المسألة 149
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- عباس حسن
- الكتاب
- النحو الوافي
- المؤلف
- عباس حسن (المتوفى: 1398هـ)
- الناشر
- دار المعارف
- الطبعة
- الطبعة الخامسة عشرة
- عدد الأجزاء
- 4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
مثال نقض النفي بنفي آخر يتلوه فيزيل أثره: ما تزال تحسن المعاملة فتكتسب حب الناس؛ فقد وقع بعد "ما" النافية نفي آخر هو "تزال" فانقلب المعنى مثبتا بسببه، وفي هذه الصورة يجب رفع المضارع، ولا يصح نصبه.
وهل من النفي المحض النفي الواقع بعد: "الاستفهام التقريري"1؛ كقول الوالد يعاتب ابنه العاق: ألم أتعهد شؤونك صغيرا؛ فتتذكر فضلى؟ ألم أجاهد في سبيل إسعادك فتحمد جهادي؟
الصحيح جواز الأمرين، النصب على اعتبار النفي محضا، والرفع على اعتباره منقوضا وغير قائم؛ بسبب همزة التقرير، وبهما جاء القرآن.
قال تعالى عن الكافرين: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ ... بِهَا﴾ بنصب المضارع: "تكون".
وقال في آية أخرى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ ، برفع المضارع: "تصبح"2..
وإذا كانت فاء السببية حرف عطف دائما، -كما تقدم-3 والمعطوف بها هو المصدر المؤول بعدها -فأين المعطوف عليه؟
يقول النحاة: لا بد أن يكون المعطوف عليه مصدرا أيضا، ليتشابه المعطوف
والمعطوف عليه في المعنى المجرد1.
وفي هذه الحالة يتحتم أن يكون العطف عطف مفردات لا عطف جمل.
فإن وجد مصدر في الكلام قبلها فهو المعطوف عليه، وإن لم يوجد وجب تصيده من ذلك الكلام السابق، وليس لهذا التصيد ضابط أو قاعدة، وإنما المراد الوصول بطريقة -أي طريقة- إلى مصدر لا يفسد به المعنى مع العطف.
فمثال المصدر الصريح المذكور قبل الفاء، الصالح لأن يكون معطوفا عليه: "ما هذا إسرافا؛ فتخاف الفقر" - "ما الشجاعة تهورا فتهمل الحذر".
والتقدير: ما هذا إسرافا فخوفك الفقر، وما الشجاعة تهورا فإهمالك الحذر، أي: ما هذا إسرافا يترتب عليه خوفك الفقر.
وما هذه شجاعة يترتب عليها إهمالك الحذر ...
ومثال المصدر المتصيد: لا يتواني المجد فتفوته الفرصة، لا تزهد في المعروف فتخسر أنفس الذخائر ... ، التقدير: لا يكون من المجد توان ففوات الفرصة إياه، لا يكن منك زهد في المعروف فخسارتك أنفس الذخائر.
أي: لا يكون من المجد توان يترتب عليه فوات الفرصة إياه، لا يكن منك زهد في المعروف يترتب عليه خسارتك أنفس الذخائر.
فإن لم يوجد قبلها مصدر صريح، ولا ما يصلح أن يتصيد منه المصدر، كالجملة الاسمية التي يكون فيها الخبر جامدا، نحو: ما أنت عمر فنهابك، فنصب المضارع ممنوع عند بعض النحاة؛ لفقد المعطوف عليه.
وتكون الفاء للاستئناف، والجملة بعدها مستقلة في إعرابها عما قبلها، أو الفاء المجرد العطف الخالي من "السببية" والجملة بعدها معطوفة على الجملة قبلها، ويكون الكلام عطف جملة على جملة، ويجيز آخرون في تلك الجملة وأشباهها تصيد مصدر من مضمون الجملة الجامدة، ومن لازم معناها، كأن يقال في المثال السالف: ما يثبت كونك عمر هيبتنا إياك ... أي: ما يثبت كونك عمر ثبوتا يترتب عليه أن نهابك ... والأخذ بهذا الرأي أنسب، لتكون القاعدة مطردة.
والنحاة يسمون العطف على المصدر المتصيد: العطف على المعنى والتوهم2.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
زيادة وتفصيل:
أ- يعرض النحاة هنا لمسألة هامة دقيقة، ويعطونها من العناية والتوفيه ما يناسبها؛ وهي مسألة النفي1 الذي قبل الفاء المسبوقة بجملة؛ أينصب على ما قبل الفاء وما بعدها معا، أم ينصب على أحدهما فقط؛ وما نوع الفاء وضبط المضارع في الصور المختلفة؟ ويجيبون: إن الأمر يتوقف على المعنى، وما يقتضيه السياق؛ فقد يستدعيان تسليط النفي على ما قبلها وما بعدها معا، وقد يستدعيان تسلطه على أحدهما دون الآخر ... ، ثم هما قد يقتضيان اعتبار الفاء للاستئناف الخالص، أو للعطف المحض وحده.
أو للعطف مع إفادة "السببية الجوابية"2 ... والقرينة وحدها هي التي توجه إلى المراد؛ فلا بد منها، وإلا وجب العدول عن هذا الأسلوب إلى غيره مما لا يثير مشكلات في الضبط أو المعنى.
وفيما يلي البيان:
.... إذا قلت: "ما تحضر فتحدثنا" ... جاز رفع الفعل: "تحدث" على أحد اعتبارات ثلاثة؛ وجاز نصبه على أحد اعتبارين.
ولكل واحد من الخمسة أثره الإعرابي والمعنوي الذي يخالف الآخر، واختيار واحد منها دون غيره متوقف على مناسبته المعنى والسياق، ولا يصح اختيار واحد ون التقيد بهذه المناسبة، وإلا كانت اللغة عبثا وفوضى.
فأوجه الرفع الثلاثة هي:
1- الرفع؛ على اعتبار الجملة الأولى منفية المعنى، و"الفاء" للاستئناف الخالص، فما بعدها جملة مستقلة في إعرابها عن الأولى، فلا تتأثر بنفي الأولى.
فكأنك تقول: أنت ما تحضر في المستقبل، ولهذا أنت تحدثنا الآن.
إنما قلنا في "المستقبل" مع أن المضارع يصلح للحال والاستقبال إن لم يوجد مانع لوجود ما يمنع الاستقبال هنا؛ وهو التخاطب مع شخص معين؛ فلا يصح أن تنفي عنه الحضور في الزمن الحالي مع أنك تخاطبه فيه خلال حضوره.
وقلنا: "الآن"؛ لأن الزيادة في المستقبل منفية؛ فلا يقع في المستقبل حديث؛ إذ هو منفي تبعا لها؛ فلم يبق إلا أن يكون وقت الحديث هو الآن، أي: وقت الكلام.
ومثله قولك للمسافر: لن أراك عدة أشهر؛ فأودعك داعيا لك، حزينا
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لغيابك.
تريد: لن أراك في المستقبل1 ... فأنا أودعك الآن.
فالنفي في المثالين السالفين مقصور على الجملة الأولى وحدها، والفاء فيهما للاستئناف المجرد.
2- الرفع على اعتبار "الفاء" متجردة للعطف المحض، تعطف المضارع بعدها على المضارع المنفي قبلها، وفي هذه الصورة يتحتم أن يكون المعطوف كالمعطوف عليه في الإعراب "رفعا، ونصبا، وجزما" وأن يكون مثله في النفي الذي يقع عليه، ففي المثال السابق يكون التقدير: ما تحضر فما تحدثنا، أي: ما يحصل منك حضور في المستقبل، فما يحصل منك تحديث فيه، فالفعلان مرفوعان، ومنفيان، وزمنهما مستقبل محض؛ للسبب الذي في الوجه السالف. ولو قلنا: لن تحضر فتحدثنا ... لكان المضارعان منصوبين ومنفيين، ومستقبلين كذلك1. ولو قلنا: ألم تحضر فتحدثنا ... لكانا مجزومين ومنفيين أيضا2؛ فالثاني تابع للأول في إعرابه، وفي نفيه؛ كما نرى3.
