شرح الزركشي على مختصر الخرقيصفحات 580-619
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الصلاة

صفحات 580-619
عن هذه الطبعة
عَلَم
الزركشي، شمس الدين
الكتاب
شرح الزركشي
المؤلف
شمس الدين محمد بن عبد الله الزركشي المصري الحنبلي (المتوفى: 772هـ)
الناشر
دار العبيكان
الطبعة
الأولى، 1413 هـ - 1993 م
عدد الأجزاء
7 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

قال: ثم يبسط كفه اليسرى على فخذه اليسرى.
510 - ش: لما روى ابن عمر، قال: «كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا جلس في الصلاة وضع يديه على ركبتيه، ورفع إصبعه التي تلي الإبهام، فدعا بها ويده اليسرى على ركبته، باسطها عليها» . رواه مسلم وغيره، وقوله: على فخذه اليسرى.
أي لا يخرج بها عنها، بل يجعل أطراف أصابعه [مسامتة] للركبة [والله أعلم] .

قال: ويده اليمنى على فخذه اليمنى، ويحلق الإبهام مع الوسطى.
ش: أي ويضع يديه اليمنى بقرينة: ويحلق.
511 - لما «روى وائل بن حجر في صفة صلاة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه وضع مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى، ثم عقد من أصابعه الخنصر والذي يليها، وحلق حلقة بإصبعه الوسطى على الإبهام، ورفع السبابة يشير بها» . رواه أحمد، وأبو داود.
(وعن أحمد) أنه يقبض الثلاث، ويعقد الإبهام كعقد الخمسين، واختارها أبو البركات، والأول اختيار أبي محمد.

512 - لما روى ابن عمر [- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -] قال: «كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا قعد في التشهد وضع يده اليمنى على ركبته اليمنى، وعقد ثلاثا وخمسين، وأشار بالسبابة» . رواه أحمد ومسلم.
(وعنه) رواية ثالثة أنه يبسط الجميع، ليستقبل بهن القبلة كما في حال السجود.
[والله أعلم] .

قال: ويشير بالسباحة.
ش: سميت مسبحة لأنه يشار بها للتوحيد، فهي منزهة مسبحة، وتسمى سبابة لأنهم كانوا يشيرون بها إلى السب، والأصل في الإشارة بها ما تقدم، وموضع الإشارة بها عند ذكر الله تعالى، للتنبيه على الوحدانية.
513 - وقد روى أبو هريرة أنه رجلا كان يدعو بأصبعيه فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أحد أحد» . رواه النسائي.
[والله أعلم] .

ألفاظ التشهد

قال: ويتشهد فيقول: «التحيات لله، والصلوات،

والطيبات، والسلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله» . وهو التشهد الذي علمه النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لعبد الله بن مسعود [- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -] . 514 - ش: في الصحيحين وغيرهما عن ابن مسعود [- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -] قال: «كنا إذا جلسنا مع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -[في الصلاة] قلنا: السلام على الله قبل عباده، السلام على جبريل، السلام على ميكائيل، السلام على فلان.
فسمعنا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: «إن الله هو السلام، فإذا جلس أحدكم فليقل: التحيات لله، والصلوات، والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه فيدعو» . وفي لفظ: «علمني رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - التشهد كفي بين كفيه، كما يعلمني السورة من القرآن» ، وهذا التشهد هو المختار عند أحمد.
515 - ولو تشهد بغيره مما ثبت عنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، كتشهد ابن عباس، وابن عمر، وأبي موسى الأشعري وغيرهم جاز، نص عليه،

وإنما اختار ما تقدم لاتفاق الشيخين عليه، واتفاق ألفاظه، وكون أكثر أهل العلم عليه، وكون الأمر بخلاف ذلك في غيره، ولأنه اختص بأنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمر بتعليمه، ففي مسند أحمد أنه أمر ابن مسعود أن يعلمه الناس وهذا التشهد، والجلوس لو واجبان لا سنة على المشهور من الروايتين.
(تنبيه) : قال جماعة من الأصحاب - منهم ابن حامد وغيره -: إنه لو ترك حرفا من تشهد ابن مسعود أعاد الصلاة.
واختار القاضي والشيخان أنه متى ترك شيئا ثابتا في جميع التشهدات أعاد، وإن ترك شيئا ساقطا في بعضها أجزأه

فعلى هذا المجزئ [التحيات] لله، سلام عليك أيها النبي ورحمة الله، سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، أو عبده ورسوله» . ومعنى «التحيات» : الملك لله، قاله أبو عمرو وجماعة من أئمة اللغة، وقيل: البقاء.
وقيل غير ذلك.
والله أعلم.

