فصل... هَذَا وحادي عشرهن اشارة... نَحْو الْعُلُوّ بأصبع وبنان
لله جلّ جَلَاله لَا غَيره... إِذْ ذَاك اشراك من الانسان وَلَقَد أَشَارَ رَسُوله فِي مجمع الْحَج الْعَظِيم بموقف الغفران... نَحْو السَّمَاء بأصبع قد كرمت مستشهدا للْوَاحِد الرَّحْمَن... يَا رب فاشهد انني بلغتهم وَيُشِير نحوهم لقصد بَيَان... فغدا البنان مرفعا ومصوبا صلى عَلَيْك الله ذُو الغفران... أدّيت ثمَّ نصحت إِذْ بلغتنا حق الْبَلَاغ الْوَاجِب الشكران... هَذَا هُوَ الدَّلِيل الْحَادِي عشر من أَدِلَّة علو الله تَعَالَى على خلقه وَهُوَ إِشَارَته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِأُصْبُعِهِ نَحْو السَّمَاء وينكبها الى النَّاس وَيَقُول (اللَّهُمَّ اشْهَدْ (
كَمَا رَوَاهُ مُسلم فِي حَدِيث جَابر الطَّوِيل فِي خطبَته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَوْم عَرَفَة وَفِيه (فقد تركت فِيكُم مَا لن تضلوا بعد إِن اعْتَصَمْتُمْ بِهِ كتاب الله وَأَنْتُم تسْأَلُون عني فَمَا أَنْتُم قَائِلُونَ (قَالُوا نشْهد أَنَّك قد بلغت وَأديت وَنَصَحْت فَقَالَ بِأُصْبُعِهِ السبابَة يرفعها الى السَّمَاء وينكبها الى النَّاس اللَّهُمَّ اشْهَدْ (ثَلَاث مَرَّات قَوْله ينكبها يُقَال نكب أُصْبُعه أمالها الى النَّاس يُرِيد بذلك أَن يشْهد الله عَلَيْهِم قَالَه ابْن الاثير فِي غَرِيب (جَامع الاصول ( قو لَهُ ومصوبا الصوب الْمَجِيء من عل (قَامُوس ( قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى فصل... هَذَا وَثَانِي عشرهَا وصف الظهو ر لَهُ كَمَا قد جَاءَ فِي الْقُرْآن... وَالظَّاهِر العالي الَّذِي مَا فَوْقه شَيْء كَمَا قد قَالَ ذُو الْبُرْهَان... حَقًا رَسُول الله ذَا تَفْسِيره وَلَقَد رَوَاهُ مُسلم بِضَمَان... فاقبله لَا تقبل سواهُ من التفا سير الَّتِي قيلت بِلَا برهَان... وَالشَّيْء حِين يتم مِنْهُ علوه فظهوره فِي غَايَة التِّبْيَان... أَو مَا ترى هذي السما وعلوها وظهورها وَكَذَلِكَ القمران... وَالْعَكْس أَيْضا ثَابت فسفوله وخفاؤه اذ ذَاك مصطحبان...
.. فَانْظُر الى علو الْمُحِيط وَأَخذه صفة الظُّهُور وَذَاكَ ذُو تبيان... وَانْظُر خَفَاء المركز الادنى وَوصف السّفل فِيهِ وَكَونه تحتاني وظهوره سُبْحَانَهُ بِالذَّاتِ مثل علوه فهما لَهُ صفتان... لاتجحدنهما جحود الجهم أَو صَاف الْكَمَال تكون ذَا بهتان... وظهوره هُوَ مُقْتَض لعلوه وعلوه لظُهُوره بِبَيَان... وكذاك قد دخلت هُنَاكَ الْفَاء للتسبيب مؤذنة بِهَذَا الشان فتأملن تَفْسِير أعلم خلقه... بصفاته من جَاءَ بِالْقُرْآنِ إِذْ قَالَ أَنْت كَذَا فَلَيْسَ لضده... أبدا اليك تطرق الاتيان... ثَبت فِي (صَحِيح مُسلم (عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ (اللَّهُمَّ أَنْت الاول فَلَيْسَ قبلك شَيْء وَأَنت الاخر فَلَيْسَ بعْدك شَيْء وَأَنت الظَّاهِر فَلَيْسَ فَوْقك شَيْء وَأَنت الْبَاطِن فَلَيْسَ دُونك شَيْء (وَعَن مقَاتل بن سُلَيْمَان قَالَ بلغنَا وَالله إعلم فِي قَوْله تَعَالَى ﴿هُوَ الأول﴾ الْحَدِيد 3 قَالَ قبل كل شَيْء وَالْآخر قَالَ بعد كل شَيْء وَالظَّاهِر قَالَ فَوق كل شَيْء وَالْبَاطِن قَالَ أقرب من كل شَيْء قَوْله وَالشَّيْء حِين يتم مِنْهُ علوه الخ أَي ان الشَّيْء اذا كَانَ فِي غَايَة الْعُلُوّ ضوءا ظهر مَا يكون وَالْعَكْس أَيْضا ثَابت أَي كلما سفل الشَّيْء كَانَ فِي غَايَة الخفاء ثمَّ مثل لذَلِك بالمحيط والمركز فَإِن الْمُحِيط لتَمام علوه فِي غَايَة الظُّهُور والمركز لسفوله فِي غَايَة الخفاء وَلِهَذَا قَالَ النَّاظِم وظهوره سُبْحَانَهُ بِالذَّاتِ مثل علوه أَي أَن ظُهُوره سُبْحَانَهُ مُقْتَض لعلوه وعلوه مُقْتَض لظُهُوره
