النحو الوافيالمسألة 139: الاختصاص

المسألة 139: الاختصاص

عن هذه الطبعة
عَلَم
عباس حسن
الكتاب
النحو الوافي
المؤلف
عباس حسن (المتوفى: 1398هـ)
الناشر
دار المعارف
الطبعة
الطبعة الخامسة عشرة
عدد الأجزاء
4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

نسوق الأمثلة الآتية لإيضاحه: 1- قال أحد الشعراء: قل للحوادث أقدمي، أو أحجمي ... إنا بنو الإقدام والإحجام نحن النيام إذا الليالي سالمت ... فإذا وثبن فنحن غير نيام من يسمع: "نا" أو: "نحن" يتردد في خاطره السؤال عن المقصود من هذا الضمير.
الدال على المتكلم، وعن مدلوله، وحقيقة المتكلم به، وجنسه؛ أيكون مداوله والمقصود منه: العرب، أم: أهل العلم، أم: الأبطال، أم: أبناء الشرق ... أم ... أم؟ ... أم غير هؤلاء ممن لا يحصون جنسا، ولا نوعا، ولا عددا.
أيكون المراد -مثلا-: "إنا -العرب، بنو الإقدام ... " و "نحن -الأبطال- النيام" ... و ... فالضمائر المذكورة يشوبها عيب واضح؛ هو: عموم يخالطه إبهام تحتاج معهما إلى تخصيص وتوضع، فإذا جاء بعد كل ضمير منها اسم ظاهر، معرفة، يتفق مع الضمير في المدلول، ويختلف عنه بزيادة التحديد والوضوح -زال العيب.
وتحقق الغرض.
كالذي تحقق بزيادة كلمة: "العرب" وكلمة: "الأبطال".
فيما سبق؛ إذ المراد منها هو المراد من الضمير قبلها؛ ولكن بغير عموم ولا غموض كالذي في تلك الضمائر، برغم أنها متجهة للمتكلم1.
2- يقول الشاعر: وأنا ابن الرياض، والظل، والما ... ء ودادي ما زال خير وداد فمن هذا المتكلم؟ وما مدلول هذا الضمير الدال على التكلم؟ أهو شاعر، أم ناثر، أم عالم، أم زاهد؟ ... ، ما جنسه؟ ... إن الضمير: "أنا"

لا يسلم من غموض يحتاج معه إلى اسم ظاهر من نوع خاص؛ يزيل هذا العيب؛ كأن يقال: "أنا -الشاعر- ابن الرياض"، أو: "أنا -الشرقي- ابن الرياض" ... فمجيء هذا الاسم الظاهر، المعرفة، المعين، الواضح، الذي معناه معنى الضمير قبله -قد أزال عنه عيب العموم والإبهام.
3- وكذلك الضمير "أنت" في قول الشاعر: أنت في القول كله ... أجمل الناس مذهبا فما الذي يظنه سامع الضمير: "أنت" الدال على الخطاب؟ أيكون المراد: "أنت -الشاعر- أجمل الناس مذهبا"، أم: "أنت - الأديب ... " أم محمدا - أم عليا؟ ... لا بد من اسم ظاهر كالأسماء التي وصفناها لإزالة العموم والإبهام عن الضمير.
4- نشهد في عصرنا كثيرا من المتعاقدين يبدءون عقود البيع، والشراء، والمداينة، وغيرها بجملة شاعت بينهم حتى ابتذلت؛ هي: "نحن - الموقعين - على هذا، نقر ونعترف بكذا وكذا ... " وكلمة: "الموقعين" هي الاسم الظاهر المعرفة الذي جاء لإزالة ما في الضمير قبله من عموم وإيهام، مع اتفاق الاسم الظاهر والضمير في المدلول، وتميز الظاهر بما فيه من تجديد وإيضاح.
بالتأمل في الأمثلة السالفة -وأشباهها- نلحظ في كل أسلوب منها بعد إزالة ما في الضمير من عيب العموم والإبهام، أربعة أمور مجتمعة، تتصل بموضوعنا اتصالا أصيلا قويا.
أولها: ضمير لغير الغائب؛ يشوبه عموم وإبهام.
ثانيها: اسم ظاهر معرفة، مدلوله الضمير، ولكنه يحدد المراد من ذلك الضمير، ويخصصه، ويوضحه؛ فيزيل ما فيه من عموم وإبهام.
رابعها: امتداد ذلك الحكم إلى الاسم الظاهر المعرفة "لأنه شريك الضمير في الدالة؛ فيقع عليه ما يقع على الضمير من حكم معنوي" واختصاصه به، واقتصاره عليه؛ فيكون هذا اختصاصا واقتصارا على بعض معين مما يشمله الضمير

