النحو الوافيالمسألة الخامسة والأربعون: حذف "كان". وحذف معموليها، وهل يقع ذلك في غيرها؟

المسألة الخامسة والأربعون: حذف "كان". وحذف معموليها، وهل يقع ذلك في غيرها؟

عن هذه الطبعة
عَلَم
عباس حسن
الكتاب
النحو الوافي
المؤلف
عباس حسن (المتوفى: 1398هـ)
الناشر
دار المعارف
الطبعة
الطبعة الخامسة عشرة
عدد الأجزاء
4 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

ليس بين النواسخ السالفة1 "كان" وأخواتها ما يجوز حذفه وحده، أومع أحد معموليه، أومعموليه معاً - إلا: "ليس" "وكان". فأما "ليس" فيجوز حذف خبرها على الوجه الذى شرحناه عند الكلام عليها2.
وأما "كان" فقد اختصت - وحدها - من بين أخواتها بأنها تعمل وهى مذكورة أحياناً، أومحذوفة أحياناً أخرى.
والأصل أن تذكر مع معموليها ليقوم كل واحد من الثلاثة بنصيبه فى تكوين الجملة وتأدية المعنى المراد.
لكن قد يطرأ على هذا الأصل ما يقتضى العدول عنه، لأسباب بلاغية تدعوإلى حذف واحد أوأكثر.
وصور الحذف أربعة؛ حذف "كان" وحدها، أوحذفها مع اسمها فقط، أوحذفها مع خبرها فقط، أوحذفها مع معموليها.
وهذه الصور الأربع شائعة فى الكلام الفصيح شيوعاً متفاوتاً يبيح لنا محاكاته، والقياس عليه.
"ومن تلك الصور صورتان تحذف: "كان" فيهما وجوباً، لوجود عِوَض عنها؛ كما سنعلم....". وبقى حذف خبرها وحده أواسمها وحده، وكلاهما وهذا ممنوع فى الرأى الأصح عند جمهرة النحاة.
1- فأما حذفها وحدها دون معموليها أوأحدهما فبعد "أنْ" المصدرية فى كل موضع أريد فيه تعليل شئ بشئ؛ مثل: "أمَّا أنت غنيًّا فتَصَدَّقْ"؛

فأصل هذه الجملة فيما يتخيلون لتوضيحها1، تَصَدَّقْ؛ لأنْ2 كنتَ غنيًّا.
ثم حذفت اللام الجارة، تخفيفاً؛ لأن هذا جائز وقياسى قبل "أنْ"3؛ فصارت الجملة: تَصدقْ أنْ كنتَ غنيًّا.
ثم تقدمت "أنْ" وما دخلت عليه "أى: تقدمت العلة على المعلول" فصارت الجملة: "أنْ كنتَ غنيًّا تصدَّقْ".
ثم حذفت: "كان" وأتينا بكلمة: "ما" عوضاً عنها، وأدغمناها فى "أنْ"؛ فصارت: "أمَّا".
والحذف هنا واجب، لوجود العِوَض عن "كان".
وبقى اسم "كان" بعد حذفها؛ وهو: تاء المخاطب.
ولما كانت التاء ضميراً للرفع متصلا؛ لا يمكن أن يستقل بنفسه - أتينا بدله بضمير منفصل، للرفع، يقوم مقامه، ويؤدى معناه؛ وهو: "أنت" فصارت الجملة: أما أنت غنيًّا فتصَدقْ.
ثم زيدت: "الفاء" فى المعلول4؛ فصارت الجملة: أما أنت غنيا فتصَدقْ.
ومثلها: أما أنت قويًّا فاعملْ بجدّ.
وأما أنت شابًّا فحافظ على شبابك بالحكمة5 ... ويجب عند محاكاة هذا الأسلوب - اتباع طريقته فى تركيب الجملة، وترتيبها، ولا سيما مراعاة الخطاب6.

2- وأما حذفها مع اسمها دون خبرها فجائز وكثير بعد "إنْ" ولوْ" الشرطتين، فمثاله بعد "إنْ": المرء محاسَب على عمله؛ إنْ خيراً يكن الجزاءُ خيرًّا، وإن شرًّا1؛ فالأصل: المرء محاسب على عمله؛ إن كان العمل خيراً يكنْ الجزاء خيراً، وإن كان العمل شرًّا؛ فقد حذفت "كان" مع اسمها. ومثال حذفهما "لو" الشرطية: تعود الرياضةَ ولوساعةً فى اليوم، واحذر الإرهاقَ ولوبرهةً قصيرة. فالأصل: تعود الرياضة ولوكانت الرياضةُ ساعةً فى اليوم، واحذر الإرهاق، ولوكان الإربهاق برهةً قصيرة ... فحذفت "كان" مع اسمها وبقى الخبر2.
ومن هذا قول الشاعر: لا يأمن الدهر، ذو بغي، ولو ملكا ... جنوده ضاق عنها السهل والجبل أي: ولو كان ذو البغي ملكا ... 3- وأما حذفها مع خبرها دون اسمها فجائز - مع قلته، بالنسبة للحالة السالفة - بعد: "إنْ" و"لو" الشرطيتين أيضاً؛ فمثاله بعد "إنْ"3: المرءُ محاسَبٌ على عمله؛ إنْ خيرٌ فخيرٌ4 وإن شرٌّ فشرٌّ.
الأصل: المرء محاسب على

