أَي إِن قَول أهل النَّفْي والتعطيل قد بلغت شناعاته الْوُجُود بأسره
الدُّنْيَا وَالْآخِرَة والخلق وَالْأَمر وَالْجَزَاء وَالْجنَّة وَالنَّار وَقد توارث النَّاس تِلْكَ الضلالات والشناعات فَمنهمْ من ورث السهْم وَمِنْهُم من ورث السهمين وَمِنْهُم من ورث السهْمَان قَوْله وَالله مَا صَاح الْأَئِمَّة جهدهمْ الخ أَي مَا كثر تشنيع الْأَئِمَّة الْكِبَار فِي جَمِيع المدن والأقطار وتحذيرهم من جهم وأقواله إِلَّا لما عرفُوا من مآلها الْمنَافِي للدّين المباين للحق وَالْيَقِين قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى... فاذا أَبَيْتُم فالسلام على من اتبع الْهدى وانقاد لِلْقُرْآنِ... سِيرُوا على نجب العزائم وَاجْعَلُوا... بظهورها المسرى الى الرَّحْمَن... سبق الْمُفْرد وَهُوَ ذَاكر ربه... فِي كل حَال لَيْسَ ذَا نِسْيَان... يُشِير الى مَا رَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ قَالَ كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يسير فِي طَرِيق مَكَّة فَمر على جبل يُقَال لَهُ حمدَان فَقَالَ سِيرُوا هَذَا حمدَان سبق المفرودن قَالُوا وَمَا المفردون يَا رَسُول الله قَالَ الذاكرون الله كثيرا وَالذَّاكِرَات رُوِيَ لفظ المفردون من التفريد وَمن الافراد وَالْمَشْهُور الَّذِي قَالَه الْجُمْهُور وَهُوَ التَّشْدِيد... لَكِن أَخا الغفلات مُنْقَطع بِهِ... بَين المفاوز تَحت ذِي الغيلان صيد السبَاع وكل وَحش كاسر... بئس المضيف لأعجز الضيفان... قَالَ فِي الْقَامُوس كسر الطَّائِر كسرا وكسورا ضم جناحيه يُرِيد الْوُقُوع وعقاب كاسر
.. وَكَذَلِكَ الشَّيْطَان يصطاد الَّذِي... لَا يذكر الرَّحْمَن كل اوان وَالذكر أَنْوَاع فأعلى نَوعه... ذكر الصِّفَات لربنا المنان وثبوتها أصل لهَذَا الذّكر والنافي لَهَا دَاع الى النسْيَان... فلذاك كَانَ خَليفَة الشَّيْطَان ذَا... لَا مرْحَبًا بخليفة الشَّيْطَان والذاكرون على مَرَاتِبهمْ فأعلاهم اولو الايمان والعرفان... بصفاته العلياء اذ قَامُوا بِحَمْد الله فِي سر وَفِي إعلان وأخص أهل الذّكر بالرحمن أعلمهم بهَا هم صفوة الرَّحْمَن... وكذاك كَانَ مُحَمَّد وَأَبوهُ ابراهيم والمولود من عمرَان وكذاك نوح وَابْن مَرْيَم عندنَا... هم خير خلق الله من انسان لمعارف حصلت لَهُم بصفاته... لم يؤتها اُحْدُ من الانسان وهم اولو الْعَزْم الَّذين بِسُورَة ال أحزاب والشورى اتوا بِبَيَان... وَكَذَلِكَ الْقُرْآن مَمْلُوء من ال أَوْصَاف وَهِي الْقَصْد بِالْقُرْآنِ ليصير مَعْرُوفا لنا بصفاته... وَيصير مَذْكُورا لنا بجنان ولسان ايضا مَعَ محبتنا لَهُ فلأجل ذَا الاثبات فِي الايمان... مثل الاساس من الْبناء فَمن يرم... هدم الاساس فَكيف بالبنيان... يَعْنِي النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى أَن الذّكر أَنْوَاع فأعلاها ذكر الصِّفَات وَثُبُوت صِفَاته سُبْحَانَهُ أصل لهَذَا الذّكر ونافي الصِّفَات دَاع الى نسيانها وَهُوَ خَليفَة الشَّيْطَان والذاكرون على مَرَاتِب فأعلاهم أولو الايمان
والعرفان بصفاته سُبْحَانَهُ وَلذَلِك قَامُوا بِحَمْد الله فِي السِّرّ والاعلان وأخص أهل الذّكر بِاللَّه أعلمهم بصفاته وَلذَلِك كَانَ أولو الْعَزْم من الرُّسُل وهم نوح وابراهيم ومُوسَى وَعِيسَى وَمُحَمّد عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام هم خير خلق الله للمعارف الَّتِي حصلت لَهُم بصفاته سُبْحَانَهُ بِحَيْثُ لم يؤتها غَيرهم وَلذَلِك الْقُرْآن مَمْلُوء بصفاته سُبْحَانَهُ وَهِي الْقَصْد بِالْقُرْآنِ ليَكُون مَعْرُوفا لِعِبَادِهِ بصفاته مَذْكُورا لَهُم بقلوبهم وَهُوَ معنى قَوْله مَذْكُورا لَهُم بجنان وَهُوَ الْقلب وَنَحْو من هَذَا قَول النَّاظِم فِي الْمُقدمَة وَلَيْسَت حَاجَة الْأَرْوَاح قطّ إِلَى شَيْء أعظم مِنْهَا إِلَى معرفَة باريها وفاطرها ومحبته وَذكره والابتهاج بِهِ وَطلب الْوَسِيلَة اليه والزلفى عِنْده وَلَا سَبِيل الى هَذَا بِمَعْرِِفَة أَوْصَافه وأسمائه فَكلما كَانَ العَبْد بهَا أعلم كَانَ بِاللَّه أعرف وَله أطلب واليه اقْربْ وَكلما كَانَ لَهَا أنكر كَانَ بِاللَّه أَجْهَل واليه أكره وَمِنْه أبعد الى آخر مَا ذكره قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى فِي كتاب الْكَلم الطّيب الذّكر نَوْعَانِ احدهما ذكر اسماء الرب وَصِفَاته وَالثنَاء عَلَيْهِ وتنزيهه وتقديسه عَمَّا لَا يَلِيق بِهِ وَهَذَا أَيْضا نَوْعَانِ احدهما إنْشَاء الثنا عَلَيْهِ بهما من الذاكر وَهَذَا النَّوْع هُوَ الْمَذْكُور فِي الاحاديث نَحْو سُبْحَانَ الله وَالْحَمْد لله وَلَا إِلَه إِلَّا الله وَالله أكبر سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ لَهُ الْملك وَله الْحَمد وَهُوَ على كل شَيْء قدير وَنَحْو ذَلِك فأفضل هَذَا النَّوْع أجمعه للثناء وأعمه نَحْو سُبْحَانَ الله عدد خلقه فَهَذَا أفضل من نَحْو سُبْحَانَ الله وقولك الْحَمد لله عدد مَا خلق فِي السَّمَاء وَعدد مَا خلق فِي الأَرْض وَعدد مَا بَينهمَا وَعدد مَا هُوَ خَالق أفضل من نَحْو قَوْلك الْحَمد لله وَلِهَذَا جَاءَ فِي حَدِيث جوَيْرِية أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لَهَا لقد قلت بعْدك أَربع كَلِمَات ثَلَاث مَرَّات لَو وزنت بِمَا قلت
الْيَوْم لوزنتهن سُبْحَانَ الله عدد خلقه سُبْحَانَ الله رضى نَفسه سُبْحَانَ الله زنة عَرْشه سُبْحَانَ الله مداد كَلِمَاته رَوَاهُ مُسلم وَفِي التِّرْمِذِيّ وَسنَن ابي دَاوُد عَن سعد ابْن ابي وَقاص رَضِي الله عَنهُ انه دخل مَعَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على امْرَأَة وَبَين يَديهَا نوى اَوْ حَصى تسبح بِهِ فَقَالَ أخْبرك بِمَا هُوَ أيسر عَلَيْك من هَذَا وَأفضل سُبْحَانَ الله عدد مَا خلق فِي السَّمَاء وَسُبْحَان الله عدد مَا خلق فِي الأَرْض وَسُبْحَان الله عدد مَا بَين ذَلِك وَسُبْحَان الله عدد مَا هُوَ خَالق وَالله أكبر مثل ذَلِك وَالْحَمْد لله مثل ذَلِك وَلَا إِلَه إِلَّا الله مثل ذَلِك وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه مثل ذَلِك النَّوْع الثَّانِي الْخَبَر عَن الرب تَعَالَى باحكام أَسْمَائِهِ وَصِفَاته نَحْو قَوْلك الله عز وَجل يسمع أصوات عباده وَيرى حركاتهم وَلَا تخفى عَلَيْهِ خافية من أَعْمَالهم وَهُوَ ارْحَمْ بهم من آبَائِهِم وأمهاتهم وَهُوَ على كل شَيْء قدير وَهُوَ أفرح بتوبة عَبده من الفاقد لراحلته وَنَحْو ذَلِك وَأفضل هَذَا النَّوْع الثَّنَاء عَلَيْهِ بِمَا أثنى بِهِ على نَفسه وَبِمَا اثنى عَلَيْهِ رَسُوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من غير تَحْرِيف وَلَا تَعْطِيل وَمن غير تَشْبِيه وَلَا تَمْثِيل وَهَذَا النَّوْع أَيْضا ثَلَاثَة أَنْوَاع حمد وثناء ومجد فَالْحَمْد الاخبار عَنهُ بِصِفَات كَمَاله مَعَ محبته والرضى عَنهُ فَلَا يكون الْمُحب السَّاكِت حامدا وَلَا المثني بِلَا محبَّة حامدا حَتَّى يجْتَمع لَهُ الْمحبَّة وَالثنَاء فان كرر المحامد شَيْئا بعد شَيْء كَانَ ثَنَاء وان كَانَ الْمَدْح بِصِفَات الْجلَال وَالْعَظَمَة والكبرياء وَالْملك كَانَ مجدا وَقد جمع الله تَعَالَى لعَبْدِهِ الْأَنْوَاع الثَّلَاثَة فِي أول سُورَة الْفَاتِحَة فاذا قَالَ العَبْد ﴿الْحَمد لله رب الْعَالمين﴾ قَالَ حمدني عَبدِي وَإِذا قَالَ ﴿الرَّحْمَن الرَّحِيم﴾ قَالَ أثنى عَليّ عَبدِي واذا قَالَ ﴿مَالك يَوْم الدّين﴾ قَالَ مجدني عَبدِي
وَالنَّوْع الثَّانِي من الذّكر ذكر أمره وَنَهْيه وَأَحْكَامه وَهَذَا أَيْضا نَوْعَانِ إِلَى آخر كَلَامه وَهُوَ كَلَام نَفِيس قَوْله أولو الْعَزْم الَّذين بِسُورَة الاحزاب والشورى قَالَ تَعَالَى فِي سُورَة الْأَحْزَاب ﴿وَإِذ أَخذنَا من النَّبِيين ميثاقهم ومنك وَمن نوح وَإِبْرَاهِيم ومُوسَى وَعِيسَى ابْن مَرْيَم وأخذنا مِنْهُم ميثاقا غليظا﴾ وَفِي سُورَة الشورى ﴿شرع لكم من الدّين مَا وصّى بِهِ نوحًا وَالَّذِي أَوْحَينَا إِلَيْك وَمَا وصينا بِهِ إِبْرَاهِيم ومُوسَى وَعِيسَى أَن أقِيمُوا الدّين وَلَا تتفرقوا فِيهِ﴾ الْآيَة قَوْله فلأجل ذَا الاثبات فِي الايمان مثل الاساس من الْبناء يَعْنِي أَن الاثبات فِي الْإِيمَان مثل الأساس مَعَ الْبناء وَقد قَالَ الشَّافِعِي رَحمَه الله تَعَالَى الاثبات أمكن نَقله عَنهُ الْخطابِيّ... وَالله مَا قَامَ الْبناء لدين رسل الله بالتعطيل للديان مَا قَامَ الا بِالصِّفَاتِ مفصلا... اثباتها تَفْصِيل ذِي عرفان فَهِيَ الاساس لديننا وَلكُل دين قبله من سَائِر الايان