والعطف هنا عطف الفعل مضارع وحده -دون فاعله- فالعطف عطف مفردات.
لا عطف جمل4 ...
3- الرفع على اعتبار الجملة الأولى كلها منفية و "الفاء" متجردة للعطف المحض -كما سبق- ولكنها تعطف الجملة المضارعية كلها على الجملة المضارعية السابقة -ولا تعطف المضارع وحده على نظيره السابق- وفي هذه الصورة يستقل المضارع بعد الفاء بإعرابه وضبطه، ولا يتبع فيه الأول، وتكون الجملة الثانية معطوفة على الأولى، منفية مثلها أو غير منفية على حسب ما يقتضيه المعنى، وتدل عليه القرائن فيصح أن يكون المعنى في المثال السالف: ما تحضر في المستقبل فما تحدثنا في المستقبل؛ لأن الحضور لن يحصل.
فلن يحصل الحديث.
ويصح أن يكون المراد: ما تحضر في المستقبل؛ فأنت تحدثنا الآن؛ ليكون تحديثك الحالي تعويضا عن فقده في المستقبل.
وفي هذه الصورة يتمحض العطف للربط المجرد بين الجملتين حتما.
ولكنه لا يقتضي تسرب النفي من الأولى إلى الثانية اقتضاء واجبا، فقد يتسرب منها إلى الثانية، أو لا يتسرب، على حسب القرائن.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أما الوجهان الخاصان بالنصب فهما:
1- النصب على اعتبار "الفاء" سببية جوابية؛ فالمضارع بعدها منصوب بأن المضمرة وجوبا، وما بعدها مسبب عما قبلها وجواب للنفي -كما شرحناه1 آنفا- وهي في الوقت نفسه عاطفة؛ فالمصدر المؤول بعدها منفي؛ لأنه معطوف على مصدر قبلها منفي أيضا فالعطف عطف مفردات.
والنفي مسلط على ما قبلها وما بعدها، فمعنى المثال السابق لا يكون منك حضور في المستقبل؛ فلا يكون منك تحديث2 فيه؛ أي: لا يكون منكم في المستقبل حضور يترتب عليه ويقع فيه تحديث ... فالثاني منفي بنفي الأول؛ لأن زوال السبب مؤذن بزوال المسبب أي: أن المعنيين منفيان.
وقد يخطر بالبال السؤال التالي: أليس المعنى في هذه الصورة كالمعنى في الصورتين الثانية والثالثة من المضارع المرفوع: حين يعطف وحده على الفعل السابق، أو تعطف جملته على الجملة السابقة؟
الجواب: لا: فإن المضارع حين يكون منصوبا بأن المضمرة وجوبا بعد الفاء، تكون هذه الفاء "للسببية الجوابية" فتدل -حتما- على أن المعنى بعدها مسبب عما قبلها، وجواب للنفي، مع دلالتها فوق ذلك -على العطف وإفادتها الترتيب والتعقيب.
أما في جملة عطف الفعل المضارع على المضارع أو عطف جملته على الجملة التي قبل الفاء- فإن الفاء تكون للعطف المجرد الذي تدل معه على مجرد الترتيب والتعقيب، فلا سببية، ولا جوابية، هذا إلى أن عطف الجملة الفعلية بالفاء التي للعطف المجرد على جملة أخرى منفية لا يوجب أن تكون المعطوفة منفية كالمعطوف عليها، فقد تتبعها في النفي أو لا تتبعها على حسب القرائن -كما أسلفنا.
2- النصب على اعتبار أن ما بعد الفاء "قيد" فيما قبلها، وأن النفي منصب على "القيد" حتما، أما "المقيد" وحده مجردا -أي: بغير نظر إلى قيده- ففي الرأي الراجح قد يقع عليه النفي أو لا يقع؛ تبعا للسياق والقرينة، فليس من
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
اللازم أن يشمله النفي الذي يقع على "القيد" لا محالة1، فإذا قلت: ما جاء محمد راكبا.
"فالركوب" "قيد" في المجيء.
وهذا القيد "الركوب" منفي قطعا.
أما حكم المقيد وحده2، وهو "المجيء" المطلق فقد يكون منفيا "أي: لم يقع"، وقد يكون غير منفي. فعدم الركوب مقطوع به؛ سواء أوقع المجيء أم لم يقع. والحكم بوقوع المجيء أو عدم وقوعه محتاج إلى قرينة أخرى تعينه ...
وعلى هذا الأساس يصح أن يتجه الفهم في المثال الأسبق، "وهو: ما تحضر فتحدثنا". إلى أن التحديث "قيد" للحضور. والقيد منفي -لا محالة- في حالتي الحضور وعدمه3.
أما الحضور نفسه بغير تحديث فقد يكون منفيا أو غير منفي.
فهو مسكوت عنه، يحتاج إلى ما يعين أحد الأمرين؛ شأنه شأن التقييد بالحال؛ فكأنك تقول: ما تحضر متحدثا.
فالتحديث هو القيد المنفي دائما.
والحضور هو المقيد المسكوت عنه، إذا نظرنا إليه وحده بغير قيده، أو: كأنك تقول: ما يكون منك حضور يعقبه ويترتب عليه تحديث.
فالتحديث هو المقطوع بنفيه.
أما الحضور المطلق وعدمه فأمرهما للقرينة؛ تعين أحدهما دون الآخر.
وعلى هذا فالفاء للسببية والمصدر المؤول بعدها معطوف على مصدر قبلها والنفي منصب على القيد وحده، كما شرحنا.
ومن هذا قول الشاعر:
ومن لا يقدم رجله مطمئنة ... فيثبتها في مستوى الأرض يزلق
فكأنه قال: من لا يقدم رجله مثبتا يزلق.
ب- ويقول النحاة: إن المعنى قبل "فاء السببية" قد يكون مثبتا؛ بأن يتخطاه النفي إلى أن بعدها.
بالرغم من وجود النفي قبلها -كما يفهم من بعض الحالات السابقة-4 فإن تسلط النفي على ما قبلها فالفاء تفيد معنى التسبب الذي
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ينصب بعده المضارع بأن مضمرة وجوبا.
وإن لم يتسلط على ما قبلهان وبقي معناه مثبتا، ومدلوله حاصلا موجبا، فالفاء لا تفيد التسبب1 وإنما ينصب المضارع بعدها تشبيها لها بفاء السببية.
ح- عرفنا أن الرفع جائز في ثلاث حالات، وأن النصب جائز في حالتين، وهذا الجواز في الحالات الخمس مشروط بألا يكون المضارع قبل فاء السببية مجزوما؛ مثل: ألم تحضر فأكرمك؟ فإن وجد جازم واقتضى المعنى عطف المضارع الذي بعد الفاء على المضارع الذي قبلها وجب أن يكون المعطوف مجزوما ومنفيا كالمعطوف عليه؛ لأن هذا هو ما يقتضيه عطف المضارع على المضارع عطف مفردات2، ولا يصح إلا الجزم مع نفي المعنى عن المعطوف، ما دام السياق يقتضي هذا العطف الذي يؤدي إلى النفي وإلى الجزم معا3.
وربما لا يوجد قبل الفاء فعل، مثل: غير موجود أخوك فأكرمه.. وفي هذه الصورة يمتنع عطف الفعل على الفعل لعدم وجود فعل معطوف عليه ...
د- تطبيقا على ما سبق من تسلط النفي على ما قبل الفاء وما بعدها معا؛ أو على أحدهما وحده يتعين تسليطه عليهما معا في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ . ولا يصح تسليطه على القيد وحده دون المقيد "وهو الجملة الأولى" لاستحالة أن يقضي الله عليهم بالموت فلا يموتوا؛ فلا بد أن تكون الأولى منفية كذلك، والفاء للسببية.
