فِي أشجارها وثمارها وظلالها... أشجارها نَوْعَانِ مِنْهَا مَاله... فِي هَذِه الدُّنْيَا مِثَال ثَان كالسدر أصل النبق مخضور مكا... ن الشوك من ثَمَر ذَوي ألوان هَذَا وظل السدر من خير الظلا... ل ونفعه الترويح للأبدان وثماره أَيْضا ذَوَات مَنَافِع... من بَعْضهَا تفريح ذِي الأحزان...
.. والطلح وَهُوَ الموز منضود كَمَا... نضدت يَد بأصابع وبنان أَو أَنه شجر الْبَوَادِي موقرا... حملا مَكَان الشوك فِي الأغصان وَكَذَلِكَ الرُّمَّان وَالْأَعْنَاب وَالنَّخْل الَّتِي مِنْهَا القطوف دواني... ذكر النَّاظِم فِي هَذَا الْفَصْل ان أَشجَار الْجنَّة نَوْعَانِ مِنْهَا مَاله نَظِير فِي هَذِه الدُّنْيَا وَالنَّوْع الثَّانِي مَا لَا نَظِير لَهُ فِي الدُّنْيَا وَبَدَأَ بالنوع الأول وَهُوَ الَّذِي لَهُ مثل فِي هَذِه الدُّنْيَا وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿وَأَصْحَاب الْيَمين مَا أَصْحَاب الْيَمين فِي سدر مخضود وطلح منضود وظل مَمْدُود وَمَاء مسكوب وَفَاكِهَة كَثِيرَة لَا مَقْطُوعَة وَلَا مَمْنُوعَة﴾ الْوَاقِعَة وَقَالَ تَعَالَى ﴿ذواتا أفنان﴾ الرَّحْمَن جمع فنن وَهُوَ الْغُصْن وَقَالَ ﴿فيهمَا فَاكِهَة ونخل ورمان﴾ الرَّحْمَن قَالَ النَّاظِم فِي حادي الْأَرْوَاح والمخضوض الَّذِي قد خضد شوكه أَي نزع وَقطع فَلَا شوك فِيهِ هَذَا قَول ابْن عَبَّاس وَمُجاهد وَمُقَاتِل وَقَتَادَة وَأبي الْأَحْوَص وقسامة بن زُهَيْر وَاحْتَجُّوا بحجتين الأولى أَن الخضد فِي اللُّغَة الْقطع خضدت الشّجر قطعت شَوْكَة فَهُوَ خضيد ومخضود وَالثَّانيَِة مَا روى ابْن ابي دَاوُد عَن عتبَة السّلمِيّ قَالَ كنت جَالِسا مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فجَاء أَعْرَابِي فَقَالَ أسمعك تذكر فِي الْجنَّة شَجَرَة لَا أعلم شَجَرَة أَكثر شوكا مِنْهَا يَعْنِي الطلح فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِن الله قد جعل مَكَان كل شَوْكَة مِنْهَا ثَمَرَة مثل خصوة التيس الملبود فِيهَا سَبْعُونَ لونا من الطَّعَام لَا يشبه لونا آخر الملبود الَّذِي قد اجْتمع شعره بعضه إِلَى بعض وروى ابْن الْمُبَارك عَن سليم بن عَامر قَالَ أقبل أَعْرَابِي يَوْمًا فَقَالَ ذكر الله فِي الْجنَّة شَجَرَة مؤذية وَمَا كنت أرى فِي الْجنَّة
شَجَرَة تؤذي صَاحبهَا قَالَ وَمَا هِيَ قَالَ السدر فَإِن لَهُ شوكا مُؤْذِيًا قَالَ أَلَيْسَ يَقُول عز وَجل ﴿فِي سدر مخضود﴾ الْوَاقِعَة خضد الله شَوْكَة فَجعل مَكَان كل شَوْكَة ثَمَرَة وَقَالَت طَائِفَة هُوَ الموقر حملا وَلم يصب الَّذِي أَنْكَرُوا هَذَا القَوْل وَهُوَ صَحِيح وأربابه ذَهَبُوا إِلَى أَن الله لما خضد شوكه فأذهبه وَجعل مَكَان كل شَوْكَة ثَمَرَة أوقره بِالْحملِ الحديثان الْمَذْكُورَان يجمعان الْقَوْلَيْنِ وَمن قَالَ المخضود مَا لَا يعقر لَا يرد الْيَد مِنْهُ شوك وَلَا أَذَى فقد فسره بِلَازِم الْمَعْنى وَهَكَذَا غَالب الْمُفَسّرين يذكرُونَ لَازم الْمَعْنى الْمَقْصُود تَارَة وفردا من أَفْرَاده تَارَة ومثالا من أمثلته فيحكيها الجماعون للغث والسمين أقوالا مُخْتَلفَة وَلَا اخْتِلَاف بَينهَا وَأما الطلح فَأكْثر الْمُفَسّرين أنسه شجر الموز وَهَذَا قَول عَليّ وَابْن عَبَّاس وابي هُرَيْرَة وَأبي سعيد الْخُدْرِيّ وَقَالَت طَائِفَة بل هُوَ شجر عِظَام طوال من الْبَوَادِي الْكثير الشوك وَله نور ورائحة طيبَة وظل ظَلِيل قَالَ ابْن قُتَيْبَة هُوَ الَّذِي نضد بِالْحملِ أَو بالورق فَلَيْسَ لَهُ سَاق بارز وَقَالَ مَسْرُوق ورق الْجنَّة نضد من أَسْفَلهَا إِلَى أَعْلَاهَا وأنهارها تجْرِي من غير أخدُود وَقَالَ اللَّيْث الطلح شجر أم غيلَان من أعظم الْعضَاة شوكا وأصلبه عودا وأجوده صمعنا قَالَ أَبُو اسحاق لَهُ نور طيب الرَّائِحَة وَلَيْسَ فِي الْجنَّة مِمَّا فِي الدُّنْيَا إِلَّا الْأَسَامِي وَالظَّاهِر أَن التَّفْسِير بالموز تَمْثِيل بِهِ لحسن نضده والا فالطلح فِي اللُّغَة هُوَ الشّجر الْعِظَام من الْبَوَادِي وَالله أعلم... هَذَا وَنَوع مَاله فِي هَذِه الدُّنْيَا نَظِير كي يرى بعيان... يَكْفِي من التعداد قَول إلهنا... من كل فَاكِهَة بهَا زوجان وأتو بِهِ متشابها فِي اللَّوْن مُخْتَلف الطعوم فَذَاك ذُو ألوان...
.. أَو أَنه متشابها فِي الِاسْم مُخْتَلف الطعوم فَذَاك قَول ثَانِي... قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَبشر الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات أَن لَهُم جنَّات تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار كلما رزقوا مِنْهَا من ثَمَرَة رزقا قَالُوا هَذَا الَّذِي رزقنا من قبل وَأتوا بِهِ متشابها﴾ الْبَقَرَة قَالَ النَّاظِم قَالَ مُجَاهِد مَا أشبهه بِهِ وَقَالَ ابْن زيد يعرفونه وَقَالَ آخَرُونَ قيل هَذَا لشدَّة مشابهة بعضه بَعْضًا فِي اللَّوْن والطعم وَهُوَ أعظم من المشابهة الَّتِي بَينهَا وَبَين ثمار الدُّنْيَا ولشدة المشابهة قَالُوا هَذَا هُوَ قَالَ أَبُو عُبَيْدَة كلما نزعت ثَمَرَة عَادَتْ مَكَانهَا أُخْرَى قَالَ الْحسن وَقَتَادَة وَابْن جريج وَجَمَاعَة خِيَار كُله لارذل فِيهِ وعَلى هَذَا فَالْمُرَاد بالمشابهة التوافق والتماثل وَقَالَ ابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس وناس من أَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم متشابها فِي اللَّوْن والمرئي وَلَيْسَ يشبه الطّعْم الطّعْم وَقَالَ مُجَاهِد متشابها لَونه مُخْتَلفا طعمه وَكَذَلِكَ قَالَ الرّبيع ابْن أنس وَقَالَ يحيى ابْن أبي كثير عشب الْجنَّة الزَّعْفَرَان وكثبانها الْمسك وَيَطوف عَلَيْهِم الْولدَان بالفاكهة فيأكلونها ثمَّ يأْتونَ بِمِثْلِهَا فَيَقُولُونَ هَذَا الَّذِي جئتمونا بِهِ آنِفا فَيَقُول لَهُم الخدم كَلَوْ فَإِن اللَّوْن وَاحِد والطعم مُخْتَلف وَقَالَ عبد الرَّحْمَن بن زيد يعْرفُونَ اسماءه كَمَا كَانُوا فِي الدُّنْيَا التفاح بالتفاح وَالرُّمَّان بالرمان وَلَيْسَ هُوَ مثله فِي الطّعْم وَاخْتَارَهُ ابْن جرير... أَو أَنه وسط خِيَار كُله فالفحل مِنْهُ لَيْسَ ذَا ثنيان أَو أَنه لثمارنا ذِي مشبه... فِي اسْم ولون لَيْسَ يَخْتَلِفَانِ لَكِن لبهجتها وَلَذَّة طعمها... أَمر سوى هَذَا الَّذِي تجدان...
.. فيلذها فِي الْأكل عِنْد منالها... وتلذها من قبله العينان قَالَ ابْن عَبَّاس وَمَا بِالْجنَّةِ الْعليا سوى اسماء مَا تريان... يَعْنِي الْحَقَائِق لَا تماثل هَذِه... وَكِلَاهُمَا فِي الِاسْم متحدان... يَا طيب هاتيك الثِّمَار وغرسها... فِي الْمسك ذَاك الترب للبستان وَكَذَلِكَ المَاء الَّذِي يسقى بِهِ... يَا طيب ذَاك الْورْد للظمآن... تقدم شرح مَا تضمنته هَذِه الأبيات... وَإِذا تناولت الثِّمَار أَتَت نظيرتها فَحلت دونهَا بمَكَان... لم تَنْقَطِع أبدا وَلم ترقب نزو... ل الشَّمْس من حمل إِلَى ميزَان... وكذاك لم تمنع وَلم تحتج إِلَى... أَن ترتقي للقنو فِي العيدان... قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَفَاكِهَة كَثِيرَة لَا مَقْطُوعَة وَلَا مَمْنُوعَة﴾ الْوَاقِعَة روى الطَّبَرَانِيّ عَن ثَوْبَان قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِن الرجل إِذا نزع ثَمَرَة من الْجنَّة عَادَتْ مَكَانهَا أُخْرَى قَوْله لم تَنْقَطِع أبدا الخ قَالَ الله تَعَالَى ﴿لَا مَقْطُوعَة وَلَا مَمْنُوعَة﴾ أَي لَا تكون فِي وَقت دون وَقت وَلَا يمْنَع من ارادها... بل ذللت تِلْكَ القطوف فكيفما... شِئْت انتزعت بأسهل الامكان... قَالَ الله تَعَالَى ﴿قطوفها دانية﴾ الحاقة القطوف جمع قطف وَهُوَ مَا يقطف أَي ثمارها دانية قريبَة مِمَّن يَتَنَاوَلهَا فيأخذها كَيفَ شَاءَ قَالَ الْبَراء بن عَازِب يتَنَاوَل الثَّمَرَة وَهُوَ نَائِم وَقَالَ تَعَالَى ﴿ودانية عَلَيْهِم ظلالها وذللت قطوفها تذليلا﴾ الدَّهْر قَالَ ابْن عَبَّاس إِذا هم أَن يَتَنَاوَلهَا تدلت اليه حَتَّى يتَنَاوَل مَا يُرِيد وَقَالَ غَيره قربت اليهم مذللة كَيفَ شاؤوا فهم
يتناولونها قيَاما وقعودا ومضجعين فَيكون كَقَوْلِه ﴿قطوفها دانية﴾ الحاقة وَمعنى تذليل القطف تسهيل تنَاوله وَفِي نصب دانية وَجْهَان احدهما أَنه على الْحَال عطفا على قَوْله متكئين وَالثَّانِي أَنه صفة الْجنَّة... وكذاك لم تمنع وَلم يحْتَج إِلَى... أَن يرتقي للقنو فِي العيدان... القنو وَاحِد الأقناء والعيدان جمع عيدانه وَهِي النّخل الطوَال... بل ذللت تِلْكَ القطوف فكيفما... شِئْت انتزعت بأسهل الامكان وَلَقَد أَتَى خبر بِأَن السَّاق من... ذهب رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ بِبَيَان... روى التِّرْمِذِيّ وَحسنه عَن ابي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَا فِي الْجنَّة شَجَرَة إِلَّا وساقها من ذهب... قَالَ ابْن عَبَّاس وهاتيك الجذو... ع زمرد من احسن الألوان ومقطعاتهم من الْكَرم الَّذِي... فِيهَا وَمن سَعَة من العقيان وثمارها مَا فِيهِ عَن عجم كأمثال القلال فجل ذُو الاحسان... روى ابْن الْمُبَارك عَن ابْن عَبَّاس قَالَ نخل الْجنَّة جذوعها من زمرد اخضر وكربها ذهب أَحْمَر وسعفها كسْوَة لأهل الْجنَّة فِيهَا مقطعاتهم وحللهم وَثَمَرهَا أَمْثَال القلال والدلاء أَشد بَيَاضًا من اللَّبن وَأحلى من الْعَسَل وألين من الزّبد لَيْسَ لَهُ عجم... وظلالها ممدودة لَيست تَقِيّ... حرا وَلَا شمسا وأنى ذان... أَو مَا سَمِعت بِظِل أصل وَاحِد... فِيهِ يسير الرَّاكِب العجلان... مائَة سِنِين قدرت لَا تَنْقَضِي... هَذَا الْعَظِيم الأَصْل والأفنان...
.. وَلَقَد روى الْخُدْرِيّ أَيْضا أَن طو... بى قدرهَا مائَة بِلَا نُقْصَان تنفتح الأكمام فِيهَا عَن لبا... سهم بِمَا شاؤوا من الألوان... فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ إِن فِي الْجنَّة شَجَرَة يسير الرَّاكِب فِي ظلها مائَة عَام لَا يقطعهَا واقرؤو ان شِئْتُم وظل مَمْدُود الْوَاقِعَة وروى احْمَد عَن ابي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ان فِي الْجنَّة شَجَرَة يسير الرَّاكِب فِي ظلها سبعين أَو مائَة سنة هِيَ شَجَرَة الْخلد وروى ابْن أبي الدُّنْيَا عَن ابْن عَبَّاس قَالَ الظل الْمَمْدُود شَجَرَة فِي الْجنَّة على سَاق قدر مَا يسير الرَّاكِب الْمجد فِي ظلها مائَة عَام فِي كل نَوَاحِيهَا فَيخرج اليها اهل الغرف وَغَيرهم فيتحدثون فِي ظلها قَالَ فيشتهي بَعضهم وَيذكر لَهو الدُّنْيَا فَيُرْسل الله ريحًا من الْجنَّة فيحرك تِلْكَ الشَّجَرَة بِكُل لَهو كَانَ فِي الدُّنْيَا وروى ابْن وهب عَن ابي سعيد الْخُدْرِيّ قَالَ قَالَ رجل يَا رَسُول الله مَا طُوبَى قَالَ شَجَرَة فِي الْجنَّة مسير مائَة سنة ثِيَاب أهل الْجنَّة تخرج من أكمامها وَقد رَوَاهُ حَرْمَلَة عَنهُ بِزِيَادَة فِي أَوله أَن رجلا قَالَ طُوبَى لمن آمن بِي وَلم يرني وروى ابو يعلى عَن سلمى بنت ابي بكر قَالَت سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَذكر سِدْرَة الْمُنْتَهى فَقَالَ يسير فِي ظلّ الفنن مِنْهَا الرَّاكِب مائَة سنة أَو قَالَ يستظل فِي الفنن مِنْهَا مائَة رَاكب فِيهَا فرَاش من الذَّهَب كَأَن ثمارها القلال رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ شكّ يحيى وَهُوَ حَدِيث حسن غَرِيب