كتاب النكاح
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الزركشي، شمس الدين
- الكتاب
- شرح الزركشي
- المؤلف
- شمس الدين محمد بن عبد الله الزركشي المصري الحنبلي (المتوفى: 772هـ)
- الناشر
- دار العبيكان
- الطبعة
- الأولى، 1413 هـ - 1993 م
- عدد الأجزاء
- 7 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
ش: النكاح في كلام العرب الوطء، قاله الأزهري، وسمي التزويج نكاحا لأنه سبب الوطء، قال أبو عمر غلام ثعلب: الذي حصلناه عن ثعلب عن الكوفيين، والمبرد عن البصريين، أن النكاح في أصل اللغة هو اسم للجمع بين الشيئين.
قال الشاعر:
أيها المنكح الثريا سهيلا ... عمرك الله كيف يجتمعان
وقال الجوهري: النكاح الوطء، وقد يكون العقد.
وعن الزجاجي: النكاح في كلام العرب بمعنى الوطء والعقد جميعا، وقال ابن جني عن شيخه الفارسي: فرقت العرب فرقا لطيفا يعرف به موضع العقد من الوطء، فإذا قالوا: نكح فلانة أو ابنة فلان.
أرادوا تزوجها، وإذا قالوا نكح امرأته أو زوجته.
لم يريدوا إلا المجامعة.
(قلت) : وظاهر هذا الاشتراك كالذي قبله، وأن القرينة تعين.
وأما في الشرع فقيل: العقد، فعند الإطلاق ينصرف إليه، اختاره ابن عقيل، وابن البنا، وأبو محمد، والقاضي في التعليق، في كون المحرم لا ينكح، لما قيل له: إن النكاح حقيقة في الوطء
قال: إن كان في اللغة حقيقة في الوطء، فهو في عرف الشرع للعقد، وذلك لأنه الأشهر في الكتاب والسنة، ولهذا ليس في الكتاب لفظ النكاح بمعنى الوطء إلا قوله: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: 230] على المشهور، ولصحة نفيه عن الوطء، فيقال: هذا سفاح وليس بنكاح.
وصحة النفي دليل المجاز، قال القاضي في المجرد: الأشبه بأصلنا أنه حقيقة في العقد والوطء جميعا، لقولنا بتحريم موطوءة الأب من غير تزويج، لدخولها في قوله سبحانه: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: 22] الآية، وذلك لورودهما في الكتاب العزيز، والأصل في الإطلاق الحقيقة، وقال القاضي في العدة، وأبو الخطاب، وأبو يعلى الصغير: هو حقيقة في الوطء، مجاز في العقد، وذلك لما تقدم عن الأزهري، وعن غلام ثعلب، والأصل عدم النقل، قال أبو الخطاب: وتحريم من عقد عليها الأب استفدناه بالإجماع والسنة.
وهو مشروع بالإجماع القطعي في الجملة، وسنده قول الله سبحانه: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: 3] وقوله:
﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: 32] .
2393 - وفي الصحيحين وغيرهما عن علقمة، قال: كنت أمشي مع عبد الله بمنى، فلقيه عثمان فقام معه يحدثه، فقال له عثمان: يا أبا عبد الرحمن ألا نزوجك جارية شابة، تذكرك بعض ما مضى من زمانك؟ قال فقال عبد الله: لئن قلت ذلك، لقد قال لنا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء» » وغير ذلك مما لا يحصى من كثرة.
ثم النكاح على الطريقة المشهورة تارة يجب، كما إذا خاف الزنا بتركه، وتارة يسن على المشهور من الروايتين، كالأمن من
السابق، والثانية: - واختارها أبو بكر، والبرمكي - يجب، وتارة يباح على رواية، اختارها القاضي في النكاح من المجرد، وابن عقيل في التذكرة، وابن البنا، ويستحب على أخرى، واختاره القاضي في الطلاق من المجرد، وهو إذا لم يتق إليه لكبر، أو مرض أو غير ذلك، وللأصحاب طرق غير ذلك، ومن أحسنها قول القاضي أبي يعلى الصغير أنه فرض كفاية، وحيث قيل بالوجوب هل يندفع بالتسري؟ فيه وجهان.
(تنبيه) في الباءة أربع لغات، «باءة» بالمد، مثال «باعة» «وباء» بالمد أيضا بلا هاء، «وباهة» بلا مد، وبالهاء والتاء، و «باه» بلا مد مقصورا أيضا، وأصل الباه في اللغة المنزل، ثم قيل لعقد النكاح، لأن من تزوج امرأة بوأها منزلا، وقد يسمى النكاح نفسه باه، والمراد في الحديث، والله أعلم، الأول وإلا فلا حاجة إلى الصوم، «والوجاء» - بكسر الواو
ممدودا - رض الأنثيين، أي أن الصوم قاطع لشهوة النكاح كالوجاء، والله أعلم.