ويصح: "لا يقضى عليهم فيموتون" فتكون الفاء للعطف المجرد، والمضارع بعدها مرفوع "إذ ليست للسببية" فالفعل الثاني معطوف على الأول، تابع له في إعرابه وفي نفيه -كما قدمنا أول البحث- فالتقدير: لا يقضي عليهم؛ فلا يموتون والمعنى في الحالتين واحد.
مع ملاحظة ما أشرنا إليه من الفرق بين فاء السببية والفاء المتجردة للعطف المحض.
ولا مانع أن يكون العطف في هذا المثال عطف جمل.
ومثل الآية قولهم: "ما يليق بالله الظلم فيظلمنا" فيصح اعتبار "الفاء" للسببية
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ينصب النفي علىما قبلها، وما بعدها معا؛ والمضارع منصوب.
أو: للعطف الخالص1 بدون سببية؛ فيرفع المضارع، والنفي عام أيضا ينصب على ما قبلها وما بعدها معا.
بخلاف نحو: "ما يحكم الله بحكم فيجوز" حيث يتعين أن يكون النفي منصبا على الثاني وحده، باعتباره قيدا للأول، أي: ما يكون منه حكم يترتب عليه جور2.
ولا يصح نفي الأول لما يترتب عليه من أن يكون معناه: ما يحكم الله بحكم.. وهذا فاسد؛ لأن الله يحكم في كل وقت ...
ومن الأمثلة لنفي الفعلين معا: لا يحب الريفي الأسفار؛ فيشاهد عجائب البلاد الأجنبية، ما ينظم فلان الشعر البليغ، فينتفع به الأديب -لم ينتبه السائق فينجو من الخطر- لا يسرف العربي في الطعام؛ فيشكو البطنة3، ولا يهمله؛ فيشكو المخمصة4.
والضابط الذي يدل في الأمثلة السالفة -وأشباهها- على أن النفي منصب على الفعلين معا هو إعادة حرف النفي بعد فاء السببية، وتكراره بينها وبين المضارع فلا يفسد المعنى المراد.
ومن الأمثلة لنفي الثاني وحده: "أي: لنفي القيد".
ما يسرق اللص فيسلم، لا يطول السهر فيستريح الجسم، لا يسيء التاجر المعاملة فينجح ... هذا لا يهمل التعلم فينتفع، ولا يترك العلماء فيستفيد.
والضابط الذي يدل في هذه الأمثلة -وأشباهها- على أن النفي منصب على الثاني وحده "أي: على القيد" هو نقل حرف النفي من مكانه في صدر الجملة الأولى، ووضعه بعد الفاء مباشرة وقبل المضارع الذي يليها، فلا يفسد المعنى الأصلي بهذا الفعل.
هـ- يجري مع أداة النهي ما جرى مع أداة النفي ما ناحية عطف الفعل على الفعل، وعطف الجملة على الجملةن وتسلط النهي على ما قبل الفاء وما بعدها معا أو على أحدهما فقط ... و ... مع ملاحظة أن "لا" الناهية تجزم المضارع حتما، أما حروف النفي فلا تجزمه5 ...
ب- الطلب بنوعية؛ المحض وغير المحض1 ...
الطلب المقصود هنا ثمانية أنواع؛ لكل منها معناه وحكمه، ويكفي وجود نوع واحد منها قبل "الفاء"؛ فتكون سببية، ينصب بعدها المضارع بأن مضمرة وجوبا إن لم يوجد مانع آخر.
وهذه الثمانية هي:
1- الأمر.
2- النهي.
3- الدعاء.
4- الاستفهام.
5- العرض.
6- التحضيض.
7- التمني.
8- الترجي....
ولا خلاف في أن السبعة الأولى هي من أنواع الطلب المقصود؛ وإنما الخلاف في الثامن: "الترجي" والصحيح أنه منها.
وهذه الأنواع الثمانية قسمان:
قسم يدل على الطلب المحض، بأن يدل بلفظه نصا وصراحة على الطلب مباشرة، من غير أن تجيء دلالته على الطلب تابعه لمعنى آخر يتضمنه، ومن غير أن يكون محمولا في أدائه على غيره.
وينحصر هذا في الأنواع الثلاثة الأوائل: "الأمر، النهي، الدعاء"2.
وقسم يدل على الطلب دلالة غير محضة، بأن يجيء معنى الطلب تابعا لمعنى آخر يتضمنه3.
ويدخل في هذا القسم بقية الأنواع الطلبية، فإنها محمولة على الثلاثة المحضة.
وفيما يلي معنى كل واحد من الثمانية4، وحكمه:
1- الأمر، ومعناه: طلب فعل شيء.
ولا يسمى أمرا إلا إن كان صادرا ممن هو أعلى درجة إلى من هو أقل منه.
فإن كان من أدنى لأعلى سمي: "دعاء".
وإن كان من مساو إلى نظيره سمي: "التماسا".
وله صيغتان: صيغة فعل الأمر الصريح، وهذه هي الأصيلة، وصيغة: "لام الطلب" الجازمة المختصة بالدخول على المضارع، وهذه ملحقة بتلك، وتسمى: "لام الأمر" إن كان الأمر بها ممن هو أعلى درجة إلى من هو أدنى، و"لام الدعاء" إن كان من أدنى لأعلى، و"لام الالتماس" إن كان من مساو لنظيره.
فتسميتها "لام الطلب" أدق من تسميتها: "لام الأمر" لأن الطلب -والمقصود به هنا: طلب فعل شيء- يشمل الصور الثلاث.
فمثال الأمر الصريح: اغفر هفوة الصديق فيحمدك، وانصحه في السر فيتقبل نصحك، وجامل الناس فيما لا يضر فتستريح، ويدوم لكم ودهم.
ومثل: "خذ، وهات" في قول الشاعر:
من لي يسوق في الحيا ... ة يقال فيها: خذ وهات
فأبيع عمرا في الهمو ... م بساعة في الطيبات
ومثال لام الطلب: لتكن طاعة الله أولى الأمور لديك فتسعد، وليكن حرصك على أداء الواجب عقيدة فتنهض وينهض وطنك، ولتبتعد عن مواطن الشبهات فيرتفع قدرك.
فإن كان الأمر بصيغة اسم الفعل، فالأحسن التيسير بقبول الرأي الذي يجعل الفاء بعده للسببية؛ نحو: صه فيهدأ النائم، وتراك الشر؛ فتأمن عواقبه، ونزعا إلى ميدان الإصلاح فتحب.
"والمعنى: اسكت، واترك، وانزل ... " وكذلك إن كان الأمر بصيغة المصدر الواقع بدلا من التلفظ بفعله؛ نحو: سكوتا فنسمع الخطباء، أو بصيغة الخبر1 ... ولكن الأبلغ والأشهر في الحالتين -عند
كثرة النحاة- ألا تكون الفاء للسببية.
2- النهي، ومعناه: طلب الكف عن شيء.
وأداته واحدة؛ هي: "لا الطلبية" وتسمى: "لا الناهية" إن كان النهي صادرا من أعلى لأدنى؛ فإن كان من أدنى لأعلى سميت: "لا الدعائية".
وإن كان من مساو إلى نظيره سميت: "لا، التي للالتماس" فتسميتها: "لا الطلبية" أولى؛ لأن طلب الكف بها يشمل حالاتها الثلاث.
وإنما ينصب المضارع بعد فاء السببية في جواب النهي بشرط ألا ينتقض النهي بإلا الاستثنائية على الوجه الذي سبق إيضاحه في النفي ونقضه1؛ ومن الأمثلة: لا تقل الخطأ فيشتهر جهلك، ولا تخف العلم فتتهم في مروءتك.