قال: ثم ينهض مكبرا كنهوضه من السجود.
ش: يعني قائما على صدور قدميه، معتمدا على ركبتيه مكبرا، وقد تقدم التكبير في حديث أبي هريرة وغيره، والله أعلم.

التورك في الجلوس للتشهد الأخير

قال: فإذا جلس للتشهد الأخير تورك.
ش: مذهبنا أنه يجلس مفترشا في جميع جلسات الصلاة إلا

في التشهد الأخير من صلاة فيها تشهدان أصليان، فإنه يتورك، والعمدة في ذلك حديث أبي حميد في عشرة من الصحابة، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، فإنه وصف جلسته بين السجدتين، وفي التشهد الأول مفترشا، وفي الثاني متوركا.
[والله علم] .

قال: فينصب رجله اليمنى، وجعل باطن رجله اليسرى تحت فخذه اليمين، وجعل إليتيه على الأرض.
ش: هذا اختيار القاضي وأبي البركات.
516 - لأن في حديث ابن الزبير: «كان - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا قعد في الصلاة جعل قدمه اليسرى تحت فخذه اليمنى وساقه» . ونقل عنه الأثرم أنه يفرش رجله اليسرى، وينصب اليمنى، ويخرجهما من تحته إلى جانب يمينه، واختاره أبو الخطاب لأن في حديث أبي حميد الساعدي: فإذا كان في الرابعة أفضى بوركه اليسرى إلى الأرض، وأخرج قدميه من ناحية واحدة.
قال أبو محمد: وأيهما فعل فحسن.
وهذا التشهد والجلوس من أركان

الصلاة، أما الأول وجلسته فمن الواجبات، لا من السنن على الصحيح، والله أعلم.

قال: ولا يتورك إلا في صلاة فيها تشهدان، في الأخير منهما.
ش: قد تقدم ذلك، والله أعلم.

قال: ويتشهد بالتشهد الأول.
517 - ش: روى أحمد والنسائي من حديث عبد الله بن مسعود أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إذا قعدتم في كل ركعتين فقولوا: التحيات لله» . وذكره، والتشهد الأخير والجلوس له ركنان، لهذا الحديث، ولما تقدم أيضا من حديث ابن مسعود.
518 - وقد روى الدارقطني - وقال: إسناده صحيح.
«عن ابن مسعود قال: كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد: السلام على الله، السلام على جبريل وميكائيل، فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا تقولوا هكذا، فإن الله هو السلام، ولكن قولوا التحيات لله» .

519 - وروى سعيد عن عمر أنه لا تجزئ صلاة إلا بتشهد، ولا يعرف له مخالف، والله أعلم.

الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأخير

قال: ويصلي على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ش: لا إشكال في مطلوبية الصلاة على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في التشهد الأخير، واختلف في حكمها، فعنه أنها فرض، وعنه أنه سنة، وعنه أنها واجبة، وهي اختيار الخرقي، وأبي البركات، ونقل عنه أبو زرعة رجوعه عن الثانية.
[والله أعلم] .

قال: فيقول: «اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد» ش؛ هذا هو المشهور من الروايتين، واختيار أكثر الأصحاب.
520 - لما روى كعب بن عجرة قال: قلنا: «يا رسول الله قد علمنا، أو عرفنا، كيف السلام عليك؛ فكيف الصلاة؟ قال: «قولوا

اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد، وآل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد» ، متفق عليه، وفي لفظ لمسلم «وبارك» . (والثانية) يقول: «كما صليت على إبراهيم، وآل إبراهيم» ، وكذلك: «كما باركت على إبراهيم، وآل إبراهيم» ، اختارها ابن عقيل.
521 - وكذلك روي في حديث كعب، رواه النسائي وأحمد.
وقدر المجزئ من ذلك، الصلاة عليه وعلى آله وآل إبراهيم، وذكر البركة كذلك، إلى «حميد مجيد» اختاره ابن حامد، وأبو الخطاب، لظاهر الأمر بذلك في حديث كعب، واختار القاضي والشيخان أن المجزئ الصلاة عليه فقط، لأنه الذي اتفقت عليه أحاديث الأمر بها، وما عداه سقط في بعضها.
522 - وفي الترمذي - وصححه - عن فضالة بن عبيد قال: «سمع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رجلا يدعو في صلاته، ولم يصل عليه، فقال النبي

  • صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «عجل هذا» ، ثم دعاه فقال له، أو لغيره: «إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد الله، والثناء عليه، ثم ليصل على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثم ليدع بعد بما شاء» . والسنة تقديمه على الصلاة، وترتيبه فإن لم يفعل، بل نكس من غير تغيير ولا إخلال ففي الإجزاء وجهان، وكذلك في إبدال لفظة الآل بالأهل وجهان، والله أعلم.

