فَثنى لنا العطفين مِنْهُ تكبرا وتبخترا فِي حلَّة الهذيان
إِن قلت قَالَ الله قَالَ رَسُوله فَيَقُول جهلا أَيْن قَول فلَان... فِي الصَّحِيح عَن النواس بن سمْعَان الْكلابِي قَالَ سَمِعت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول يُؤْتى بِالْقُرْآنِ يَوْم الْقِيَامَة وَأَهله الَّذين كَانُوا يعْملُونَ بِهِ تقدمه سُورَة الْبَقَرَة وَآل عمرَان وَضرب لَهما رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ثَلَاثَة أَمْثَال مَا نسيتهن بعد قَالَ كَأَنَّهُمَا غمامتان أَو ظلتان سوداوان بَينهمَا شَرق أَو كَأَنَّهُمَا فرقان من طير صواف تحاجان عَن صَاحبهمَا قَالَ النَّوَوِيّ فِي شرح مُسلم قَالَ أهل اللُّغَة الغمامة والغياية كل شَيْء أظل الانسان فَوق رَأسه من سَحَابَة وغبرة وَغَيرهمَا قَالَ الْعلمَاء المُرَاد أَن ثوابهما يَأْتِي كغمامتين وَقَوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَو كَأَنَّهُمَا فرقان من طير صواف وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى كَأَنَّهُمَا
حزقان من طير صَاف الْفرْقَان بِكَسْر وَإِسْكَان الرَّاء والحزقان بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة واسكان الزَّاي ومعناهما وَاحِد وهما قطيعان وجماعتان يُقَال فِي الْوَاحِد فرق وحزق وحزيقة أَي جمَاعَة قَوْله أَو ظلتان سوداوان بَينهمَا شَرق الشرق بِفَتْح الرَّاء واسكانها أَي ضِيَاء وَنور وَفِي الصَّحِيح عَنهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تَجِيء الْبَقَرَة وَآل عمرَان يَوْم الْقِيَامَة كَأَنَّهُمَا غمامتان الحَدِيث فَهَذِهِ الْقِرَاءَة ينشئها الله تَعَالَى غمامتين فان الله سُبْحَانَهُ ينشيء من الْأَعْرَاض أجساما ويجعلها مَادَّة لَهَا وَذكر ابْن الْمُبَارك فِي رقائقه أخبرنَا رجل عَن زيد بن أسلم قَالَ بَلغنِي أَن الْمُؤمن يتَمَثَّل لَهُ عمله يَوْم الْقِيَامَة فِي أحسن صُورَة أحسن مَا خلق الله وَجها وثيابا وأطيبه ريحًا فيجلس إِلَى جنبه كلما أفزعه شَيْء أَمنه وَكلما تخوف شَيْئا هون عَلَيْهِ فَيَقُول لَهُ جَزَاك الله من صَاحب خيرا من أَنْت فَيَقُول أما تعرفنِي وَقد صحبتك فِي قبرك وَفِي دنياك أَنا عَمَلك كَانَ وَالله حسنا فَلذَلِك ترَاهُ حسنا وَكَانَ طيبا فَلذَلِك تراني طيبا تَعَالَى فاركبني فطالما ركبتك فِي الدُّنْيَا وَهُوَ قَوْله سُبْحَانَهُ ﴿وينجي الله الَّذين اتَّقوا بمفازتهم﴾ الزمر: 61 حَتَّى يَأْتِي إِلَى ربه فَيَقُول رب إِن كل صَاحب عمل فِي الدُّنْيَا قد أصَاب عمله وكل صَاحب تِجَارَة وصانع قد اصاب فِي تِجَارَته غير صَاحِبي قد شغل فِي نَفسه فَيَقُول الرب تبَارك وَتَعَالَى فَمَا تسْأَل قَالَ الْمَغْفِرَة وَالرَّحْمَة أَو نَحْو هَذَا فَيَقُول فَإِنِّي غفرت لَهُ ثمَّ يكسى حلَّة الْكَرَامَة وَيجْعَل عَلَيْهِ تَاج الْوَقار وَفِيه لؤلؤة تضيء من مسيرَة يَوْمَيْنِ ثمَّ يَقُول يَا رب إِن أَبَوَيْهِ قد كَانَ شغل عَنْهُمَا وكل صَاحب عمل وتجارة قد كَانَ يدْخل على ابويه من عمله فيعطيان مثل مَا أعطي ويمثل للْكَافِرِ عمله