ومثل قوله تعالى: ﴿لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ﴾ 2 وقولهم: لا تكثر مقاطعة الإخوان فيهون عليهم سخطك.
ولا تبالغ في وعد أو وعيد فتعجز، ويستخف الناس بك3 ...
فإن كان النهي بصيغة الاسم فالأنسب الأخذ بالرأي الذي يجعل الفاء بعده = المقصود بها الأمر، والتقدير: آمنوا بالله.. وجاهدوا ... يغفر لكم.. وليس الجزم راجعا لوقوعهما جوابا للاستفهام: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ﴾ ... لفساد المعنى على هذا؛ لأن السؤال عن مجرد الدلالة والإرشاد بدون عمل آخر لمن اتجه إليهم السؤال، لا يؤدي إلى أن يغفر الله ذنوبهم، وأن يدخلهم الجنة، فغفران ذنوب الناس لا يكون مسببا عن مجرد دلالتهم إلى ما ينجيهم وتوجيه الإرشاد إليهم.
وإنما يتسبب عن الإيمان نفسه، وعن الجهاد.
وكثير من الأساليب الناصعة يجري على نسق الآية -وسيعاد ذكرها لمناسبة أخرى في ص396- ولا يزال الناس يقول أحدهم للآخر: تهتم بعملك وتجيده، وتحرص عليه، تفلح، ويكثر رزقك.
وينصح الوالد ابنه الطالب فيقول: تذاكر وتلتفت إلى دروسك تنجح.
التقدير: اهتم بعملك وأجده.
واحرص عليه، تفلح، ذاكر والتفت تنجح ... ، وهكذا يجزم المضارع في جواب الفاء فالأيسر اعتبارها للسببية ونصب المضارع بعدها، وإن كان الأبلغ والأكثر رفعه، وعدم اعتبارها للسببية -كما قلنا- انظر الصفحة الآتية:
للسببية؛ نحو سيرًا لا قعودا فتكسل، وعملا لا بطالة، فتفقد رزقك.
3- الدعاء.
ومعناه: طلب فعل شيء، أو الكف عنه، بشرط أن يكون في الحالتين من أدنى لأعلى.
وإلا فهو أمر أو نهي إن كان من أعلى لأدنى، والتماس إن كان بين متساويين -كما سبق.
وصيغته: فعل الأمر الأصيل المراد منه الدعاء، وكذا المضارع المسبوق بلام الطلب "لام الأمر"، أو بلا الطلبية "الناهية" مع إرادة الدعاء بهما ... ومن الأمثلة قول الشاعر:
رب، وفقني فلا أعدل عن ... سنن الساعين في خير سنن
وقول الآخر:
فيا رب عجل ما أؤمل منهمو ... فيدفأ مقرور1 ويشبع مرمل2
ومثل: رب: لتكن طاعتي لك على قدر فضلك؛ فأفوز فوزا عظيما، ولتكن أعمالي مقصورة على ما يرضيك، فأنال أسمى الغايات، ولا تتركني لنفسي فأضل ضلالا عظيما ...
فإن كان الدعاء بصيغة أخرى لم ينصب المضارع -إلا في الراي الذي قصد به التيسير؛ كصيغة الاسم في قولهم: سقيا لك فتسلم، ورعيا لمن معك فتتجنبهم المخاوف ... وكصيغة الخبر المراد منه الدعاء3؛ نحو: يرزقني الله الغني فأنفق المال في سبل الخير.
وبعض الكوفيين يجيز النصب في هذا الصور.
ورأيه مقبول، وفيه التوسعة التي أشرنا إليها، وإن كان الأبلغ متابعة الأكثر.
4- الاستفهام "سواء أكان حقيقيا؛ وهو طلب معرفة شيء مجهول حلقا للمتكلم، أم إنكاريا، أم توبيخيا"4 ويشترط هنا ألا يكون عن معنى قد
وقع قبل الكلام.
ومن أمثلته قوله -تعالى بلسان أصحاب النار: ﴿فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا﴾ ، وقول الشاعر:
هل تعرفون لباناتي؟ فأرجو أن ... تُقضى، فيرتد بعض الروح للجسد
5- العرض1؛ وهو الطلب برفق ولين.
ويظهران -غالبا- في صوت المتكلم، وفي اختيار كلماته رقيقة دالة على الرفق.
ومن أدواته: "ألا"؛ كقول الشاعر:
يابن الكرام ألا تدنو فتبصر ما ... قد حدثوك؛ فما راء كمن سمعا
ومن أدواته -أحيانا- "لو"2؛ نحو: لو أوفق للكمال المستطاع فأبلغ غاية المنى ...
6- التخضيض، وهو الطلب بشدة وعنف.
ويظهران -غالبا- في صوت المتكلم، وفي اختيار كلماته جزلة قوية.
ومن أدواته: "هلا"؛ نحو.
هلا حطمت قيود الاستبداد فتعز، وهلا قوضت حصون الاستعباد فتسود.
ومن أدواته أيضا: "لولا"؛ نحو: لولا تدفع الظلم فيخاف الظالم ... وقول الشاعر:
لولا تعوجين يا سلمى على دنف ... فتخمدي نار وجد كاد يفنيه3
ومن أدواته -أحيانا- "لو"2؛ نحو: لو تحترم القانون فتأمن العقوبة.
7- التمني، وهو الرغبة في تحقق أمر محبوب؛ سواء أكان تحققه ممكنا،
أم غير ممكن. ولا يصح أن يكون في أمر محتوم الوقوع1.
وأشهر أدواته: "ليت" وهي الأصل؛ كقوله تعالى: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ . ونحو: يا ليت من يمنع المعروف يحرم المعروف، فيذوق مرارة الحرمان.
وقول الشاعر:
يا ليت أم خليد واعدت فوفت ... ودام لي ولها عمر فنصطحبا
ومن أدواته -أحيانا- "لو" كقراءة من قرأ قوله تعالى: ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ بنصب المضارع2 ...
وكذا "ألا"3 نحو: ألا صديق مخلصا فينصحنا.
8- الترجي، وهو: انتظار حصول شيء مرغوب فيه، ميسور التحقق، ولا يكون إلا في الأمر الممكن، ومثله التوقع4.
والكوفيون هم الذي يعتبرون الفاء بعده للسببية، والشواهد -ومنها القرآن- تؤيدهم5.
نحو: لعلك تحسن اختيار الكلام، فتفوز بإعجاب السامعين، ولعل إعجابهم يبرأ من التزيد والتحيف؛ فتدرك مبلغ توفيقك، وحقيقة أمرك ...
تلك هي أنواع الطلب بنوعيه؛ المحض وغير المحض.
وقد عرفنا6 أن المحض منها ثلاثة، وأنها سميت محضة لدلالة صيغتها اللفظية -نصا وأصالة- على الطلب الصريح مباشرة؛ لا عن طريق تبعي أو ضمني، غير مباشر: كدلالة التمني
على الطلب، فإن الطلب معه يجيء من طريق تبعي؛ أي: من طريق غير مباشر، إذ يلزم من تمنى الشيء طلب مجيئه ... ، وكذلك العرض والحض وغيرهما من بقية أنواع غير المحض؛ فإنها تدل على الطلب من ذلك الطريق الضمني، غير المباشر، بخلاف الثلاثة المحضة: "الأمر، والنهي، والدعاء" فإنها صيغها صريحة فيه؛ كما أسلفنا1 ... "ملاحظة": إذا لم توجد "فاء السببية" قبل المضارع الذي يستحق النصب بها، إما لأنها لم توجد أصلا، وإما لسقوها وزوالها بعد وجودها ... ، فإن حكم هذا المضارع يتغير؛ فيجزم على حسب البيان الخاص الذي سيجيء كاملا في بحث مستقل2.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
زيادة وتفصيل:
أ- تقدم1 أن "الفاء" لا تكون سببية ينصب بعدها المضارع "بأن" المضمرة وجوبا إلا بشرط أن يسبقها إما النفي المحض أو شبهه، وإما الطلب المحض أو غير المحض أي: التقديري ... لكن هذا الشرط هو الأغلب في أكثر الحالات، فهناك حالات ست يصح اعتبار الفاء في كل منها سببية مع فقد هذا الشرط، فعند اعتبارها سببية ينصب المضارع حتما، بأن مضمرة وجوبا، وعند عدم اعتبارها لا ينصب.