وَقَوله ولذاك قد دخلت هُنَاكَ الْفَاء للتسبيب الخ يَعْنِي الْفَاء الَّتِي فِي قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (وانت الظَّاهِر فَلَيْسَ فَوْقك شَيْء (يَعْنِي انها فَاء السَّبَبِيَّة وَالْمرَاد بالمحيط هُنَا الْفلك والمركز وسط الارض قَالَ النَّاظِم فصل... هَذَا وثالث عشرهَا أخباره... انا نرَاهُ بجنة الْحَيَوَان فسل الْمُعَطل هَل يرى من تحتنا... أم عَن شَمَائِلنَا وَعَن أَيْمَان أم خلفنا وأمامنا سُبْحَانَهُ... أم هَل يرى من فَوْقنَا بِبَيَان يَا قوم مَا فِي الامر شَيْء غير ذَا... أَو أَن رُؤْيَته بِلَا إِمْكَان إِذْ رُؤْيَة لَا فِي مُقَابلَة من الرَّائِي... محَال لَيْسَ فِي الامكان وَمن ادّعى شَيْئا سوى ذَا كَانَ دَعْوَاهُ مُكَابَرَة على الاذهان... هَذَا هُوَ الدَّلِيل الثَّالِث عشر من أَدِلَّة علو الله على خلقه وَهُوَ رُؤْيَته تَعَالَى فِي الْجنَّة كَمَا أخبر بذلك رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن جَابر قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (بَينا أهل الْجنَّة فِي نعيمهم اذ سَطَعَ لَهُم نور فَرفعُوا رؤوسهم فَإِذا الرب جلّ جَلَاله قد أشرف عَلَيْهِم من فَوْقهم فَقَالَ السَّلَام عَلَيْكُم يَا أهل الْجنَّة فَذَلِك قَوْله عز وَجل ﴿سَلام قولا من رب رَحِيم﴾ يس 58 رَوَاهُ ابْن ماجة فِي (سنَنه (وَعَن أنس قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (أَتَانِي جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام وَفِي يَده مرْآة بَيْضَاء فِيهَا نُكْتَة سَوْدَاء فَقلت
مَا هَذِه يَا جِبْرِيل قَالَ هَذِه الْجُمُعَة يعرضهَا عَلَيْك رَبك عز وَجل لتَكون لَك عيدا ولقومك من بعْدك تكون أَنْت الاول وَتَكون الْيَهُود وَالنَّصَارَى من بعْدك فَقلت مَا لنا فِيهَا قَالَ لكم فِيهَا خيرفيها سَاعَة من دَعَا الله تَعَالَى فِيهَا بِخَير هُوَ لَهُ قسم إِلَّا أعطَاهُ إِيَّاه أَو لَيْسَ لَهُ يقسم إِلَّا ادخر لَهُ مَا هُوَ أعظم مِنْهُ قلت مَا هَذِه النُّكْتَة السَّوْدَاء فِيهَا قَالَ هِيَ السَّاعَة تقوم يَوْم الْجُمُعَة وَهُوَ سيد الايام عندنَا وَنحن نَدْعُوهُ يَوْم الْمَزِيد فِي الاخرة قلت وَلم تَدعُونَهُ يَوْم الْمَزِيد قَالَ إِن رَبك اتخذ فِي الْجنَّة وَاديا أفيح من مسك أَبيض فاذا كَانَ يَوْم الْجُمُعَة نزل تبَارك وَتَعَالَى من عليين على كرسيه ثمَّ حف الْكُرْسِيّ بمنابر من نور ثمَّ جَاءَ النَّبِيُّونَ حَتَّى يجلسوا عَلَيْهَا ثمَّ حف المنابر بكراسي من ذهب ثمَّ جَاءَ الصديقون وَالشُّهَدَاء حَتَّى يجلسوا عَلَيْهَا ثمَّ جَاءَ أهل الْجنَّة حَتَّى يجلسوا على الْكَثِيب فيتجلى لَهُم رَبهم عز وَجل حَتَّى ينْظرُوا الى وَجهه ثمَّ يَقُول أَنا الَّذِي صدقتكم وعدي وَأَتْمَمْت عَلَيْكُم نعمتي وَهَذَا مَحل كَرَامَتِي ويسألونه حَتَّى تَنْتَهِي رغبتهم فَيفتح لَهُم عِنْد ذَلِك مَا لَا عين رَأَتْ وَلَا أذن