"ذلك" أن الضمير بعمومه يشمل أفرادا كثيرة، منها أفراد الاسم الظاهر المعرفة الذي يعتبر أقل أفرادا منه"، وإن شئت فقل: إن هذا الاسم الظاهر أخص من الضمير الذي بمعناه.
ففي مثل: "نحن -العرب- بنو الإقدام والإحجام"، نجد الضمير العام المبهم هو: "نحن" والاسم الظاهر المعرفة هو: "العرب"، والحكم المعنوي الذي وقع على المبتدأ هو: "البنوة" للإقدام والإحجام.
وقد خصص هذا الحكم ببعض أفراد الضمير؛ وهم: "العرب"، أي: صار خاصا بهم، مقصورا عليهم.
وهكذا يقال في سائر الأمثلة، ونظائرها ... فالاسم الظاهر المعرفة هو الذي يسميه النحاة في اصطلاحهم: "المختص"، أو: "المخصوص"؛ لاختصاص المعنى به، ولأنه يعرب "مفعولا به" لفعل واجب الحذف مع فاعله، تقديره الشائع عندهم، هو: "أخص"1 ويعبرون عن هذه المسألة تعبيرا اصطلاحيا بالغرض منها: وهو: "الاختصاص".
ويشترطون في أسلوب الاختصاص أن تتحقق فيه الأمور الأربعة السالفة.
ويقولون في تعريفه: "إنه إصدار حكم على ضمير لغير الغائب، بعده اسم ظاهر، معرفة، معناه معنى ذلك الضمير، مع تخصيص هذا الحكم بالمعرفة، وقصره عليها".
الغرض منه: الغرض الأصلي من الاختصاص الاصطلاحي هو: التخصيص والقصر.
على الوجه المشروح فيما سلف.
وقد يكون الغرض الفخر؛ نحو: "إني -العربي- لا أستكين لطاغية".
"إني -الرحالة- أتعلم من الرحلة ما لا أتعلمه من الكتاب" وقول الشاعر: لنا -معشر الأنصار- مجد مؤثل ... بإرضائنا خير البرية أحمدا أو: التواضع؛ كقول أحد الخلفاء: "أنا -الضعيف العاجز- أحطم البغي، وأهدم قلاع الظالمين.
وأنا -البائس الفقير- لا أستريح وبجانبي متأوه، أو محتاج" ...

