وَالْهجْرَة الْأُخْرَى الى الْمَبْعُوث بِالْإِسْلَامِ والايمان والاحسان...
ذكر النَّاظِم رَحمَه الله فِي الأبيات أَن فرض الهجرتين بَاقٍ لم ينْسَخ فالهجرة الاولى الى الله تَعَالَى وَذَلِكَ بالاخلاص لَهُ فِي السِّرّ والعلن وَأَن يكون الْقَصْد وجهة لله بالاقوال والاعمال والايمان وَأَن يكون الدّين كُله لله وَأَن يكون الْحبّ والبغض لله تَعَالَى وَكَذَلِكَ الْإِعْطَاء وَالْمَنْع وَهَذَا شطر الدّين وشطره الثَّانِي تحكيم الْمُخْتَار صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَمَا قَالَ النَّاظِم وَالْهجْرَة
الثَّانِيَة هِيَ الْهِجْرَة الى الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم باتباعه فِي الدق والجل ورد مَا تنَازع النَّاس فِيهِ إِلَى سنته ورد كل فول لقَوْله... أَتَرَوْنَ هذي هِجْرَة الْأَبدَان لَا... وَالله بل هِيَ هِجْرَة الايمان... قطع الْمسَافَة بالقلوب اليه فِي... دَرك الْأُصُول مَعَ الْفُرُوع فذان... ابدا إِلَيْهِ حكمهَا لَا غَيره... فَالْحكم مَا حكمت بِهِ النصان يَا هِجْرَة طَالَتْ مسافتها على... من خص بالحرمان والخذلان يَا هِجْرَة طَالَتْ مسافتها على... كسلان منخوب الْفُؤَاد جهان... قَالَ فِي الْقَامُوس رجل ونخب ونخب ونخبة ونخب كهجف وَمُنْتَخب ومنخوب ونخب ونخيب جبان جمع نخب انْتهى... يَا هِجْرَة وَالْعَبْد فَوق فرَاشه... سبق السَّعَادَة لمنزل الرضْوَان سَارُوا أحث السّير وَهُوَ فسيره... سير الدَّلال وَلَيْسَ بالذملان... قَوْله الدَّلال قَالَ فِي الْقَامُوس أدل عَلَيْهِ انبسط كتدلل قَوْله الذملان محركة هُوَ السّير اللين قَالَ فِي الْقَامُوس الْعلم محركة الْجَبَل الطَّوِيل أَو عَام جمع أَعْلَام وعلام انْتهى وقاع وَارْضَ وقيعة لَا تكَاد تنشف المَاء قَالَه فِي الْقَامُوس... رفعت لَهُ أَعْلَام هاتيك النصو... ص رؤوسها شابت من النيرَان نَار هِيَ النُّور الْمُبين وَلم يكن... ليراه إِلَّا من لَهُ عينان...
.. مكحولتان بمرود الوحيين لَا... بمراود الآراء والهذيان فلذاك شمر نَحْوهَا لم يلْتَفت... لَا عَن شمائله وَلَا أَيْمَان يَا قوم لَو هاجرتم لرأيتم... أَعْلَام طيبَة رُؤْيَة بعيان ورأيتم ذَاك اللِّوَاء وَتَحْته الرُّسُل الْكِرَام وعسكر الْقُرْآن... أَصْحَاب بدر والألى قد بَايعُوا... أزكى الْبَريَّة بيعَة الرضْوَان وَكَذَا المهاجرة الألى سبقوا كَذَا الْأَنْصَار أهل الدَّار والايمان... والتابعون لَهُم باحسان وسا... لَك هديهم أبدا بِكُل زمَان لَكِن رَضِيتُمْ بالاماني وابتليتم بالحظوظ ونصرة الاخوان بل غركم ذَاك الْغرُور وسولت... لكم النُّفُوس وساوس الشَّيْطَان ونبذتم عسل النُّصُوص وراءكم... وقنعتم بقطارة الأذهان... قَالَ فِي الْقَامُوس القطارة بِالضَّمِّ مَا قطر من الشَّيْء والقليل من المَاء... وتركتم الوحيين زهدا فيهمَا... ورغبتم فِي رَأْي كل فلَان وعزلتم النصين عَمَّا وليا... للْحكم فِيهِ عزل ذِي عدوان وزعمتم أَن لَيْسَ يحكم بَيْننَا... الا الْعُقُول ومنطق اليونان فهما بِحكم الْحق أولى مِنْهُمَا... سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ ذَا السبحان حَتَّى أذا انْكَشَفَ الغطاء وحصلت أَعمال هَذَا الْخلق فِي الْمِيزَان... واذا انجلى هَذَا الْغُبَار وَصَارَ ميدان السباق تناله العينان...