الدعاء في التشهد الأخير

قال: ويستحب أن يتعوذ من أربع فيقول: أعوذ بالله من عذاب جهنم، وأعوذ بالله من عذاب القبر، وأعوذ بالله من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بالله من فتنة المحيا والممات.
523 - ش: في صحيح مسلم وغيره، من حديث أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا فرغ أحدكم من التشهد الأخير فليتعوذ بالله من أربع: من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر المسيح الدجال» .

524 - وفي الصحيح أيضا أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يدعو بذلك.

قال: فإن دعا في تشهده بما ذكر في الأخبار فلا بأس.
525 - ش: نحو ما روي «عن أبي بكر الصديق - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال لرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: علمني دعاء أدعو به في صلاتي.
قال: «قل اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم» ، متفق عليه.
526 - (وعن علي) [- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -] أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان من آخر ما يقول بين التشهد والتسليم: «اللهم اغفر لي ما قدمت، وما أخرت، وما أسررت، وما أعلنت، وما أنت أعلم به مني أنت المقدم، وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت» ، رواه الترمذي وصححه.
527 - «وعن معاذ) بن جبل - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال له: «إني أوصيك بكلمات تقولهن في كل صلاة، اللهم أعني على ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك» ، رواه أحمد، والنسائي، وأبو داود.

528 - «وعن عاصم) بن كليب، عن أبيه، عن جده قال: دخلت على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهو يصلي وقد قبض أصابعه وبسط السبابة، وهو يقول: «يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك» ، رواه الترمذي.
529 - (وعن شداد) بن أوس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يقول في صلاته: «اللهم إني أسألك الثبات في الأمر، والعزيمة على الرشد، وأسألك شكر نعمتك، وحسن عبادتك، وأسألك قلبا سليما، ولسانا صادقا، وأسألك من خير ما تعلم وأعوذ بك من شر ما تعلم، وأستغفر لما تعلم» ، رواه النسائي.
ولا يتعين [غير] ما ورد به الخبر، بل ما في معناه، مما يعود إلى أمر الآخرة، ويتضمن قربة وطاعة، كالدعاء

بالرزق الحلال، ونحو ذلك، نص عليه، واختاره وذكره القاضي، واختاره الشيخان، لتضمنه معنى ما ورد به الأثر.
530 - وفي أبي داود أن «النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لرجل: «كيف تقول في الصلاة» ؟ قال: أتشهد ثم أقول: اللهم إن أسألك الجنة، وأعوذ بك من النار، أما إني لا أحسن دندنتك، ولا دندنة معاذ.
فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «حولها ندندن» . وقال أبو محمد: إن ظاهر كلام الخرقي وجماعة من الأصحاب أنه لا يجوز الدعاء بغير مأثور، ولا إشكال أنه لا يجوز على المذهب الدعاء بما يرجع إلى محض طلب الدنيا وشهواتها، نحو: اللهم ارزقني جارية حسناء، وحلة خضراء.
531 - لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الآدميين، إنما هي التكبير، والتسبيح وقراءة القرآن» ، رواه مسلم وغيره، خرج منه ما ورد، وما في معناه، فيبقى فيما عدا ذلك على مقتضى العموم.
(وعن أحمد) جواز

ذلك، قال: إذا دعا في صلاته بحوائجه أرجو أن لا يضره.
وذلك لما تقدم من حديث ابن مسعود، والله أعلم.