فِي صُورَة أقبح مَا خلق الله وَجها وأنتنه ريحًا فيجلس إِلَى جنبه كلما أفزعه شَيْء زَاده وَكلما تخوف من شَيْء زَاده خوفًا فَيَقُول بئس الصاحب أَنْت وَمن أَنْت فَيَقُول وَمَا تعرفنِي فَيَقُول لَا فَيَقُول أَنا عَمَلك كَانَ قبيحا فلذالك تراني قبيحا كَانَ منتنا فَلذَلِك تراني منتنا فطأطيء رَأسك أركبك فطالما ركبتني فِي الدُّنْيَا وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿ليحملوا أوزارهم كَامِلَة يَوْم الْقِيَامَة﴾ النَّحْل فصل فِي أَن الْجنَّة قيعان وان اغراسها الْكَلم الطّيب وَالْعَمَل الصَّالح... أَو مَا سَمِعت بِأَنَّهَا القيعان فاغرس مَا تشَاء بذا الزَّمَان الفاني... وغراسها التَّسْبِيح وَالتَّكْبِير والتحميد والتوحيد للرحمن تَبًّا لتارك غرسه مَاذَا الَّذِي... قد فَاتَهُ من مُدَّة الامكان يَا من يقر بذا وَلَا يسْعَى لَهُ... بِاللَّه قل لي كَيفَ يَجْتَمِعَانِ أَرَأَيْت لَو عطلت أَرْضك من غرا... س مَا الَّذِي تجني من الْبُسْتَان وكذاك لَو عطلتها من بذرها... ترجو الْمغل يكون كالكيمان مَا قَالَ رب الْعَالمين وَعَبده... هَذَا فراجع مُقْتَضى الْقُرْآن... فِي جَامع التِّرْمِذِيّ من حَدِيث عبد الله بن مَسْعُود رَضِي الله عَنهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لقِيت إِبْرَاهِيم لَيْلَة أسرِي بِي فَقَالَ يَا مُحَمَّد
أَقرَأ امتك السَّلَام وَأخْبرهمْ أَن الْجنَّة طيبَة التربة عذبة المَاء وَأَنَّهَا قيعان وَأَن غراسها سُبْحَانَ الله وَالْحَمْد لله وَلَا إِلَه إِلَّا الله وَالله أكبر قَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن غَرِيب من حَدِيث ابْن مَسْعُود وَفِي التِّرْمِذِيّ من حَدِيث أبي الزبير عَن جَابر عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ من قَالَ سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ غرست لَهُ نَخْلَة فِي الْجنَّة قَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حسن صَحِيح وروى ابْن ماجة عَن ابي هُرَيْرَة ان رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مر بِهِ وَهُوَ يغْرس غرسا فَقَالَ يَا ابا هُرَيْرَة مَا الَّذِي تغرس قَالَ غرسا قَالَ أَلا أدلك على غراس خير من هَذَا سُبْحَانَ الله وَالْحَمْد لله وَلَا إِلَه إِلَّا الله وَالله أكبر يغْرس لَك بِكُل وَاحِدَة شَجَرَة فِي الْجنَّة... وَتَأمل الْبَاء الَّتِي قد عينت... سَبَب الْفَلاح لحكمة الْفرْقَان وأظن بَاء النَّفْي قد غرتك فِي... ذَاك الحَدِيث أَتَى بِهِ الشَّيْخَانِ لن يدْخل الجنات أصلا كَادِح... بالسعي مِنْهُ وَلَو على الأجفان وَالله مَا بَين النُّصُوص تعَارض... وَالْكل مصدرها عَن الرَّحْمَن لَكِن بالاثبات والتسبيب وَالْبَاء الَّتِي للنَّفْي بالأثمان... وَالْفرق بَينهمَا فَفرق ظَاهر... يدريه ذُو حفظ من الْعرْفَان... قَالَ النَّاظِم فِي حادي الْأَرْوَاح روى أَبُو نعيم من حَدِيث جَابر قَالَ سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول لَا يدْخل أحدا مِنْكُم عمله الْجنَّة وَلَا يجيره من النَّار وَلَا أَنا إِلَّا بتوحيد الله واسناده على شَرط مُسلم وَأَصله فِي الصَّحِيح وَهَهُنَا أَمر يجب التَّنْبِيه عَلَيْهِ وَهُوَ أَن الْجنَّة إِنَّمَا تدخل برحمة الله وَلَيْسَ عمل العَبْد مُسْتقِلّا بِدُخُولِهَا وان كَانَ نَبيا وَلِهَذَا أثبت الله دُخُولهَا بِالْأَعْمَالِ فِي
