأنها في الحقيقة لم تدخل على "أن ومعموليها" مباشرةن وإنما دخلت على فعل مقدر هو: ثبت -ونحوه- المصدر المؤول من: "أن ومعموليها" فاعل للفعل المقدر.
فتقدير الفعل في الأمثلة السابقة هو: ولو ثبت أنهم آمنوا.. ولو ثبت أنهم صبروا ... ولو ثبت أني حبيت ... فلو ثبت أن ألفاظه جسمت، ... ولو ثبت أن التاجر.... ولو ثبت أن الحارص ... وهكذا.
وتقدير الفعل مع فاعله المصدر المنسبك من أن معموليها هو: ولو ثبت إيمانهم ولو ثبت صبرهم.. ولو ثبت حبوي، لو ثبت تجسيم ... ولو ثبتت أمانة التاجر ... ولو ثبتت غفلة الحارس....
والرأيان صحيحان، ولكن ثانيهما أولى بالترجيح، إذ يحقق حكما أصيلا غالبا، من أحكام "لو" بنوعيها؛ هو: اختصاصها بالدخول على الفعل، ولكيلا يدخل الحرف المصدري على مثل1 بغير فاصل.
4- يجب الترتيب بين "لو"2 وجملتيها. فلا يصح تقديم شيء منهما، ولا من معمولاتهما على "لو" ولا يصح تقديم شيء من الجملة الجوابية أو معمولاتها على الشرطية.
حذف فعل شرطها وحده، وحذف الجملة الشرطية كاملة:
يصح هنا حذف فعل الشرط وحده إذا دل عليه دليل، كوجود مفسر له بعد فاعله المذكور في الكلام. نحو: لو مطر نزل لاعتدل الجو. والأصل: لو نزل مطر نزل ... ومن أمثلة حذفه بغير المفسر أن يكون فاعله مصدرا مؤولا من "أن ومعموليها"؛ كالأمثلة التي مرت "في"3.
أما حذف الجملة الشرطية كلها بغير الأداة: "لو" فنادر لا يصح القياس عليه؛ كأن يقال: أيعتدل الجو لو نزل المطر؟ فيجاب: "نعم لو ... لاعتدل الجو".
وقد تحذف قياسا ومعها: "لو" بشرط وجود القرينة، نحو قوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ﴾ ، التقدير: إذ لو كان معه آلهة لذهب كل إله بما خلق ...
وقد يحذف قياسا فعل الشرط: "كان" ومعه امسه أو خبره؛ نحو: اقرأ كل يوم ولو صفحة أو صفحة.
على تقدير: ولو كان المقروء صفحةن أو كانت مقروءة صفحة.
-كما تقدم في باب كان4.
حذف فعل الجواب، وحذف جملة الجواب كاملة:
لا يصح هنا حذف فعل الجواب وحده.
لكن يكثير حذف الجملة الجوابية كاملة لدليل، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا﴾ ، ﴿بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا﴾ ، وتقدير المحذوف: ما نفعهم ... أو: لكان هذا القرآن.. ومثل: تتمزق الأمة باختلاف زعمائها؛ فلو اتفقوا..، التقدير: لو اتفقوا لبقيت سليمة، أو قوية1 ... ، وكقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾ فجواب "لو" جملة محذوفة تقديرها: لرأيت أمرا عظيما هائلا.
حذف جملتي الشرط والجواب معا:
ورد في المسموع أمثلة قليلة لحذفها معا، ولا يصح القياس عليها؛ لقلتها؛ ولأنها في الشعر، ومنها:
إن يكن طبعك الدلال فلو ... ... في سالف الدهر والسنين الخوالي ...
التقدير: فلو كان في سالف الدهر والسنين الخوالي لكان مقبولان أو نحو هذا2.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
زيادة وتفصيل:
عرفنا: "لو الشرطية"، بنوعيها.
وهناك أنواع أخرى من "لو" عرضت لها المطولات النحوية؛ "كالمغني، وشرح المفصل ... " واللغوية؛ "كلسان العرب، وتاج العروس ... " وسنشير إلى كثير من هذه الأنواع إشارة عابرة، وكلها حروف.
1- "لو" المصدرية "وقد سبق الكلام عليها في الجزء الأول باب الموصول، م29 ص413".
2- "لو" الزائدة، أو: "الوصلية" ولا تحتاج لجواب -في المشهور- فهي ك"إن الوصلية" التي سبق الكلام عليها هنا1؛ بحيث يمكن وضع "لو" مكان "إن" فلا يفسد المعنى، ولا الأسلوب.
وتعرب كإعرابها، نحو: الدني ولو كثر ماله، بخيل.
وهذا أقل الأنواع استعمالا في فصيح الكلام.
وقد يمكن تخريجه على نوع آخر.
= القياس عليه.
ثم قال: وهي في الاختصاص بالفعل كإن ... لكن: "لو" "ان" بها قد تقترن يصرح بأن "لو الشرطية" بنوعيها مختصة بالدخول على الفعل، شأنها في هذا شأن "إن" الشرطية، لا تدخل إلا على الفعل ظاهرا مقدارا.
ثم بين هذا ما تمتاز به "لو" من دخولها على: "أن ومعموليها" وهذا الدخول لا تشاركها فيه "إن" الشرطية؛ إذ لا يصح أن تقترن "بأن من معموليها"، أي: لا يصح أن تدخل عليها ... ، وانتقل بعد هذا إلى البيت الثالث خاتما به الفصل: وإن مضارع تلاها صرفا ... إلى المضي؛ نحو: لو يفي كفى يقرر: أن المضارع الواقع بعد "لو" الامتناعية يكون زمنه ماضيا حتما؛ فهو مضارع في صورته وشكله، ماض في زمنه؛ نحو؛ "لو يفي كفى.
أي: لو وفى كفى" وهذا خاص بالمضارع بعد "لو" الامتناعية.
أما غير الامتناعية فيبقى على حاله صورة وزمنا.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
3- "لو" التي تفيد التقليل المجرد، وهي حرف لا عمل لهن ولا يحتاج لجواب نحو: أكثر من ضروب البر الإحسان، ولو بالكلمة الطيبة1.
4- "لو" التي تفيد التحضيض، كأن ترى بخيلا في مستشفى؛ فتقول: لو تتبرع لهذا المستشفى فتنال خير الجزء. بنصب المضارع بعد فاء السببية الجوابية1.
وهذا النوع لا يحتاج لجواب في الرأي الأحسن.
5- "لو" التي للغرض؛ مثل: لو تسهم في الير فتثاب، بنصب المضارع بعد فاء السببية الجوابية. والأحسن الأخذ بالرأي القائل: إنها لا تحتاج إلى جواب.
6- "لو" التي للتمني؛ ولو تكون للتمني إلا حيث يكون الأمر مستحيلا أو في حكم المستحيل، نحو قوله تعالى عن يوم القيامة: ﴿يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ﴾ ومثل: لو يستجيب لي حكام الدول فأحول بينهم وبين إشعال الحروب. بنصب المضارع "أحول" بعد فاء السببية الجوابية2.
وقد سبق الكلام على "لو" التي تفيد التحضيض، أو: العرض، أو: التمني -عند الكلام على فاء السببية الجوابية1.
1، 1 وقال بعض النحاة: "كل ما أورد شاهدا على التقليل تصلح فيه أن تكون شرطية بمعنى "إن" حذف جوابها، والقليل مستفاد من المقام".
والتقدير: وإن كان الإكثار بالكلمة.
والأول أحسن.