اشتراط الولي في النكاح
قال: ولا ينعقد النكاح إلا بولي.
ش: هذا هو المذهب المنصوص، والمعروف عند الأصحاب، لا يختلفون في ذلك.
2394 - وذلك لما روى أبو موسى الأشعري - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: إن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا نكاح إلا بولي» رواه الخمسة إلا النسائي، وصححه ابن المديني وغيره، وهو نفي للحقيقة الشرعية، أي لا نكاح شرعي، أو موجود في الشرع، إلا بولي.
2395 - وعن سليمان بن موسى، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قالت: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فإن دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها، فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له» رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي وحسنه، وقال المروذي: سألت أحمد ويحيى عن حديث سليمان بن موسى: «لا نكاح إلا بولي» فقالا: صحيح، ولأن ذلك قول جمهور الصحابة.
2396 - روي معنى ذلك عن علي، وأبي هريرة رواه الدارقطني، وعن عمر، وابن عباس، وحفصة، رواه الشالنجي، وعن أبي سعيد الخدري، رواه أبو بكر، وعن ابن مسعود، وابن عمر، وادعى القاضي أنه إجماع الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -.
وحكى طائفة من الأصحاب عن أحمد رواية بعدم اشتراط الولي مطلقا، وأبو محمد خص الرواية بحال العذر، كما إذا عدم الولي والسلطان، واختلف في مأخذ الرواية، فابن عقيل أخذها من قول أحمد في دهقان القرية: يزوج من لا ولي لها، إذا احتاط لها في المهر والكفؤ، وغلطة أبو العباس في ذلك، قلت لأن دهقان القرية هو كبيرها، فهو بمنزلة حاكمها، والقائم بأمرها، وأخذها ابن أبي موسى من رواية أن المرأة تزوج أمتها ومعتقتها.
وبالجملة استدل لعدم الاشتراط بقوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: 232] فأضاف النكاح إليهن، ونهى عن منعهن منه، وظاهره أن المرأة يصح أن تنكح نفسها، ونحوه قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: 230]
وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 234] فأباح سبحانه فعلها في نفسها من غير شرط الولي.
2397 - يؤيده قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ليس للولي مع الثيب أمر» .
2398 - وأيضا روي أن «النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لما خطب أم سلمة قالت: ليس أحد من أوليائي حاضرا.
فقال: «ليس من أوليائك حاضر ولا غائب إلا ويرضاني» فقالت لابنها عمر بن أبي سلمة - وكان صغيرا -: قم فزوج رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. فتزوج رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بغير ولي» ، وإنما أمرت ابنها بالتزويج على وجه الملاعبة، إذ قد نقل أهل العلم بالتأريخ أنه كان صغيرا قبل ست سنين، وبالإجماع لا تصح ولاية مثل ذلك، ولهذا قالت: ليس أحد من أوليائي حاضرا.
2399 - وأيضا قصة صاحب الإزار فإنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال له: زوجتكها ولم يسأل هل لها ولي أم لا.
واعترض على حديث أبي موسى بأن محمد بن الحسن روى عن أحمد أنه سئل عن النكاح بغير ولي يثبت فيه شيء عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ فقال: ليس يثبت عندي فيه شيء عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثم هو محمول على نفي الكمال، ثم يقال بموجبه، وأن نكاح المرأة نفسها نكاح بولي، والنكاح بغير ولي نكاح المجنونة
والصغيرة، إذ لا ولاية لهم على أنفسهم، وعن حديث عائشة بأن راويه سليمان بن موسى وقد ضعفه البخاري، وقال النسائي: في حديثه شيء، وقال أحمد في رواية أبي طالب: حديث عائشة: «لا نكاح إلا بولي» ليس بالقوي، وقال في رواية المروذي: ما أراه صحيحا، لأن عائشة فعلت بخلافه، قيل له: فلم تذهب إليه؟ قال: أكثر الناس عليه.
ثم إن ابن جريج نقل عن الزهري أنه أنكر الحديث، قال أحمد - في رواية أبي الحارث -: لا أحسبه صحيحا، لأن إسماعيل قال: قال ابن جريج: لقيت الزهري فسألته فقال: لا أعرفه.
ويقوي الإنكار أن الزهري قال بخلاف ذلك، قاله أحمد وغيره.
ثم مفهوم الحديث أنه يصح نكاحها بإذن وليها، واعترض على إجماع الصحابة بفعل عائشة، كما تقدم عن أحمد، وقال في رواية
أخرى: لا يصح الحديث عن عائشة، لأنها زوجت بنات أخيها.