قَوْله ﴿بِمَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ﴾ النَّحْل وَنفى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم دُخُولهَا بِالْأَعْمَالِ فِي قَوْله لن يدْخل أحد مِنْكُم الْجنَّة بِعَمَلِهِ وَلَا تنَافِي بَين الْأَمريْنِ لوَجْهَيْنِ أَحدهمَا مَا ذكره سُفْيَان وَغَيره قَالَ كَانُوا يَقُولُونَ النجَاة من النَّار بِعَفْو الله وَدخُول الْجنَّة برحمته واقتسام الْمنَازل والدرجات بِالْأَعْمَالِ وَيدل على هَذَا حَدِيث أبي هُرَيْرَة أَن أهل الْجنَّة إِذا دخلوها نزلُوا فِيهَا بِفضل أَعْمَالهم رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ الثَّانِي أَن الْبَاء الَّتِي نفت الدُّخُول هِيَ بَاء الْمُعَارضَة الَّتِي يكون فِيهَا أحد الْعِوَضَيْنِ مُقَابلا للْآخر وَالْبَاء الَّتِي أَثْبَتَت الدُّخُول هِيَ بَاء السَّبَبِيَّة الَّتِي تَقْتَضِي سببيه مَا دخلت عَلَيْهِ لغيره وان لم يكن مُسْتقِلّا بحصوله وَقد جمع النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بَين الْأَمريْنِ فِي قَوْله سددوا وقاربوا وَاعْلَمُوا أَن أحدا مِنْكُم لن ينجو بِعَمَلِهِ قَالُوا وَلَا أَنْت يَا رَسُول الله قَالَ وَلَا أَنا إِلَّا يتغمدني الله برحمته وَمن عرف الله سُبْحَانَهُ وَشهد مشْهد حَقه عَلَيْهِ وَشهد تَقْصِيره وذنوبه وَأبْصر هذَيْن المشهدين بِقَلْبِه عرف ذَلِك وَجزم بِهِ وَالله الْمُسْتَعَان انْتهى كَلَامه فصل فِي أقامة المأتم على المتخلفين عَن رفْقَة السَّابِقين المأتم كمقعد كل مُجْتَمع فِي حزن اَوْ فَرح اَوْ خَاص بِالنسَاء قَالَه فِي الْقَامُوس... بِاللَّه مَا عذر أمريء هُوَ مُؤمن... حَقًا بِهَذَا لَيْسَ باليقظان... بل قلبه فِي رقدة فاذا استفا... ق فلبسه هُوَ حلَّة الكسلان...
.. تالله لَو شاقتك جنَّات النَّعيم طلبتها بنفائس الْأَثْمَان... وسعيت جهدك فِي وصال نواعم... وكواعب بيض الْوُجُوه حسان... جليت عَلَيْك عرائس وَالله لَو... تجلى على صَخْر من الصوان رقت حَوَاشِيه وَعَاد لوقته... ينهال مثل نقى من الكثبان لَكِن قَلْبك فِي القساوة جَازَ حد الصخر والحصباء فِي اشجان... لَو هزك الشوق الْمُقِيم وَكنت ذَا... حسن لما استبدلت بالأدوان أَو صادفت مِنْك الصِّفَات حَيَاة قلب كنت ذَا طلب لهَذَا الشان... خود تزف الى ضَرِير مقْعد... يَا محنة الْحَسْنَاء بالعميان... شمس تزف اليه مَا... ذَا حِيلَة الْعنين فِي الغشيان... وَمعنى كَلَام النَّاظِم أَنا تلونا عَلَيْك صِفَات الْجنَّة ونعوت عرائسها فَلَو صَادف لَك أدنى حَيَاة قلب مِنْك وايمان لسعيت جهدك فِي طلبَهَا وآثرت النَّعيم الْبَاقِي على الخزف الفاني لَكِن قَلْبك أقسى من الصخر وَلَكِن نَحن بِمَا وَصفنَا لَك من صِفَات الْجنَّة وعرائسها بِمَنْزِلَة من زف خودا وَهِي الْمَرْأَة الْبَيْضَاء الناعمة إِلَى ضَرِير مقْعد أَو زف أجمل النِّسَاء الَّتِي هِيَ كَالشَّمْسِ الى عنين عَاجز عَن الْجِمَاع... يَا سلْعَة الرَّحْمَن لست رخيصة... بل أَنْت غَالِيَة على الكسلان يَا سلْعَة الرَّحْمَن لَيْسَ ينالها... فِي الْألف الا وَاحِد لَا اثْنَان يَا سلْعَة الرَّحْمَن مَاذَا كفؤها... الا اولو التَّقْوَى مَعَ الايمان...
.. يَا سلْعَة الرَّحْمَن سوقك كاسد... بَين الأراذل سلفة الْحَيَوَان يَا سلْعَة الرَّحْمَن أَيْن المُشْتَرِي... فَلَقَد عرضت بأيسر الاثمان يَا سلْعَة الرَّحْمَن هَل من خَاطب... فالمهر قبل الْمَوْت ذُو إِمْكَان يَا سلْعَة الرَّحْمَن كَيفَ تصبر الْخطاب عَنْك وهم ذَوُو ايمان... يَا سلْعَة الرَّحْمَن لَوْلَا أَنَّهَا... حجبت بِكُل مكاره الانسان... مَا كَانَ عَنْهَا قطّ من متخلف... وتعطلت دَار الْجَزَاء الثَّانِي لَكِنَّهَا حجبت بِكُل كريهة... ليصد عَنْهَا الْمُبْطل المتواني وتنالها الهمم الَّتِي تسمو الى... رب العلى بِمَشِيئَة الرَّحْمَن... قَوْله وَلكنهَا حجبت بِكُل كريهة الخ روى البُخَارِيّ وَمُسلم عَن أنس قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حفت الْجنَّة بالمكاره وحفت النَّار بالشهوات قَوْله حفت أصل الحفاف الدائر بالشَّيْء الْمُحِيط بِهِ الَّذِي لَا يتَوَصَّل اليه الا بعد أَن يتخطى فَمثل النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم المكاره والشهوات بذلك فالجنة لَا تنَال إِلَّا بِقطع مفاوز المكاره وَالصَّبْر عَلَيْهَا وَالنَّار لَا يُنجي مِنْهَا الا بترك الشَّهَوَات وفطام النَّفس عَنْهَا وَرُوِيَ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه مثل طَرِيق الْجنَّة وَطَرِيق النَّار بتمثيل آخر فَقَالَ طَرِيق الْجنَّة حزن بِرَبْوَةٍ وَطَرِيق النَّار سهل بِسَهْوَةٍ والحزن هُوَ الطَّرِيق الوعر المسلك والربوة الْمَكَان الْمُرْتَفع وَأَرَادَ بِهِ أَعلَى مَا يكون فِي الروابي والسهوة بِالسِّين الْمُهْملَة هُوَ الْموضع السهل الَّذِي لَا غلظ فِيهِ وَلَا وعورة والمكاره كل مَا يشق على النَّفس فعله ويصعب عَلَيْهَا عمله كالطهارة فِي السبرات وَغَيرهَا من
اعمال الطَّاعَات وَالصَّبْر على المصائب وَجَمِيع المكروهات والشهوات كل مَا يُوَافق النَّفس ويلائمها وَتَدْعُو إِلَيْهِ ويوافقها وَذكر النَّاظِم الْعلَّة فِي حجب الْجنَّة بالمكاره وحف النَّار بالشهوات وَذَلِكَ ليصد عَن الْجنَّة الْمُبْطل المتواني المتقاعد وتنالها الهمم الَّتِي تسمو الى معالي الْأُمُور وتؤثر الْأَعْلَى على الْأَدْنَى وَلَو حصل من ذَلِك أعظم الْمَشَقَّة وَالله أعلم... فاتعب ليَوْم معادك الْأَدْنَى تَجِد... راحاته يَوْم الْمعَاد الثَّانِي واذا أَبَت ذَا الشَّأْن نَفسك فاتهمها ثمَّ رَاجع مطلع الايمان... فاذا رَأَيْت اللَّيْل بعد وصبحه... مَا انْشَقَّ عَنهُ عموده لأذان وَالنَّاس قد صلوا صَلَاة الصُّبْح وَانْتَظرُوا طُلُوع الشَّمْس قرب زمَان... فَاعْلَم بِأَن الْعين قد عميت فَنًّا... شدّ رَبك الْمَعْرُوف بالاحسان... أَي إِذا كَانَ الصُّبْح قد طلع وَالنَّاس قد صلوا صَلَاة الصُّبْح وَقرب طُلُوع الشَّمْس وَأَنت لجهلك وغفلتك لَا تعلم بِطُلُوع الْفجْر وتظن أَن اللَّيْل لم يزل فَاعْلَم بِأَن عَيْنك قد عميت أَي عين بصيرتك فاسأل رَبك سُبْحَانَهُ ايمانا يُبَاشر قَلْبك المحجوب... واسأله إِيمَانًا يُبَاشر قَلْبك المحجوب عَنهُ لتنظر العينان واسأله نورا هاديا يهديك فِي... طرق الْمسير اليه كل أَوَان وَالله مَا خوفي الذُّنُوب فانها... لعلى طَرِيق الْعَفو والغفران لكنما أخْشَى انسلاخ الْقلب عَن... تحكيم هَذَا الْوَحْي وَالْقُرْآن ورضى بآراء الرِّجَال وحرصها... لَا كَانَ ذَاك بمنة الرَّحْمَن...
.. فَبِأَي وَجه ألتقي رَبِّي اذا... أَعرَضت عَن ذَا الْوَحْي طول زمَان وعزلته عَمَّا أُرِيد لأَجله... عزلا حَقِيقِيًّا بِلَا كتمان صرحت أَن يقيننا لَا يُسْتَفَاد بِهِ وَلَيْسَ لَدَيْهِ من إتقان... أوليته هجرا وتأويلا وتحريفا وتفويضا بِلَا برهَان وسعيت جهدي فِي عُقُوبَة مُمْسك... بعراه لَا تَقْلِيد رَأْي فلَان... يَقُول النَّاظِم وَالله مَا أخْشَى الذُّنُوب لِأَن أَسبَاب غفرانها مُتعَدِّدَة وعفو الرب تَعَالَى وَاسع وانما اخشى انسلاخ قلبِي عَن تحكيم الْوَحْي الْمُبين من كَلَام رب الْعَالمين وَقَول نبيه الصَّادِق الْأمين فَبِأَي وَجه ألْقى الله تَعَالَى اذا فعلت ذَلِك وأعرضت عَن الْوَحْي الْمنزل من السَّمَاء ورضيت بآراء الرِّجَال وخرصها وقدمتها على كَلَام الله وَرَسُوله وعزلت الْقُرْآن عَمَّا أُرِيد لأَجله وَهُوَ أَنه أُرِيد بانزاله الْهدى وَالْيَقِين فَمَا حجتي عِنْد الله اذا صرحت بِأَنَّهُ لَا يُفِيد الْيَقِين وأوليته هجرا وتأويلا وتحريفا وتفويضا وَمَعَ ذَلِك سعيت جهدي فِي عُقُوبَة من تمسك بِالْوَحْي النَّازِل من السَّمَاء وَقدمه على التَّقْلِيد والآراء الهراء كَمَا فعل ذَلِك من فعله من المبتدعين عياذا بِاللَّه من ذَلِك... يَا معرضًا عَمَّا يُرَاد بِهِ وَقد... جد الْمسير فمنتهاه داني جذلان يضْحك آمنا متبخترا... وَكَأَنَّهُ قد نَالَ عقد أَمَان خلع السرُور عَلَيْهِ أَو فِي حلّه... طردت جَمِيع الْهم والاحزان يختال فِي حلل المسرة نَاسِيا... مَا بعْدهَا من حلَّة الأكفان...
.. مَا سَعْيه الا لطيب الْعَيْش فِي الدُّنْيَا وَلَو أفْضى الى النيرَان... قد بَاعَ طيب الْعَيْش فِي دَار النَّعيم بذا الحطام المضمحل الفاني اني أَظُنك لَا تصدق كَونه... بِالْقربِ بل ظن بِلَا إيقان بل قد سَمِعت النَّاس قَالُوا جنَّة... أَيْضا ونار بل لَهُم قَولَانِ وَالْوَقْف مذهبك الَّذِي تختاره... واذا انْتهى الايمان للرجحان أم تُؤثر الْأَدْنَى عَلَيْهِ وَقَالَت النَّفس الَّتِي استعلت على الشَّيْطَان... أتبيع نَقْدا حَاضرا بنسيئة... بعد الْمَمَات وطي ذِي الأكوان... لَو أَنه بنسيئة الدُّنْيَا لَهَا... ن الْأَمر لَكِن فِي معاد ثَان دع مَا سَمِعت النَّاس قَالُوهُ وَخذ... مَا قد رَأَيْت مشَاهد بعيان وَالله لَو جالست نَفسك خَالِيا... وبحثتها بحثا بِلَا روغان لرأيت هَذَا كامنا فِيهَا وَلَو... أمنت لألقته الى الآذان هَذَا هُوَ السِّرّ الَّذِي من أَجله... اخْتَارَتْ عَلَيْهِ العاجل المتداني نقد قد اشتدت اليه حَاجَة... مِنْهَا وَلم يحصل لَهَا بهوان أتبيعه بنسيئة فِي غير هذي الدَّار بعد قِيَامَة الْأَبدَان... هَذَا وان جزمت بهَا قطعا وَلَكِن حظها فِي حيّز الامكان مَا ذَاك قَطْعِيّ لَهَا وَالْحَاصِل الْمَوْجُود مشهود بِرَأْي عيان... فتألفت من بَين شهوتها وشبهتها قياسات من الْبطلَان...
.. واستنجدت مِنْهَا رضى بالعاجل الْأَدْنَى على الْمَوْعُود بعد زمَان... وأتى من التَّأْوِيل كل ملائم... لمرادها يَا رقة الايمان وصغت الى شُبُهَات أهل الشّرك والتعطيل مَعَ نقص من الْعرْفَان... واستنقصت اهل التقى ورأتهم... فِي النَّاس كالغرباء فِي الْبلدَانِ... وَرَأَتْ عقول النَّاس دَائِرَة على... جمع الحطام وخدمة السُّلْطَان وعَلى المليحة والمليح وَعشرَة الأحباب والاصحاب والاخوان... فاستوعرت ترك الْجَمِيع وَلم تَجِد... عوضا تلذ بِهِ من الاحسان... فالقلب لَيْسَ يقر إِلَّا فِي إِنَّا... ء فَهُوَ دون الْجِسْم ذُو جولان يَبْغِي لَهُ سكنا يلذ بِقُرْبِهِ... فتراه شبه الواله الحيران فيحب هَذَا ثمَّ يهوى غَيره... فيظل منتقلا مدى الازمان لَو نَالَ كل مليحة ورياسة... لم يطمئن وَكَانَ ذَا دوران بل لَو ينَال بأسرها الدُّنْيَا لما... قرت بِمَا قد ناله العينان نقل فُؤَادك حَيْثُ شِئْت من الْهوى... واختر لنَفسك أحسن الانسان فالقلب مُضْطَر الى محبوبه الْأَعْلَى فَلَا يُغْنِيه حب ثَانِي... وصلاحه وفلاحه ونعيمه... تَجْرِيد هَذَا الْحبّ للرحمن... فاذا تخلى مِنْهُ أصبح حائرا... وَيعود فِي ذَا الْكَوْن ذَا هيمان...
قَوْله جذلان قَالَ فِي الْقَامُوس جذل جذولا انتصب وَنبت وكفرح فَرح فَهُوَ جذل وجذلان انْتهى فصل فِي زهد أهل الْعلم والايمان وايثارهم الذَّهَب الْبَاقِي على الخزف الفاني... لَكِن ذَا الايمان يعلم ان هَذَا كالظلال وكل هَذَا فَانِي... كخيال طيف مَا استتم زِيَارَة... الا وصبح رحيله باذان وسحابة طلعت بِيَوْم صَائِف... فالظل مَنْسُوخ بِقرب زمَان... وكزهرة وافى الرّبيع بحسنها... اَوْ لامعا فكلاهما اخوان أَو كالسراب يلوح للظمآن فِي... وسط الهجير بمستوى القيعان أَو كالأماني طَابَ مِنْهَا ذكرهَا... بالْقَوْل واستحضارها بجنان وَهِي الْغرُور رُؤُوس أَمْوَال المفا... لَيْسَ الألى تجروا بِلَا أَثمَان أَو كالطعام يلذ عِنْد مساغه... لَكِن عقباه كَمَا تجدان هَذَا هُوَ الْمثل الَّذِي ضرب الرسو... ل لَهَا وَذَا فِي غَايَة التِّبْيَان... كَمَا فِي الْمسند أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ للضحاك بن سُفْيَان أَلَسْت تُؤْتى بطعامك وَقد ملح وقزح ثمَّ تشرب عَلَيْهِ اللَّبن وَالْمَاء قَالَ بلَى قَالَ فالى مَا يصير قَالَ الى مَا قد علمت قَالَ فان الله عز وَجل ضرب مثل
الدُّنْيَا بِمَا يصير اليه طَعَام ابْن آدم... واذا أردْت ترى حَقِيقَتهَا فَخذ... مِنْهُ مِثَالا وَاحِدًا ذَا شان أَدخل بجهدك أصبعا فِي اليم وَانْظُر مَا تعقله إِذا بعيان... هَذَا هُوَ الدُّنْيَا كَذَا قَالَ الرَّسُول... ممثلا وَالْحق ذُو تبيان... قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَا الدُّنْيَا فِي الْآخِرَة الا كَمَا يَجْعَل أحدكُم اصبعه فِي اليم فَلْينْظر بِمَ يرجع... وَكَذَلِكَ مثلهَا بِظِل الدوح فِي... وَقت الحرور لقَائِل الركْبَان... فِي قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَالِي وللدنيا إِنَّمَا أَنا وَالدُّنْيَا كَمثل رَاكب قَالَ تَحت ظلّ شَجَرَة ثمَّ رَاح وَتركهَا... هَذَا وَلَو عدلت جنَاح بعوضة... عِنْد الاله الْحق فِي الْمِيزَان... لم يسق مِنْهَا كَافِرًا من شربة... مَاء وَكَانَ أَحَق بالحرمان... عَن سهل بن سعد رَضِي الله عَنهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لَو كَانَت الدُّنْيَا تعدل عِنْد الله جنَاح بعوضة مَا سقى كَافِرًا مِنْهَا شربة مَاء رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث صَحِيح... تالله مَا عقل امريء قد بَاعَ مَا... يبْقى بِمَا هُوَ مضمحل فَانِي هَذَا ويفتى ثمَّ يقْضِي حَاكما... بِالْحجرِ من سفه لذا الانسان اذ بَاعَ شَيْئا قدره فَوق الَّذِي... يعتاضه من هَذِه الْأَثْمَان فَمن السَّفِيه حَقِيقَة ان كنت ذَا... عقل واين الْعقل للسكران...
معنى كَلَامه أَن السَّفِيه يحكم بِالْحجرِ عَلَيْهِ إِذا بَاعَ شَيْئا بِأَقَلّ من قِيمَته فَأولى بالسفه من بَاعَ الْآخِرَة الَّتِي هَذَا قدرهَا بالدنيا وَهِي لَا تَسَاوِي عِنْد الله جنَاح بعوضة... وَالله لَو ان الْقُلُوب شهدن منا كَانَ شَأْن غير هَذَا الشان... نفس من الانفاس هَذَا الْعَيْش ان... قسناه بالعيش الطَّوِيل الثَّانِي... يَا خسة الشُّرَكَاء مَعَ عدم الوفا... ء وَطول جفوتها مَعَ الهجران هَل فِيك معتر فيسلو عاشق... بمصارع العشاق كل زمَان لَكِن على تِلْكَ الْعُيُون غشاوة... وعَلى الْقُلُوب أكنة النسْيَان وأخو البصائر حَاضر متيقظ... متفرد عَن زمرة العميان يسمو الى ذَاك الرفيق الأرفع الْأَعْلَى وخلى اللّعب للصبيان... وَالنَّاس كلهم فصبيان وَإِن... بلغُوا سوى الافراد والوحدان... واذا رأى مَا يشتهيه قَالَ مو... عدك الْجنان وجد فِي الْأَثْمَان واذا أَبَت الا الجماح أعاضها... بِالْعلمِ بعد حقائق الايمان وَيرى من الخسران بيع الدَّائِم الْبَاقِي بِهِ يَا ذلة الخسران... وَيرى مصَارِع أَهلهَا من حوله... وَقُلُوبهمْ كمراجل النيرَان... حسراتها هن الْوقُود فان خبت... زَادَت سعيرا بالوقود الثَّانِي جاؤوا فُرَادَى مثل مَا خلقُوا بِلَا... مَال وَلَا أهل وَلَا اخوان...
.. مَا مَعَهم شَيْء سوي الاعمال فَهِيَ متاجر للنار اَوْ لجنان... تسْعَى بهم أَعْمَالهم سوقا إِلَى الدَّاريْنِ سوق الْخَيل بالركبان صَبَرُوا قَلِيلا فاستراحوا دَائِما... يَا عزة التَّوْفِيق للانسان حمدوا التقى عِنْد الْمَمَات كَذَا السرى... عِنْد الصَّباح فحبذا الحمدان وخدت بهم عزماتهم نَحْو العلى... وسروا فَمَا نزلُوا الى نعْمَان باعوا الَّذِي يفنى من الخزف الخسيس بدائم من خَالص العقيان... رفعت لَهُم فِي الْيُسْر أَعْلَام السعا... دة وَالْهدى يَا ذلة الحيران... فتسابق الاقوام وابتدروا لَهَا... كتسابق الفرسان يَوْم رهان وأخو الهوينا فِي الديار مخلف... مَعَ شكله يَا خيبة الكسلان... قَوْله وخدت بهم همم الخ الوخد للبعير الاسراع أَو أَن يَرْمِي بقوائمه كمشي النعام أَو سَعَة الخطو كالوخدان والوخيد وَقد وخد كوعد فَهُوَ واخد ووخاد ووخود قَالَه فِي الْقَامُوس قَوْله خزف الخزف محركة الْجَرّ وكل مَا عمل من طين وشوي بالنَّار حَتَّى يكون فخارا قَالَه فِي الْقَامُوس
فصل فِي رَغْبَة قَائِلهَا إِلَى من يقف عَلَيْهَا من اهل الْعلم والايمان ان يتجرد لله وَيحكم عَلَيْهَا بِمَا يُوجِبهُ الدَّلِيل والبرهان فان رأى حَقًا قبله وَحمد الله عَلَيْهِ وَإِن رأى بَاطِلا عرف بِهِ وأرشد اليه... يَا أَيهَا الْقَارِي لَهَا اجْلِسْ مجْلِس الحكم الْأمين أَتَى لَهُ الخصمان... واحكم هداك الله حكما يشْهد الْعقل الصَّرِيح بِهِ مَعَ الْقُرْآن واحبس لسَانك بُرْهَة عَن كفره... حَتَّى تعارضها بِلَا عدوان فاذا فعلت فَعنده أَمْثَالهَا... فنزال آخر دَعْوَة الفرسان فالكفر لَيْسَ سوى العناد ورد مَا... جَاءَ الرَّسُول بِهِ لقَوْل فلَان فَانْظُر لَعَلَّك هَكَذَا دون الَّذِي... قد قَالَهَا فتفوز بالخسران فَالْحق شمس والعيون نواظر... لَا تختفي الا على العميان وَالْقلب يعمى عَن هداه مِثْلَمَا تعمى... وَأعظم هَذِه العينان... يَقُول النَّاظِم يَا أَيهَا القاريء لهَذِهِ الْمَنْظُومَة الْمُبَارَكَة اجْلِسْ مجْلِس الحكم الْأمين غير الخائن جلس اليه الخصمان واحكم حكما يشْهد لَهُ الْعقل الصَّرِيح مَعَ مُحكم الْقُرْآن وَلَا تبادر بتكفير قَائِلهَا بل احْبِسْ لسَانك بُرْهَة أَي عَن أَن تحكم بِكُفْرِهِ بِمُجَرَّد هَوَاك حَتَّى تعَارض مَا قَالَه بِغَيْر
اعتداء فاذا فعلت فَعنده أَمْثَالهَا وَآخر الْأَمر يَدْعُوك إِلَى المبارزة والمنازلة قَوْله فلنزال هَذَا وَنَحْوه اسْم مَبْنِيّ على الْكسر كحذام وقطام وَنَحْوهمَا وَهُوَ بِفَتْح أَوله ثمَّ بَين أَن الْكفْر لَيْسَ إِلَّا العناد ورد مَا قَالَ الرَّسُول لأجل قَول فلَان وَفُلَان ثمَّ قَالَ فَانْظُر لَعَلَّك هَكَذَا الخ أَي لَعَلَّك مِمَّن يعاند وَيرد قَول الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لأجل أَقْوَال النَّاس ثمَّ أَخذ النَّاظِم فِي الشكاية من الْأَرْبَعَة الَّذين ذكرهم فَقَالَ... هَذَا وَإِنِّي بعد ممتحن بأر... بعة وَكلهمْ ذَوُو أضغان فظ غليظ جَاهِل متمعلم... ضخم الْعِمَامَة وَاسع الأردان متفيهق متضلع بِالْجَهْلِ ذُو... ضلع وَذُو جلح من الْعرْفَان مزجي البضاعة فِي الْعُلُوم وَإنَّهُ... زاج من الايهام والهذيان يشكو إِلَى الله الْحُقُوق تظلما... من جَهله كشكاية الْأَبدَان من جَاهِل متطبب يفني الورى... ويحيل ذَاك على قضا الرَّحْمَن...