والأربعة الأولى تكون في حالتي الاختيار والضرورة الشعرية، والأخيرتان خاصتان بالضرورة الشعرية.
1- الفاء الواقعة بعد نفي مسبوق باستفهام تقريري، نحو: ألم تشهد بدائع الأزاهير في مطلع الربيع فتنعم بها؟ فيجوز رفع المضارع: "تنعم" ونصبه على أحد الاعتبارين "وقد سبق2 الكلام الجلي على هذا في موضعه المناسب".
2- الفاء الواقعة بعد نفي قد نقض "بإلا الاستثنائية" وكان النقض بعد الفاء والمضارع؛ نحو: ما تزورونا فتحدثنا إلا تسرنا بطرائفك الأدبية3.
3- الفاء الداخلة على المضارع المتوسط بين فعل الشرط وجواب الشرط، أو بعدهما.
نحو: من يهن فيقبل يسهل الهوان عليه؛ ومن يسهل الهوان عليه يفقد كرامته؛ فيحرم سعادة الحياة.
فالفعلان: "يقبل، ويحرم"، يجوز نصبهما على اعتبار الفاء للسببية، ويجوز عدم النصب على اعتبارها ليست سببية4 ...
ويقول النحاة: إن السبب في جواز النصب هنا -حيث لا نفي ولا طلب- أن فاء السببية تعطف المصدر بعدها على مصدر قبلها5، وفعل الشرط قبلها غير
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
محتوم الوقوع؛ فأشبه الاستفهام والأمر وغيرهما من أنواع الطلب التي ليست محققة الوقوع. وأن علة جواز نصبه بعد فعلى الشرط والجواب معا هو أن الجزاء غير محقق الوقوع، ولا محتم الحصول، فالواقع بعده كالواقع بعد الاستفهام ونحوه ...
هذا كلامهم، وكأنهم يرجعون هاتين الصورتين إلى "الطلب" تقديرا. ولا محل للتقدير؛ فالعلة الصحيحة هي محاكاة كلام العرب في استعمالهم، ليس غير ...
4- الفاء الداخلة على المضارع المسبوق بأداة الحصر: "إنما"؛ نحو: إنما أنت العالم فتفيد؛ فيجوز نصب المضارع: "تفيد" على اعتبار الفاء سببية، وعدم نصبه على اعتبارها غير سببية1.
وإلى هنا انتهت الحالات الأربع التي تقع في النثر والشعر، أي: في حالتي الاختيار والضرورة. ويليها الحالتان المقصورتان على الضرورة الشعرية؛ وهما:
5- الفاء الداخلية على المضارع المسبوق بأداة الحصر: "إلا"، نحو: ما تتكلم إلا فتحسن الكلام2.
6- الخبر المثبت الخالي من النفي ومن الطلب ومن الحصر "بإلا" كقول الشاعر:
سأترك منزلي لبني تميم ... وألحق بالحجاز فأستريحا
فالمضارع: "أستريح" منصوب على اعتبار الفاء -للضرورة- سببية، كما
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يقول كثير من النحاة1.
ب- قلنا2 إن أكثر النحاة يشترط في فاء السببية بعد الاستفهام ألا يكون الاستفهام عن أمر قد حصل في الزمن الماضي حقيقة؛ فيخرج نحو: لم أسأت إلى الصديق فيقاطعك؟ فلا ينصب المضارع: لأن الإساءة وقعت فعلا.
وحجته أنه إذا سبك المصدر المؤول بعد الفاء كان هذا المصدر المؤول مستقبلا، يجب عطفه على مصدر قبل الفاء، ويجب أن يكون مستقبلا أيضا؛ ليتحد "المعطوف والمعطوف عليه" في الزمن -عملا بالرأي الراجح- فلو كان ما قبل الفاء ماضي الزمن لجاء المصدر "المعطوف عليه" ماضي الزمن أيضا؛ فيختلف في زمنه عن زمن المعطوف المستقبل.
أما الذين لم يشترطوا عدم المضي فحجتهم ما ورد من مثل: أين ذهب الرسول فتتبعه، بنصب: "نتبع" من أن المعنى في ذلك قد وقع في زمن مضى.
ثم قال: إن لم يمكن الوصول إلى مصدر مستقبل من الكلام الذي قبل "الفاء" مباشرة فمن الممكن تصيده والوصول إليه من مضمون ذلك ولازمه؛ كأن نقول: ليكن منك إعلام بذهاب الرسول، فاتباع منا.
مع أن الرأي الأول دقيق محكم، وله الأفضلية، والاعتبار الأقوى -فالأنسب الأخذ بالرأي الثاني ليكون الحكم مطردا، فيقل التشعيب والتفريع، ولأن التقدير فيه روعي مثله في أحوال أخرى مع فاء السببية.
كما يتبين مما سبق3 ...
الأداة الخامسة: واو المعية1
فائدتها:
الدلالة على أن المعنى الذي قبلها والمعنى الذي بعدها مصطحبان معا عند حصول مدلولهما وتحققه؛ لا يسبق أحدهما الآخر ولا ينفرد، أي: أنهما متلازمان عند التحقق؛ ويحصلان معا في زمن واحد يجمعهما؛ ففي مثل: أتبتسم وتصافح الزائر؟ بنصب المضارع: "تصافح" يكون الاستفهام منصبا على تحقق الابتسهام والمصافحة معا في وقت واحد للزائر، ولا يتجه إلى تحقيق أحدهما دون الآخر، ولا يتجه كذلك إلى تحققهما في زمنين مختلفين.
فكأن من ينطق بهذه العبارة، وينصب فيها المضارع بعد الواو -يقول: أنا أسأل عن تحقق الأمرين معا في وقت واحد.
ولا أسأل عن غير هذار.
ومثل: لا يتكلم الخطيب ويقعد.
بنصب المضارع: "يقعد" فإن النفي مسلط على اجتماع القعود والتكلم معا في وقت واحد؛ فكأن المتكلم يقول: إنها لا يحصلان معا في وقت واحد.
أما نفي حصول أحدهما فقط أو نفي حصولهما في زمنين مختلفين فلا يفهم من هذه الجملة.
ومثله: لا يترك العاقل عمله ويلعب.
ولا يقعد عن السيئ وينتظر الرزق؛ بنصب: "يلعب"، و"ينتظر" فيكون المراد نفي الجمع في وقت واحد بين الترك واللعب.
وكذا نفي اجتماع القعود عن السعي وانتظار الرزق في زمن واحد.
ونحو: لا تأكل والكلام في وقت واحد.
ولما كانت هذه الواو دالة على اجتماع المعنيين واصطحابهما معا وقت تحققهما -سميت لذلك: "واو المعية" أي: "الواو" التي بمعنى: "مع"2؛ فهي تدل على الجمع والمصاحبة بين أمرين في وقت واحد.
عملها:
واو المعية -هنا- حرف عطف في المشهور، مع إفادته المصاحبة1 والاجتماع والمضارع بعده منصوب بأن المضمرة وجوبا، ومنه كما عرفنا: متجرد للاستقبال الخالص، والمصدر المؤول بعده معطوف بالواو على مصدر مذكور في الكلام السابق. فإن لم يوجد في الكلام السابق مصدر وجب تصيده بالطريقة التي سلفت في العطف بفاء السببية2.