أو: تفصيل ما يتضمنه الضمير من جنس، أو نوع، أو عدد ... ، نحو: "نحن -الناس- نخطئ ونصيب؛ والعاقل من ينتزع من خطئه تجربة تعصمه من الزلل مرة أخرى"، "نحن -المثقفين- قدوة لسوانا، فإن ساءت القدوة فالبلاء فادح".
"أنتم -الأربعة الأئمة- نجوم الهداية، ومصابيح العرفان".
حكمه: الاسم1 الواقع عليه الاختصاص، "وهو: المختص، أو المخصوص": يجب نصبه دائما، على التفصيل الآتي: 1- إن كان الاسم هو لفظ "أي" في التذكير أو "أية" في التأنيث وجب بناؤهما على الضم في محل نصب2؛ على المفعولية، ووجب أن يتصل بآخرهما كلمة: "ها" التي للتنبيه، وأن يلتزما هذه الصيغة التي لا تتغير إفرادا، ولا تثنية، ولا جمعا، ولا بد أن يكون لكل منهما نعت لازم الرفع بغير بناء ولا إعراب، "لأن حركة الرفع هذه هي مجرد ظاهرية صورية3 ... لمجاراة "أي، وأية" ومماثلتهما فيها، تجيء تبعا للفظهما المبني"، وأن يكون هذا النعت مبدوءا بأل التي للعهد الحضوري؛ نحو: "أنا، الجندي، فهداء وطني".
"نحن، أيها الجنديان، نقضي الليل ساهرين".
"نحن، أيها الجنود، حماة الأوطان".
"أنا، أيتها الصانعة، حريصة على الإتقان".
"نحن، أيتها الصانعتان، حريصتان على الإتقان" ... "نحن، أيتها الصانعات، حريصات على الإتقان ... ". فالضمير في كل ما سبق، مبتدأ.
وكلمة "أي، أو: أية" مفعول به لفعل واجب الحذف مع فاعله، تقديره -مثلا: "أخص" وهي مبنية على الضم في محل نصب.
و"ها" حرف تنبيه مبني على السكون، والاسم المعرفة المقرون بأل، نعت مرفوع حتما، رفع إتباع للناحية الشكلية اللفظية وحدها.
وليس له محل3 إعرابي

مطلقا، مع أنه تابع للفظ كلمتي: "أي وأية" المبنيتين على الضم لفظا، وإن كانتا منصوبتين محلا -كما سبق.
ويصح تأخيرهما في نهاية الجملة؛ مثل: "نحن أنصار الحق أيها الطلاب" "نحن أنصار الفضيلة أيتها الفتيات ... "1. 2- إن كان الاسم المختص لفظا آخر غير: "أي وأية" وجب نصبه، سواء أكان مضافا أم غير مضاف، نحو: "أنا - الطبيب - لا أتوانى في إجابة الداعي ... ": "أنا - طالب العلم - لا تفتر رغبتي فيه"2.
أوجه التشابه والتخالف بين الاختصاص والنداء: بين الاختصاص والنداء تشابه في أمور، وتخالف في أخرى.
فيتشابهان في ثلاثة أمور2: أولها: إفادة كل منهما الاختصاص وهو في هذا الباب خاص بالمتكلم أو المخاطب.
وفي باب النداء خاص بالمخاطب.
ثانيها: أن كلا منهما للحاضر "أي المتكلم أو المخاطب"3 ولا يكون ضمير غائب.
ثالثها: أن الاختصاص يؤدي -بسبب ما فيه من تحديد وإيضاح- إلى تقوية المعنى وتوكيده، وقد يتحقق هذا في النداء كذلك أحيانا؛ كقولك لمن هو مصغ إليك، مقبل على حديثك: إن الأمر -يا فلان-4 هو ما فصلته لك5 ...