.. وبدت على تِلْكَ الْوُجُوه سماتها... وسم المليك الْقَادِر الديَّان مبيضة مثل الرياض بجنة... والسود مثل الفحم للنيران... معنى هَذِه الأبيات أَنكُمْ معاشر النفاة لما تركْتُم الوحيين وهما الْكتاب وَالسّنة وعزلتم النصين وزعمتم أَن لَيْسَ يحكم بَين النَّاس فِيمَا تنازعتم فِيهِ إِلَّا الْعُقُول والمنطق فاذا انْكَشَفَ الغطاء وَذَلِكَ يَوْم الْقِيَامَة وحصلت أَعمال النَّاس وانجلى الْغُبَار وَصَارَ ميدان السباق وبدت على الْوُجُوه سماتها أَي علاماتها وَصَارَت وُجُوه مبيضة فِي الْجنَّة ووجوه مسودة فِي النَّار عَرَفْتُمْ حاصلكم ومحصولكم ورأيتم مَا أوجبته لكم أصولكم... فهناك يعلم رَاكب مَا تَحْتَهُ... وَهُنَاكَ يقرع ناجذ الندمان وَهُنَاكَ تعلم كل نفس مَا الَّذِي... مَعهَا من الارباح والخسران وَهُنَاكَ يعلم مُؤثر الآراء والشطحات والهذيان والبطلان... أَي البضائع قد أضاع وَمَا الَّذِي... مِنْهَا تعوض فِي الزَّمَان الفاني... قَوْله فهناك يعلم رَاكب الخ أَي إِذا انجلى الْغُبَار عرف رَاكب مَا تَحْتَهُ أَفرس أم حمَار وَهُنَاكَ يقرع الندمان ناجذ النَّدَم وَهُنَاكَ تعلم نفس مَا الَّذِي مَعهَا الرِّبْح والخسران وَهُنَاكَ يعلم مُؤثر شطحات الصُّوفِيَّة وآراء الْمُتَكَلِّمين وهذيانهم وأباطليهم على الْكتاب وَالسّنة أَنه فَاتَهُ أعظم بضَاعَة وَأَنه تعوض أخسر بضَاعَة وأخس نصيب وَأَنه فَاتَهُ أعظم الرِّبْح نَعُوذ بِاللَّه من مُوجبَات غَضَبه... سُبْحَانَ رب الْخلق قَاسم فَضله... وَالْعدْل بَين النَّاس فِي الْمِيزَان لَو شَاءَ كَانَ النَّاس شَيْئا وَاحِدًا... مَا فيهم من تائه حيران...
.. لكنه سُبْحَانَهُ يخْتَص بِالْفَضْلِ الْعَظِيم خُلَاصَة الانسان وسواهم لَا يصلحون لصالح... كالشوك فَهُوَ عمَارَة النيرَان وَعمارَة الجنات هم أهل الْهدى... الله أكبر لَيْسَ يستويان فسل الْهِدَايَة من أزمة أمرنَا... بيدَيْهِ مَسْأَلَة الذَّلِيل العاني... قَوْله لَو شَاءَ كَانَ النَّاس شَيْئا وَاحِدًا الخ هَذَا كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَو شَاءَ رَبك لجعل النَّاس أمة وَاحِدَة وَلَا يزالون مُخْتَلفين﴾ هود الْآيَة وَلكنه سُبْحَانَهُ يهدي من يَشَاء بفضله ويضل من يَشَاء بعدله كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَالله يَدْعُو إِلَى دَار السَّلَام وَيهْدِي من يَشَاء إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم﴾ يُونُس فَعم بالدعوة وَخص بالهداية... مَا للعباد عَلَيْهِ حق وَاجِب... كلا وَلَا سعي لَدَيْهِ ضائع إِن عذبُوا فَبعد لَهُ أَو نعموا... فبفضله وَهُوَ الْكَرِيم الْوَاسِع... قَالَ النَّاظِم... وسل العياذ من اثْنَتَيْنِ هما اللتا... ن بهلك هَذَا الْخلق كافلتان شَرّ النُّفُوس وسيىء الْأَعْمَال مَا... وَالله أعظم مِنْهُمَا شران وَلَقَد أَتَى