عمله؛ إن كان فى عمله خيرٌ فجزاؤه خير، وإن كان فى عمله شرٌّ فجزاؤه شر ... ومثاله بعد "لو": أطعم المسكينَ ولورغيفٌ.
أى: ولوكان فى بيتكم رغيف، أو: ولويكون عندكم رغيف.
4- وأما حذفها مع معموليها فواجب بعد "إن الشرطية" أيضاً، ولكن فى أسلوب معين، مثل: "اذهب إلى الريف صَيفاً، إمَّا لاَ".
والأصل: "اذهب إلى الريف صيفاً إن كنت لا تذهب إلى غيره".
حُذِفت "كان" وهى فعل الشرط، مع اسمها، ومع خبرها، دون حرف النفى الذى قبله، وأتينا بكلمة: "ما" عِوَضاً عن "كان" وحدها1؛ وبسبب العِوَض كان حذفها واجباً؛ فلا تجتمع مع كلمة: "ما".
وأدغمت فيها النون من "إنْ" الشرطية؛ فصار الكلام: "إمَّا2 لا".
وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه، وتقديره: "فافعل هذا".
ومثل ما سبق أن تقول لآخر: "ساعد المحتاج ببعض المال"؛ فيجيب: "ليس عندى ما يزيد على حاجتى".
فتقول: "ساعده بالمعاملة الكريمة إما لا".
فأصل الكلام: ساعده بالمعاملة الكريمة إن كنت لا تملك غيرها ... وجرى على الجملة من الحذف والتقدير ما جرى على سابقتها، مما يفترضونه للتيسير والإيضاح كما بيناه ...

وحذف "كان" هنا واجب كما سلف؛ لوجود عِوَض عنها؛ فهوالموضع الثانى من موضعَى الحذف الواجب بسبب العوض، ولا يصح الجمع بين العوَض، والمعَوَّض عنه - والموضع الأول بعد "أن" المصدرية السابقة - أما فى غيرهما فالحذف جائز.
ومن الأمثلة الشائعة لحذف كان مع معموليها - بعد "إنْ" من غير تعويض؛ قولك لآخر: أتسافر وإن كان البرد شديداً؟ فيجيب: نعم، وإنْ ... أى: أسافر وإن كان البرد شديداً.
ومثله: أتعطى السائل وإن كان أجنبيًّا1؟ ومثل هذا الحذف جائز عند عدم اللبس، ووجود قرينة تدل على المحذوف.
ومما سبق نعلم: أنّ "كان" تحذف جوازاً فى حالتين، ووجوباً فى حالتين أخْرَيَيْنِ، تجئ "ما" عوضاً عنها فى كل منهما، ولا يجوز إرجاع "كان" مع وجود العوَض عنها فى حالتى حذفها وجوباً.
أما فى الحالتين الجائزتين فحذفها وإرجاعها سواء.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .  زيادة وتفصيل: "ا" ورد فى الكلام القديم حذف كان مع اسمها بعد: "لَدُن": كأن يسألك سائل: متى كان الاجتماع؟ فتجيب: يومَ الخميس من لَدُن عصراً إلى المغرب. أى؛ من زمن كان الوقتُ عصراً إلى المغرب ... وهذا حذف لا يقاس عليه. وإنما عرضناه هنا لِيُفْهَم حين يرد فى كلام القدماء. "ب" قد وردت كان وحدها محذوفة فى كلام قديم مع بقاء اسمها وخبرها ومنه: أزمانَ "قومى" والجماعةَ كالذى ... لَزم الرَّحالةَ أنْ تميل مَمِيلاً أى: أزمان كان قومى مع الجماعة1.
فكلمة: "قوم" اسم "كان" المحذوفة و"الجماعة" مفعول معه، و"كالذى" خبرها.
والسبب فى تقدير "كان" أن المفعول معه لا يقع - فى الأكثر - إلا بعد جملة مشتملة على لفظ الفعل وحروفه، أوعلى معناه دون حروفه.

جارٍ التحميل