ويشترط لنصب المضارع بأن المضمرة وجوبا بعد "واو المعية" أن تكون واو المعية مسبوقة إما بنفي محض، أو بما يلحق به.
وقد شرحناهما3 وإما بنوع من أنواع الطلب الثمانية التي سبق بيانها وشرحها في "فاء السببية"4.
غير أن بعض النحاة يمنع وقوع "واو المعية" بعد أربعة أنواع من الطلب؛ هي: "الدعاء، والعرض، والتخصيص، والترجي".
وحجته: أن السماع الكثير لم يرد بواحد منها، والسماع الكثير هو الأساس للقياس؛ فلا يصح الإقدام على نصب المضارع بعدها ما دام هذا الأساس مفقودا.
ولا يصح عنده النصب حملا لواو المعية على "فاء السببية"؛ لأن الحمل -برغم التشابه بينهما في كثير من الأمور- لا داعي له.
ورأيه وجيه.
= دلالته -دائما- على المعية نصا، ولا يليه إلا المضارع بالشروط التي سنعرفها.
وإما قلنا مع دلالته الدائمة على المعية نصا؛ لأن الواو العاطفة لا تدل على المعية نصا، وإنما تدل عليها بقرينة أخرى خارجة عنها، فمن يقول: دعوت الضيف والشريك لزيارتي -قد يقصد أنه دعاهما مع في وقت واحد، وقد يقصد أنه دعاهما في وقتين مختلفين؛ فليس في الكلام ما يعين أحدهما نصا؛ لأن الواو العاطفة تدل على مجرد التشريك في المعنى، ولا تدل على المصاحبة الزمنية والاجتماع في أثناء تحققه إلا بقرينة.
وهذا هو المراد من قوله: إنها لمجرد الجمع، أي: للتشريك في المعنى من غير دلالة حتمية على ترتيب، أو تعقيب، أو مصاحبة ... بخلاف الدالة على العطف والمعية معا، فإنها تجمع بين الأمرين في وقت واحد، ووقوع المضارع بعدها منصوبا دليل على أن المتكلم يريد الأمرين معا.
"وقد سبق بيان هذا في باب العطف، ج3 ص412 م118 وفي المفعول معه ج2 ص226 م80".
ويخالف فريق آخر، بحجة التشابه القوي بين الحرفين في نواح متعددة فلا عيب في حمل واو المعية على فاء السببية.
وفي هذا الرأي تيسير، ولكن فيه إهدار لأهم الأسس التي تراعى؛ وهو السماع الكثير الوارد، ولهذا يحسن عدم الأخذ به قدر الاستطاعة: احتراما للأساس الأهم السابق.
أ- فمن أمثلة واو المعية المعية بعد النفي قول أعرابي يجري إلى ساحة القتال: لا ألزم داري وأشهد الأبطال يمضون للجهاد سراعا، ولا أموت على فراشي كالبعير المهزول، وأبصر الرجالات في حومة الوغي شهداء.
ب- ومن أمثلتها بعد أنواع الطلب ما يأتي1:
1- بعد الأمر: أيها الصديق: اغفر هفوتي وأغفر هفوتك؛ لتدوم صداقتنا، وساعدني وأساعدك لتتغلب على المشقات، ولتحذر وأحذر دسائس الأعداء؛ لنعيش في سلام.
ولا خلاف في نصب المضارع "بأن" المضمرة وجوبا بعد واو المعية إذا كانت الواو مسبوقة بإحدى صيغتي الأمر المحض2.
أما الدلالة على الأمر بغيرها "كالدلالة عليه باسم الفعل، أو بصيغة اسم، أو بجملة خبرية" ... فالحكم هنا كالحكم في فاء السببية3.
2- بعد النهي:
لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك -إذا فعلت- عظيم
3- بعد الاستفهام:
ألم أك جاركم ويكون بيني ... وبينكمو المودة والإخاء
ومثل:
أتبيت ريان الجفود من الكرى ... وأبيت منك بليلة الملسوع
4- بعد التمني: قوله تعالى حكاية لقول الكفار يوم القيامة: ﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا﴾ .
وقول الشاعر:
ألا ليت الجواب يكون خيرا ... ويطفئ ما أحاط من الجوى بي
5- بعد الدعاء "على الرأي القائل به ... " رباه، ما أسعدني بطاعتك؛ فوجهني إليها، ويعيني فضلك على ملازمتها.
وما أشد حاجتي إلى برك؛ فأسبغ على ثوب العافية، وتحرسه برحمتك، وأغدق علي النعم، وتوفقني إلى صيانتها، رباه، لتدخلني في عداد المقربين، وترفع مقامي بينهم، ولا تدع للتواني سبيلا إلي وتتركني بعيدا عن المدى الذي يرضيك.
6- بعد العروض "على الرأي القائل به ... ": ألا تزور المريض وتقدم له هدية.
ألا تساله عن حاله وتدعو له بالشفاء.
7- بعد التحضيض "على الرأي القائل به ... ": هلا تتعرض لأشعة الشمس وقت الضحا أو قبل الغروب وتحذر حرارتها، وطول التعرض لها.
وهلا تعرف رأي الأطباء في فائدة التعرض وضرره، وتعمل برأيهم ...
8- الترجي "على الرأي القائل به ... " لعل العالم يدرك أنه قدوة، ويترك ما لا يليق به، ولعله يعرف أن فساده أشد ضررا وأعظم خطرا من كل فساد آخر، ويجنب الناس أثره....
يتبين مما سبق أن بين فاء السببية وواو المعية تشابها واختلافا؛ فيتشابهان في أمرين:
أولهما: نصب المضارع بعدها بأن مضمرة وجوبا؛ بشرط أن يسبقهما -غالبا- نفي أو طلب، وما يلحق بهما، بالتفصيل الذي عرفناه.
ثانيهما: اعتبار كل منهما حرف عطف أيضا فوق دلالته الخاصة "وهي: دلالة الفاء على "السببية الجوابية" فوق دلالتها على الترتيب والتعقيب.
ودلالة الواو على "المعية".
والمصدر المنسبك بعدهما من أن المضمرة وجواب وما دخلت
عليه من الجملة المضارعية -معطوف على مصدر مذكور أو متصيد قبلهما.
وهذا على الرأي الشائع الذي يخالف فيه بعض المحققين1 ويقول: إن هذه الواو التي تفيد المعية ليست عاطفة، وهو بهذا يوافق الكوفيين "ويسمونها: واو الصرف" وحجته: أن العرب إذا أرادوا بالواو معنى المعية والمصاحبة أتوا بالمضارع بعدها منصوبا ليصرفوه عن المألوف؛ فيكون صرفه هذا قليلا على أنها للمعية والمصاحبة، ومرشدا من أول الأمر إلى أنها لإفادة اجتماع أمرين في زمن واحد، وليست للعطف2.
ويختلفان في خمسة أمور:
أولها: أن نصب المضارع بعد فاء السببية متفق عليه بعد أنواع الطلب السبعة، لورود السماع بأمثلة كثيرة لكل نوع تبيح القياس عليها.
وأما الثامن "وهو الترجي" فيقع فيه وحده الخلاف، والصحيح أنه كبقية الأنواع في وجوب نصب المضارع الواقع في جوابه بعد فاء السببية، وأن ناصبه هو "أن" المضمرة وجوبا.
في حين يخالف بعض المحققين يف أن يكون وقوع "الدعاء، والعرض، والتحضيض، والترجي"، قبل واو المعية موجبا للنصب، فهو يمنع اعتبارها للمعية كما يمنع نصب المضارع إذا سبقه واحدا من الأربعة المذكورة؛ بحجة عدم ورود السماع بأمثلة متعددة لكل منها تكفي للقياس عليها.
ثانيها: الأصح في فاء السببية أنها حرف عطف يفيد الترتيب والتعقيب مع
دلالتها -في الغالب- على السببية الجوابية في الوقت نفسه.