هَذَا التَّعَوُّذ مِنْهُمَا... فِي خطْبَة الْمَبْعُوث بِالْقُرْآنِ... يُشِير الى خطْبَة الْحَاجة وَهِي مَا رُوِيَ ابْن مَسْعُود قَالَ علمنَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خطْبَة الْحَاجة الْحَمد لله نستعينه وَنَسْتَغْفِرهُ ونعوذ بِاللَّه من شرور أَنْفُسنَا وَمن سيئات أَعمالنَا من يهده الله فَلَا مضل لَهُ وَمن يضلل فَلَا هادي لَهُ وَأشْهد ان لَا إِلَه إِلَّا الله وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله
الحَدِيث رَوَاهُ اهل السّنَن الاربعة وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن... لَو كَانَ يدْرِي العَبْد أَن مصابه... فِي هَذِه الدُّنْيَا هُوَ الشران جعل التَّعَوُّذ مِنْهُم ديدانه... حَتَّى نرَاهُ دَاخل الأكفان وسل العياذمن التكبر والهوى... فهما لكل الشَّرّ جامعتان وهما يصدان الْفَتى عَن كل طر... ق الْخَيْر إِذْ فِي قلبه يلجان فتراه يمنعهُ هَوَاهُ تَارَة... وَالْكبر أُخْرَى ثمَّ يَشْتَرِكَانِ وَالله مَا فِي النَّار إِلَّا تَابع... هذَيْن فاسأل سَاكِني النيرَان وَالله لَو جردت نَفسك مِنْهُمَا... لأتت اليك وُفُود كل تهان... فصل فِي ظُهُور الْفرق الْمُبين بَين دَعْوَة الرُّسُل ودعوة المعطلين... وَالْفرق بَين الدعوتين فَظَاهر... جدا لمن كَانَت لَهُ أذنان فرق مُبين ظَاهر لايختفي... ايضاحه إِلَّا على العميان فالرسل جاؤونا باثبات العل ولربنا من فَوق كل مَكَان... وَكَذَا أتونا بِالصِّفَاتِ لربنا الر حمن لربنا الرَّحْمَن تَفْصِيلًا بِكُل بَيَان وكذاك قَالُوا إِنَّه مُتَكَلم... وَكَلَامه المسموع بالآذان...
.. وكذاك قَالُوا انه سُبْحَانَهُ المرئي يَوْم لِقَائِه بعيان... وَكَذَلِكَ قَالُوا إِنَّه الفعال حَقًا كل يَوْم رَبنَا فِي شان وأتيتمونا أَنْتُم بِالنَّفْيِ والتعطيل بل بِشَهَادَة الكفران... للمثبتين صِفَاته وعلوه... ونداءه فِي عرف كل لِسَان... شهدُوا بايمان الْمقر بِأَنَّهُ... فَوق السَّمَاء مباين الاكوان وشهدتم أَنْتُم بتكفير الَّذِي... قد قَالَ ذَلِك يَا أولي الْعدوان وأتى بأين الله إِقْرَارا ونطقا قُلْتُمْ هَذَا من الْبُهْتَان... فسؤالنا بالاين مثل سؤالنا... مَا الْكَوْن عنْدكُمْ هما شَيْئَانِ... وَكَذَا أتونا بِالْبَيَانِ فقلتم... باللغز ايْنَ اللغز من تبيان إِذْ كَانَ مَدْلُول الْكَلَام وَوَضعه... لم يقصدوه بنطقهم بِلِسَان وَالْقَصْد مِنْهُم غير مَفْهُوم بِهِ... مَا اللغز عِنْد النَّاس الا ذان يَا قوم رسل الله أعرف مِنْكُم... وَأتم نصحا فِي كَمَال بَيَان أترونهم قد ألغزوا التَّوْحِيد إِذْ... بينتموه يَا أولي الْعرْفَان أترونهم قد أظهرُوا التَّشْبِيه وَهُوَ لديكم كعبادة الْأَوْثَان... مَضْمُون مَا ذكره النَّاظِم فِي هَذِه الأبيات هُوَ اثبات الْفرق بَين دَعْوَة الْمُرْسلين ودعوة المعطلين وَذَلِكَ أَن الرُّسُل جاؤوا باثبات الْعُلُوّ والفوقية