2400 - وقد روى الشالنجي بإسناده عن القاسم، قال: زوجت عائشة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر من ابن الزبير، فقدم عبد الرحمن فأنكر ذلك، وقال: مثلي يفتات عليه؟ فقالت عائشة: أوترغب عن ابن الحواري.
وأجيب عن الآية الأولى بأنها حجة لنا، لأنه سبحانه خاطب الأولياء، ونهاهم عن العضل وهو المنع، وهو شامل للعضل الحسي والشرعي، لأنه اسم جنس مضاف، وهذا يدل على أن العضل يصح منهم دون الأجانب.
2401 - ثم الآية نزلت في معقل بن يسار، حين امتنع من تزويج أخته، فدعاه النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فزوجها، ولو لم يكن لمعقل ولاية، وأن الحكم
متوقف عليه، لما عوتب في ذلك، وإضافة النكاح إليها لتعلقه بها، وكذلك الجواب عن الآية الثانية، ثم سياقها في أنها لا تحل للزوج الأول إلا بعد نكاح، وعن الثالثة بأن الفعل بالمعروف أن يكون بولي، وقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ليس للولي مع الثيب أمر» نقول به، إذ لا أمر له معها، إذ حقيقة الأمر ما وجب على المأمور امتثاله، والثيب لا تجبر على النكاح، وافتقار نكاحها إلى الولي لا يقتضي أن يكون له عليها أمر، وأما تزوجه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بأم سلمة فمن خصائصه، قال أحمد - في رواية الميموني، وقد سئل: من زوج النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ فقال -: يقولون: النجاشي.
فقيل له: يقولون: النجاشي أمهرها؟ وأراد الذي سأله بهذا حجة على من قال بالولي، فتغير وجه أبي عبد الله، وقال: يقوم مقام النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في هذا أحد؟ ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: 6] وهو في النكاح ليس كغيره، وقضية صاحب الإزار قضية عين، محتمل أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
علم أنه لا ولي لها.
واعتراضاتهم أما على حديث أبي موسى فالصحيح المشهور عن أحمد تثبيته وتصحيحه، والحمل على نفي الكمال خلاف الظاهر، إذ الأصل والظاهر في النفي إنما هو لنفي الحقيقة، وهي هنا الشرعية، أي لا نكاح موجود في الشرع، وإطلاق الولي ينصرف إلى الذكر، يقال: ولي وولية إذ هو فعيل بمعنى فاعل، فيفرق بين مذكره ومؤنثه.
2402 - مع أن الخلال روى في كتاب العلل «أيما امرأة نكحت بغير إذن مواليها» وهذا يبين أن المراد بالولي غير المنكوحة، وأما حديث عائشة - رضي الله - عنها فسليمان بن موسى ثقة كبير، قال الترمذي: لم يتكلم فيه أحد من المتقدمين إلا البخاري وحده،
لأحاديث انفرد بها، ومثل هذا لا يرد به الحديث، ولهذا كان المشهور عن أئمة الحديث تصحيحه، وما نقل من إنكار الزهري فقد قال أحمد، ويحيى: لم ينقل هذا عن ابن جريج غير ابن علية، قال ابن عبد البر: وقد أنكر أهل العلم ذلك من روايته، ولم يعرجوا عليها، ولو ثبت ذلك لم يقدح في الحديث، إذا رواه
عنه ثقة، على المشهور من قولي العلماء، إذ النسيان لم يعصم منه إنسان.
2403 - قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «نسي آدم فنسيت ذريته» ورد أحمد له كذلك هو على الرواية غير المشهورة عنه من أن نسيان الراوي قادح، ولهذا كان المشهور عنه تصحيحه والأخذ به، ثم قد قيل: إنه كان في الحديث زيادة ذكرها سليمان بن موسى، فسئل الزهري عنها، فقال: لا أحفظها، ولم يرد به أصل الحديث، ذكر ذلك ابن المنذر والأثرم في العلل، وكون الزهري وعائشة قالا بخلافه لا يضر، لجواز النسيان أو التأويل، إذ الاعتبار بما روى لا بما رأى، وتضعيف أحمد له كذلك هو أيضا على خلاف المشهور عنه، والمعروف عن علماء الحديث.
2404 - ثم قد روي عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أنها كانت إذا أرادت أن تزوج أرسلت سترا وقعدت وراءه وتشهدت، فإذا لم يبق إلا
النكاح قالت: يا فلان أنكح، فإن النساء لا ينكحن، قال الأثرم: قيل لأبي عبد الله هذا الحديث؟ فقال: روى ابن جريج، قال: أخبرت عن عبد الرحمن مرسلا كذا، وابن إدريس يقول عن ابن جريج، عن عبد الرحمن، عن القاسم، لا يقول: أخبرت.
وقول الراوي: إذا أرادت أن تزوج، أي تشهد النكاح، لأجل المشاورة، وقوله: قالت: يا فلان أنكح.
أي في إمائها، ونحو ذلك.
(تنبيه) اشتجروا التشاجر الخصومة، والمراد به - والله أعلم - المنع من العقد، دون المشاحة في العقد، إذ مع المشاحة فيه يقدم الأقرب فالأقرب، ومع الاستواء العقد لمن سبق، وتقديم أحدهم بالقرعة، تقديم أولوية على الصحيح، والله أعلم.
اشتراط الشهود في النكاح
قال: وشاهدين من المسلمين.
ش: أي لا ينعقد إلا بشاهدين من المسلمين، وهذا هو المشهور
عن أحمد، رواه الجماعة، واختاره الأصحاب.
2405 - لأن في بعض طرق حديث عائشة «أيما امرأة أنكحت نفسها بغير إذن وليها وشاهدي عدل فنكاحها باطل» ذكره الدارقطني، عن عيسى بن يونس، عن ابن جريج، عن سليمان بن موسى، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
2406 - وعن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «البغايا اللاتي ينكحن أنفسهن بغير بينة» رواه الترمذي، وقال: لم يرفعه غير عبد الأعلى، ووقفه مرة، قال والوقف أصح.
قال بعض الحفاظ: وعبد الأعلى ثقة، فيقبل رفعه وزيادته.
2407 - وروى مالك في الموطأ، عن أبي الزبير المكي، أن عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أتي بنكاح لم يشهد عليه إلا رجل وامرأة، فقال: هذا نكاح السر، ولا أجيزه ولو كنت تقدمت فيه لرجمته، وخص النكاح - والله أعلم - باشتراط الشهادة، دون غيره من العقود، لما فيه من تعلق حق غير المتعاقدين، وهو الولد.
وعن أحمد رواية أخرى: ينعقد بدون شهادة، ذكرها أبو بكر في المقنع، وجماعة.
2408 - لأن «النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أعتق صفية، وتزوجها بغير شهود» ، «وقال للذي
تزوج الموهوبة: «زوجتكها بما معك من القرآن» ولم ينقل أنه أشهد.
2409 - واحتج أحمد بأن ابن عمر زوج بلا شهود، ويروى ذلك أيضا عن ابن الزبير، والحسن بن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، ولأنه عقد معاوضة، أشبه البيع، وما تقدم من الحديث، قال أحمد - في رواية الميموني -: لم يثبت عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الشاهدين شيء، وكذا قال ابن المنذر.
ويجاب بأن تزويجه بلا شهود من خصائصه كما تقدم في الولي، وقضية الموهوبة قضية عين، والأحاديث يتقوى بعضها ببعض، واعلم أن النص في هذه الرواية عن أحمد مطلق، ولذلك أطلقه الجمهور، وقيده أبو البركات بما إذا لم يكتموه، فإذا مع الكتم تشترط الشهادة رواية واحدة، وهو - والله أعلم - من تصرفه، وكذلك جعله ابن حمدان قولا.
وقول الخرقي: من المسلمين.
يقتضي اشتراط الإسلام في الشاهدين، وذلك لقول الله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: 282] وخرج بذلك شهادة أهل الذمة وإن كانت المرأة ذمية وهو المنصوص والمشهور عند الأكثرين، وقيل: إن قبلنا شهادة بعضهم على بعض صح بشهادة أهل الذمة، وقد يخرج أيضا بقوله شهادة النساء، وليس بالبين، وبالجملة المذهب أن شهادتهن لا تعتبر في النكاح.
2410 - قال الزهري: «مضت السنة من رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن لا تجوز شهادة النساء في الحدود، ولا في النكاح، ولا في الطلاق.» رواه أبو عبيد في كتاب أدب القضاة، قاله القاضي ونقل عنه حرب إذا تزوج بشهادة نسوة لم يجز، فإن كان معهن رجل فهو أهون.
فأثبت ذلك القاضي وجماعة من أصحابه رواية، ومنع ذلك أبو حفص العكبري، وقال: قوله: هو أهون.
يعني في اختلاف الناس، (ودخل) في كلام الخرقي العبد، والأعمى، وهو كذلك، وكذلك الأخرس، وهو صحيح إن قبل الأداء منه بالخط وإلا
فلا، لعدم إمكان الأداء، (ودخل) أيضا مستور الحال، وهو المشهور من الوجهين، وإن لم نقبله في الأموال، قطع به القاضي في المجرد، وفي التعليق في الرجعة، وابن عقيل حاكيا له عن الأصحاب، والشيرازي، وابن البنا، وأبو محمد وغيرهم لتعذر البحث عن عدالة الشهود في الباطن غالبا، لوقوع النكاح في البوادي، وبين عوام الناس.
«والوجه الثاني) : لا بد من العدالة الباطنة كغيره، وهو احتمال للقاضي في التعليق بعد أن أقر أنه لا يعرف الرواية عن الأصحاب، (ودخل) أيضا الفاسق لأنه مسلم، وهو رواية عن أحمد، والمنصوص عنه أنه لا ينعقد
بفاسقين، وتعجب من قول أبي حنيفة في ذلك (ودخل) أيضا في كلامه عدو الزوج أو المرأة أو الولي أو متهم لرحم من أحدهم، وهو أحد الوجهين في الجميع، (وقد يدخل) في كلامه المراهق وهو إحدى الروايتين، والمذهب اشتراط البلوغ، ولا يرد عليه الطفل والمجنون والأصم، لخروجهم عقلا وعرفا، وقد يقال: قول الخرقي: شاهدين.
أحال فيه على الشهادات وأنه لا بد من شروط الشهادة المعتبرة أيضا، لكن يبقى قوله: من المسلمين.
ضائعا.
(تنبيه) : البغايا الزواني، والله أعلم.
أحق الناس بنكاح المرأة الحرة
قال: وأحق الناس بنكاح المرأة الحرة أبوها.
ش: هذا هو المذهب بلا ريب، لأنه أكمل نظرا، وأشد شفقة، ولهذا اختص بولاية المال، وجاز شراؤه من مال ولده وبيعه له من ماله بشرطه، ولأن الولد موهوب لأبيه، قال الله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى﴾ [الأنبياء: 90] وقال إبراهيم - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ [إبراهيم: 39] .
2411 - وقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أنت ومالك لأبيك» وإذا تقديم الأب الموهوب له على الابن الموهوب أولى من العكس، وحكى ابن المنى
في تعليقه قولا بتقديم الابن على الأب كما في الميراث، والله أعلم.
قال: ثم أبوه وإن علا.
ش: هذا أشهر الروايتين، وهو المذهب عند العامة، الخرقي، وأبي بكر، والقاضي، وجمهور أصحابه وغيرهم، لأن له إيلادا وتعصيبا أشبه الأب، (والرواية الثانية) تقديم الابن عليه، اختارها ابن أبي موسى، والشيرازي، كما في الميراث، وعلى هذه هل يقدم الجد على الأخ لامتيازه بالإيلاد، أو الأخ على الجد لإدلائه بالبنوة، وهي - والحال هذه - مقدمة على الأبوة في الجملة، أو هما سواء، لامتياز كل واحد منهما بمرجح؟ فيه ثلاث روايات، أما على الأولى فالجد مقدم على الأخ بلا ريب، والله أعلم.
قال: ثم ابنها وابنه وإن سفل.
ش: وذلك لأنه يقدم على الأخ ومن بعده في الميراث، فكذلك هنا، وقد فهم من كلام الخرقي أن للابن ولاية، وقد نص عليه أحمد في رواية الجماعة.
2412 - «لحديث أم سلمة لما بعث إليها النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يخطبها قالت: ليس أحد من أوليائي شاهدا.
فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ليس أحد من أوليائك شاهد ولا غائب يكره ذلك» رواه أحمد والنسائي، فقوله: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «ليس أحد من أوليائك شاهد» يدل على أن لها وليا شاهدا، أي حاضرا في الجملة، وقول أم سلمة: ليس أحد من أوليائي شاهدا.
يحتمل أنها ظنت أن ابنها عمر لا ولاية له، ويحتمل أنها قالت ذلك لأن وجوده كالعدم لعدم مباشرته للعقد، لأنه كان صغيرا، فإن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تزوجها سنة أربع، وقال ابن الأثير: كان عُمْرُ عُمَرَ حين مات النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تسع سنين.
وأنه ولد سنة اثنين من الهجرة.
وعلى هذا يكون عمره حين التزويج سنتين، أو ثلاث سنين، وقول أحمد في رواية الأثرم - وقد سأله: أليس كان صغيرا - قال: ومن يقول كان صغيرا؟ ليس فيه بيان، يحتمل أنه إنما أنكر أن يكون في
الحديث بيان، والبيان قد يكون في حديث آخر، والله أعلم.
قال: ثم أخوها لأبيها وأمها.
ش: قياسا على الميراث، والله أعلم.
قال: والأخ للأب مثله.
ش: هذا منصوص أحمد في رواية صالح وحرب وأبي الحارث، وهو المذهب عند الجمهور الخرقي، وابن أبي موسى، والقاضي، والشريف، وأبي الخطاب، وابن عقيل، والشيرازي، وابن البنا وغيرهم، لأنهما استويا في الجهة التي تستفاد منها الولاية، وهي العصوبة التي من جهة الأب، فاستويا في النكاح، كما لو كانا من أب، وقرابة الأم لا ترجح، لأنها لا مدخل لها في النكاح.
وعن أحمد رواية أخرى حكاها طائفة من الأصحاب وصححها أبو محمد أن الأخ للأبوين يقدم على الأخ للأب، قياسا على الميراث، وعلى استحقاق الميراث بالولاء، فإنه يقدم فيه الأخ من الأبوين على الأخ من الأب، وإن كان النساء لا
مدخل لهن فيه، واعلم أن القاضي وكثيرا من أصحابه حكوا ذلك عن أبي بكر، ولم يذكروا عن أحمد نصا.
(تنبيه) هذا الخلاف جار في بني الإخوة والأعمام، فإن ابن الأخ للأبوين مقدم على ابن الأخ للأب على الثاني، مساو له على الأول، أما إذا كانا ابني عم أحدهما أخ لأم فقال القاضي وطائفة من أصحابه هما على ما تقدم من الخلاف في ابن عم من أبوين وابن عم من أب، وقال أبو محمد هما سواء، لأنهما استويا في التعصيب، والإرث به، وجهة الأم والحال هذه يورث بها منفردة، وما ورث به منفردا لا يرجح به، والله أعلم.
قال: ثم أولادهم وإن سفلوا، ثم العمومة، ثم أولادهم، ثم عمومة الأب.
ش: ملخصه أنه يقدم بعد الإخوة الأقرب فالأقرب من العصبات، على ترتيب الميراث، قياسا عليه، إذ الولاية مبناها على النظر والشفقة، ومظنة ذلك القرابة، والأحق بالميراث هو الأقرب، فيكون أحق بالولاية.
والله أعلم.
قال: ثم المولى المنعم، ثم أقرب عصبته.
ش: وذلك لأنهم عصبات يرثون ويعقلون، فكذلك يزوجون، وقدم عليهم المناسبون كما في الميراث، والأقرب هنا هو الأقرب في الميراث، فيقدم ابن المعتق على أبيه، وإنما قدم الأب المناسب ثم على الابن لزيادة شفقته، وكمال نظره، وهنا النظر لأقوى العصبة، والله أعلم.
قال: ثم السلطان.
ش: لحديث عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - «فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له» ، والسلطان هو الإمام أو من فوض إليه ذلك كالحاكم ونوابه، واختلف في والي البلد (فعنه) لا يزوج، وهو الأشهر (وعنه) يزوج عند عدم القاضي إلا أن القاضي حمل الرواية على أنه أذن له في التزويج، وأبو العباس حملها على ظاهرها نظرا للضرورة.
وقد دل كلام الشيخ وعامة الأصحاب أنه لا ولاية لغير من ذكر، فيدخل في ذلك من أسلمت المرأة على يديه لا يلي نكاحها، وهو المشهور من الروايتين، (والثانية) يليه بناء على أنه يرثها.
(تنبيه) إذا لم يكن للمرأة ولي (فعنه) - وهو ظاهر كلام الأصحاب - أنه لا بد من الولي مطلقا حتى أن القاضي أبا يعلى
الصغير قال في رجل وامرأة في سفر ليس معهما ولي ولا شهود: لا يجوز أن يتزوج بها وإن خاف الزنا بها، قال أبو محمد: (وعنه) ما يدل على أنه يزوجها رجل عدل، وأخذ ذلك من نصه في دهقان القرية وقد تقدم.
(قلت) : وهو إنما يدل على أنه يزوج كبير البلدة، وهو شبيه بقوله: يزوج والي البلد إذا لم يكن قاض، لكن ينبغي أن يكون الوالي مقدما على هذا، لأنه ذو سلطان، والله أعلم.
قال: ووكيل كل واحد من هؤلاء يقوم مقامه وإن كان حاضرا.
ش: لأنه نائبه وقائم مقامه، فعلى هذا يقوم مقامه في الإجبار وعدمه، وقد تضمن هذا صحة التوكيل في النكاح ولا إشكال في ذلك، فقد وكل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أبا رافع في تزويج ميمونة، ووكل عمرو بن أمية الضمري في تزويج أم حبيبة وظاهر إطلاق
الخرقي يقتضي أن لا يشترط إذن المرأة في التوكيل، ولا نزاع في ذلك إن كان الولي مجبرا، وكذا إن لم يكن مجبرا على اختيار الشيخين وغيرهما، وخرجه ابن عقيل في الفصول تبعا لشيخه في المجرد على روايتي توكيل الوكيل من غير إذن الموكل، والله أعلم.
قال: وإذا كان الأقرب من عصبتها طفلا أو عبدا أو كافرا زوجها الأبعد من عصبتها.
ش: إذا كان الأقرب من عصبتها طفلا زوج الأبعد، لأن الولاية تثبت نظرا للمولي عليه، عند عجزه عن النظر لنفسه، ومن لا
عقل له لا يمكنه النظر، ولا يلي لنفسه، فغيره أولى، وفي معنى ذلك من لا عقل له لكبر كالشيخ إذا أفند، أو لجنون مطبق، أما من يخنق في الأحيان فلا تزول ولايته، لزوال ذلك عن قرب، وكذلك المغمى عليه بطريق الأولى، وهو الذي قطع به أبو محمد، لأن مدته يسيرة، أشبه النوم، ولذلك لا تثبت الولاية عليه، ويجوز على الأنبياء - عَلَيْهِمْ السَّلَامُ - وحكى ابن حمدان وجها بزوالها، انتهى.
وقول الخرقي: طفلا، يحتمل أن يريد به غير المميز، وهو ظاهر العرف، فعلى هذا تصح ولاية المميز، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، مقيدا له بابن عشر، لأنه تصح وصيته وعتقه وطلاقه، على الصحيح في الجميع، فأشبه البالغ، ويحتمل أن يريد الخرقي غير البالغ، وهو ظاهر قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ﴾ [النور: 59] وهو الرواية الثانية، وهي المشهورة نقلا واختيارا، لأن الولاية يعتبر لها الكمال، ومن لم يبلغ قاصر، لثبوت الولاية عليه، انتهى.
وإذا كان الأقرب من العصبة عبدا - وإن كان مدبرا أو مكاتبا - زوج الأبعد أيضا بلا خلاف نعلمه، لأنه لا تثبت له الولاية على نفسه، فعلى غيره أولى، ولا يرد المكاتب يزوج أرقاءه
في وجه، لأن ذلك ولاية بالملك، وهذه بالشرع، وولايات الشرع يعتبر لها الكمال، (وكذلك) إن كان كافرا زوج الأبعد، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: 73] مفهومه أن الكافر لا يكون وليا لمسلمة، وقد حكى ذلك ابن المنذر إجماعا، وكذلك الحكم في العكس.
وبالجملة يشترط في الولي أن يتفق دينه ودين موليته في الجملة، وسيأتي ذلك إن شاء الله تعالى وخرج أبو العباس في اليهودي هل يكون وليا لنصرانية وبالعكس روايتين من الروايتين في توارثهما.
وقول الخرقي: من عصبتها، فيه إشعار بأن الولي لا يكون إلا من العصبة، وهو صحيح نص عليه أحمد في رواية الجماعة.
2413 - لقول علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: إذا بلغ النساء نص الحقائق فالعصبة أولى.
يعني إذا أدركن رواه أبو عبيد في الغريب.
(وعن أحمد) أن المرأة تلي بالعتق فقط، لأنها والحال هذه عصبة ترث بالتعصيب، فأشبهت الرجل المعتق، قلت: ويخرج في الملاعنة ونحوها كذلك، انتهى.
وقد علم من كلام الخرقي أنه يشترط للولي شروط: (أحدها) : العصوبة، (والثاني) : البلوغ، (والثالث) : الحرية، (والرابع) : اتفاق الدين.
وفي البلوغ من كلامه تردد، ويشترط له أيضا الرشد في العقد، بأن يعرف مصالح العقد ومضاره، فلا يضعها عند من لا يحفظها ولا يكافئها، إذ المقصود من الولاية ذلك، (وهل) تشترط له العدالة؟ فيه روايتان: (إحداهما) : لا، فيلي الفاسق، وهو ظاهر إطلاق الخرقي، لأنه يلي نكاح نفسه، فكذلك غيره.
(والثانية) : - وهي أنصهما، واختيار ابن أبي موسى، وابن حامد، والقاضي، وأصحابه وغيرهم - نعم.
2414 - لما روى الشالنجي بإسناده، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: لا نكاح إلا بإذن ولي مرشد، أو سلطان.
وروي معناه مرفوعا من رواية جابر، رواه البرقاني، ولأنها إحدى الولايتين،
فنافاها الفسق كولاية المال، وعلى هذه يكتفى بمستور الحال، على ما جزم به أبو البركات، وأبو محمد في الكافي، وكثير من الأصحاب أطلق العدالة، فجعل ابن حمدان ذلك طريقتين، ثم حكى رواية ثالثة أن الفاسق يلي نكاح عتيقته فقط، قلت: كما قبل العتق، وقال أبو العباس: إذا قلنا: إن الولاية الشرطية تبقى مع الفسق ويضم إليه أمين فالولاية الشرعية أولى، وفيه نظر، إذ الولاية الشرطية يلحظ فيها حظ الموصي ونظره، فلنا حاجة إلى بقاء الموصى إليه، بخلاف هنا، فإنه لا حاجة بنا إلى بقاء الولاية، وكأن أبا العباس - رَحِمَهُ اللَّهُ - نظر إلى أنا إذا أبقينا وصية الأجنبي مع فسقه فالقريب أولى، لما انطوى عليه من الشفقة، لكن لا يطرد له هذا في الحاكم ونحوه.
وظاهر إطلاق المصنف أنه لا يشترط للولي النطق، وهو صحيح بشرط أن يفهم ويفهم، ولا البصر، وهو أصح الوجهين، لأن شعيبا زوج ابنته وهو أعمى، والله أعلم.
قال: ويزوج أمة المرأة بإذنها من يزوجها.
ش: هذا المذهب المختار من الروايات، صححه القاضي، وقطع به أبو الخطاب في الهداية، لأن الأصل كون الولاية لها، لأنها مالها، وإنما امتنعت في حقها لانتفاء عبارتها في النكاح، وإذا تثبت لأوليائها كولاية نفسها، وإنما قلنا: لا عبارة لها في النكاح، وهو المذهب بلا ريب.
2415 - لما احتج به أحمد عن أبي هريرة، قال: لا تنكح المرأة نفسها، ولا تنكح من سواها.
2416 - وروى أبو هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا تزوج المرأة المرأة، ولا تزوج المرأة نفسها، فإن الزانية هي التي تزوج نفسها» رواه ابن ماجه والدارقطني، وقال: حديث حسن صحيح.
والنهي دليل الفساد.
2417 - ويعضده أنه قول جمهور علماء الصحابة حكي عن ابن عمر , وابن عباس , وأبي موسى، وأبي هريرة، وحفصة، واختلف عن عائشة.
ولأن مباشرتها لعقد النكاح يشعر برعونتها ووقاحتها وذلك ينافي حال أهل المروءة، انتهى.
وإنما اشترط إذنها لوليها
لأن الأمة مالها، ولا يجوز التصرف في مال الفرد بغير إذنه، فلو لم تكن رشيدة زوجها من يلي مالها إن رأى الحظ لها في ذلك.
(تنبيه) يعتبر في الإذن هنا النطق وإن كانت بكرا، قاله أبو محمد وغيره، إذ الصمات إنما اكتفي به في تزويجها نفسها لحيائها، وهي لا تستحيي في تزويج أمتها، انتهى.
(والرواية الثانية) يزوج أمة المرأة أي رجل أذنت له سيدتها، ولا تباشر هي العقد لأن سبب الولاية الملك، وإنما امتنعت المباشرة لنقص الأنوثية، فملكت التوكيل كالرجل المريض والغائب.
(والرواية الثالثة) يجوز مباشرتها للعقد، لما تقدم في صدر المسألة، ويلتزم أن لها عبارة في النكاح من قول أحمد في المعتقة: إن زوجتها - أي عتيقتها - لم يفسخ النكاح، فتكون الأمة أولى، لما تقدم في صدر المسألة، ويلتزم أن لها عبارة في النكاح، لحديث عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - «أيما امرأة أنكحت نفسها بغير إذن وليها» الحديث، وهذه الرواية أخذت من قول أحمد في رواية محمد ابن الحكم: إذا كان للمرأة جارية فأعتقتها كان من أحبت أن تزوجها جعلت أمرها إلى رجل يزوجها، لأن النساء لا يلين العقد، فإن زوجتها لم يفسخ النكاح.
قال القاضي: وظاهر هذا عدم
الاستحباب وصحة العقد، وفي أخذ رواية من هذا نظر، فإنه منع من المباشرة، ومنعه من الفسخ يحتمل أنه لوقوع الخلاف فيه وتعلق حق الغير، مع عدم دليل قاطع في المسألة، لكن عامة المتأخرين على إثباتها رواية، وعليها فرع أبو الخطاب، وأبو البركات ومن تبعهما أن للمرأة عبارة في النكاح، فتزوج نفسها وغيرها بإذن الولي، ويكون تزويجها بدون إذنه كالفضولي، قال أبو العباس: وفرق القاضي وعامة الأصحاب على هذه الرواية بين تزويج أمتها وتزويج نفسها وغيرها بأن التزويج على الملك لا يحتاج إلى أهلية الولاية، بدليل تزويج الفاسق مملوكته، وتبعهم هو أيضا، وجعل التخريج غلطا.
قلت: النص عن أحمد كما تقدم في المعتقة، ولا ملك لها إذا إلا أن يقال: استصحب فيها حكم الملك كما تقدم في الرواية التي حكاها ابن حمدان، ووافق أبو محمد على التخريج في تزويج نفسها وغيرها، ومنعه في تزويجها بدون إذن الولي لأنه يكون كتزويج الفضولي، وليس بشيء، والله أعلم.