على حين يشتد الخلاف في جعل الواو -هننا- للأمرين مجتمعين؛ وهما: العطف والمعية؛ إذا الرأي القوي أنها تفيد المعية دائما بغير أن تكون عاطفة.
ثالثها: وهذا مهم أن فاء السببية لا بد أن تقع -غالبا- في جواب نفي أو طلب أو ملحقاتهما ... ؛ فما بعدها مسبب عما قبلها وجواب له.
أما واو المعية فتقتضي مصاحبة ما قبلها وما بعدها مصاحبة حقيقية عند وقوعهما؛ أي: تستلزم تلاقيهما واجتماعهما في زمن واحد عند تحقق معناهما وحصوله، وهذه المصاحبة تمنع أن يكون ما بعد الواو مسببا عما قبلها، وجوابا له؛ لأن المسبب والجواب لا بد أن يتأخرا -حتما- في وجودهما عن السبب، وعما يحتاج إلى إجابة.
وهذا التأخر يناقض المصاحبة ويعارضها.
ولهذا يقول النحاة: إن صحة الفهم ودقة التعبير يقضيان بتخطئة من يقول عند الإعراب1: "واو المعية الواقعة في جواب النفي، أو الأمر، أو النهي، أو غيرهما من بقية الأنواع السالفة ... " وبتصويب من يقول: "واو المعية" الواقعة بعد النفي أو الطلب من غير ذكر لكلمة جواب؛ لأن وقوع الجملة المشتملة على هذه الواو جوابا عما قبلها يقتضي -كما تقدم- أن يكون تحقق معناها متأخرا عن تحقق معنى التي قبلها، وهذا يعارض ما تفيده واو المعية من تحقق معنى السابق عليها واللاحق في زمن واحد.
رابعها: أن واو المعية -هنا- لا بد أن يسبقها نفي محض، أو طلب، أو ملحقاتهما، ولا بد كذلك أن تدل على المصاحبة الزمنية الحقيقية عند تحقق معنى ما قبلها وما بعدها.
وهذه المصحابة تقتضي أن ينصب النفي والنهي وغيرهما من بقية الأنواع، على ما قبل الواو وما بعدها معا، أي: أن النفي والنهي نظائرهما يشملان ما قبل الواو وما بعدها، لا محالة، ولا يقتصران على أحدهما دون الآخر "بشرط أن تكون الواو للمعية، والمضارع بعدها منصوبا" فمن يقول لا آكل وأتكلم، فالنفي مسلط على ما قبل الواو وما بعدها مجتمعين.
أما شأنهما عند عدم مصاحبتهما فمسكوت عنه، والحكم عليه متروك، لا دخل للنفي -وغيره- به؛ فقد يقع الأكل
وحده أو لا يقع. وقد يحصل التكلم وحده أو لا يحصل، وقد يقع الأكل والتكلم ولكن في وقتين مختلفين، أو لا يقعان مطلقا ... فلا يمكن القطع بأحد هذه الأشياء إلا بقرينة خارجة عن الجملة.
ومن يقول: لا أكتب وألوث أصابعي "بنصب: "ألوث" فإنما ينفي اجتماع الأمرين معا في وقت واحد، وهما الكتابة، وتلويث الأصابع. فالنفي شامل ما قبل واو المعية وما بعدها مجتمعين، يسلط عليهما في زمن اصطحابهما وتلاقيهما، ولا ينصب على أحدهما دون الآخر. أما المعنى عند عدم اصطحابهما فمسكوت عنه، متروك حكمه، لا صلة للنفي به، فقد تكون الكتابة وحدها منفية أو غير منفية، وقد يكون تلوث الأصابع وحده حاصلا أو غير حاصل.. وقد يكون الاثنان غير حاصلين، وقد يحصلان في زمنين مختلفين ... فكل هذه أمور يعرض لها الاحتمال، ولا سبيل للقطع بأحدهما إلا بقرينة أخرى.
وكذلك من يقول: لا تمش وتكتب ... -أو لا تخطب وتجلس ... - أو: لا تظلم الضعيف وتخاف القوي ... بنصب المضارع بعد الواو المسبوقة بالنهي في هذه الأمثلة وأشباهها فإن النهي فيها مسلط على ما قبل الواو وما بعدها مجتمعين في وقت واحد، ولا ينصب على أحدهما دون الآخر، فكلاهما وحده مسكوت عنه، مهمل أمره؛ لا دليل للقطع بأنه منهي عنه وحده أو غير منهي عنه، ولا منهي عنه مع الآخر في زمنين مختلفعين.. فالقطع بأحد هذا الأمور متوقف على قرينة خارجة عن الجملة؛ توجه لأحدهما دون الآخر.
أما النهي والنهي قبل فاء السببية فقد بسلطان على ما قبلها وما بعدها معا، أو على ثانيها فقط -كما سلف1.
هذا، وما قيل عن النفي والنهي يقال في محلقات الني وفي سائر أنواع الطلب بنوعيه؛ حيث يسري -في وقت واحد- على ما قبل الواو وما بعدها معنى النفي أو الطلب، ويشملهما هذا المعنى مصطحبين مجتمعين في زمن واحد2 ...
خامسها: أن فاء السببية قد تسقط جوازا بعد الطلب -لا النفي- سواء أكانت موجودة من الأصل ثم سقطت، أم لم تكن موجودة؛ فيصح في المضارع بعد غيابها الجزم في جواب الطلب، ففي مثل: شارك في ميادين الإصلاح، فينهض بلدك ... يصح أن يقال: شارك في ميادين الإصلاح ينهض بلدك ... بجزم المضارع: "ينهض". ولا يصح هذا في واو المعية؛ -كما سيجيء قريبا1.
= والواو كألفا، إن تفد مفهوم مع ... كلاتكن جلدا، وتظهر الجزع-3 يريد أن "الواو" كفاء السببية في كثير من الأحكام -وفي مقدمتها وقوعها بعد النفي وما ألحق به، وبعد الطلب بنوعيه- مع نصب المضارع بأن المضمرة وجوبا، وعطف المصدر المؤول بعدها على مصدر قبلها ... وقد اشترطوا في هذه الواو أن تكون بمعنى "مع" أي: دالة على المعية، ومصاحبة معنى ما قبلها وما بعدها في زمن وقوع النهي -وغيره- وتحققه.
وساق مثالا معناه: لا تكن جلدا في وقت إظهار الجزع.
وفي المثال عيب معنوي؛ إذ كيف يكون جلدا مع إظهاره الجزع.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
زيادة وتفصيل:
أ- لبعض النحاة كلام مفيد في "واو المعية"، يتضمن ما قلناه.
وملخص كلامه:
أن المضارع ينصب بعد "واو المعية" في سائر المواضع التي ينصب فيها بعد "فاء السببية"؛ وهي المواضع التي تكون مسبوقة فيها بالنفي وملحقاته، والطلب المحض وما حمل عليه.
وإنما يصح النصب إذا أردت المصحابة الحقيقية والاجتماع بين المعنى الذي قبل الواو، والمعنى الذي بعدها وقت حصولهما وتحققهما، والدلالة على أنهما يحصلان متحققان معا في وقت واحد، ولم ترد مجرد الاشتراك المطلق بين المعنيين اشتراكا لا مصاحبة فيه ولا اجتماع عند وقوعهما.
وإذا نصبت المضارع بعد الواو فهي للعطف أيضا؛ فتعطف المصدر المنسبك بعدها على مصدر قبلها، لأنها مع إفادتها المعية والمصحابة تفيد العطف أيضا، وليست مقصورة على مجرد التشريك بين المعنيين كالذي تقتضيه واو العطف المحضة.
أي: أن واو المعية هنا تقتضي التشريك والمصحابة الحتمية معا، وهما من خصائصها دون الواو المجردة للعطف وحده.