واثبات الصِّفَات تَفْصِيلًا وَأَنه سُبْحَانَهُ مُتَكَلم بِكَلَام مسموع وَأَنه سُبْحَانَهُ يرى يَوْم الْقِيَامَة رُؤْيَة العيان وَأَنه الفعال سُبْحَانَهُ وَأَنه كل يَوْم فِي شَأْن وَأما المعطلون فَأتوا بِالنَّفْيِ والتعطيل بل شهدُوا بالْكفْر لمثبتي علوه سُبْحَانَهُ فَوق عباده بَائِنا عَن الْمَخْلُوقَات أترونهم أَيهَا المعطلة قد ألغزوا التَّوْحِيد وبينتموه أَنْتُم أَو أَنهم أظهرُوا التَّشْبِيه بزعمكم وَالْعِيَاذ بِاللَّه... ولأي شَيْء لم يَقُولُوا مثل مَا... قد قلتموا فِي رَبنَا الرَّحْمَن... ولأي شَيْء صَرَّحُوا بِخِلَافِهِ... تَصْرِيح تَفْصِيل بِلَا كتمان ولأي شَيْء بالغوا بِالْوَصْفِ بالاثبات دون النَّفْي كل زمَان ولأي شَيْء أَنْتُم بالغتم... فِي النَّفْي والتعطيل بالقفزان فجعلتم نفي الصِّفَات مفصلا... تَفْصِيل نفي الْعَيْب وَالنُّقْصَان وجعلتم الاثبات أمرا مُجملا... عكس الَّذِي قَالُوهُ بالبرهان... أَي مَا بَال الرُّسُل أَيهَا المعطلة لم يَقُولُوا مثل مَا قُلْتُمْ فِي الله تَعَالَى بل صَرَّحُوا دَائِما بِخِلَافِهِ تَصْرِيحًا على التَّفْصِيل بِغَيْر كتمان وَأما أَنْتُم فبالغتم فِي النَّفْي والتعطيل بالقفزان القفيز مكيال ثَمَانِيَة مكاكيك وَمن الأَرْض قدر مائَة وَأَرْبَعَة وَأَرْبَعين ذِرَاعا جمع أَقْفِزَة وقفزان قَالَه فِي الْقَامُوس فجئتم بِنَفْي مفصل واثبات مُجمل وَأما الرُّسُل عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام فجاؤوا باثبات مفصل وَنفي مُجمل وَلِهَذَا قَالَ... أَترَاهُم عجزوا عَن التِّبْيَان واستوليتم أَنْتُم على التِّبْيَان... أَتَرَوْنَ أفراخ الْيَهُود وَأمة التعطيل والعباد للنيران...
.. ووقاح أَرْبَاب الْكَلَام الْبَاطِل المذموم عِنْد أَئِمَّة الايمان... من كل جهمي ومعتزل وَمن... والاهما من حزب جنكسخان... بِاللَّه أعلم من جَمِيع الرُّسُل والتوراة والانجيل وَالْقُرْآن... أَي أَتَرَى الرُّسُل عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام عجزوا عَن التِّبْيَان واستوليتم أَيهَا المعطلة عَلَيْهِ أم هَل ترَوْنَ أفراخ الْيَهُود والمعطلة وَأَبْنَاء الْمَجُوس عباد النيرَان وأوقاح أهل الْكَلَام وَغَيرهم من الْجَهْمِية والمعتزلة وَمن والاهم من حزب جنكسخان أعلم بِاللَّه من جَمِيع الرُّسُل والتوراة والانجيل وَالْقُرْآن ثمَّ قَالَ رَحمَه الله تَعَالَى... فسلوهم بسؤال كتبهمْ الَّتِي... جاؤوا بهَا عَن علم هَذَا الشان... وسلوهم هَل ربكُم فِي أرضه... أَو فِي السَّمَاء وَفَوق كل مَكَان... أم لَيْسَ من ذَا كُله شَيْء فَلَا... هُوَ دَاخل أَو خَارج الاكوان فالعلم والتبيان والنصح الَّذِي... فيهم يبين الْحق كل بَيَان لكنما الألغاز والتلبيس والكتمان فعل معلم الشَّيْطَان...