ويختلفان في أمور: بعضها لفظي، والآخر معنوي، فاللفظية أشهرها: 1- أن الاسم المختص لا يذكر معه حرف نداء مطلقا، لا لفظا، ولا تقديرا، "لا "يا"، ولا غيرها".
2- أنه لا يكون في صدر الجملة وإنما يكون بين طياتها -كالأمثلة السالفة- أو في آخرها: نحو: اللهم ساعدنا على النصر -أيها الجنود، أو أيتها الكتيبة.
3- أنه لا بد أن يسبقه ضمير بمعناه في التكلم1 أو الخطاب -والغالب أن يكون ضمير تكلم.
ولا يصح أن يكون ولا يصح أن يكون السابق ضمير غيبة، ولا اسما ظاهرا.
ومن أمثلة ضمير الخطاب قولهم في الدعاء: "سبحانك الله العظيم"، و"وبك -الله- نرجو الفضل"، بنصب كلمة: "الله" فيهما.
4- أن الاسم المختص منصوب دائما في لفظه.
علما كان أو غير علم إلا "أي وأية" فإنهما مبنيتان على الضم لفظا، منصوبتان محلا ... أما المنادى فإن العلم والنكرة المقصودة مبنيان فيه -في الأغلب- على الضم في محل نصب، وكذا: أي، وأية، يبنيان في النداء على الضم في محل نصب.
5- أنه يقل أن يكون علما -ومع قلته جائز- نحو: أنا -خالدا- حطمت أصنام الجاهلية.
6- أنه يكثر تصديره "بأل" بخلاف المنادى فلا يجوز اقترانه بأل إلا في بعض حالات سبق سردها2.
7- أنه لا يكون نكرة.
ولا اسم إشارة.
ولا ضميرا.
ولا اسم موصول.
8- أن "أيا وأية" هنا لا توصفان باسم إشارة.
بخلافهما في النداء، وأن صفتهما واجبة الرفع الصوري اتفاقا.
بخلافهما في النداء3.
9- أن "أيا" مختصة هنا بالمذكر مفردا، ومثنى، وجمعا، ولا تستعمل للمؤنث

بخلافها في النداء، كما أن "أية" مختصة هنا وفي النداء، بالمؤنث مفردا ومثنى، وجمعا، ولا تكون للمذكر.
10- أنه لا يرخم اختيار، ولا يستغاث به، ولا يندب ... 11- أن العامل هنا محذوف وجوبا مع فاعله بغير تعويض، أما في النداء فحرف النداء عوض عنهما.
وأن الفعل المحذوف هنا تقديره -غالبا- "أخص" أو: ما بمعناه.
أما في النداء فالفعل تقديره: أدعو: أو: أنادي، أو: ما بمعناها والمعنوية أشهرها: 1- أن الكلام مع الاختصاص خبر، ومع النداء إنشاء.
2- أن الغرض الأصلي من الاختصاص هو قصر المعنى على الاسم المعرفة، وتخصيصه من بين أمثاله بما نسب إليه.
وقد يكون الغرض هو: الفخر، أو التواضع أو: "زيادة البيان: -كما شرحنا- وأما الغرض من النداء الأصيل1 فطلب الإقبال، بالتفصيل الذي سردناه2 في بابه3 ...

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  زيادة وتفصيل: أ- يفهم مما سبق أن الاسم المختص "المخصوص" أربعة أنواع.
الأول منها مبني على الضم وجوبا، في محل نصب وهو: "أي" للمذكر و"أية" للمؤنث؛ مع التزام كل صيغة بصورتها في جميع استعمالاتها، ووقوع "ها" التي للتنبيه بعدهما، ومجيء نعت لهما مقرون بأل التي للعهد الحضوري.
أما الثلاثة الباقية فواجبه النصب، وهي: المقرون بأل، نحو: "نحن -الشرفاء- فترفع عن الدنايا".
والمضاف، نحو: "أنا -صانع المعروف- لا أرجو عليه جزاء".
والعلم -وهو أقل الأربعة استعمالا- نحو: "أنا -عليا- لا أهاب في سبيل الحق شيئا".
ب- الاسم المختص منصوب بفعل محذوف وجوبا مع فاعله، والجملة -في الغالب- تكون في محل نصب، حالا من الضمير الصالح قبلها لأن يكون صاحب حال1؛ كالتي في مثل: ارجوني2 أيها الفتى. وفي مثل: ربنا اغفر لنا أيتها الجماعة3.
وقد تكون أحيانا معترضة: مثل: نحن -الحكام- خدام الوطن.
أي: أخص الحكام.
فهذه معترضة بين المبتدأ وخبره.
ومثلهاك إنا -معاشر الأنبياء- لا نورث4.

جارٍ التحميل