ثم يتكلم: نعم، إن الواو العاطفة قد تحتمل المصاحبة أحيانا كما في قولك: جاء محمد وعلي، ويتكلم محمود، ويصرح؛ وينظر ... ، ولكن هذا مجرد احتمالا لا يقين معه.
وليست المصاحبة أمرا مقطوعا فيه، ولا منصوصا عليه؛ إذ معنى العطف بالواو الدلالة على مجرد الاشتراك، دون زيادة على ذلك؛ من ترتيب، أو تعقيب، أو إمهال.
أو مصاحبة، أو غيرها، وهذه هي مهمتها الأصيلة، وما عداها يكون أمرا محتملا؛ يحتاج في القطع به إلى قرينة أخرى حالية، أو مقالية.
فإن لم توجد القرينة بقي الاشتراك المجرد على حاله مقطوعا به، وما عداه فموضع الاحتمال، بخلاف الواو الدالة على المعية والمضارع بعدها منصوب؛ فإنها شاملة للأمرين مجتمعين؛ فهي للعطف، وللمعية معا، ولا مجال للاحتمال في أحدهما؛
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إذ المعية مقطوع بها1 هنا كالعطف.
ومتى ثبت أن المضارع لا ينصب إلا بعد الواو التي للمعية -بالشروط التي عرفناها- ثبت كذلك أنه لا يصح نصبه بعد "واو" غيرها؛ كالواو التي للاستئناف والجملة المضارعية بعدها مستأنفة.
وكالواو التي للحال، والجملة المضارعية بعدها خبر لمبتدأ محذوف، والجملة من هذا المبتدأ وخبره في محل نصب حال، وكغيرها من أنواع الواو التي ليست للمعية ...
وعلى أساس الاعتبارات السالفة يجوز في الأمثلة التالية -وأشباهها- ضبط المضارع بعد الواو ضبوطا مختلفة؛ كل ضبط منها يؤدي معنى غير الذي يؤديه الآخر؛ فالضبط خاضع للاعتبار المعنوي، وإن شئت فالضبط خاضع للمعنى، ومتى تم الضبط صار هو المرشد للمعنى:
لا تقرأ وتأكل، لا تمش وتكتب، لا تغضب وتترك الحاضرين، لا تنتقل في الحديقة وتأكل ثمارها.. فيجوز في المضارع بعد الواو ما يأتي:
1- نصبه على اعتبار الواو للمعية؛ فيتعين أن يكون النهي مسلطا على الأمرين مصطحبين معا، فالكلام نص في النهي عن الجمع بين هذين الأمرين؛ فهو بمعنى: لا تجمع في وقت واحد بين هذين الأمرين.
2- جزمه على اعتبار الواو لمجرد العطف وحده من غير معية، فالمضارع بعدها بدون فاعله معطوف على المضارع السابق المجزوم، عطف فعل على نظيره الفعل.
ويكون النهي منصبا على الأمرين أيضا، ولكن على سبيل التشريك الذي لا دلالة معه على مصاحبة، أو عدم مصاحبة.
فالنهي مسلط على هذا وذاك سواء أكانا مصطحبين أم غير مصطحبين: فالاصطحاب وعدمه أمران محتملان، لا سبيل للقطع بأحدهما إلا بقرينة أخرى.
3- رفعه على اعتبار الواو للاستئاف، فالمضارع بعدها مرفوع، والجملة المضارعية مستقلة في إعرابها عما قبلها.
ولذا يتعين أن يكون النهي منصبا على ما قبله الواو دون ما بعدها، فما بعدها مباح لا يسري إليه النهي.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
4- رفعه على اعتبار الواو للحال، والجملة المضارعية بعدها في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف -في الرأي الراجح-1 والجملة من المبتدأ وخبره في محل نصب حال والنهي في هذه الصورة منصب على ما قبل الواو بشرط تقييده بما بعدها، أي: أنه ينصب على ما قبل الواو في صورة واحدة، هي التي يكون فيها مقيدا بالحال، ويتحقق فيها حصول القيد؛ ففي مثل: لا تقرأ وتأكل ... ، يكون المراد: لا تقرأ وأنت تأكل.. أي: لا تقرأ في الحالة التي تأكل فيها.
أما في غير هذه الحالة فالأمر مسكوت عنه، لا دليل على النهي عنه أو إباحته، فلا بد من قرينة أخرى تعين أحدهما، وتزيل الاحتمال.
ب- ألحق الكوفيون "ثم" العاطفة بواو المعية في المعنى بشرط استقامة المعنى على المعية، وأن يسبقها النفي أو الطلب كما يسبقان واو المعية، فكلا الحرفين عندهم يؤدي العطف والمعية معا بالشرطين السالفين؛ مستدلين بأمثلة مسموعة، منها قوله عليه السلام: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم2 ثم يغتسل منه"؛ بنصب: "يغتسل" على اعتبار "ثم" للعطف وللمعية "معا"، والمضارع بعدها منصوب "بأن" المضمرة وجوبا.
وقد عورض رأيهم بأنه يلزم عليه أن يصير معنى الحديث -في حالة النصب- النهي عن الجمع بين البول في الماء والاغتسال منه، أي: النهي عن اجتماع الأمرين معا، ومصاحبتهما.
ويترتب على هذا أن البول في الماء الدائم من غير اغتسال منه مباح؛ كما هو مفهوم الكلام السابق، مع أن هذا المفهوم مخالف للمراد من الحديث؛ إذ المراد منه -كما تدل قرائن متعددة- النهي المطلق عن البول في الماء الدائم، سواء أصحبة اغتسال أم لم يصحبه.
وشيء آخر؛ كيف تدل "ثم" على المعية والعطف معا ومعناها في العطف هو الترتيب والتمهل وهما ينافيان المعية؟ فهل المراد مطلق الاشتراك ولو بغير معية؟ قال بعض المحققين يناقش الكلام السابق كله بما معناه: "إن الإشكال نشأ من قول بعض النحاة: "الفعل: يغتسل" في الحديث السابق يجوز نصبه بإعطاء: "ثم" حكم واو الجمع ... "3 فوقع في الوهم أن المراد إعطاؤها حكمها في
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المعية، مع أن أولئك النحاة لم يقصدوها.
أما المفهوم والأخذ بما يقتضيه فإنما يكون حين لا يمنع منه مانع، ولا يصد عنه دليل؛ كالشأن في هذا الحديث الشريف فإن الأخذ بمفهومه غير جائز؛ لوجود ما يعارضه ويمنع الأخذ به؛ وهو ثبوت النهي عن البول في الماء الراكد مطلقا؛ سواء أكان معه استحمام فيه أم لم يكن.
وبناء على ما تقدم -من المذهب الكوفي وأنصاره- يكون نصب المضارع؛ "يغتسل" قائما على أساس إلحاق "ثم" بواو المعية في النصب مطلقا؛ أي: سواء اقتضى المعنى النهي عن المصاحبة والاجتماع أم لم يقتض.
ويصح جزمه على إرادة العطف المجرد الذي يفيد مطلق التشريك دون إفادة المصاحبة والمعية.
ويصح رفعه عند ابن مالك وآخرين على اعتبار "ثم" حرف استئناف1 يرفع بعدها المضارع، كما يرفع بعد الواو والفاء الاستئنافيين1. ولا يجيز ابن مالك ومن معه العطف، لما يترتب عليه من عطف الخبر على الإنشاء، وهذا ممنوع على الأرجح" ... وإلى هنا انتهى المراد من كلامه ملخصا2.
والأنسب ترك المذهب الكوفي هنا، وعدم القياس عليه؛ لقلة شواهده، ولما فيه من تكلف وتعقيد، والاقتصار في استعماله على المسموع الذي وردت فيه "ثم" بمعنى واو التشريك، المفيدة للمعية أو غير المفيدة لها.