فِي قدوم ركب آخر... وأتى فريق ثمَّ قَارب وَصفه... هَذَا وَزَاد عَلَيْهِ فِي الْمِيزَان قَالَ اسمعوا ياقوم لَا تلهيكم... هذي الْأَمَانِي هن شَرّ أماني...
.. اتعبت رَاحِلَتي وكلت مهجتي... وبذلت مجهودي وَقد أعياني فتشت فَوق وَتَحْت ثمَّ أمامنا... ووراء ثمَّ يسَار مَعَ أَيْمَان مَا دلَّنِي اُحْدُ عَلَيْهِ هُنَاكُم... كلا وَلَا بشر إِلَيْهِ هَدَانِي الا طوائف بِالْحَدِيثِ تمسكت... تعزى مذاهبها إِلَى الْقُرْآن قالواالذي نبغيه فَوق عباده... فَوق السَّمَاء وَفَوق كل مَكَان وَهُوَ الَّذِي حَقًا على الْعَرْش اسْتَوَى... لكنه استولى على الأكوان وَإِلَيْهِ يصعد كل قَول طيب... وَإِلَيْهِ يرفع سعي ذِي الشكران وَالروح والأملاك مِنْهُ تنزلت... وَإِلَيْهِ تعرج عِنْد كل أَوَان وَإِلَيْهِ أَيدي السَّائِلين تَوَجَّهت... نَحْو الْعُلُوّ بفطرة الرَّحْمَن وَإِلَيْهِ قد عرج الرَّسُول فقدرت... من قربه من ربه قوسان وَإِلَيْهِ قد رفع الْمَسِيح حَقِيقَة... ولسوف ينزل كي يرى بعيان وَإِلَيْهِ تصعد روح كل مُصدق... عِنْد الْمَمَات فتنثني بِأَمَان وَإِلَيْهِ آمال الْعباد تَوَجَّهت... نَحْو الْعُلُوّ بِلَا تواص ثَان بل فطْرَة الله الَّتِي لم يفطروا... الاعليها الْخلق والثقلان... يُشِير النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى إِلَى أَن هَذَا الركب أقرُّوا بِمَا دلّ عَلَيْهِ الْكتاب وَالسّنة وَأجْمع عَلَيْهِ سلف الْأمة وأئمتها من العقائد الَّتِي تضمنها
هَذَا الْفَصْل وَذكر نُصُوص الْفَوْقِيَّة والعلو والاستواء والصعود كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿ثمَّ اسْتَوَى على الْعَرْش﴾ االاعراف 54 ﴿الرَّحْمَن على الْعَرْش اسْتَوَى﴾ طه 5 ﴿ثمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء﴾ فصلت 11 وَقَوله تَعَالَى ﴿إِلَيْهِ يصعد الْكَلم الطّيب وَالْعَمَل الصَّالح يرفعهُ﴾ فاطر 10 وَقَوله تَعَالَى ﴿تعرج الْمَلَائِكَة وَالروح إِلَيْهِ﴾ المعارج 4 وَقَوله تَعَالَى ﴿تنزل الْمَلَائِكَة وَالروح فِيهَا بِإِذن رَبهم من كل أَمر سَلام هِيَ حَتَّى مطلع الْفجْر﴾ الْقدر 4 5 وَذكر مِعْرَاج الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى الله الَّذِي تَوَاتَرَتْ بِهِ الاحاديث وَأجْمع عَلَيْهِ سلف الامة وأئمتها عَن أنس ان مَالك بن صعصعة حَدثهُ أَن نَبِي الله حَدثهُ عَن لَيْلَة أسرِي بِهِ قَالَ (بَينا أَنا فِي الْحطيم وَرُبمَا قَالَ قَتَادَة فِي الْحجر مُضْطَجعا إِذْ اتاني آتٍ (فَذكر الحَدِيث وَفِيه قَالَ (ثمَّ أتيت بِدَابَّة دون الْبَغْل وَفَوق الْحمار أَبيض يَقع خطوه عِنْد أقْصَى طرفه قَالَ فَحملت عَلَيْهِ فَانْطَلق بِي جِبْرِيل حَتَّى أَتَى بِي السَّمَاء الدُّنْيَا فَاسْتَفْتَحَ فَقيل من هَذَا قَالَ جِبْرِيل قيل وَمن مَعَك قَالَ مُحَمَّد قيل أوقد أرسل اليه قَالَ نعم قيل مرْحَبًا بِهِ ولنعم الْمَجِيء جَاءَ قَالَ فَفتح فَلَمَّا خلصت إِذا فِيهَا آدم قَالَ هَذَا أَبوك آدم فَسلم عَلَيْهِ فَسلمت عَلَيْهِ فَرد السَّلَام ثمَّ قَالَ مرْحَبًا بالابن الصَّالح وَالنَّبِيّ الصَّالح قَالَ ثمَّ صعد حَتَّى أَتَى
السَّمَاء الثَّانِيَة (فَاسْتَفْتَحَ قيل من هَذَا قَالَ جِبْرِيل قيل وَمن مَعَك قَالَ مُحَمَّد قيل وَقد أرسل اليه قَالَ نعم قيل مرْحَبًا بِهِ وَنعم الْمَجِيء جَاءَ قَالَ فَفتح فَلَمَّا خلصت فَإِذا يحيى وَعِيسَى وهما ابْنا الْخَالَة قَالَ هَذَا يحيى وَعِيسَى فَسلم عَلَيْهِمَا فَسلمت فَردا السَّلَام وَقَالا مرْحَبًا بالاخ الصَّالح وَالنَّبِيّ الصَّالح ثمَّ صعد حَتَّى أَتَى السَّمَاء الثَّالِثَة فَاسْتَفْتَحَ فَقيل من هَذَا قَالَ جِبْرِيل قيل وَمن مَعَك قَالَ مُحَمَّد قيل وَقد أرسل قَالَ نعم قيل مرْحَبًا بِهِ وَنعم الْمَجِيء جَاءَ قَالَ فَفتح فَلَمَّا خلصت إِذا يُوسُف قَالَ هَذَا يُوسُف فَسلم عَلَيْهِ فَسلمت عَلَيْهِ فَرد السَّلَام ثمَّ قَالَ مرْحَبًا بالأخ الصَّالح وَالنَّبِيّ الصَّالح ثمَّ صعد حَتَّى أَتَى السَّمَاء الرَّابِعَة فَاسْتَفْتَحَ قيل من هَذَا قَالَ جِبْرِيل قيل وَمن مَعَك قَالَ مُحَمَّد قيل أوقد أرسل اليه قَالَ نعم قيل مرْحَبًا بِهِ وَنعم الْمَجِيء جَاءَ قَالَ فَفتح فَلَمَّا خلصت فاذا إِدْرِيس قَالَ هَذَا ادريس فَسلم عَلَيْهِ فَسلمت عَلَيْهِ فَرد السَّلَام ثمَّ قَالَ مرْحَبًا بالاخ الصَّالح وَالنَّبِيّ الصَّالح قَالَ ثمَّ صعد حَتَّى أَتَى السَّمَاء الْخَامِسَة فَاسْتَفْتَحَ قيل من هَذَا قَالَ جِبْرِيل وَقيل من مَعَك قَالَ مُحَمَّد قيل وَقد أرسل اليه قَالَ نعم قَالَ مرْحَبًا بِهِ وَنعم الْمَجِيء جَاءَ قَالَ فَفتح فَلَمَّا خلصت فاذا هَارُون قَالَ هَذَا هَارُون فَسلم عَلَيْهِ قَالَ فَسلمت عَلَيْهِ فَرد السَّلَام قَالَ مرْحَبًا بالاخ الصَّالح وَالنَّبِيّ الصَّالح ثمَّ صعد حَتَّى أَتَى السَّمَاء السَّادِسَة فَاسْتَفْتَحَ قيل من هَذَا قَالَ جِبْرِيل قيل وَمن مَعَك قَالَ مُحَمَّد قيل وَقد أرسل اليه قَالَ نعم قَالَ مرْحَبًا بِهِ وَنعم الْمَجِيء جَاءَ فَفتح فَلَمَّا خلصت فاذا أَنا بمُوسَى قَالَ هَذَا مُوسَى فَسلم عَلَيْهِ فَسلمت فَرد السَّلَام ثمَّ قَالَ مرْحَبًا بالاخ الصَّالح وَالنَّبِيّ الصَّالح قَالَ فَلَمَّا تجاوزت بَكَى فَقيل مَا يبكيك
قَالَ أبْكِي لَان غُلَاما بعث بعدِي يدْخل الْجنَّة من امته اكثر مِمَّا يدخلهَا من أمتِي ثمَّ صعد حَتَّى أَتَى السَّمَاء السَّابِعَة فَاسْتَفْتَحَ فَقيل من هَذَا قَالَ جِبْرِيل قيل وَمن مَعَك قَالَ مُحَمَّد قيل وَقد أرسل اليه قَالَ نعم قَالَ مرْحَبًا بِهِ وَنعم الْمَجِيء جَاءَ قَالَ فَفتح فَلَمَّا خلصت فَإِذا إِبْرَاهِيم قَالَ هَذَا ابراهيم فَسلم عَلَيْهِ قَالَ فَسلمت فَرد السَّلَام ثمَّ قَالَ مرْحَبًا بالابن الصَّالح وَالنَّبِيّ الصَّالح قَالَ ثمَّ رفعت الى سِدْرَة الْمُنْتَهى ثمَّ رفع لي الْبَيْت الْمَعْمُور قَالَ ثمَّ فرضت عَليّ الصَّلَاة خمسين صَلَاة فِي كل يَوْم فَرَجَعت فمررت على مُوسَى فَقَالَ بِمَ أمرت فَقلت بِخَمْسِينَ صَلَاة كل يَوْم قَالَ إِن امتك لَا تَسْتَطِيع خمسين صَلَاة وَإِنِّي قد خبرت النَّاس قبلك وعالجت بني إِسْرَائِيل أَشد المعالجة فَارْجِع إِلَى رَبك فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيف لامتك قَالَ فَرَجَعت فَوضع عني عشرا فَرَجَعت إِلَى مُوسَى فَقَالَ بِمَ أمرت قلت بِأَرْبَعِينَ صَلَاة كل يَوْم قَالَ إِن أمتك لَا تَسْتَطِيع أَرْبَعِينَ صَلَاة كل يَوْم واني قد خبرت النَّاس قبلك وعالجت بني إِسْرَائِيل أَشد المعالجة فَارْجِع إِلَى رَبك فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيف لامتك فَرَجَعت فَوضع عني عشرا اخر فَرَجَعت الى مُوسَى فَقَالَ بِمَا أمرت قلت أمرت بِثَلَاثِينَ صَلَاة كل يَوْم قَالَ ان أمتك لَا تَسْتَطِيع ثَلَاثِينَ صَلَاة كل يَوْم وَإِنِّي قد خبرت النَّاس قبلك وعالجت بني إِسْرَائِيل أَشد المعالجة فَارْجِع الى رَبك فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيف لامتك فَرَجَعت فَوضع عني عشرا أخر فَرَجَعت الى مُوسَى فَقَالَ بِمَ أمرت
قلت بِعشْرين صَلَاة كل يَوْم قَالَ إِن امتك لَا تَسْتَطِيع عشْرين صَلَاة كل يَوْم واني قد خبرت النَّاس قبلك وعالجت بني إِسْرَائِيل أَشد المعالجة فَارْجِع الى رَبك فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيف لامتك قَالَ فَرَجَعت فَأمرت بِعشر صلوَات كل يَوْم فَرَجَعت الى مُوسَى فَقَالَ بِمَ أمرت فَقلت بِعشر صلوَات كل يَوْم قَالَ إِن أمتك لَا تَسْتَطِيع عشر صلوَات كل يَوْم وَإِنِّي قد خبرت النَّاس قبلك وعالجت بني اسرائيل أَشد المعالجة فَارْجِع الى رَبك فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيف لامتك فَرَجَعت فَأمرت بِخمْس صلوَات كل يَوْم فَرَجَعت إِلَى مُوسَى فَقَالَ بِمَ أمرت قلت أمرت بِخمْس صلوَات كل يَوْم قَالَ إِن أمتك لَا تَسْتَطِيع خمس صلوَات كل يَوْم وَإِنِّي قد خبرت النَّاس قبلك وعالجت بني إِسْرَائِيل أَشد المعالجة قلت قد سَأَلت رَبِّي حَتَّى استحييت وَلَكِنِّي أرْضى وَأسلم فَلَمَّا نفذت نَادَى مُنَاد قد أنفذت فريضتي وخففت عَن عبَادي (مُتَّفق عَلَيْهِ قَالَ النَّوَوِيّ ورحمه الله فِي (شرح مُسلم (نقلا عَن القَاضِي عِيَاض الْحق الَّذِي عَلَيْهِ أَكثر النَّاس ومعظم السّلف وَعَامة الْمُتَأَخِّرين من الْفُقَهَاء والمحدثين والمتكلمين أَنه أسرى بجسده صلى الله عَلَيْهِ وَسلم والْآثَار تدل عَلَيْهِ لمن طالعها وَبحث عَنْهَا وَلَا يعدل عَن ظَاهرهَا إِلَّا بِدَلِيل وَلَا اسْتِحَالَة فِي حملهَا عَلَيْهِ فَيحْتَاج الى تَأْوِيل انْتهى قَوْله فقدرت من قربه من ربه قوسان يُشِير إِلَى قَوْله تَعَالَى ﴿ثمَّ دنا فَتَدَلَّى فَكَانَ قاب قوسين أَو أدنى﴾ النَّجْم 8 9 وَهَذَا على أحد
التفسيرين فِي الْآيَة وَأَن الرب عز وَجل هُوَ الَّذِي دنا فَتَدَلَّى وَسَيَأْتِي بسط الْكَلَام على ذَلِك فِي شرح الدَّلِيل الْخَامِس من أَدِلَّة علو الرب تَعَالَى فَوق خلقه وَالله اعْلَم وَقَالَ تَعَالَى فِي حق الْمَسِيح صلوَات الله عَلَيْهِ ﴿بل رَفعه الله إِلَيْهِ﴾ النِّسَاء 158 الْآيَة وَقَوله واليه تصعد روح كل مُصدق الخ يَعْنِي ان روح الْمُؤمن الْمُصدق تصعد الى الله بعد الْمَوْت وَقد روى ابْن أبي ذِئْب عَن مُحَمَّد بن عَمْرو ابْن عَطاء عَن سعيد بن يسَار عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ إِن الْمَيِّت تحضره الْمَلَائِكَة فاذا كَانَ الرجل الصَّالح قَالُوا اخْرُجِي أيتها النَّفس
الطّيبَة كَانَت فِي الْجَسَد الطّيب أَبْشِرِي بِروح وَرَيْحَان وَرب غير غَضْبَان فَلَا يزَال يُقَال لَهَا ذَلِك حَتَّى تخرج ثمَّ يعرج بهَا الى السَّمَاء فيستفتح لَهَا فَيُقَال من هَذَا فَيُقَال فلَان فَيُقَال مرْحَبًا بِالنَّفسِ الطّيبَة فَلَا يزَال يُقَال لَهَا ذَلِك حَتَّى ينتهى بهَا الى السَّمَاء الَّتِي فِيهَا الله تَعَالَى وَذكر الحَدِيث رَوَاهُ أَحْمد فِي (مُسْنده (وَالْحَاكِم فِي (مُسْتَدْركه (وَقَالَ هُوَ على شَرط البُخَارِيّ وَمُسلم وَرَوَاهُ أَئِمَّة عَن ابْن أبي ذِئْب وَقَوله فتنثني بِأَمَان يُشِير إِلَى مَا فِي حَدِيث الْبَراء بن عَازِب قَالَ خرجنَا مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي جَنَازَة رجل من الانصار فَانْتَهَيْنَا إِلَى الْقَبْر وَلما يلْحد فَجَلَسَ وَجَلَسْنَا حوله كَأَن على أكتافنا فلق الصخر وعَلى رؤوسنا الطير فأزم قَلِيلا والازمام السُّكُوت فَلَمَّا رفع رَأسه قَالَ (إِن الْمُؤمن إِذا كَانَ فِي قبل من الْآخِرَة ودبر من الدُّنْيَا نزل عَلَيْهِ مَلَائِكَة من السَّمَاء مَعَهم حنوط من الْجنَّة وكفن من الْجنَّة فَيَجْلِسُونَ مِنْهُ مد بَصَره وجاءه ملك الْمَوْت فَجَلَسَ عِنْد رَأسه ثمَّ يَقُول اخْرُجِي أيتها النَّفس الطّيبَة اخْرُجِي الى رَحْمَة الله ورضوانه فتسيل نَفسه كَمَا تقطر القطرة من السقاء فَإِذا خرجت نَفسه صلى عَلَيْهِ كل ملك بَين السَّمَاء والارض الا الثقلَيْن ثمَّ يصعد بِهِ الى السَّمَاء فتفتح لَهُ السَّمَاء ويشيعه مقربوها الى السَّمَاء الثَّانِيَة وَالثَّالِثَة وَالرَّابِعَة وَالْخَامِسَة وَالسَّادِسَة وَالسَّابِعَة الى الْعَرْش مقربو كل سَمَاء فاذا انْتهى الى الْعَرْش كتب كِتَابه فِي عليين فَيَقُول الرب عز وَجل ردوا عَبدِي إِلَى مضجعه فَانِي وعدتهم أَنِّي مِنْهَا خلقتهمْ وفيهَا أعيدهم وَمِنْهَا أخرجهم تَارَة اخرى فَيرد إِلَى مضجعه وَذكر الحَدِيث قَوْله واليه آمال الْعباد تَوَجَّهت الخ عَن سلمَان الْفَارِسِي قَالَ قَالَ
رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِن ربكُم حييّ كريم يستحي من عَبده إِذا رفع يَدَيْهِ اليه يَدْعُو أَن يردهما صفرا لَيْسَ فيهمَا شَيْء (هَذَا حَدِيث مَشْهُور قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى... وَنَظِير هَذَا أَنهم فطروا على... إقرارهم لَا شكّ بالديان لَكِن أولو التعطيل مِنْهُم أَصْبحُوا... مرضى بداء الْجَهْل والخذلان فَسَأَلت عَنْهُم رفقتي وأحبتي... أَصْحَاب جهم حزب جنكسخان من هَؤُلَاءِ وَمن يُقَال لَهُم فقد... جاؤوا بِأَمْر مَا لىء الآذان وَلَهُم علينا صولة مَا صالها... ذُو بَاطِل بل صَاحب الْبُرْهَان أَو مَا سَمِعْتُمْ قَوْلهم وَكَلَامهم... مثل الصواغر لَيْسَ ذَا لجبان جاؤوكم من فَوْقكُم وأتيتم... من تَحْتهم مَا أَنْتُم نِسْيَان جاؤوكم بِالْوَحْي لَكِن جئْتُمْ... بنحاة الافكار والاذهان... قَالَ فِي (الْقَامُوس (نحته ينحته كيضربه وينصره ويعلمه براه والنحاته بِالضَّمِّ البراية... قَالُوا مشبهة مجسمة فَلَا... تسمع مقَال مجسم حَيَوَان والعنهم لعنا كَبِيرا واغزهم... بعساكر التعطيل...
.. واحكم بسفك دِمَائِهِمْ وبحبسهم... أَولا فشردهم عَن الاوطان حذر صحابك مِنْهُم فهم أضلّ... من الْيَهُود وعابدي الصلبان وَاحْذَرْ تجادلهم بقال الله أَو... قَالَ الرَّسُول فتنثني بهوان أَنى وهم أولى بِهِ قد أنفذوا... فِيهِ قوى الاذهان وألابدان فاذا ابْتليت بهم فغالطهم على الت... أويل للاخبار وَالْقُرْآن وكذاك غالطهم على التَّكْذِيب لل... آحَاد ذَا لصاحبنا أصلان أوصى بِهِ أشياخنا أَشْيَاخهم... فاحفظهما بيديك والاسنان واذا اجْتمعت وهم بمشهد مجْلِس... فابدر بايراد وشغل زمَان لَا يملكوه عَلَيْك بالآثار وَال... أَخْبَار وَالتَّفْسِير للفرقان فَتَصِير إِن وَافَقت مثلهم وان... عارضت زنديقا أَخا كفران واذا سكت يُقَال هَذَا جَاهِل... فابدر وَلَو بالفشر والهذيان... الفشار الَّذِي تستعمله الْعَامَّة بِمَعْنى الهذيان لَيْسَ من كَلَام الْعَرَب قَالَه فِي (الْقَامُوس (... هَذَا الَّذِي أوصى بِهِ أشياخنا... فِي سالف الاوقات والازمان فَرَجَعت من سَفَرِي وَقلت لصاحبي... ومطيتي قد آذَنت بحران... قَالَ فِي (الْقَامُوس (حرنت الدَّابَّة كنصر وكرم حرانا
بِالْكَسْرِ وَالضَّم فَهِيَ حرون وَهِي الَّتِي اذا استدر جربها وقفت خَاص بذوات الْحَافِر... عطل ركابك واسترح من سَيرهَا... مَا ثمَّ شَيْء غير ذِي الاكوان لَو كَانَ للاكوان رب خَالق... كَانَ المجسم صَاحب الْبُرْهَان اَوْ كَانَ رب بَائِن عَن ذِي الورى... كَانَ المجسم صَاحب الايمان ولكان عِنْد النَّاس أولى الْخلق بَال... إِسْلَام والايمان والاحسان ولكان هَذَا الحزب فَوق رؤوسهم... لم يخْتَلف مِنْهُم عَلَيْهِ اثْنَان... أَي لَو كَانَت هَذِه الاقوال حَقًا وَهِي اعْتِقَاد المجسمة بزعمهم لكانوا عِنْد الله أولى بالاسلام والايمان والاحسان ولكان هَذَا الحزب فَوق رُؤُوس النَّاس ولاجمعوا على أَنهم أهل الْحق وَلم يختف مِنْهُم اثْنَان... فدع التكاليف الَّتِي حملتها... واخلع عذارك وارم بالارسان... خلع العذار كِنَايَة... مَا ثمَّ فَوق الْعَرْش من رب وَلم... يتَكَلَّم الرَّحْمَن بِالْقُرْآنِ لَو كَانَ فَوق الْعَرْش رب نَاظر... لزم التحيز وافتقار مَكَان... أَي لَو نقُول بِأَن الله فَوق الْعَرْش لزم أَن يكون متحيزا يكون لَهُ مَكَان... لَو كَانَ ذَا الْقُرْآن عين كَلَامه... حرفا وصوتا كَانَ ذَا جثمان فَذا انْتَفَى هَذَا وَهَذَا مَا الَّذِي... يبْقى على ذَا النَّفْي من إِيمَان...
