وَالْحكمَة الْعليا على نَوْعَيْنِ أَيْضا حصلا بقواطع الْبُرْهَان
.. إِحْدَاهمَا فِي خلقه سُبْحَانَهُ... نَوْعَانِ أَيْضا لَيْسَ يفترقان... أَحْكَام هَذَا الْخلق إِذْ إيجادة... فِي غَايَة الإحكام والاتقان... وصدوره من أجل غايات لَهُ... وَله عَلَيْهَا حمد كل لِسَان وَالْحكمَة الْأُخْرَى فحكمة شَرعه... أَيْضا وفيهَا ذَلِك الوصفان غاياتها اللَّاتِي حمدن وَكَونهَا... أَيْضا وفيهَا الإتقان وَالْإِحْسَان... قَالَ شيخ الاسلام رَحمَه الله لأهل السّنة فِي تَعْلِيل افعال الله تَعَالَى وَأَحْكَامه قَولَانِ وَالْأَكْثَرُونَ على التَّعْلِيل وَالْحكمَة وَهل هِيَ مُنْفَصِلَة عَن الرب لَا تقوم بِهِ أَو قَائِمَة مَعَ ثُبُوت الحكم الْمُنْفَصِل لَهُم فِيهِ أَيْضا قَولَانِ وَهل يتسلسل الحكم أَو لَا يتسلسل أَو يتسلسل فِي الْمُسْتَقْبل دون الْمَاضِي فِيهِ اقوال قَالَ احْتج المثبتون للحكمة وَالْعلَّة بقوله تَعَالَى ﴿من أجل ذَلِك كتبنَا على بني إِسْرَائِيل﴾ الْمَائِدَة وَقَوله كي لَا يكون دولة الْحَشْر وَقَوله ﴿وَمَا جعلنَا الْقبْلَة الَّتِي كنت عَلَيْهَا﴾ الا لنعلم الْبَقَرَة ونظائرها لِأَنَّهُ تَعَالَى حَكِيم شرع الْأَحْكَام لحكمة ومصلحة لقَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاك إِلَّا رَحْمَة للْعَالمين﴾ الْأَنْبِيَاء والاجماع وَاقع على اشْتِمَال الْأَفْعَال على الحكم والمصالح جَوَازًا عِنْد اهل السّنة ووجوبا عِنْد الْمُعْتَزلَة فيفعل مَا يُرِيد بِحِكْمَتِهِ والنافون للحكمة وَالْعلَّة احْتَجُّوا أَنه يلْزم من قدم الْعلَّة قدم الْمَعْلُول وَهُوَ محَال وَمن حدوثها افتقارها الى عِلّة أُخْرَى وَأَنه يلْزم التسلسل وَقد أجلب النَّاظِم وَأَطْنَبَ فِي كِتَابه شرح منَازِل السائرين ومفتاح السَّعَادَة وَغَيرهمَا فمما احْتج بِهِ فِي مِفْتَاح دَار السَّعَادَة قَوْله
تَعَالَى ﴿أم حسب الَّذين اجترحوا السَّيِّئَات أَن نجعلهم كَالَّذِين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات سَوَاء محياهم ومماتهم سَاءَ مَا يحكمون﴾ فَدلَّ على ان هَذَا الحكم بِشَيْء قَبِيح يتنزه الله عَنهُ فَأنكرهُ من جِهَة قبحه فِي نَفسه لَا من جِهَة كَونه انه لَا يكون وَمن هَذَا إِنْكَاره سُبْحَانَهُ على من جوز أَن يتْرك عباده سدى لَا يَأْمُرهُم وَلَا ينهاهم وَلَا يثيبهم وَلَا يعاقبهم وَأَن هَذَا الْحساب بَاطِل وَالله يتعالى عَنهُ لمنافاته لحكمته فَقَالَ تَعَالَى ﴿أيحسب الْإِنْسَان أَن يتْرك سدى﴾ الْقِيَامَة فَأنْكر سُبْحَانَهُ على من زعم أَنه يتْرك سدى إِنْكَار من جعل فِي الْعقل استقباح ذَلِك واستهجانه وَأَنه لَا يَلِيق أَن ينْسب ذَلِك إِلَى أحكم الْحَاكِمين وَمثله قَوْله تَعَالَى أفحسبتم أَنما خَلَقْنَاكُمْ عَبَثا وأنكم الينا لَا ترجعون فتعالى الله الْملك الْحق لَا إِلَه إِلَّا هُوَ رب الْعَرْش الْكَرِيم الْمُؤْمِنُونَ فنزه نَفسه سُبْحَانَهُ وباعدها عَن هَذَا الحسبان وَأَنه متعال عَنهُ فَلَا يَلِيق بِهِ لقبحه ومنافاته الْحِكْمَة ثمَّ إِنَّه رَحمَه الله بسط القَوْل فِي ذَلِك بسطا كثيرا لَا يحْتَملهُ هَذَا الْموضع وَالله أعلم