فِي أَنهَار الْجنَّة... أنهارها فِي غير أخدُود جرت... سُبْحَانَ ممسكها عَن الفيضان... من تَحْتهم تجْرِي كَمَا شاؤوا مفجرة وَمَا للنهر من نُقْصَان عسل مصفى ثمَّ خمر ثمَّ أَنهَار من الالبان... وَالله مَا تِلْكَ الْموَاد كهذه... لَكِن هما فِي اللَّفْظ مجتمعان... هَذَا وَبَينهمَا يسير تشابه... وَهُوَ اشْتِرَاك قَامَ بالأذهان... روى ابْن ابي الدُّنْيَا عَن انس بن مَالك قَالَ إِنَّكُم تظنون أَن أَنهَار الْجنَّة أخدُود فِي الأَرْض لَا وَالله إِنَّهَا لسائحه على وَجه الأَرْض إِحْدَى حافتيها اللُّؤْلُؤ وَالْآخر الْيَاقُوت وطينه الْمسك الاذفر قَالَ مُعَاوِيَة بن قُرَّة مَا الأذفر قَالَ مُعَاوِيَة بن قُرَّة مَا الأذفر قَالَ الَّذِي لَا خلط لَهُ رَوَاهُ ابْن مَرْوُدَيْهِ فِي تَفْسِيره عَن أنس مَرْفُوعا هَكَذَا وروى ابو خَيْثَمَة عَن انس أَنه قَرَأَ هَذِه الْآيَة ﴿إِنَّا أعطيناك الْكَوْثَر﴾ فَقَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَعْطَيْت الْكَوْثَر فاذا هُوَ نهر يجْرِي وَلم يشق شقا واذا حافتاه قباب اللُّؤْلُؤ فَضربت بيَدي إِلَى تربته فاذا مسك أذفر واذا حصباؤه اللُّؤْلُؤ وروى سُفْيَان الثَّوْريّ عَن مَسْرُوق فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَاء مسكوب﴾ الْوَاقِعَة قَالَ أَنهَار تجْرِي فِي غير أخدُود ونخل طلعها هضيم من اصلها الى فرعها أَو كلمة نَحْوهَا
قَوْله من تَحْتهم تجْرِي الخ قد تكَرر فِي الْقُرْآن الْكَرِيم فِي عدَّة مَوَاضِع قَوْله تَعَالَى ﴿جنَّات عدن تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار﴾ طه وَفِي مَوضِع ﴿تجْرِي تحتهَا الْأَنْهَار﴾ التَّوْبَة وَفِي مَوضِع ﴿تجْرِي من تَحْتهم الْأَنْهَار﴾ الْأَنْعَام وَهَذَا يدل على أُمُور أَحدهَا وجود الْأَنْهَار فِيهَا حَقِيقَة وَالثَّانِي أَنَّهَا جَارِيَة لَا واقفة وَالثَّالِث أَنَّهَا تَحت غرفهم وقصورهم وبساتينهم كَمَا هُوَ الْمَعْهُود فِي أَنهَار الدُّنْيَا وَقد ظن الْمُفَسّرين أَن معنى ذَلِك جريانها بأمرهم وتصريفهم لَهَا كَيفَ شاؤوا وَهَؤُلَاء أَتَوْ من ضعف الْفَهم فَإِن أنهارها وَإِن جرت فِي غير أخدُود فَهِيَ تَحت الْقُصُور والمنازل والغرف وَتَحْت الْأَشْجَار وَهُوَ سُبْحَانَهُ لم يقل من تَحت أرْضهَا وَقد أخبر عَن جَرَيَان الْأَنْهَار تَحت النَّاس فِي الدُّنْيَا فَقَالَ ﴿ألم يرَوا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم فِي الأَرْض مَا لم نمكن لكم وَأَرْسَلْنَا السَّمَاء عَلَيْهِم مدرارا وَجَعَلنَا الْأَنْهَار تجْرِي من تَحْتهم﴾ الْأَنْعَام فَهَذَا على الْمَعْهُود الْمُتَعَارف وَكَذَلِكَ مَا حَكَاهُ عَن قَول فِرْعَوْن ﴿وَهَذِه الْأَنْهَار تجْرِي من تحتي﴾ الزخرف وَقَالَ تَعَالَى ﴿فيهمَا عينان نضاختان﴾ الرَّحْمَن أَي بِالْمَاءِ والفواكه قَالَه سعيد وَقَالَ انس بالمسك والعنبر تنضخان على دور أهل الْجنَّة كَمَا ينضخ الْمَطَر على دور أهل الدُّنْيَا وَقَالَ الْبَراء اللَّتَان تجريان أفضل من النضاختين رَوَاهَا ابْن ابي شيبَة وَقَالَ تَعَالَى ﴿مثل الْجنَّة الَّتِي وعد المتقون فِيهَا أَنهَار من مَاء غير آسن وأنهار من لبن لم يتَغَيَّر طعمه وأنهار من خمر لَذَّة للشاربين وأنهار من عسل مصفى وَلَهُم فِيهَا من كل الثمرات ومغفرة من رَبهم﴾ مُحَمَّد فَذكر سُبْحَانَهُ هَذِه الْأَجْنَاس الْأَرْبَعَة وَنفى عَن كل وَاحِد مِنْهُمَا الآفة الَّتِي تعرض لَهُ فِي الدُّنْيَا فآفة المَاء أَن يأسن ويأجن من طول مكثه وَآفَة اللَّبن أَن يتَغَيَّر طعمه الى الحموضة وَأَن يصير قارصا
وَآفَة الْخمر كَرَاهَة مذاقها الْمنَافِي للذة شربهَا وَآفَة الْعَسَل عدم تصفيته وَهَذَا من أيات الرب تَعَالَى أَن يجْرِي أَنهَارًا من أَجنَاس لم تجر الْعَادة فِي الدُّنْيَا باجرائها ويجريها فِي غير أخدُود وينفى عَنْهَا الْآفَات الَّتِي تمنع كَمَال اللَّذَّة بهَا كَمَا نفى عَن خمر الْجنَّة جَمِيع آفَات خمر الدُّنْيَا من الصداع والغول واللغو ونزف المَال وتصدع الرَّأْس وَهِي كريهة المذاق وَهِي رِجْس من عمل الشَّيْطَان توقع الْعَدَاوَة والبغضاء بَين النَّاس وتصد عَن ذكر الله وَعَن الصَّلَاة وَتَدْعُو الى الزِّنَا وَرُبمَا دعت الى الْوُقُوع على الْبِنْت وَذَوَات الْمَحَارِم وَتذهب الْغيرَة وتورث الخزي والندامة والفضيحة وتلحق شاربها بأنقص نوع الانسان وهم المجانين وتسلبه أحسن الاسماء وَالصِّفَات وتكسوه أقبح الْأَسْمَاء وَالصِّفَات وآفات الْخمر أَضْعَاف أَضْعَاف مَا ذَكرْنَاهُ وَكلهَا منفية عَن خمر الْجنَّة