أَي اذا نفوا علو الله سُبْحَانَهُ فَوق عَرْشه وَنَفَوْا أَن يكون هَذَا الْقُرْآن عين كَلَام الرب سُبْحَانَهُ فَكيف بَقَاء الايمان مَعَ ذَلِك... فدع الْحَلَال مَعَ الْحَرَام لاهله... فهما السياج لَهُم على الْبُسْتَان فاخرقه ثمَّ ادخل ترى فِي ضمنه... قد هيئت لَك سَائِر الالوان وَترى بهَا مَا لَا يرَاهُ محجب... من كل مَا تهوى بِهِ زوجان... قَالَ فِي (الْقَامُوس (سياج ككتاب الْحَائِط وَمَا أحيط بِهِ على شَيْء مثل النّخل وَالْكَرم وَقد سيج حَائِطه تسييجا... واقطع علائقك الَّتِي قد قيدت... هَذَا الورى من سالف الازمان لتصير حرا لست تَحت أوَامِر... كلا وَلَا نهي وَلَا فرقان لَكِن جعلت حجاب نَفسك اذ ترى... فَوق السما للنَّاس من ديان لَو قلت مَا فَوق السَّمَاء مُدبر... وَالْعرش تخليه من الرَّحْمَن وَالله لَيْسَ مكلما لِعِبَادِهِ... كلا وَلَا متكلما بقرآن مَا قَالَ قطّ وَلَا يَقُول ولاله... قَول بدا مِنْهُ الى انسان لَحللت طلسمه وفزت بكنزه... وَعلمت أَن النَّاس فِي هذيان... قَوْله مِنْهُ بدا قَالَ شيخ الاسلام ابْن تَيْمِية رَحمَه الله تَعَالَى فِي (شرح عقيدة الاصفهاني (قد اتّفق سلف الامة وائمتها على أَن الله تَعَالَى مُتَكَلم بِكَلَام قَائِم بِهِ وَأَن كَلَامه تَعَالَى غير مَخْلُوق وانكروا على الْجَهْمِية وَمن وافقهم من الْمُعْتَزلَة وَغَيرهم فِي قَوْلهم إِن كَلَامه تَعَالَى مَخْلُوق خلقه
فِي غَيره وَأَنه كلم مُوسَى بِكَلَام خلقه فِي الشَّجَرَة فَكلم جِبْرِيل بِكَلَام خلقه فِي الْهَوَاء وَاتفقَ أَئِمَّة السّلف على أَن كَلَام الله منزل غير مَخْلُوق مِنْهُ بَدَأَ واليه يعود قَالَ وَمعنى قَوْلهم مِنْهُ بَدَأَ أَي هُوَ الْمُتَكَلّم بِهِ لم يخلقه فِي غَيره كَمَا قَالَت الْجَهْمِية وَمن وافقهم من الْمُعْتَزلَة وَغَيرهم بِأَنَّهُ بَدَأَ من بعض الْمَخْلُوقَات وَأَنه سُبْحَانَهُ لم يقم بِهِ كَلَام قَالَ وَلم يرد عَن السّلف أَنه كَلَام فَارق ذَاته فان الْكَلَام وَغَيره من الصِّفَات لَا يُفَارق الْمَوْصُوف بل صفة الْمَخْلُوق لَا تُفَارِقهُ وتنتقل الى غَيره فَكيف صفة الْخَالِق تُفَارِقهُ وتنتقل إِلَى غَيره وَلِهَذَا قَالَ الامام أَحْمد كَلَام الله لَيْسَ بَائِن مِنْهُ قَالَ شيخ الاسلام وَمعنى قَول السّلف واليه يعود مَا جَاءَ فِي الْآثَار أَن الْقُرْآن يسرى بِهِ حَتَّى لَا يبْقى فِي الْمَصَاحِف مِنْهُ حرف وَلَا فِي الْقُلُوب مِنْهُ أَيَّة وَمَا جَاءَت بِهِ الاثار عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَالصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ لَهُم بِإِحْسَان وَغَيرهم من أَئِمَّة الْمُسلمين كالحديث الَّذِي رَوَاهُ الامام احْمَد فِي (الْمسند (وَكتبه الى المتَوَكل فِي رسَالَته الَّتِي أرسل بهَا اليه عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ (مَا تقرب الْعباد الى الله بِمثل مَا خرج بِهِ (يَعْنِي الْقُرْآن وَفِي لفظ (أحب اليه مِمَّا خرج مِنْهُ (وَقَول أبي بكر الصّديق رَضِي الله عَنهُ لما سمع كَلَام مُسَيْلمَة إِن هَذَا كَلَام لم يخرج من إل أَي من رب وَقَول ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا لما سمع قَائِلا يَقُول لمَيت لما وضع فِي لحده اللَّهُمَّ رب الْقُرْآن اغْفِر لَهُ فَالْتَفت اليه ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُمَا فَقَالَ مَه الْقُرْآن كَلَام الله لَيْسَ بمربوب مِنْهُ بَدَأَ واليه يعود وَهَذَا الْكَلَام مَعْرُوف عَن ابْن عَبَّاس وَقَول السّلف الْقُرْآن كَلَام الله غير مَخْلُوق مِنْهُ بَدَأَ واليه يعود كَمَا استفاضت الْآثَار عَنْهُم بذلك كَمَا هُوَ مَنْقُول عَنْهُم فِي الْكتب المسطورة بِالْأَسَانِيدِ الْمَشْهُورَة
قَالَ شيخ الاسلام فِي (شرح الاصفهانية (وَهَذِه الرِّوَايَات لَا يدل شيءمنها على أَن الْكَلَام يُفَارق الْمُتَكَلّم وينتقل الى غَيره وَإِنَّمَا تدل على ان الله هُوَ الْمُتَكَلّم بِالْقُرْآنِ وَمِنْه سمع لَا أَنه خلقه فِي غَيره كَمَا فسره بذلك الامام أَحْمد وَغَيره من الائمة قَالَ ابو بكر الْخلال سُئِلَ الامام احْمَد عَن قَوْله الْقُرْآن كَلَام الله مِنْهُ خرج واليه يعود يَعْنِي مَا قدمنَا قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى... لَكِن زعمت بَان رَبك بَائِن... من خلقه إِذْ قلت موجودان وَزَعَمت أَن الله فَوق الْعَرْش وَال... كرْسِي حَقًا فَوْقه القدمان وَزَعَمت أَن الله يسمع خلقه... ويراهم من فَوق سِتّ ثَمَان وَزَعَمت أَن كَلَامه مِنْهُ بدا... وَإِلَيْهِ يرجع آخر الازمان ووصفته بارادة وبقدرة... وَكَرَاهَة ومحبة وحنان ووصفته بِالسَّمْعِ وَالْبَصَر الَّذِي... لَا يَنْبَغِي إِلَّا لذِي الجثمان وَزَعَمت أَن الله يعلم كل مَا فِي الْكَوْن من سر وَمن أعلان... وَالْعلم وصف زَائِد عَن ذَاته عرض يقوم بِغَيْر ذِي جثمان... وَزَعَمت أَن الله كلم عَبده مُوسَى فأسمعه ندا الرَّحْمَن... أفتسمع ألآذان غير الْحَرْف وَال صَوت الَّذِي خصت بِهِ الاذنان... وَكَذَا النداء فانه صَوت باج ماع النُّحَاة واهل كل لِسَان... لكنه صَوت رفيع وَهُوَ ضد للنجاء كِلَاهُمَا صوتان...
.. فَزَعَمت ان الله ناداه ونا جاه وَفِي ذَا الزَّعْم محذوران... قرب الْمَكَان وَبعده وَالصَّوْت بل نوعاه محذوران ممتنعان... قَوْله ويراهم من فَوق سِتّ ثَمَان أَي السَّمَوَات السَّبع والارضين السَّبع قَوْله وَالْعلم وصف زَائِد عَن ذَاته لَا خُصُوصِيَّة للْعلم عَن سَائِر الصِّفَات فان مُرَاد أهل الاثبات بقَوْلهمْ نَحن نقُول باثبات صِفَات لله زَائِدَة على ذَاته فحقيقة ذَلِك أَنا نثبتها زَائِدَة على مَا أثْبته النفاة من الذَّات فان النفاة اعتقدوا ثُبُوت ذَات مُجَرّدَة عَن الصِّفَات فَقَالَ أهل الاثبات نَحن نقُول باثبات صِفَات زَائِدَة على مَا اثبته هَؤُلَاءِ وَأما الذَّات نَفسهَا الْمَوْجُودَة فَتلك لَا يتَصَوَّر أَن تتَحَقَّق بِلَا صفة أصلا بل هَذَا بِمَنْزِلَة من قَالَ اثْبتْ إنْسَانا لَا حَيَوَانا وَلَا ناطقا وَلَا قَائِما بِنَفسِهِ وَلَا بِغَيْرِهِ وَلَا لَهُ قدرَة وَلَا حَيَاة وَلَا حَرَكَة وَلَا سُكُون وَنَحْو ذَلِك أَو قَالَ أثبت نَخْلَة لَيْسَ لَهَا سَاق وَلَا جذع وَلَا لِيف وَلَا غير ذَلِك فان هَذَا يثبت مَالا حَقِيقَة لَهُ فِي الْخَارِج وَلَا يعقل وَلِهَذَا كَانَ السّلف والائمة يسمون نفاة الصِّفَات معطلة لَان حَقِيقَة قَوْلهم تَعْطِيل ذَات الله وان كَانُوا هم قد لَا يعلمُونَ ان قَوْلهم مُسْتَلْزم التعطيل وَالله أعلم وَهَذَا الركب الرَّابِع الَّذِي ذكر النَّاظِم قَوْلهم هُوَ فِيمَا يظْهر الْفَخر الرَّازِيّ والاسدي والشهر ستاني والاثير الابهري وَنَحْوهم مِمَّن خلط الْكَلَام بالفلسفة فان لَهُم كلَاما يشبه مَا ذكره النَّاظِم خُصُوصا الْفَخر الرَّازِيّ فانه قَالَ فِي كتاب اقسام اللَّذَّات لما ذكر ان هَذَا الْعلم أشرف الْعُلُوم وَأَنه ثَلَاث مقامات الْعلم بِالذَّاتِ وَالصِّفَات والافعال وعَلى كل مقَام عقدَة فَعلم الذَّات عَلَيْهِ عقدَة هَل
الْوُجُود هُوَ الْمَاهِيّة أَو زَائِد على الْمَاهِيّة وَعلم الصِّفَات عَلَيْهِ عقدَة هَل الصِّفَات زَائِدَة على الذَّات ام لَا وَعلم الافعال عَلَيْهِ عقدَة هَل الْفِعْل مُقَارن للذات أَو مُتَأَخّر عَنْهَا ثمَّ قَالَ وَمن الَّذِي وصل الى هَذَا الْبَاب أَو ذاق من هَذَا الشَّرَاب ثمَّ أنْشد... نِهَايَة اقدام الْعُقُول عقال واكثر سعي الْعَالمين ضلال... وأرواحنا فِي وَحْشَة من جسومنا وَحَاصِل دُنْيَانَا أَذَى ووبال... وَلم نستفد من بحثنا طول عمرنا سوى ان جَمعنَا فِيهِ قيل وَقَالُوا... لقد تَأَمَّلت الطّرق الكلامية والمناهج الفلسفية فَمَا رَأَيْتهَا تشفي عليلا وَلَا تروي غليلا وَرَأَيْت أقرب الطّرق طَريقَة الْقُرْآن اقْرَأ فِي الاثبات ﴿الرَّحْمَن على الْعَرْش اسْتَوَى﴾ طه 5 ﴿إِلَيْهِ يصعد الْكَلم الطّيب وَالْعَمَل الصَّالح يرفعهُ﴾ فاطر 10 واقرأ فِي النَّفْي ﴿لَيْسَ كمثله شَيْء﴾ الشورى 11 ﴿وَلَا يحيطون بِهِ علما﴾ طه 110 ﴿هَل تعلم لَهُ سميا﴾ مَرْيَم 7 وَمن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي وَقَول النَّاظِم رَحمَه اله تَعَالَى وكذاك غالطهم على التَّكْذِيب للآحاد الخ يُشِير الى ان الْمُخَالفين للْكتاب وَالسّنة قد أعدُّوا لدفع الِاسْتِدْلَال بِكِتَاب الله وَسنة رَسُوله أصلين أَحدهمَا التَّأْوِيل للآيات والاحاديث وَالثَّانِي دَعْوَى أَن الاحاديث الصَّحِيحَة فِي ذَلِك أَخْبَار آحَاد وَهِي لَا تفِيد الْعلم وَالْيَقِين وللامام القَاضِي أبي يعلى مُحَمَّد بن الْحُسَيْن بن الْفراء الْحَنْبَلِيّ رَحمَه الله تَعَالَى فِي ذَلِك كتاب (إبِْطَال التَّأْوِيل (مُجَلد وَكَذَلِكَ للشَّيْخ الامام أبي مُحَمَّد موفق الدّين بن قدامَة الْمَقْدِسِي كتاب (ذمّ التَّأْوِيل (فِي جُزْء لطيف فَارْجِع اليهما إِن شِئْت
وَقَالَ شيخ الاسلام رَحمَه الله تَعَالَى فِي كَلَام لَهُ لهَذَا اعْترض عبد الْجَبَّار وَابْن خطيب الرّيّ على الحَدِيث وجعلوه من الْآحَاد لما رَأَوْا احاديث تخَالف الْعقل وَهِي فِي الاصل مَوْضُوعَة انْتهى وَيَنْبَغِي أَن نتكلم هُنَا على أَخْبَار الْآحَاد وَأَنَّهَا تفِيد الْعلم وَله أَدِلَّة كَثِيرَة ذكرهَا النَّاظِم فِي كتاب (الصَّوَاعِق ( الاول أَن الْمُسلمين لما أخْبرهُم الْعدْل الْوَاحِد وهم بقباء فِي صَلَاة الصُّبْح أَن الْقبْلَة قد حولت الى الْكَعْبَة قبلوا خَبره وَتركُوا الْجِهَة الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا واستداورا الى الْقبْلَة وَلم يُنكر عَلَيْهِم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بل شكروا على ذَلِك وَكَانُوا على أَمر مَقْطُوع بِهِ من الْقبْلَة الاولى فلولا حُصُول الْعلم لَهُم بِخَبَر الْوَاحِد لم يتْركُوا الْمَقْطُوع بِهِ الْمَعْلُوم لخَبر لَا يُفِيد الْعلم وَغَايَة مَا يُقَال فِيهِ أَنه خبر اقْترن بِهِ قرينَة وَكثير مِنْهُم يَقُول لَا يُفِيد الْعلم بِقَرِينَة وَلَا غَيرهَا وَهَذَا فِي غَايَة المكابرة وَمَعْلُوم أَن قرينَة تلقي الامة لَهُ بِالْقبُولِ وَرِوَايَته قرنا بعد قرن من غير نَكِير من اقوى الْقَرَائِن وأظهرها فَأَي قرينَة فرضتها كَانَت تِلْكَ أقوى مِنْهَا الثَّانِي قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِن جَاءَكُم فَاسق بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ الحجرات 6 وَفِي الْقِرَاءَة الاخرى ﴿فتثبتوا﴾ وَهَذَا يدل على الْجَزْم بِقبُول خبر الْوَاحِد لانه يحْتَاج الى التثبت وَلَو كَانَ خَبره لَا يُفِيد الْعلم لامر بالتثبت حَتَّى يحصل الْعلم وَأَيْضًا فالسلف الصَّالح وأئمة الاسلام لم يزَالُوا يَقُولُونَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَذَا وَفعل كَذَا وَأمر بِكَذَا وَنهى عَن كَذَا وَهَذَا مَعْلُوم فِي كَلَامهم بِالضَّرُورَةِ وَفِي (صَحِيح البُخَارِيّ (قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي عدَّة مَوَاضِع وَكثير من آحاديث الصَّحَابَة يَقُول فِيهَا أحدهم قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَإِنَّمَا سَمعه من صَحَابِيّ غَيره
وَهَذِه شَهَادَة من الْقَائِل وَجزم على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِمَا نسبه اليه من قَول أَو فعل فَلَو كَانَ خبر الْوَاحِد لَا يُفِيد الْعلم لَكَانَ شَاهدا على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِغَيْر علم الثَّالِث أَن أهل الْعلم بِالْحَدِيثِ لم يزَالُوا يَقُولُونَ صَحَّ عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَذَلِكَ جزم مِنْهُم بِأَنَّهُ قَالَه الرَّابِع قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لينفروا كَافَّة فلولا نفر من كل فرقة مِنْهُم طَائِفَة ليتفقهوا فِي الدّين ولينذروا قَومهمْ إِذا رجعُوا إِلَيْهِم لَعَلَّهُم يحذرون﴾ التَّوْبَة 122 والطائفة تقع على الْوَاحِد فَمَا فَوْقه فَأخْبر أَن الطَّائِفَة تنذر قَومهمْ إِذا رجعُوا إِلَيْهِم فَلَو كَانَ خبر الْوَاحِد لَا يُفِيد الْعلم لَكَانَ ذَلِك الانذار أمرا بِمَا لَا فَائِدَة فِيهِ الْخَامِس قَوْله ﴿وَلَا تقف مَا لَيْسَ لَك بِهِ علم﴾ الاسراء 36 أَي لَا تتبعه وَلَا تعْمل بِهِ وَلم يزل الْمُسلمُونَ من عهد الصَّحَابَة يقفون أَخْبَار الْآحَاد ويعملون بهَا ويثبتون لله تَعَالَى بهَا الصِّفَات فلوا كَانَت لَا تفِيد علما لَكَانَ الصَّحَابَة والتابعون وتابعوهم وأئمة الاسلام كلهم قد قفوا مَا لَيْسَ لَهُم بِهِ علم السَّادِس قَوْله تَعَالَى ﴿فاسألوا أهل الذّكر إِن كُنْتُم لَا تعلمُونَ﴾ النَّحْل 43 فَأمر من لم يعلم أَن يسْأَل أهل الذّكر وهم اولو الْكتاب وَالْعلم وَلَوْلَا أَن أخبارهم تفِيد الْعلم لم يَأْمر بسؤال من لَا يُفِيد خَبره علما وَهُوَ سُبْحَانَهُ لم يقل سلوا عدد التَّوَاتُر بل أَمر بسؤال أهل الذّكر مُطلقًا فَلَو كَانَ وَاحِدًا لَكَانَ سُؤَاله وَجَوَابه كَافِيا السَّابِع قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الرَّسُول بلغ مَا أنزل إِلَيْك من رَبك وَإِن لم تفعل فَمَا بلغت رسَالَته﴾ الْمَائِدَة 67 وَقَالَ ﴿وَمَا على الرَّسُول إِلَّا الْبَلَاغ الْمُبين﴾
الْمَائِدَة 99 وَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (بلغُوا عني (وَقَالَ لاصحابه فِي الْجمع الاعظم يَوْم عَرَفَة (أَنْتُم مسؤولون عني فَمَاذَا أَنْتُم قَائِلُونَ قَالُوا نشْهد أَنَّك بلغت وَأديت وَنَصَحْت (وَمَعْلُوم أَن الْبَلَاغ هُوَ الَّذِي تقوم بِهِ الْحجَّة على الْمبلغ وَيحصل بِهِ الْعلم فَلَو كَانَ خبر الْوَاحِد لَا يحصل بِهِ الْعلم لم يَقع بِهِ التَّبْلِيغ الَّذِي تقوم بِهِ حجَّة الله على العَبْد فان الْحجَّة انما تقوم بِمَا يحصل بِهِ الْعلم وَقد كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُرْسل الْوَاحِد من أَصْحَابه يبلغ عَنهُ فتقوم الْحجَّة على من بلغه وَكَذَلِكَ قَامَت حجَّته علينا بِمَا بلغنَا الْعُدُول الثِّقَات من أَقْوَاله وأفعاله وسنته وَلَو لم يفد الْعلم لم تقم علينا بذلك حجَّة وَلَا على من بلغه وَاحِد اَوْ اثْنَان أَو ثَلَاثَة أَو أَرْبَعَة أَو دون عدد التَّوَاتُر وَهَذَا من أبطل الْبَاطِل فَيلْزم من قَالَ إِن أَخْبَار رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا تفِيد الْعلم أحد أَمريْن إِمَّا أَن يَقُول إِن الرَّسُول لم يبلغ غير الْقُرْآن وَمَا رَوَاهُ عَنهُ عدد التَّوَاتُر وَمَا سوى ذَلِك لم تقم بِهِ حجَّة وَلَا تَبْلِيغ واما أَن يَقُول إِن الْحجَّة والبلاغ حاصلان بِمَا لَا يُوجب علما وَلَا يَقْتَضِي علما واذا بَطل هَذَانِ الامران بَطل القَوْل بِأَن أخباره صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الَّتِي رَوَاهَا الثِّقَات الْعُدُول الْحفاظ وتلقتها الامة بِالْقبُولِ لَا تفِيد علما وَهَذَا ظَاهر لاخفاء بِهِ
الثَّامِن قَوْله تَعَالَى ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أمة وسطا لِتَكُونُوا شُهَدَاء على النَّاس وَيكون الرَّسُول عَلَيْكُم شَهِيدا﴾ الْبَقَرَة 143 وَقَوله ﴿وَفِي هَذَا ليَكُون الرَّسُول شَهِيدا عَلَيْكُم وتكونوا شُهَدَاء على النَّاس﴾ الْحَج 78 وَجه الِاسْتِدْلَال انه تَعَالَى أخبر أَنه جعل هَذِه الامة عُدُولًا خيارا ليشهدوا على النَّاس بِأَن رسلهم قد بلغوهم عَن الله رسَالَته وادوا عَلَيْهِم ذَلِك وَهَذَا يتَنَاوَل شَهَادَتهم على الامم الْمَاضِيَة وشهادتهم على أهل عصرهم وَمن بعدهمْ أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَمرهم بِكَذَا ونهاهم عَن كَذَا فهم حجَّة الله على من خَالف رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَزعم أَنه لم يَأْتهمْ من الله مَا تقوم بِهِ عَلَيْهِ الْحجَّة وَيشْهد كل وَاحِد بِانْفِرَادِهِ بِمَا وصل اليه من الْعلم الَّذِي كَانَ بِهِ من أهل الشَّهَادَة فَلَو كَانَت أَحَادِيث رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا تفِيد (الْعلم) لم يشْهد بِهِ الشَّاهِد وَلم تقم بِهِ الْحجَّة على الْمَشْهُود عَلَيْهِ التَّاسِع قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا يملك الَّذين يدعونَ من دونه الشَّفَاعَة إِلَّا من شهد بِالْحَقِّ وهم يعلمُونَ﴾ الزخرف 86 وَهَذِه الاخبار الَّتِي رَوَاهَا الثِّقَات الْحفاظ عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِمَّا أَن تكون حَقًا وَإِمَّا أَن تكون بَاطِلا اَوْ مشكوكا فِيهَا وَلَا يدْرِي هَل هِيَ حق أم بَاطِل فَإِن كَانَت بَاطِلا أَو مشكوكا فِيهَا وَجب اطراحها وَألا يلْتَفت اليها وَهَذَا انسلاخ من الاسلام بِالْكُلِّيَّةِ وان كَانَت حَقًا فَتجب الشَّهَادَة بهَا على الْبَتّ أَنَّهَا عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَكَانَ الشَّاهِد بذلك شَاهدا بِالْحَقِّ وَهُوَ يعلم صِحَة الْمَشْهُود بِهِ الْعَاشِر قَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (على مثلهَا فاشهد (وَأَشَارَ الى الشَّمْس
وَلم تزل الصَّحَابَة والتابعون وأئمة الحَدِيث يشْهدُونَ عَلَيْهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على الْقطع أَنه قَالَ كَذَا وَأمر بِهِ وَنهى عَنهُ وَفعله لما بَلغهُمْ إِيَّاه الْوَاحِد والاثنان وَالثَّلَاثَة فَيَقُولُونَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَذَا وَحرم كَذَا وأباح كَذَا وَهَذِه شَهَادَة جازمة يعلمُونَ أَن الْمَشْهُود بِهِ كَالشَّمْسِ فِي الوضوح وَلَا ريب أَن كل من لَهُ الْتِفَات إِلَى سنة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم واعتناء بهَا يشْهد شَهَادَة جازمة أَن الْمُؤمنِينَ يرَوْنَ رَبهم عيَانًا يَوْم الْقِيَامَة وَأَن قوما من أهل التَّوْحِيد يدْخلُونَ النَّار ثمَّ يخرجُون مِنْهَا بالشفاعة وَأَن الصِّرَاط حق وتكليم الله لِعِبَادِهِ يَوْم الْقِيَامَة كَذَلِك وَأَن الْوَلَاء لمن أعتق إِلَى غير أَضْعَاف أَضْعَاف ذَلِك بل يشْهد بِكُل خبر صَحِيح متلقى بِالْقبُولِ لم يُنكره أهل الحَدِيث شَهَادَة لَا يشك فِيهَا 3 الْحَادِي عشر أَن هَؤُلَاءِ المنكرين لإِفَادَة أَخْبَار النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم للْعلم يشْهدُونَ شَهَادَة جازمة قَاطِعَة على أئمتهم بمذاهبهم وأقوالهم وَأَنَّهُمْ قَالُوا وَقيل لَهُم (وَلَو قيل لَهُم) إِنَّهَا لم تصح عَنْهُم لأنكروا ذَلِك غَايَة الْإِنْكَار وتعجبوا من جهل قَائِله وَمَعْلُوم أَن تِلْكَ الْمذَاهب لم يروها عَنْهُم إِلَّا الْوَاحِد والإثنان وَالثَّلَاثَة وَنَحْوهم لم يروها عَنْهُم عدد التَّوَاتُر وَهَذَا مَعْلُوم يَقِينا فَكيف حصل لَهُم الْعلم الضَّرُورِيّ أَو المقارب للضروري بِأَن أئمتهم وَمن قلدوهم دينهم أفتو بِكَذَا وذهبوا إِلَى كَذَا وَلم يحصل لَهُم الْعلم بِمَا أخبر بِهِ أَبُو بكر الصّديق وَعمر بن الْخطاب وَسَائِر الصَّحَابَة عَن رَسُول اله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلَا بِمَا رَوَاهُ عَنْهُم التابعون وشاع الْأمة وذاع وتعددت طرقه وتنوعت وَكَانَ حرصه عَلَيْهِ أعظم
بِكَثِير من حرص أُولَئِكَ على أَقْوَال متبوعهم إِن هَذَا لَهو الْعجب العجاب الثَّانِي عشر قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اسْتجِيبُوا لله وَلِلرَّسُولِ إِذا دعَاكُمْ لما يُحْيِيكُمْ﴾ الْأَنْفَال 24 وَوجه الِاسْتِدْلَال أَن هَذَا أَمر لكل مُؤمن بلغته دَعْوَة الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى يَوْم الْقِيَامَة ودعوته نَوْعَانِ مُوَاجهَة وَنَوع بِوَاسِطَة الْمبلغ وَهُوَ مَأْمُور بإجابة الدعوتين فِي الْحَالَتَيْنِ وَقد علم أَن حَيَاته فِي تِلْكَ الدعْوَة والاستجابة لَهَا وَمن الْمُمْتَنع أَن يَأْمُرهُ الله تَعَالَى بالإجابة لما لَا يُفِيد علما أَو يجِيبه بِمَا لَا يُفِيد علما أَو يتوعد على ترك الإستجابة لما لَا يُفِيد علما بِأَنَّهُ ان لم يفعل عاقبه وَحَال بَينه وَبَين قلبه الثَّالِث عشر قَوْله تَعَالَى ﴿فليحذر الَّذين يخالفون عَن أمره أَن تصيبهم فتْنَة أَو يصيبهم عَذَاب أَلِيم﴾ النُّور 63 وَهَذَا يعم كل مُخَالف بلغه أمره صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَلَو كَانَ مَا بلغه لم يفد علما لما كَانَ متعرضا بمخالفة مَا لَا يُفِيد علما للفتنة وَالْعَذَاب الْأَلِيم فَإِن هَذَا إِنَّمَا يكون بعد قيام الْحجَّة القاطعة الَّتِي لَا يبْقى مَعهَا لمخالف أمره عذر الرَّابِع عشر قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا أطِيعُوا الله وَأَطيعُوا الرَّسُول﴾ النِّسَاء 59 إِلَى قَوْله ﴿وَالْيَوْم الآخر﴾ النِّسَاء 9 5 وَوجد الِاسْتِدْلَال أَنه أَمر أَن يرد مَا تنَازع فِيهِ المسلون إِلَى الله وَرَسُوله وَالرَّدّ إِلَى الله هُوَ الرَّد إِلَى كِتَابه وَالرَّدّ إِلَى الرَّسُول هُوَ الرَّد إِلَيْهِ فِي حَيَاته وَإِلَى سنته بعد وَفَاته فلولا أَن الْمَرْدُود إِلَيْهِ يُفِيد الْعلم وَفصل النزاع لم يكن فِي الرَّد إِلَيْهِ فَائِدَة إِذْ كَيفَ يرد حكم الْمُتَنَازع فِيهِ إِلَى مَا لَا يُفِيد علما الْبَتَّةَ وَلَا يدْرِي أَحَق هُوَ أم بَاطِل وَهَذَا برهَان قَاطع بِحَمْد الله فَلهَذَا قَالَ من زعم أَن أَخْبَار رَسُول الله
صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَا تفِيد علما إِنَّا نرد مَا تنازعنا فِيهِ إِلَى الْعُقُول والآراء والأقيسة فَإِنَّهَا تفِيد الْعلم الْخَامِس عشر مَا احْتج الشَّافِعِي رَحمَه الله تَعَالَى فَإِنَّهُ قَالَ أخبرنَا سُفْيَان عَن عبد الْملك بن عُمَيْر عَن أَبِيه عَن عبد الله بن مَسْعُود أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ (نضر الله عبدا سمع مَقَالَتي فحفظها ووعاها وأداها فَرب حَامِل فقه إِلَى غير فَقِيه وَرب حَامِل فقه إِلَى من هُوَ أفقه مِنْهُ ثَلَاث لَا يغل عَلَيْهِنَّ قلب مُسلم إخلاص لله والنصيحة للْمُسلمين وَلُزُوم جَمَاعَتهمْ
فَإِن دعوتهم تحيط من ورائهم قَالَ الشَّافِعِي فَلَمَّا ندب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى اسْتِمَاع مقَالَته وحفظها وأدائها أَمر أَن يُؤَدِّيهَا وَلَو وَاحِد دلّ على أَنه لَا يَأْمر من يُؤَدِّي عَنهُ إِلَّا مَا تقوم بِهِ الْحجَّة على من أدّى إِلَيْهِ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي عَنهُ حَلَال يُؤْتى وَحرَام يتَجَنَّب وحد يُقَام وَمَال يُؤْخَذ وَيُعْطِي ونصيحة فِي دين وَدُنْيا وَدلّ على أَنه قد يحمل الْفِقْه غيرالفقيه يكون لَهُ حَافِظًا وَلَا يكون فِيهِ فَقِيها وَأمر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِلُزُوم جمَاعَة الْمُسلمين مِمَّا يحْتَج بِهِ فِي أَن إِجْمَاع الْمُسلمين لَازم انْتهى وَالْمَقْصُود أَن خبر الْوَاحِد الْعدْل لَو لم يفد علما لأمر رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن لَا يقبل من أدّى إِلَيْهِ إِلَّا من عدد التَّوَاتُر الَّذِي لَا يحصل الْعلم إِلَّا بخبرهم وَلم يدع للحامل الْمُؤَدِّي وَإِن كَانَ وَاحِدًا لِأَن لِأَن مَا حمله لَا يُفِيد الْعلم فَلم يفعل مَا يسْتَحق الدُّعَاء وَحده إِلَّا بانضمامه إِلَى أهل التَّوَاتُر وَهَذَا خلاف مَا اقْتَضَاهُ الحَدِيث وَمَعْلُوم أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِنَّمَا ندب إِلَى ذَلِك وحث عَلَيْهِ وَأمر بِهِ لتقوم بِهِ الْحجَّة على من أدّى إِلَيْهِ فَلَو لم يفد الْعلم لم يكن فِيهِ حجَّة
السَّادِس عشر حَدِيث أبي رَافع الصَّحِيح عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ (لَا أَلفَيْنِ أحدكُم مُتكئا على أريكته يَأْتِيهِ الْأَمر من أَمْرِي يَقُول لَا نَدْرِي مَا هَذَا بَيْننَا وَبَيْنكُم الْقُرْآن إِلَّا وَإِنِّي أُوتيت الْكتاب وَمثله مَعَه (وَوجه الِاسْتِدْلَال أَن هَذَا نهي عَام لكل من بلغه حَدِيث صَحِيح عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن يُخَالِفهُ أَو يَقُول لَا أقبل إِلَّا الْقُرْآن بل هُوَ أَمر لَازم وَفرض حتم بِقبُول أخباره وسننه وإعلام مِنْهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنَّهَا من الله أوحاها إِلَيْهِ فَلَو لم تفد علما لقَالَ من بلغته إِنَّهَا أَخْبَار آحَاد لَا تفِيد علما فَلَا يلْزَمنِي قبُول مَالا علم لي بِصِحَّتِهِ وَالله تَعَالَى لم يكلفني الْعلم بِمَا لم أعلم صِحَّته وَلَا اعْتِقَاده بل هَذَا بِعَيْنِه هُوَ الَّذِي حذر مِنْهُ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أمته ونهاهم عَنهُ وَلما علم أَن فِي هَذِه الْأمة من يَقُول حذرهم مِنْهُ فَإِن الْقَائِل إِن أخباره لاتفيد الْعلم هَكَذَا يَقُول سَوَاء مَا نَدْرِي مَا هَذِه الْأَحَادِيث وَكَانَ سلف هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ بَيْننَا وَبَيْنكُم الْقُرْآن وخلفهم يَقُولُونَ بَيْننَا وَبَيْنكُم أَدِلَّة الْعُقُول وَقد صَرَّحُوا بذلك وَقَالُوا نقدم الْعُقُول على هَذِه الاحاديث آحادها ومتواترها ونقدم الأقيسة عَلَيْهَا السَّابِع عشر مَا رَوَاهُ مَالك عَن اسحاق بن عبد الله ابْن أبي طَلْحَة عَن أنس بن مَالك قَالَ كنت أَسْقِي أَبَا عُبَيْدَة ابْن الْجراح وَأَبا طَلْحَة الْأنْصَارِيّ وَأبي بن كَعْب شرابًا من فضيخ فَجَاءَهُمْ آتٍ فَقَالَ إِن الْخمر قد حرمت فَقَالَ أَبُو طَلْحَة قُم يَا أنس إِلَى هَذِه الجرار فاكسرها فَقُمْت إِلَى مهراس لنا فضربتها بأسفله حَتَّى كسرتها وَجه الِاسْتِدْلَال أَن أَبَا طَلْحَة أقدم على قبُول خبر التَّحْرِيم حَيْثُ ثَبت بِهِ التَّحْرِيم لما كَانَ حَلَالا وَهُوَ يُمكنهُ أَن يسمع من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم شفاها
وأكد ذَلِك الْقبُول باتلاف الْإِنَاء وَمَا فِيهِ وَهُوَ مَال وَمَا كَانَ ليقدم على إِتْلَاف المَال بِخَبَر من لَا يُفِيد خبْرَة الْعلم وَرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى جنبه فَقَامَ خبر ذَلِك الْآتِي عِنْده وَعند من مَعَه مقَام السماع من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِحَيْثُ لم يشكوا وَلم يرتابوا فِي صدقه والمتكلفون يَقُولُونَ إِن مثل ذَلِك الْخَبَر لَا يُفِيد الْعلم لَا بِقَرِينَة وَلَا بِغَيْر قرينَة الثَّامِن عشر أَن خبر الْوَاحِد لَو لم يفد الْعلم لم يثبت بِهِ الصَّحَابَة التَّحْلِيل وَالتَّحْرِيم والاباحة والفروض وَيجْعَل ذَلِك دينا يدان بِهِ فِي الأَرْض إِلَى آخر الدَّهْر فَهَذَا الصّديق رضى الله عَنهُ زَاد فِي الْفُرُوض الَّتِي فِي الْقُرْآن فرض الْجدّة وَجعله شَرِيعَة مستمرة إِلَى يَوْم الْقِيَامَة بِخَبَر مُحَمَّد ابْن مسلمة والمغيرة بن شُعْبَة فَقَط وَجعل حكم ذَلِك الْخَبَر فِي إِثْبَات هَذَا الْفَرْض حكم نَص الْقُرْآن فِي إِثْبَات فرض الْأُم ثمَّ اتّفق الصَّحَابَة والمسلمون بعدهمْ على إثْبَاته بِخَبَر الْوَاحِد وَأثبت عمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنهُ بِخَبَر حمل بن مَالك دِيَة الْجَنِين وَجعلهَا فرضا لَازِما للْأمة وَأثبت مِيرَاث الْمَرْأَة من دِيَة زَوجهَا بِخَبَر الضَّحَّاك بن سُفْيَان الْكلابِي وَحده وَصَارَ ذَلِك شرعا مستمرا إِ لى يَوْم الْقِيَامَة وَأثبت عُثْمَان بن عَفَّان شَرِيعَة عَامَّة فِي سُكْنى الْمُتَوفَّى عَنْهَا بِخَبَر فريعة بنت مَالك وَحدهَا وهذاأكثر من أَن يذكر بل هُوَ إِجْمَاع مَعْلُوم مِنْهُم وَلَا يُقَال على هَذَا إِنَّمَا يدل على الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد فِي الظنيات وَنحن لَا ننكر ذَلِك لأَنا قد قدمنَا أَنهم أَجمعُوا على قبُوله وَالْعَمَل بِمُوجبِه وَلَو جَازَ أَن يكون كذبا أَو غَلطا فِي نفس الْأَمر لكَانَتْ الامة مجمعة على قبُول الْخَطَأ وَالْعَمَل بِهِ وَهَذَا قدح فِي الدّين وَالْأمة التَّاسِع عشر أَن الرُّسُل صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِم كَانُوا يقبلُونَ خبر
الْوَاحِد ويقطعون بمضمونه فَقبله مُوسَى من الَّذِي جَاءَ من أقْصَى الْمَدِينَة قَائِلا لَهُ ﴿إِن الْمَلأ يأتمرون بك ليقتلوك﴾ الْقَصَص 20 فَجزم بِخَبَرِهِ وَخرج هَارِبا من الْمَدِينَة وَقبل خبر ابْنة صَاحب مَدين لما قَالَت ﴿إِن أبي يَدْعُوك ليجزيك أجر مَا سقيت لنا﴾ الْقَصَص 25 وَقبل خبر أَبِيهَا فِي قَوْله هَذِه ابْنَتي وَتَزَوجهَا بِخَبَرِهِ وَقبل يُوسُف الصّديق خبر الرَّسُول الَّذِي جَاءَهُ من عِنْد الْملك وَقَالَ لَهُ ﴿ارْجع إِلَى رَبك فَاسْأَلْهُ مَا بَال النسْوَة﴾ يُوسُف 50 وَقبل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خبر الْآحَاد الَّذين كَانُوا يخبرونه بِنَقْض عهد المعاهدين لَهُ وعزاهم بخبرهم واستباح دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالهمْ وسبى ذَرَارِيهمْ ورسل الله صلواته وَسَلَامه عَلَيْهِم لم يرتبوا على تِلْكَ الْأَخْبَار أَحْكَامهَا وهم يجوزون أَن تكون كذبا وغلطا وَكَذَلِكَ الْأمة لم تثبت الشَّرَائِع الْعَامَّة الْكُلية بأخبار الْآحَاد وهم يجوزون أَن تكون كذبا على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي نفس الْأَمر وَلم يخبروا عَن الرب تبَارك وَتَعَالَى فِي أَسْمَائِهِ وَصِفَاته وأفعاله بِمَا لَا علم لَهُم بِهِ بل يجوز أَن يكون كذبا وَخطأ فِي نفس ألأمر هَذَا مِمَّا يقطع بِبُطْلَانِهِ كل عَالم مستبصر الْعشْرُونَ أَن خبر الْعدْل الْوَاحِد المتلقى بِالْقبُولِ لَو لم يفد الْعلم لم تجز الشَّهَادَة على الله وَرَسُوله بمضمونه وَمن الْمَعْلُوم الْمُتَيَقن أَن الْأمة من عهد الصَّحَابَة إِلَى الْآن لم تزل تشهد على الله وعَلى رَسُوله بمضمون هَذِه الْأَخْبَار جازمين بِالشَّهَادَةِ فِي تصانيفهم وخطابهم فَيَقُولُونَ شرع الله كَذَا وَكَذَا على لِسَان رَسُوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَلَو لم يَكُونُوا عَالمين بِصدق تِلْكَ الْأَخْبَار جازمين بهَا لكانوا قد شهدُوا بِغَيْر علم وَكَانَت شَهَادَة زور وقولا على الله وَرَسُوله لغير علم لعمر الله هَذَا حَقِيقَة قَوْلهم وهم أولى بِشَهَادَة الزُّور من سَادَات الْأمة وعلمائها
قَالَ أَبُو عَمْرو ابْن الصّلاح وَقد ذكر الحَدِيث الصَّحِيح المتلقى بِالْقبُولِ الْمُتَّفق على صِحَّته وَهَذَا الْقسم جَمِيعه مَقْطُوع بِصِحَّتِهِ وَالْعلم اليقيني النظري وَاقع بِهِ خلافًا لقَوْل من نفى ذَلِك محتجا بِأَنَّهُ لَا يُفِيد إِلَّا الظَّن وَالظَّن قد يخطىء قَالَ وَقد كنت أميل إِلَى هَذَا وَأَحْسبهُ قَوِيا ثمَّ بَان لي الْمَذْهَب الَّذِي اخترناه هُوَ الصَّحِيح لِأَن ظن من هُوَ مَعْصُوم من الخطألا يخطىء وَالْأمة فِي إجماعها معصومة من الْخَطَأ وَلِهَذَا كَانَ الْإِجْمَاع الْمَبْنِيّ على الإجتهاد حجَّة مَقْطُوعًا بهَا وَأكْثر إجماعات الْعلمَاء كَذَلِك وَهَذِه نُكْتَة نفيسة نافعة انْتهى وَنقل النَّاظِم أَيْضا قَالَ قَالَ شيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية وَقد قسم الْأَخْبَار إِلَى تَوَاتر وآحاد فَقَالَ بعد ذكر التَّوَاتُر وَأما الْقسم الثَّانِي من الْأَخْبَار فَهُوَ مَا لايرويه إِلَّا الْوَاحِد الْعدْل وَنَحْوه وَلم يتواتر لَفظه وَلَا مَعْنَاهُ وَلَكِن تَلَقَّتْهُ الْأمة بِالْقبُولِ عملا بِهِ أَو تَصْدِيقًا لَهُ كَخَبَر عمر بن الْخطاب (إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ (وَخبر ابْن عمر (نهى عَن بيع الْوَلَاء وهبته (وَخبر أنس (دخل مَكَّة وعَلى رَأسه المغفر (وكخبر أبي هُرَيْرَة (لَا تنْكح الْمَرْأَة على عَمَّتهَا وَلَا على خَالَتهَا (وَكَقَوْلِه (يحرم من الرضَاعَة مَا يحرم من النّسَب (وَقَوله (إِذا جلس بَين شعبها الْأَرْبَع ثمَّ جهدها فقد وَجب الْغسْل وَقَوله فِي الْمُطلقَة ثَلَاثًا
(حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَته وَيَذُوق عُسَيْلَتك (وَقَوله (لَا يقبل الله صَلَاة أحدكُم إِذا أحدث حَتَّى يتَوَضَّأ (وَقَوله (إِنَّمَا الْوَلَاء لمن أعتق (وَقَوله يَعْنِي ابْن عمر فرض رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم صدقه الْفطر فِي رَمَضَان على الصَّغِير وَالْكَبِير وَالذكر وَالْأُنْثَى وأمثال ذَلِك فَهَذَا يُفِيد الْعلم اليقيني عِنْد جَمَاهِير أمة مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من الْأَوَّلين والآخرين أما السّلف فَلم يكن بَينهم فِي ذَلِك نزاع وَأما الْخلف فَهَذَا مَذْهَب الْفُقَهَاء الْكِبَار من أَصْحَاب الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وَالْمَسْأَلَة منقولة فِي كتب الْحَنَفِيَّة والمالكية وَالشَّافِعِيَّة والحنبلية مثل السَّرخسِيّ وَأبي بكر الرَّازِيّ من الْحَنَفِيَّة وَالشَّيْخ أبي الطّيب وَالشَّيْخ أبي إِسْحَاق من الشَّافِعِيَّة وَابْن خويز منداد وَغَيره من الْمَالِكِيَّة وَمثل القَاضِي أبي يعلى وَابْن أبي مُوسَى وَأبي الْخطاب وَغَيرهم من الحنبلية وَمثل إِسْحَق الأسفراييني وَابْن فورك وَأبي إِسْحَاق النظام من الْمُتَكَلِّمين وَإِنَّمَا نَازع فِي ذَلِك طَائِفَة كَابْن الباقلاني وَمن تبعه مثل أبي الْمَعَالِي وَالْغَزالِيّ وَابْن عقيل وَقد ذكر أَبُو عَمْرو ابْن الصّلاح القَوْل الأول وَصَححهُ وَاخْتَارَهُ وَلكنه لم يعلم كَثْرَة
الْقَائِلين بِهِ ليتقوى بهم وَإِنَّمَا قَالَه بِمُوجب الْحجَّة الصَّحِيحَة وَظن من اعْترض عَلَيْهِ من الْمَشَايِخ الَّذين لَهُم علم وَدين وَلَيْسَ لَهُم بِهَذَا الْبَاب خبْرَة تَامَّة أَن هَذَا الَّذِي قَالَه الشَّيْخ أَبُو عَمْرو انْفَرد بِهِ عَن الْجُمْهُور وَعذرهمْ أَنهم يرجعُونَ فِي هَذِه الْمسَائِل إِلَى مَا يجدونه من كَلَام ابْن الْحَاجِب وَإِن ارْتَقَوْا دَرَجَة صعدوا إِلَى السَّيْف الْآمِدِيّ وَإِلَى ابْن الْخَطِيب فَإِن علا سندهم صعدوا إِلَى الْغَزالِيّ والجويني والباقلاني قَالَ وَجَمِيع أهل الحَدِيث على مَا ذكره الشَّيْخ أَبُو عَمْرو وَالْحجّة على قَول الْجُمْهُور أَن تلقي الْأمة للْخَبَر تَصْدِيقًا وَعَملا إِجْمَاع مِنْهُم وَالْأمة لَا تَجْتَمِع على ضَلَالَة كَمَا لَو اجْتمعت على مُوجب عُمُوم أَو مُطلق أَو اسْم حَقِيقَة أَو على مُوجب قِيَاس فَإِنَّهَا لَا تَجْتَمِع على خطأ وَإِن كَانَ الْوَاحِد مِنْهُم لَو جرد النّظر إِلَيْهِ لم يُؤمن عَلَيْهِ الْخَطَأ فَإِن الْعِصْمَة ثبتَتْ بِالسنةِ الاجماعية كَمَا أَن خبر التَّوَاتُر يجوز الْخَطَأ وَالْكذب على وَاحِد من المخبرين بمفرد وَلَا يجوز على الْمَجْمُوع وَالْأمة معصومة من الْخَطَأ فِي رِوَايَتهَا ورأيها ورؤياها كَمَا قَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (أرى رؤياكم قد تواطأت على أَنَّهَا فِي الْعشْر الْأَوَاخِر فَمن كَانَ متحريها فليتحرها فِي السَّبع الْأَوَاخِر فَجعل تواطأ الرُّؤْيَا دَلِيلا على صِحَّتهَا والآحاد فِي هَذَا الْبَاب قد يكون ظنونا بشروطها فَإِذا قويت صَارَت علوما وَإِذا ضعفت صَارَت أوهاما وخيالات فَاسِدَة قَالَ وَأَيْضًا فَلَا يجوز أَن يكون فِي نفس الْأَمر كذبا على الله وَرَسُوله وَلَيْسَ فِي الْأمة من يُنكره إِذْ هُوَ خلاف مَا وَصفهم الله تَعَالَى بِهِ فَإِن قيل أما الْجَزْم بصدقه فَلَا يُمكن مِنْهُم وَأما الْعَمَل بِهِ فَهُوَ الْوَاجِب عَلَيْهِم وَإِن لم يكن صَحِيحا
فِي الْبَاطِن وَهَذَا سُؤال ابْن الباقلاني قُلْنَا وَأما الْجَزْم بصدقه فَإِنَّهُ قد يحتف بِهِ من الْقَرَائِن مَا يُوجب الْعلم إِذْ الْقَرَائِن الْمُجَرَّدَة قد تفِيد الْعلم بمضمونها فَكيف إِذا احتفت بالْخبر والمنازع بني على هَذَا أَصله الواهي أَن الْعلم بِمُجَرَّد الْأَخْبَار لَا يحصل إِلَّا من جِهَة الْعدَد فَلَزِمَهُ ان يَقُول مَا دون الْعدَد لَا يُفِيد أصلا وَهَذَا غلط خَالفه فِيهِ حذاق أَتْبَاعه وَأما الْعَمَل بِهِ فَلَو جَازَ أَن يكون فِي الْبَاطِن كذبا وَقد وَجب علينا الْعَمَل بِهِ لَا نعقد الاجماع على مَا هُوَ كذب وَخطأ فِي نفس الْأَمر وَهَذَا بَاطِل فَإِذا كَانَ تلقي الْأمة لَهُ بِالْقبُولِ يدل على صدقه بِأَنَّهُ إِجْمَاع مِنْهُم على أَنه صدق مَقْبُول بِإِجْمَاع السّلف وَالصَّحَابَة أولى أَن يدل على صدقه فَإِنَّهُ لَا يُمكن أحد أَن يَدعِي إِجْمَاع الْأمة إِلَّا فِيمَا أجمع عَلَيْهِ سلفها من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَأما بعد ذَلِك فقد انتشرت انتشارا لَا 2 تضبط أَقْوَال جَمِيعهَا قَالَ وَاعْلَم أَن جُمْهُور أَحَادِيث البُخَارِيّ وَمُسلم من هَذَا الْبَاب كَمَا ذكر الشَّيْخ أَبُو عَمْرو وَمن قبله الْعلمَاء كالحافظ أبي طَاهِر السلَفِي وَغَيره فَإِنَّمَا تَلقاهُ اهل الحَدِيث وعلماؤه بِالْقبُولِ والتصديق فَهُوَ مُحَصل للْعلم مُفِيد لليقين وَلَا عِبْرَة بِمن عداهم من الْمُتَكَلِّمين والأصوليين فَإِن الِاعْتِبَار فِي الاجماع على كل أَمر من الْأُمُور الدِّينِيَّة على أهل الْعلم بِهِ دون غَيرهم كَمَا لم يعْتَبر على الاجماع فِي الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة إِلَّا الْعلمَاء بهَا دون الْمُتَكَلِّمين والنحاة والأطباء وَكَذَلِكَ لَا يعْتَبر فِي الْإِجْمَاع على صدق الحَدِيث وَعدم صدقه إِلَّا أهل الْعلم بِالْحَدِيثِ وطرقه وَعلله وهم عُلَمَاء أهل الحَدِيث الْعَالمُونَ بأحوال نَبِيّهم الضابطون لأقواله وأفعاله المعتنون بهَا اشد من عناية المقلدين بأقوال متبوعهم فَكَمَا أَن الْعلم بالتواتر يَنْقَسِم إِلَى عَام وخاص فيتواتر عِنْد الْخَاصَّة مَالا يكون مَعْلُوما لغَيرهم فضلا أَن يتواتر
عِنْدهم فَأهل الحَدِيث لشدَّة عنايتهم بِسنة نَبِيّهم وضبطهم لأقواله وأفعاله وأحواله يعلمُونَ من ذَلِك علما لَا يَشكونَ فِيهِ مِمَّا لَا شُعُور لغَيرهم بِهِ الْبَتَّةَ فخبر أبي بكر وَعمر بن الْخطاب ومعاذ بن جبل وَابْن مَسْعُود وَنَحْوهم يُفِيد الْعلم الْجَازِم الَّذِي يلْتَحق عِنْدهم بقسم الضروريات وَعند الْجَهْمِية والمعتزلة وَغَيرهم من أهل الْكَلَام لَا يُفِيد علما وَكَذَلِكَ يعلمُونَ بِالضَّرُورَةِ أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لم يقل ذَلِك ويعلمون بِالضَّرُورَةِ ان نَبِيّهم صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أخبر عَن خُرُوج قوم من النَّار بالشفاعة وَعند الْمُعْتَزلَة والخوارج لم يقل ذَلِك وَبِالْجُمْلَةِ فهم جازمون بِأَكْثَرَ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة قاطعون بِصِحَّتِهَا عَن وَغَيرهم لَا علم عِنْده بذلك وَالْمَقْصُود أَن هَذَا الْقسم من الْأَخْبَار يُوجب الْعلم عِنْد جُمْهُور الْعُقَلَاء انْتهى وَقد أَطَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى الْكَلَام فِي هَذَا الْمقَام وَأكْثر النقول عَن الْعلمَاء فِي أَن أَخْبَار الْآحَاد تفِيد الْعلم وَالْيَقِين وَلَكِن تَرَكْنَاهُ اختصارا وَفِيمَا ذَكرْنَاهُ كِفَايَة وَالله أعلم وَقَول النَّاظِم... وَزَعَمت أَن الله كلم عَبده مُوسَى فأسمعه ندا الرَّحْمَن... أفتسمع الْأَذَان غير الْحَرْف وَالصَّوْت الَّذِي خصت بِهِ الأذنان... وَكَذَا النداء فَإِنَّهُ صَوت بِإِجْمَاع النُّحَاة وَأهل كل لِسَان... لكنه صَوت رفيع وَهُوَ ضد للنجاء كِلَاهُمَا صوتان...
.. فَزَعَمت أَن الله ناداه ونا جاه وَفِي ذَا الزَّعْم محذوران... قرب الْمَكَان وَبعده وَالصَّوْت بل نَوْعَانِ محذوران ممتنعان... هَذَا إِشَارَة إِلَى الرَّد على الْقَائِلين بالْكلَام النَّفْسِيّ وَالْمعْنَى الْمُجَرّد قَالَ شيخ الْإِسْلَام فَقَوْل اله تَعَالَى ﴿وكلم الله مُوسَى تكليما﴾ النِّسَاء 164 ﴿وَلما جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلمه ربه﴾ الْأَعْرَاف 143 ﴿وناديناه من جَانب الطّور الْأَيْمن وقربناه نجيا﴾ مَرْيَم 2 5 ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودي يَا مُوسَى إِنِّي أَنا رَبك فاخلع نعليك إِنَّك بالواد الْمُقَدّس طوى وَأَنا اخْتَرْتُك فاستمع لما يُوحى﴾ طه 11 الْآيَات دَلِيل على تكليم يسمعهُ مُوسَى وَالْمعْنَى الْمُجَرّد لَا يسمع بِالضَّرُورَةِ وَمن قَالَ أَنه يسمع فَهُوَ مكابر وَدلّ الدَّلِيل على أَنه ناداه والنداء لَا يكون إِلَّا صَوتا مسموعا فَلَا يعقل فِي لُغَة الْعَرَب لفظ النداء بِغَيْر صَوت مسموع لَا حَقِيقَة وَلَا مجَازًا انْتهى وَقَالَ الإِمَام موفق الدّين بن قدامَة فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وكلم الله مُوسَى تكليما﴾ وَكَلمه ربه وَقَالَ تَعَالَى ﴿وناديناه من جَانب الطّور الْأَيْمن﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِذْ ناداه ربه بالواد الْمُقَدّس طوى﴾ أجمعنا على أَن مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام سمع كَلَام الله تَعَالَى من الله لَا من شَجَرَة وَلَا من حجر وَلَا من غَيره لِأَنَّهُ لَو سمع من غير الله تَعَالَى لَكَانَ بَنو إِسْرَائِيل أفضل فِي ذَلِك مِنْهُ لأَنهم سمعُوا من أفضل مِمَّن سمع مِنْهُ مُوسَى لكَوْنهم سمعُوا من مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام وَهُوَ على زعمهم إِنَّمَا سمع من الشَّجَرَة ثمَّ يُقَال لَهُم لم سمي مُوسَى كليم الله وَإِذا ثَبت أَن مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام إِنَّمَا سمع من الله عز وَجل لم يجز أَن يكون الْكَلَام الَّذِي سَمعه إِلَّا صَوتا وحرفا فَإِنَّهُ لَو كَانَ معنى فِي النَّفس وفكرة ورؤية لم يكن
ذَلِك تكليما لمُوسَى وَلَا هُوَ شيئ يسمع والفكر لَا يُسمى مناداة فان قَالُوا نَحن لَا نُسَمِّيه صَوتا مَعَ كَونه مسموعا قُلْنَا هَذَا مُخَالفَة فِي اللَّفْظ مَعَ الْمُوَافقَة فِي الْمَعْنى فَإِنَّهُ لَا يعْنى بالصوت إِلَّا مَا كَانَ مسموعا ثمَّ إِن لفظ الصَّوْت قد صحت بِهِ الاخبار وَقَالَ الْحَافِظ ابْن حجر فِي (شرح البُخَارِيّ (وَمن نفى الصَّوْت يلْزمه أَن الله تَعَالَى لم يسمع أحدا من مَلَائكَته وَلَا رسله كَلَامه بل ألهمهم إِيَّاه إلهاما قَالَ وَحَاصِل الِاحْتِجَاج للنَّفْي الرُّجُوع الى الْقيَاس على اصوات المخلوقين لانها الَّتِي عهِدت ذَات مخارج كَمَا أَن الرُّؤْيَة قد تكون من غير اتِّصَال أشعة وَلَئِن سلم فَيمْنَع الْقيَاس الْمَذْكُور لَان صفة الْخَالِق لَا تقاس على صفة المخلوقين وَحَيْثُ ثَبت ذكر الصَّوْت بِهَذِهِ الاحاديث الصَّحِيحَة وَجب الايمان بِهِ وَقَالَ ابْن حجر أَيْضا فِي مَوضِع آخر من (شرح البُخَارِيّ (قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (ثمَّ يناديهم بِصَوْت يسمعهُ من قرب كَمَا يسمعهُ من بعد (حمله بعض الائمة على مجَاز يَأْمر من يُنَادي فاستبعده بعض من اثْبتْ الصَّوْت لِأَن فِي قَوْله (يسمعهُ من بعد (إِشَارَة الى أَنه لَيْسَ من الْمَخْلُوقَات لِأَنَّهُ لم يعْهَد مثل هَذَا فيهم وَبِأَن الْمَلَائِكَة إِذا سَمِعُوهُ صعقوا واذا سمع بَعْضهَا بَعْضًا لم يصعقوا قَالَ فعلى هَذَا صَوته صفة من صِفَات ذَاته لَيْسَ يشبه صَوت غَيره اذ لَيْسَ يُوجد شَيْء من صِفَات المخلوقين قَالَ وَهَكَذَا قَرَّرَهُ المُصَنّف يَعْنِي الامام البُخَارِيّ فِي كتاب (خلق أَفعَال الْعباد (انْتهى وَمن الاحاديث فِي إِثْبَات الصَّوْت مَا رَوَاهُ جَابر بن عبد الله رَضِي الله عَنهُ قَالَ خرجت الى الشَّام الى عبد الله بن أنيس الانصاري رَضِي الله عَنهُ فَقَالَ عبد الله بن انيس سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول (يحْشر الله الْعباد (
(النَّاس (وأو مأبيده الى الشَّام (حُفَاة عُرَاة غرلًا بهما (قَالَ لَيْسَ مَعَهم شَيْء قَالَ (فيناديهم بِصَوْت يسمعهُ من بعد كَمَا يسمعهُ من قرب أَنا الْملك أَنا الديَّان لَا يَنْبَغِي لَاحَدَّ من أهل الْجنَّة أَن يدْخل الْجنَّة وَأحد من اهل النَّار يَطْلُبهُ بمظلمة حَتَّى اللَّطْمَة وَلَا يَنْبَغِي لَاحَدَّ من أهل النَّار أَن يدْخل النَّار وَأحد من أهل الْجنَّة يَطْلُبهُ بمظلمة حَتَّى اللَّطْمَة (قُلْنَا كَيفَ وَإِنَّمَا نأتي حُفَاة عُرَاة غرلًا قَالَ (بِالْحَسَنَاتِ والسيئات (أخرج أَصله البُخَارِيّ تَعْلِيقا مستشهدا بِهِ ألى قَوْله (أَنا الْملك أَنا الديَّان (وَأخرجه الامام أَحْمد وَأَبُو يعلي الْموصِلِي وَالطَّبَرَانِيّ واخرجه الْحَافِظ ضِيَاء الدّين الْمَقْدِسِي بِسَنَدِهِ الى جَابر ابْن عبد الله رَضِي الله عَنْهُمَا قَالَ بَلغنِي أَن للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حَدِيثا فِي الْقصاص وَكَانَ صَاحب الحَدِيث بِمصْر فاشتريت بَعِيرًا فشددت عَلَيْهِ رحلا وسرت حَتَّى وَردت مصر فمضيت الى بَاب الرجل الَّذِي بَلغنِي عَنهُ الحَدِيث فقرعت بَابه فَخرج الي مَمْلُوكه فَنظر فِي وَجْهي وَلم يكلمني فَدخل الى سَيّده فَقَالَ أَعْرَابِي فَقَالَ سَله من أَنْت فَقَالَ جَابر بن عبد الله الانصاري فَخرج الي مَوْلَاهُ فَلَمَّا تراءينا اعتنق أَحَدنَا بِصَاحِبِهِ فَقَالَ يَا جَابر مَا جِئْت تعرف فَقلت حَدِيث بَلغنِي عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الْقصاص وَلَا تَظنن أَن احدا مِمَّن مضى وَمِمَّنْ بَقِي أحفظ لَهُ مِنْك قَالَ نعم يَا جَابر سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول (ان الله تَعَالَى يبعثكم يَوْم الْقِيَامَة من قبوركم حُفَاة عُرَاة غرلًا بهما ثمَّ يُنَادي بِصَوْت رفيع غير
فظيع يسمعهُ من بعد كمن قرب أَنا الديَّان لَا تظالم الْيَوْم أما وَعِزَّتِي لَا يجاوزني الْيَوْم ظلم ظَالِم وَلَو لطمة بكف اَوْ يَد على يَد أَلا وَإِن أَشد مَا أَتَخَوَّف على أمتِي من بعدِي عمل قوم لوط فلترتقب أمتِي الْعَذَاب إِذا تكافأ النِّسَاء بِالنسَاء وَالرِّجَال بِالرِّجَالِ (وَقد رَوَاهُ عبد الْحق الاشبيلي من طَرِيق الْحَارِث بن أبي أُسَامَة وَمن (مُسْنده (نَقله وخرجه عَليّ بن معبد الْبَغَوِيّ الملكي وَغَيره وَفِيه فابتعت بَعِيرًا فشددت عَلَيْهِ رحلي ثمَّ سرت اليه فسهرت شهرا حَتَّى قدمت الشَّام فَإِذا عبد الله بن أنيس الانصاري فَأتيت منزله فَأرْسلت اليه ان جَابِرا على الْبَاب فَرجع الرَّسُول الي فَقَالَ جَابر بن عبد الله قلت نعم فَرجع اليه فَخرج فاعتنقته فَقلت حَدِيث بَلغنِي أَنَّك سمعته من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الْمَظَالِم لم أسمعهُ قَالَ سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول (يحْشر الله الْعباد (اَوْ قَالَ (النَّاس (الحَدِيث وَفِي حَدِيث ابْن مَسْعُود قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (إِن الله إِذا تكلم بِالْوَحْي سمع أهل السَّمَاء صلصلة كجر السلسلة على الصَّفَا فيصعقون فَلَا يزالون كَذَلِك حَتَّى يَأْتِيهم جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام فاذا جَاءَهُم جِبْرِيل فزع عَن قُلُوبهم فَيَقُولُونَ يَا جِبْرِيل مَاذَا قَالَ رَبك قَالَ فَيَقُول الْحق فينادون الْحق الْحق (أخرجه أَبُو دَاوُد وَرِجَاله ثِقَات وَنَحْوه من حَدِيث أبي هُرَيْرَة رَوَاهُ البُخَارِيّ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن ماجة وَكَذَا روا هـ الامام احْمَد وَابْنه عبد الله وَقَالَ سَأَلت أبي فَقلت يَا أبي الْجَهْمِية يَزْعمُونَ أَن الله لَا يتَكَلَّم بِصَوْت فَقَالَ كذبُوا إِنَّمَا يدورون على التعطيل
وروى الامام احْمَد رَضِي الله عَنهُ بِسَنَدِهِ الى عبد الله بن مَسْعُود قَالَ إِذا تكلم الله بِالْوَحْي سمع صَوته أهل السَّمَاء قَالَ السجْزِي وَمَا فِي رُوَاة هَذَا الْخَبَر الا أَمَام مَقْبُول وتتمة الْخَبَر فَيَخِرُّونَ سجدا حَتَّى إِذا فزع عَن قُلُوبهم قَالَ سكن عَن قُلُوبهم قَالَ أهل السَّمَاء مَاذَا قَالَ ربكُم قَالُوا الْحق قَالَ كَذَا وَكَذَا قَالَ القَاضِي أَبُو الْحُسَيْن وَغَيره وَمثل هَذَا لَا يَقُوله ابْن مَسْعُود رَضِي الله عَنهُ إِلَّا توقيفا لانه إِثْبَات صفة للذات انْتهى وَقد رُوِيَ فِي أثبات الْحَرْف وَالصَّوْت أَحَادِيث تزيد على اربعين حَدِيثا بَعْضهَا صِحَاح وَبَعضهَا حسان ويحتج بهَا أخرجهَا الامام الْحَافِظ ضِيَاء الدّين الْمَقْدِسِي وَغَيره وَأخرج الامام أَحْمد غالبها وَاحْتج بِهِ وَأخرج الْحَافِظ ابْن حجر غالبها أَيْضا فِي (شرح البُخَارِيّ (وَاحْتج بِهِ البُخَارِيّ وَغَيره من أَئِمَّة الحَدِيث على أَن الْحق جلّ شَأْنه يتَكَلَّم بِحرف وَصَوت وَقد صححوا هَذَا الاصل واعتقدوه واعتمدوا على ذَلِك منزهين الله تَعَالَى عَمَّا لايليق بجلاله من شُبُهَات الْحُدُوث وسمات النَّقْص كَمَا قَالُوا فِي سَائِر الصِّفَات فاذا رَأينَا أحدا من النَّاس مِمَّن لَا يقدر عشر معشار هَؤُلَاءِ قد دونوا هَذِه الصِّفَات وَعمِلُوا بهَا ودانوا الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بهَا وصرحوا بِأَن الله تَعَالَى تكلم بِحرف وَصَوت لَا يشبهان صَوت مَخْلُوق وَلَا حِرْفَة بِوَجْه الْبَتَّةَ معتمدين على مَا صَحَّ عِنْدهم عَن صَاحب الشَّرِيعَة الْمَعْصُوم فِي أَقْوَاله وأفعاله الَّذِي لَا ينْطق عَن الْهوى إِن هُوَ الا وَحي يُوحى مَعَ اعْتِقَادهم الْجَازِم الَّذِي لَا يَعْتَرِيه شكّ وَلَا وهم وَلَا خيال نفي التَّشْبِيه والتمثيل والتحريف والتعطيل بل يَقُولُونَ فِي صفة الْكَلَام كَمَا يَقُولُونَ فِي سَائِر الصِّفَات اثباتا بِلَا تَمْثِيل
وتنزيها بِلَا تَعْطِيل كَمَا عَلَيْهِ سلف الامة وفحول الائمة فَهُوَ حق الْيَقِين وَمَا بعد الْحق الا الضلال قَالَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى... وَزَعَمت أَن مُحَمَّدًا أسرِي بِهِ لَيْلًا أليه فَهُوَ مِنْهُ دَان... وَزَعَمت أَن مُحَمَّد يَوْم اللقا يُدْنِيه رب الْعَرْش بالرضوان... حَتَّى يرى الْمُخْتَار حَقًا قَاعِدا مَعَه على الْعَرْش الرفيع الشان... وَزَعَمت أَن لعرشه أطا بِهِ كلارحل أط بِرَاكِب عجلَان... وَزَعَمت أَن الله أبدى بعضه للطور حَتَّى عَاد كالكثبان... لما تجلى يَوْم تكليم الرضى مُوسَى الكليم مُكَلم الرَّحْمَن... وَزَعَمت للمعبود وَجها بَاقِيا وَله يَمِين بل زعمت يدان... وَزَعَمت ان يَدَيْهِ للسبع العلى والارض يَوْم الْحَشْر قابضتان... وَزَعَمت ان يَمِينه ملأى من الْخيرَات مَا غاضت على الازمان... وَزَعَمت ان الْعدْل فِي الاخرى بهَا... رفع وخفض وَهُوَ بالميزان وَزَعَمت أَن الْخلق طرا عِنْده... يَهْتَز فَوق اصابع الرَّحْمَن وَزَعَمت ايضا ان قلب العَبْد مَا... بَين اثْنَتَيْنِ من الاصابع عان وَزَعَمت ان الله يضْحك عِنْدَمَا... يتقابل الصفان يقتتلان من عَبده يَأْتِي فيبدي نَحره... لعَدوه طلبا لنيل جنان...
.. وكذاك يضْحك عِنْدَمَا يثب الْفَتى... من فرشه لتلاوة الْقُرْآن وكذاك يضْحك من قنوط عباده... إِذْ أجدبوا والغيث مِنْهُم دَان وَزَعَمت ان الله يرضى عَن أولي الْحسنى... ويغضب من أولي العصياني وَزَعَمت ان الله يسمع صَوته... يَوْم الْمعَاد بعيدهم والداني لما يناديهم أَنا الديَّان لَا... ظلم لدي فَيسمع الثَّقَلَان وَزَعَمت ان الله يشرق نوره... فِي الارض يَوْم الْفَصْل وَالْمِيزَان وَزَعَمت ان الله يكْشف سَاقه... فيخر ذَاك الْجمع للاذقان وَزَعَمت أَن الله يبسط كَفه... لمسيئنا ليتوب من عصيان وَزَعَمت ان يَمِينه تطوى السما... طي السّجل على كتاب بَيَان وَزَعَمت ان الله ينزل فِي الدجى... فِي ثلث ليل آخر أَو ثَان فَيَقُول هَل من سَائل فَأُجِيبَهُ... فَأَنا الْقَرِيب أُجِيب من ناداني وَزَعَمت أَن لَهُ نزولا ثَانِي... يَوْم الْقِيَامَة للْقَضَاء الثَّانِي وَزَعَمت أَن الله يَبْدُو جهرة... لِعِبَادِهِ حَتَّى يرى بعيان بل يسمعُونَ كَلَامه ويرونه... فالمقلتان اليه ناظرتان وَزَعَمت أَن لربنا قدما وَأَن... الله واضعها على النيرَان فهناك يدنو بَعْضهَا من بَعْضهَا... وَتقول قطّ قطّ حَاجَتي وكفاني...
.. وَزَعَمت أَن النَّاس يَوْم ازيدهم... كل يحاضر ربه ويداني بِالْحَاء مَعَ ضاد وجامع صادها... وَجْهَان فِي ذَا اللَّفْظ محفوظان فِي التِّرْمِذِيّ ومسند وسواهما... من كتب تجسيم بِلَا كتمان ووصفته بِصِفَات حَيّ فَاعل... بِالِاخْتِيَارِ وذانك الاصلان اصل التَّفَرُّق بَين هَذَا الْخلق فِي الْبَارِي... فَكُن فِي النَّفْي غير جبان اولا فَلَا تلعب بِدينِك ناقضا... نفيا باثبات بِلَا فرقان فَالنَّاس بَين معطل أَو مُثبت... اَوْ ثَالِث متناقض صنعان وَالله لست برابع لَهُم بلَى... إِمَّا حمارا أَو من الثيران فاسمح بانكار الْجَمِيع وَلَا تكن... متناقضا رجل لَهُ وَجْهَان أَولا فَفرق بَين مَا أثبتته... ونفيته بِالنَّصِّ والبرهان فالباب بَاب وَاحِد فِي النَّفْي وَال... إِثْبَات فِي عقل وَفِي ميزَان فَمَتَى أقرّ بِبَعْض ذَلِك مُثبت... لزم الْجَمِيع أَو أئت بالفرقان وَمَتى نفى شَيْئا وَأثبت مثله... فمجسم متناقض ديصان فذروا المراء وصرحوا بمذاهب... القدماء وانسلخوا من الايمان... قَول النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى وَزَعَمت ان مُحَمَّد أسرِي بِهِ الخ تقدم الْكَلَام فِي الاسراء بِمَا يُغني عَن الاعادة قَوْله وَزَعَمت أَن مُحَمَّدًا يَوْم اللقا يُدْنِيه رب الْعَرْش بالرضوان الخ