سَمِعت وَلَا خطر على قلب بشر إِلَى أَوَان منصرف النَّاس من يَوْم الْجُمُعَة ثمَّ يصعد على كرسيه ويصعد مَعَه الصديقون وَالشُّهَدَاء وَيرجع أهل الغرف الى غرفهم درة بيضًا لَا فَصم فِيهَا وَلَا وصم أَو ياقوته حَمْرَاء اَوْ زبرجدة خضراء مِنْهَا غرفها وأبوابها مطردَة فِيهَا انهارها متدلية فِيهَا ثمارها فِيهَا أزواجها وخدمها فليسوا الى شَيْء أحْوج مِنْهُم الى يَوْم الْجُمُعَة ليزدادوا نظرا الى وَجهه فَلذَلِك دعِي يَوْم الْمَزِيد (قَالَ الذَّهَبِيّ هَذَا حَدِيث مَشْهُور وافر الطّرق اخرجه عبد الله بن احْمَد فِي كتاب السّنة لَهُ عَن عبد الاعلى بن حَمَّاد النَّرْسِي عَن عمر بن يُونُس
قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى... ولذاك قَالَ مُحَقّق مِنْكُم لأهل الاعتزال مقالى بِأَمَان... مَا بَيْننَا خلف وَبَيْنكُم لَدَى التَّحْقِيق فِي معنى فيا إخْوَان 5... شدوا بأجمعنا لنحمل حَملَة تذر المجسم فِي أذلّ هوان... اذ قَالَ إِن إلهنا حَقًا يرى يَوْم الْمعَاد كَمَا يرى القمران... وَتصير أبصار الْعباد نواظرا حَقًا اليه رُؤْيَة بعيان... لَا ريب أَنهم اذا قَالُوا بذا لزم الْعُلُوّ لفاطر الاكوان... وَيكون فَوق الْعَرْش جلّ جَلَاله فلذاك نَحن وحزبهم خصمان... لكننا سلم وانتم اذ تساعدنا على نفي الْعُلُوّ لربنا الرَّحْمَن... فَعَلُوهُ عين الْمحَال وَلَيْسَ فو ق الْعَرْش من رب وَلَا ديان... لَا تنصبوا مَعنا الْخلاف فَمَاله طعم فَنحْن وَأَنْتُم سلمَان... هَذَا الَّذِي وَالله مُودع كتبهمْ فَانْظُر ترى يَا من لَهُ عينان... لما ذكر النَّاظِم أَن اهل الْجنَّة يرونه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَأَن رُؤْيَته تَعَالَى لَا تكون الا من فَوق والا فرؤيته سُبْحَانَهُ محَال وَلِهَذَا قَالَ فِي هَذِه الابيات وَلِهَذَا قَالَ مُحَقّق مِنْكُم لاهل الاعتزال الخ قَوْله مِنْكُم أَي من الاشاعرة وَلم اقف على تعْيين هَذَا الْمُحَقق وَقد قَالَ شيخ الاسلام فِي كتاب (الْعقل وَالنَّقْل (وَالْمَقْصُود هُنَا أَن نفاة الرُّؤْيَة من الْجَهْمِية والمعتزلة وَغَيرهم اذا قَالُوا اثباتها يسلتزم أَن يكون الله جسما وَذَلِكَ مُنْتَفٍ
وَادعوا أَن الْعقل دلّ على المقدمتين احْتِيجَ حِينَئِذٍ الى بَيَان بطلَان المقدمتين أَو احداهما فاما ان يبطل نفي التلازم اَوْ نفي اللَّازِم اَوْ المقدمتان جَمِيعًا وَهنا افْتَرَقت طرق مثبتة الرُّؤْيَة فطائفة نازعت فِي الاولى كالاشعري وَأَمْثَاله وَهُوَ الَّذِي حَكَاهُ الاشعري عَن أهل الحَدِيث واصحاب السّنة وَقَالُوا لَا نسلم أَن كل مرئي يجب أَن يكون جسما فَقَالَت النفاة لَان كل مرئي فِي جِهَة وَمَا كَانَ فِي جِهَة فَهُوَ جسم فافترقت نفاة الْجِسْم على قَوْلَيْنِ طَائِفَة قَالَت لَا نسلم أَن كل مرئي يكون فِي جِهَة فَهُوَ جسم فادعت نفاة الرُّؤْيَة أَن الْعلم الضَّرُورِيّ حَاصِل بالمقدمتين وَأَن المنازع فِيهَا مكابر وَهَذَا هُوَ الْبَحْث الْمَشْهُور بَين الْمُعْتَزلَة والاشعرية فَلهَذَا صَار الحذاق من متأخري الاشعرية على نفي الرُّؤْيَة وموافقة الْمُعْتَزلَة فاذا اطلقوها مُوَافقَة لأهل السّنة فسروها بِمَا تفسرها بِهِ الْمُعْتَزلَة وَقَالُوا النزاع بَيْننَا وَبَين الْمُعْتَزلَة لَفْظِي قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى