شرح الزركشي على مختصر الخرقيصفحات 402-425
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الوصايا

صفحات 402-425
عن هذه الطبعة
عَلَم
الزركشي، شمس الدين
الكتاب
شرح الزركشي
المؤلف
شمس الدين محمد بن عبد الله الزركشي المصري الحنبلي (المتوفى: 772هـ)
الناشر
دار العبيكان
الطبعة
الأولى، 1413 هـ - 1993 م
عدد الأجزاء
7 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

وجده، وجد أبيه، وأولادهم، ولا يزاد على ذلك، وهو اختيار الخرقي، والقاضي، وعامة أصحابه، لما استدل به الخرقي، من أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم يجاوز بني هاشم بسهم ذوي القربى، لأن الله سبحانه لما قال: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الحشر: 7] يعني قرابته - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقسمه النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بين قرابته، ولم يجاوز بني هاشم.
2238 - ففي البخاري وغيره «عن جبير بن مطعم - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، قال: مشيت أنا وعثمان إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقلنا: أعطيت بني المطلب من خمس خيبر وتركتنا، قال: «إنما بنو المطلب وبنو هاشم شيء واحد» قال جبير: ولم يقسم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لبني عبد شمس، ولا لبني نوفل شيئا، وفي رواية في السنن: لما قسم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سهم ذوي القربى من خيبر، وذكر القصة» ، وهذا خرج مخرج البيان للمسمى في الآية الكريمة، وإذا يحمل المطلق من كلام الناس على المطلق من كلام الشارع، ويختص بما اختص به و «هاشم» هو

الأب الرابع، والأب الثالث عبد المطلب، والأب الثاني عبد الله، والنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هو الأب الأول.
(أو لا يتجاوز) بها ثلاثة آباء.
نظرا إلى أن الولد لا يدخل في ذلك، ولهذا لم ينقل أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أعطى لولده شيئا؟ فيه ثلاث روايات، وشذ ابن الزاغوني في وجيزه، فجعل الأب الرابع عبد مناف، فعلى هذا لا يدفع للولد، وهو مخالف للفظ الخرقي وغيره.
(تنبيهان) «أحدهما» قد تقدم أن الولد والوالد يدخلان في لفظ القرابة، وصرح بذلك القاضي، والشيرازي، وابن عبدوس، وأبو الخطاب في خلافه، وهو ظاهر كلام الخرقي وغيره، وعبارة الشيخين توهم خلاف ذلك، قال في المغني: الوصية لأولاده، وأولاد أبيه، وأولاد جده، وأولاد جد أبيه، وقال في المحرر: اختص بولده وقرابة أبيه وإن علا.

«الثاني» قال أبو محمد في المغني والكافي: إذا أوصى لأقرب قرابته، وله أب وأم إنهما سواء، وفيه نظر، إذ الأم لا تدخل في لفظ القرابة على المذهب، فكيف تكون من أقربهم، وقد نبه على هذا أبو البركات حيث قال: والأخ من الأب والأخ من الأم إن أدخلناه في القرابة سواء، والله أعلم.

قال: وإن قال: لأهل بيتي.
أعطي من قبل أبيه وأمه.
ش: المنصوص عن أحمد - رَحِمَهُ اللَّهُ - أن لفظة «أهل بيته»

بمنزلة لفظة «قرابته» قال في رواية عبد الله: إذا أوصى بثلث ماله لأهل بيته، هو بمثابة قوله: لقرابتي.
2239 - واستدل على ذلك فيما حكاه عنه ابن المنذر بأن قال: قال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا تحل الصدقة لي، ولا لأهل بيتي» فجعل سهم ذوي القربى لهم، عوضا عن الصدقة التي حرمت عليهم، فكان ذوو القربى الذين سماهم الله تعالى، أهل بيته الذين حرمت عليهم الصدقة.
2240 - وذكر حديث زيد بن أرقم أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «أذكركم الله في أهل بيتي» قال: قلنا: من أهل بيته نساؤه؟ قال: لا، أهله وعشيرته الذين حرمت عليهم الصدقة بعده، آل علي، وآل جعفر، وآل عقيل، وآل العباس.
وفرق

الخرقي - رَحِمَهُ اللَّهُ - بين لفظ: القرابة، وأهل البيت، فجعل الأول مختصا بأقاربه من جهة أبيه على ما تقدم، وجعل الثاني يشمل القريب من جهة الأب والأم، نظرا إلى أن اللفظ يشملهم، عرفا، يقال: بيت فلان كذا.
يريدون أقاربه من جهة أبيه وأمه، وأناط الشيرازي الحكم هنا بمن كان يصله في حياته، فقال: يعطى من كان يصله في حياته من قبل أبيه وأمه.
والله أعلم.

قال: وإذا أوصى أن يحج عنه بخمسمائة فما فضل رد في الحج.
ش: إذا أوصى أن يحج عنه بخمسمائة مثلا حج عنه، لأن الحج جهة قربة، فإن فضل من الخمسمائة شيء، رد في

الحج إلى أن ينفد، على المذهب المعروف، إعمالا لمقتضى اللفظ، وحكى الشيرازي رواية أن الباقي للورثة.
وظاهر كلام الخرقي أنه لا يدفع إلى من يحج إلى قدر ما يحج به، لقوله: فما فضل.
وصرح به غيره، لأنه تصرف بمقتضى النظر، فلا يزاد فيه على ذلك، ولو كانت الخمسمائة لا تكفي للحج، فهل يعان بها فيه، أو يحج بها من حيث تبلغ، أو يخير؟ ثلاثة أقوال، وشرط نفوذ هذه الوصية أن تخرج الخمسمائة من الثلث، فإن لم تخرج نفذ منها قدر الثلث، ووقف الباقي على إجازة الورثة، هذا إن كان الحج تطوعا، وإن كان واجبا فالذي يحتسب من الثلث ما زاد على نفقة المثل للفرض، والله أعلم.

قال: وإن قال: حجة بخمسمائة.
فما فضل فهو لمن يحج.
ش: اعتمادا على مقتضى لفظه، إذ مقتضاه دفع جميع الخمسمائة إلى من يحج حجة واحدة، كأنه قصد إرفاق من يحج، والله أعلم.

قال: وإن قال: حجوا عني حجة.
فما فضل رد إلى الورثة.

ش: لأن الذي أوصى به حجة فقط، فما فضل عنها فهو للورثة، وقوله: فما فضل: يجوز أن يريد ما فضل [من الثلث، ويجوز أن يريد ما فضل] من المدفوع إليه، أي عن النفقة التي أنفقها، بناء على المشهور، من أنه لا يجوز الاستئجار على الحج، والله أعلم.

قال: ومن أوصى بثلث ماله لرجل، فقتل عمدا أو خطأ، وأخذت الدية، فلمن أوصى له بالثلث ثلث الدية، في إحدى الروايتين، والأخرى ليس لمن أوصى له بالثلث من الدية شيء.
ش: الرواية الأولى اختيار القاضي وغيره، بناء على أن الدية تحدث على ملكه، تنزيلا لسبب الوجوب، منزلة مسببه وهو الوجوب، ولا شك أن السبب وجد في حياته وصار هذا كما لو نصب شبكة، فوقع فيها صيد بعد موته، فإنه يكون له، يحقق ذلك أن تجهيزه يخرج منها بلا نزاع، وعلى هذا يكون لمن أوصى له بالثلث ثلثها، كما لو ورث مالا قبل موته، (والثانية) ليس لمن أوصى له بالثلث شيء منها،

بل تكون للورثة، يقتسمونها على قدر مواريثهم، بناء على أن الدية تحدث على ملكهم.
(تنبيه) بنى أبو البركات الدين على الروايتين، [إن قلنا له، قضيت منها ديونه، وإن قلنا للورثة فلا، وظاهر كلام أبي محمد في المغني يقتضي أن ديونه تقضى منها على الروايتين] كتجهيزه، نظرا إلى أن الوجوب إنما وجد بالموت، والميت ليس أهلا للملك، ولذلك زالت أملاكه بموته، والله أعلم.

قال: وإذا أوصى لرجل، ثم أوصى بعده إلى آخر، فهما وصيان، إلا أن يقول: قد أخرجت الأول.
ش: أما إذا أخرج الأول من الإيصاء إليه فقد انعزل، وصار الثاني هو الوصي وحده، وأما إذا لم يخرجه فهما وصيان، لما تقدم فيما إذا أوصى لبكر بجارية، ثم أوصى بها لبشر، وقد تضمن كلام الخرقي - رَحِمَهُ اللَّهُ - أن للموصي عزل الموصى إليه، وهو واضح، لأنه نائب عنه، أشبه وكيله.
قال: وإذا كان الوصي خائنا جعل معه أمين.
ش: هذا إحدى الروايات عن أحمد - رَحِمَهُ اللَّهُ - تعالى، جمعا بين نظر الموصي وحفظ المال، (والثانية) لا تصح

الوصية إلى فاسق أصلا، وهي اختيار القاضي، وعامة أصحابه، الشريف، وأبي الخطاب في خلافيهما، والشيرازي، وابن عقيل في التذكرة، وابن البنا، لأنه ليس بأهل للشهادة، أشبه المجنون، (والرواية الثالثة) تصح الوصية إليه مطلقا، ولا يفتقر إلى أمين، حكاها أبو الخطاب في خلافه.
لأنه أهل للائتمان في الجملة، بدليل جواز إيداعه، فلو طرأ فسقه بعد موت الموصي، فعند أبي محمد أنه على الروايتين في الوصية إليه ابتداء، ثم مختار القاضي [أيضا] وغيره البطلان، وعند أبي البركات أنه يبدل بأمين بلا نزاع، نظرا إلى أن الموصي في الابتداء قد رضيه واختاره، والظاهر أنه إنما فعل ذلك لمعنى رآه فيه، إما لزيادة حفظه، أو إحكام تصرفه، ونحو ذلك، مما يربو على ما فيه من الخيانة، بخلاف ما لو طرأ فسقه، فإن حال الموصي يقتضي أنه إنما رضي بعدل ولا عدل، وعكس ذلك القاضي في روايتيه، فإنه حمل رواية ضم الأمين إليه على ما إذا طرأ الفسق.
وقال: ولا يختلف المذهب أنه لا يصح إليه ابتداء، فكأنه نظر إلى أن الدوام يغتفر فيه ما لا يغتفر في الابتداء.

ولنشر إلى شروط الموصى إليه فنقول: من شرطه أن يكون «عاقلا» بلا نزاع، «مسلما» إن كان الموصي مسلما، وكذلك إن كان كافرا في وجه، وفي آخر: يصح إلى كافر إن كان الموصي كافرا، لكن يشترط عدالة الموصى إليه في دينه عند أبي محمد، وظاهر كلام أبي البركات أنه على الروايتين، «بالغا» في رواية، وفي أخرى - وقال القاضي: إنها قياس المذهب: - لا، وعليها قال أبو البركات: إذا كان مراهقا.
وقال أبو محمد: إذا جاوز العشر.
«مستور الحال» على المذهب وقد تقدم، ولا تعتبر الذكورية، ولا الحرية، ولا البصر، ولا المعرفة بالتصرف، نعم، إذا كان عاجزا ضم الحاكم إليه أمينا، ويعتبر وجود الشروط عند العقد والموت في وجه، وفي آخر عند الموت فقط، والله أعلم.

قال: وإن كانا وصيين فمات أحدهما، أقيم مقام الميت أمين.

ش: إذا أوصى لرجلين، فليس لأحدهما الانفراد بالتصرف، لحصول التشريك بينهما، إلا أن يجعل لكل واحد منهما التصرف منفردا، فعلى هذا لو مات أحدهما أو جن أقام الحاكم مقامه أمينا، لأن الميت لم يرض بتصرف الآخر وحده، وكذلك إن ماتا في وجه، لأنه لم يرض بتصرف واحد، وفي آخر يجوز أن يقيم واحدا، لأن الأمر رجع إليه، أشبه ما لو لم يوص، ولو كان قد جعل لكل واحد التصرف منفردا، فمات أحدهما لم يبدل، لاستقلال الآخر بالتصرف، والله أعلم.

قال: ومن أعتق في مرضه أو بعد موته عبدين لا يملك غيرهما، وقيمة أحدهما مائتان، والآخر ثلاثمائة، فلم تجز الورثة، أقرع بينهما، فإن وقعت القرعة على الذي قيمته مائتان عتق منه خمسة أسداسه، وهو ثلث الجميع، وإن وقعت على الآخر عتق منه خمسة أتساعه.
ش: قوله: ومن أعتق في مرضه.
أي منجزا، أو بعد موته.
أي مدبرا.
وقوله: أقرع بينهما، «إشارة» إلى أن العتق في المرض يعتبر من الثلث، وكذلك التدبير على المذهب بلا ريب، كبقية الوصاية، وشذ حنبل فنقل عنه نفوذه من رأس المال إن وجد في الصحة، نظرا إلى الحال الراهنة، «وإشارة» بأن العتق والحال هذه يكمن في واحد

«وتصريح» بدخول القرعة، والأصل في ذلك كله حديث عمران بن حصين المتقدم، وإذا أقرعنا فإن وقعت القرعة على الذي قيمته مائتان، عتق منه خمسة أسداسه، وهو ثلث الجميع، إذ ثلث الجميع مائة وستة وستون وثلثا درهم، وذلك قدر خمسة أسداسه، وإن وقعت على الآخر الذي قيمته ثلاثمائة، عتق منه خمسة أتساعه، وهي الثلث، مائة وستة وستون درهما وثلثا درهم، إذ كل تسع منه ثلاثة وثلاثون درهما، وثلث درهم.
قال: لأن جميع ملك الميت خمسمائة، وهي قيمة العبدين، فتضرب في ثلاثة، فأخذ ثلثه خمسمائة، فلما أن وقعت القرعة على الذي قيمته مائتان، ضربناه أيضا في ثلاثة، فصيرناه ستمائة، فصار العتق فيه خمسة أسداسه، وكذلك يفعل بالآخر إذا وقعت عليه القرعة.
ش: هذا بيان لعمل المسألة، ولأن العتق في الأول خمسة أسداسه، وفي الثاني خمسة أتساعه، وذلك لأن صورة المسألة أن جميع ملك الميت خمسمائة، فتضرب في ثلاثة، ترتفع إلى ألف وخمسمائة، لأنها لو لم تضرب ربما وقع فيها

كسر فتشق النسبة إليه أو تتعذر، فإذا بلغت ألفا وخمسمائة، أخذ ثلثها وهو خمسمائة، ثم إن وقعت القرعة على الذي قيمته مائتان، ضربناه في ثلاثة، كما ضربنا المجموع، فترتفع إلى ستمائة، ثم تنسب الثلث إليه وهو الخمسمائة، تجد العتق فيه خمسة أسداسه، إذ كل سدس مائة درهم، وإن وقعت القرعة على الذي قيمته ثلاثمائة، فعلنا به أيضا كذلك، ضربناه في ثلاثة فارتفع إلى تسعمائة، ثم نسبنا منه الثلث، وهو الخمسمائة، تجدها خمسة أتساعه.
قال: وكل شيء يأتي من هذا الباب فسبيله أن يضرب في ثلاثة، ليخرج بلا كسر.
ش: فلو كانت قيمة أحد العبدين ثلاثمائة، والآخر أربعمائة، جمعتهما، وذلك سبعمائة، فجعلتها ثلث المال، ثم إن وقعت القرعة على الذي قيمته ثلاثمائة، ضربت في ثلاثة، ترتفع إلى تسعمائة، ثم تنسب إليه السبعمائة يكن العتق منه سبعة أتساعه، وإن وقعت على الذي قيمته أربعمائة، ضربته في ثلاثة، ترتفع إلى ألف ومائتين، وإذا نسبت إليه السبعمائة، كان العتق فيه ثلثه وربعه، وعلى هذا فقس، والله أعلم.

قال: وإذا أوصى بعبد من عبيده لرجل، ولم يسم العبد، كان له أحدهم بالقرعة، إذا كان يخرج من الثلث، وإلا ملك منه بقدر الثلث.
ش: هذا إحدى الروايتين، واختيار ابن أبي موسى، لأن الجميع سواء بالنسبة إلى الاستحقاق، فكان له أحدهم بالقرعة، كما لو كان ذلك عتقا، (والثانية) - واختارها أبو الخطاب، والشريف في خلافيهما، والشيرازي - يعطيه الورثة ما أحبوا، لأن لفظه تناول عبدا، والأقل هو اليقين، فيكون هو الواجب، وما زاد فهو مشكوك فيه، وإذا ما تدفعه الورثة هو الواجب أو أزيد، فيلزم قبوله، وقد تضمن كلام الخرقي صحة الوصية بالمجهول، وهو واضح، لما تقدم من أن الغرر لا ينافيها.
وقول: من عبيده.
يخرج ما إذا قال: بعبد.
وأطلق، فإنه يصح ويعطى أي عبد كان، لكن يشترط كونه ذكرا، هذا عند أبي محمد، نظرا للعرف، وعند

القاضي لا يشترط، نظرا للحقيقة، وقوله: ولم يسمه.
يخرج ما إذا سماه، فإنه يستحقه بشرطه بلا نزاع، واشتراط الخروج من الثلث واضح وقد تقدم.
قال: وإذا أوصى له بشيء بعينه - فتلف بعد موت الموصي لم يكن للموصى له شيء.
ش: إذا أوصى له بشيء بعينه - كهذا العبد ونحوه - فتلف بعد موته، وقبل القبول، لم يكن للموصى له شيء، حكاه ابن المنذر إجماعا، وذلك لأن الموصى له إنما يستحق بالوصية وهي في معين، فتذهب بذهابه، وبطريق التنبيه إذا تلف قبل موت الموصي.

قال: وإن تلف المال كله إلا الموصى به فهو للموصى له.
ش: نص على هذا أحمد، لأن حق الورثة تعلق بما عدا المعين، وقد تلف، فيتلف على ملكهم، أما المعين فلم يتعلق حقهم به، ولذلك كان للموصى له أخذه بغير رضاهم.

قال: ومن أوصي له بشيء فلم يأخذه زمانا، قوم وقت الموت، لا وقت الأخذ.
ش: اعلم أنا نذكر أولا أصلا، ثم نذكر هذه المسألة، لأن

بعضهم بناها عليه، فنقول: اتفق أصحابنا فيما علمت على أن شرط ثبوت الملك للموصى له القبول بعد الموت، ثم اختلفوا متى يثبت الملك له، فالمذهب عند أبي محمد - رَحِمَهُ اللَّهُ - أن الملك لا يثبت له إلا عقب القبول، وهو مقتضى قول القاضي، وعامة أصحابه، قال أبو الخطاب في الهداية: وأومأ إليه أحمد فقال: الوصية والهبة واحد.
واختار أبو بكر في الشافي أن الملك مراعى، فإذا قبل تبينا أن الملك ثبت له من حين الموت، وحكى الشريف عن شيخه أنه قال: إنه ظاهر كلام الخرقي.
ولعله أخذه من هذه المسألة، قال في التعليق: وهو ظاهر كلام أحمد في رواية ابن منصور، فيمن أوصي له بشيء فلم يأخذه زمانا، قال سفيان: يحسب على الموصى له بقيمته يوم يأخذه، قال أحمد: له يوم أوصى.
قال: فظاهر هذا أن الملك حصل بالسبب السابق.
وقوله: يوم أوصى.
معناه يوم تعتبر قيمته حين الموت، لأنه حين الوصية باق على ملك الموصي، فلا تعتبر قيمته إذا، ثم على الأول هل يبقى الملك بعد موت الموصى له، فيتوفر بنمائه ثلثه - وهو مقتضى قول الشريف، وأبي الخطاب في

خلافيهما - أو يكون الملك للورثة ثم ينتقل إلى الموصى له إذا قبل - وهو اختيار أبي محمد، وابن البنا، والشيرازي؟ فيه وجهان وتلخص أن في الملك بين الموت والقبول ثلاثة أوجه، للميت، للورثة، للموصى له.
إذا تقرر هذا فقول الخرقي: إن التقويم يعتبر بحال الموت، لا بحال الأخذ، وكذلك نص عليه أحمد في رواية ابن منصور، فيحتمل أنه بناء منهما على أن الملك يكون مراعى، وأن الموصى له إذا قبل ثبت ملكه من حين الموت، أما إن قلنا: إن الملك لا يثبت إلا حين القبول، فيعتبر التقويم إذا، وإلى هذا جنح أبو البركات، مع زيادة تحقيق، كما سيأتي إن شاء الله تعالى، ويحتمل أن هذا الحكم جار على جميع الوجوه، وهو مقتضى كلام أبي محمد، فإنه حكى الخلاف في الأصل، ثم ذكر هذه المسألة، وقال: لا أعلم فيها خلافا.
وقال أبو العباس: إن قول الخرقي هو قول

قدماء الأصحاب، وإنه أوجه من قول جده، يعني بالبناء، فعلى هذا الاعتبار في التقويم بحال الموت سعرا وصفة، فعلى هذا إذا قوم الموصى به حال الموت، فخرج من الثلث، كان للموصى له، وإن زاد حين القبول، حتى لم يخرج من الثلث، ولو لم يخرج من الثلث حال الموت، كان له منه بقدر الثلث، وإن زاد سعره أو صفته، حتى خرج من الثلث حال القبول، وذلك لأن تأخير القبول حصل بتفريط من الموصى له، فهو كتأخير المشتري قبض المبيع المعين، [بعد التمكن من قبضه، والمذهب أن مجرد التمكن من القبض في المبيع المعين] ونحوه ينقل الضمان، فكذلك التمكن من القبول في الوصية، إذ القبول فيها بمنزلة القبض في غيرها، وإن قلنا بالرواية الأخرى في البيع ونحوه، وأن الضمان لا ينتقل إلا بالقبض، فهذا في المعاوضات على ضعف، أما الشركة ونحوها فنفس التمييز كاف، ولأن الموصى به مباح للموصى له، وقد امتنعت الورثة من التصرف فيه - وإن قلنا الملك لهم أو للميت - لأجل حق الموصى به، فأشبه العبد الجاني، والتركة المستغرقة بالدين، وإن قلنا: انتقلت إلى الورثة، فإنه لو أخر استيفاء حقه حتى

نقص العبد أو التركة كان النقص عليه، ولم يكن له حق في غير ذلك، كذلك هاهنا، وقد قال أبو الخطاب في الانتصار وطائفة من الأصحاب: إن تعلق حق الغرماء بالتركة لتعلق الموصى له بالموصى به هل يمنع من الانتقال؟ على روايتين، ولأن الموصى له وإن لم يملك، لكن له حق التملك، فأشبه ربح المضاربة قبل القسمة، إن قلنا: لا يملك إلا بها.
على رواية، ونصف الصداق بعد الطلاق، إن قلنا: لا يدخل في ملك الزوج إلا باختياره على وجه، والمغانم قبل القسمة إن قلنا: لا تملك إلا بها.
على وجه أيضا، فإن جميع هذه الصور الضمان على من له حق التملك، كذلك هاهنا، ولا يقال: القبول هاهنا بمنزلة القبول في الهبة والبيع، لأن التملك في الوصية حق ثابت، لا يمكن أحدا فسخه بعد الموت، فهو كربح المضاربة، وقبول البيع والهبة حق غير ثابت، لإمكان إبطاله، ولهذا قال الخرقي: إن خيار القبول في الوصية ينتقل إلى الورثة وإن كان خيار قبول البيع والهبة لا ينتقل اتفاقا.

وأيضا فإن العدل الشرعي أن لا تفضل الوصايا على الورثة بزيادة على الثلث، لا في الملك، ولا في القبض، فإذا أوصى بعبد، وله عبدان آخران، فالعدل أن نقص العبدين كما هو على الورثة، كذلك نقص العبد على الموصى له لا يقال: يلزم على هذا أن الملك مع الزيادة يكون للورثة والضمان على الموصى له، لأنا نقول: ليس هذا ببدع.
كما نقول: ضمان الثمر على الشجر على البائع، والزيادة للمشتري، والعين المؤجرة ضمانها على المؤجر، والربح للمستأجر.
انتهى، وقال أبو البركات: إن قلنا: إن الملك يتبين ثبوته للموصى له من حين الموت، فإن الموصى به يقوم بسعره يوم الموت، على أدنى صفاته من حين الموت، إلى حين القبول، وإن قلنا: إن الملك لا يثبت إلا عقب القبول، وأنه قبل للورثة أو للميت.
اعتبر التقويم وقت القبول سعرا وصفة، وبيان ذلك أما السعر فلأنه إنما اعتبر حال الموت على الأول، لأنا تبينا بالقبول دخوله في ملكه حين الموت، وإذا تكون زيادة السعر ونقصها عليه، لأن زيادة السعر ونقصه لا تضمن مع بقاء العين المستحقة، وإن ضمنت العين، كما في الغصب وغيره على المشهور، وأما على الوجهين الآخرين، فلأن الملك إنما حصل له بالقبول، فقبل القبول لا يقوم

عليه، كما قبل الموت اتفاقا، وأما نقص الصفة أما على الوجهين الآخرين فواضح، لأن الملك للورثة أو للميت، والزيادة لهما، فكذلك النقص عليهما، إذ الخراج بالضمان، وأما على الوجه الأول فلأن الموصى له لا يضمن إلا بالقبول، كما أن غيره لا يضمن إلا بالتمكين من القبض أو بحقيقة القبض على الخلاف، وذلك لأن القبول لا يرد إلا على عين موجودة، لأنه وإن أثبت الملك من حين الموت، فلا بد من بقائه إلى حينه، إذ ثبوت الملك قبله تبع لثبوته في حينه فما ليس بموجود لا يقبل، لتعذر الملك فيه، ولهذا لو تلفت العين الموصى بها قبل القبول، امتنع القبول فيها، فكذلك إذا تلف بعضها، ولا ضمان أيضا على الورثة، بحيث يحسب من الثلثين، لأن الورثة لم يملكوا ذلك، فأشبه ما لم يمكنهم قبضه وأولى.
فإن قيل: يلزم على هذا أن تكون الزيادة للموصى له، والنقص ليس عليه.
قلنا: كذا ما اشترى بصفة أو رؤية متقدمة، هو مضمون على البائع، حتى يتبين أنه على ما رئي أو وصف، فلو زاد في هذه المدة كانت الزيادة للمشتري، وقد ذكر أبو البركات نحو هذا في الصداق

أيضا، فقال: إذا تعذر الرجوع في نصف عينه، فإنه يرجع بنصف قيمته يوم الفرقة، على أدنى صفاته من يوم العقد، إلى يوم القبض، إلا المتميز إذا قلنا: يضمنه بالعقد، فتعتبر صفته وقت العقد، وذلك لأن مع التعذر إنما يستحق نصف القيمة يوم الفرقة، فيعتبر السعر إذا، وأما صفة المقوم فإن كان قد زاد بعد العقد وقبل القبض لم يستحق نصف قيمة الزيادة، لحدوثها على ملك الزوج، وإن كان قد نقص فهو مضمون عليها، لعدم التمكن من القبض، المقتضي لضمان الزوج.
قال أبو العباس: واعلم أن تحرير هذه العبارة هنا، وفي الصداق، له دون غيره، وإن كان قد ذكره غير واحد متفرقا في الصداق، ويؤخذ من تعليل بعضهم هنا، قال: وهو متوجه في الصداق، أما هنا ففيه نظر، لأن المملوك بالوصية، كالمملوك بالإرث، لا يتوقف تمام الملك فيهما على قبض، وإن تلف تلف من ضمانهما، بخلاف المملوك بالعقود، كالبيع ونحوه، لا يتم الملك فيها إلا بالتمكن من القبض، وإذا تلفت تلفت من ضمان الذي خرجت من ملكه، وأيضا فإن بالقبول يتبين أن الملك كان للموصى،

له، وإذا يكون التالف قبل القبول من ملكه، إذ لم يفت فيه إلا بالقبض، والقبض غير مؤثر، بدليل ما لو قبل وأخر القبض.
والله أعلم.

حكم من أوصى بوصايا وفيها عتاق فلم يف الثلث بالكل

قال: وإذا أوصى بوصايا وفيها عتاق، فلم يف الثلث بالكل، تحاصوا في الثلث، وأدخل النقص على كل واحد بقدر ما له في الوصية.
ش: هذا هو المشهور، المختار للأصحاب من الروايتين، للاشتراك في سبب الاستحقاق، ولا مزية لأحدهم على الآخر، فعلى هذا لو وصى لرجل بثلث ماله، ولآخر بمعين قيمته مائة، وبعتق عبد قيمته خمسون، وثلثه مائة درهم، فإنك إذا نسبت الثلث إلى مجموع الوصايا، وجدته خمسيها، فكل من له شيء له خمساه، (والرواية الثانية) يقدم العتق، لترجحه بما فيه من حق الله تعالى، وحق الآدمي وتشوف الشارع إليه، ولو لم يكن في الوصايا عتاقة تحاصوا فيها بلا نزاع.
والله أعلم.

قال: وإذا أوصى بفرس في سبيل الله، وألف درهم تنفق عليه، فمات الفرس، كانت الألف للورثة، وإن أنفق بعضها رد الباقي إلى الورثة.

ش: لتعذر العمل بالوصية في الجميع أو في البعض، وإذا يرجع إلى الورثة، لأن سبب استحقاقهم قائم، وإنما منعوا لمعارض وقد زال، ويحتمل أن تنفق الألف على فرس آخر في السبيل، إذ المقصود من مثل هذه الوصية الجهة، لا ذات الفرس، وصار كما لو وصى بألف في الحج، فإنه يصرف في حجة بعد أخرى حتى ينفد، والله سبحانه أعلم.

فصول الكتاب · 56 فصل · 704 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح الزركشي على مختصر الخرقي · 704 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب صلاة الخوفكتاب صلاة الكسوفكتاب صلاة الاستسقاء
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب السلم
كتاب الرهن
كتاب الحجركتاب الصلحكتاب الحوالة والضمانكتاب الشركة
كتاب الوكالة
كتاب الشفعةكتاب المساقاةكتاب الإجارةكتاب إحياء الموات
كتاب الوقوف والعطايا
كتاب اللقيط
كتاب الوصايا
كتاب الفرائض
كتاب الولاء
كتاب الوديعة
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب اللعان
كتاب العدد
كتاب الرضاع
كتاب النفقات
كتاب الجراح
كتاب القسامة
كتاب المرتد
كتاب الحدود
كتاب القطع في السرقةكتاب قطاع الطرق
كتاب الأشربة وغيرها
كتاب الجهاد
كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأضاحي
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان والنذور
كتاب الكفارات
كتاب أدب القاضي
كتاب القاضي إلى القاضي
كتاب الشهادات
كتاب الأقضية
كتاب العتق
كتاب عتق أمهات الأولاد
جارٍ التحميل