السلام من أركان الصلاة

قال: ثم يسلم عن يمينه، فيقول: السلام عليكم ورحمة الله، وعن يساره كذلك.
ش: لا نزاع عندنا في تعيين السلام للخروج من الصلاة، لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم» ، وظاهره أن لا تحليل لها سواه.
532 - وفي الصحيحين من حديث عائشة، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: «وكان يختم الصلاة بالتسليم» . وقد قال: «صلوا كما رأيتموني أصلي» ، إذا تقرر هذا فالمشروع أن يسلم كما ذكر الخرقي، تسليمة عن يمينه، وتسليمة عن يساره.
533 - لما روى عبد الله بن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يسلم عن يمينه، وعن يساره: «السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله» ، حتى يرى بياض خده.
ورواه الخمسة ومسلم بمعناه.

534 - «وعن سعد بن أبي وقاص - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: كنت أرى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يسلم عن يمينه وعن يساره، حتى يرى بياض خده» . رواه مسلم وأحمد والنسائي.
والسلام ركن في الجملة، لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم» ، فإن كان في فريضة وفيت التسليمتان، في رواية اختارها أبو بكر، والقاضي.
وفي أخرى: الثانية سنة.
اختارها أبو محمد.
أما صلاة الجنازة، والنافلة، فإن الثانية لا تجب فيهما، قال القاضي: رواية واحدة.
وهل يكفي (السلام عليكم) - اختاره القاضي وأبو البركات - أو لا بد مع ذلك من (ورحمة الله) - اختاره أبو الخطاب، وابن عقيل - فيه وجهان، ونص أحمد على الاستجزاء بالسلام في صلاة الجنازة وفيه احتمال، ولا يجزئ: «سلام عليكم» ، منكرا، ولا: «عليكم السلام» ، منكسا، على أصح الوجهين.
ومقتضى كلام الخرقي أنه لا يشترط أن ينوي بسلامه الخروج في الصلاة، وهو المنصوص، المشهور، إذ هو بعض الصلاة، فشملته نية الصلاة كبقية الأجزاء، واشترطه ابن حامد، قياسا لأحد الطرفين على الآخر، وعلى قوله لو أتى

بنية الخروج مضيفا إليه نية السلام على الحفظة والمصلين جاز، ولم يستحب، نص عليه، وحكى ابن حامد وجها بالبطلان، وعلى الأول لو ترك نية الخروج، ونوى الحاضرين، بطلت صلاته، وجها واحدا عند ابن حامد، والصحيح عند أبي البركات - وزعم أنه المنصوص -: عدم البطلان، والله أعلم.

قال: والمرأة والرجل في ذلك سواء.
ش: لعموم قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «صلوا كما رأيتموني أصلي» ، وغيره من العمومات.
[والله أعلم] .

قال: إلا أن المرأة تجمع نفسها في الركوع والسجود، وتجلس متربعة، أو تسدل رجليها، فتجعلهما في جانب يمينها.
535 - ش: روى يزيد بن أبي حبيب، «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مر على امرأتين تصليان فقال: «إذا سجدتما فضما بعض اللحم إلى بعض، فإن المرأة ليست في ذلك كالرجل» ، رواه أبو داود في مراسيله.
536 - وقال ابن عمر: تقعد المرأة في الصلاة متربعة.

537 - وعن علي [- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -] : إذا سجدت المرأة فلتحتفز، ولتضم فخذيها.
والسدل أفضل من التربع، نص عليه، واختاره الخلال، لأنه يروي عن عائشة، وظاهر كلامه أنه يسن لها رفع اليدين كالرجل، وهو إحدى الروايات.
538 - لما روى سعيد، عن أم الدرداء، أنها كانت ترفع يديها في الصلاة حذو منكبيها.
(والثانية) : لا يسن.
لإخلاله بالانضمام اللائق بها.
(والثالثة) : ترفع دون رفع الرجل قال أبو البركات: وهو أوسط الأقوال.
[والله أعلم] . قال: والمأموم إذا سمع قراءة الإمام فلا يقرأ بالحمد ولا بغيرها، لقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: 204] ، ولما روى أبو هريرة [رضي

الله عنه] أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «ما لي أنازع القرآن» ، فانتهى الناس أن يقرءوا فيما جهر فيه النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ش: إذا سمع المأموم قراءة الإمام لم يقرأ مطلقا، لما استدل به الخرقي [- رَحِمَهُ اللَّهُ -] من الآية والحديث.
539 - (أما الآية) فقال أبو العالية، وزيد بن أسلم: كانوا يقرءون خلف الإمام، فنزلت هذه الآية فتركوا.
540 - ويروى نحوه عن أبي هريرة، وابن المسيب، والحسن، والزهري، والنخعي والقرظي وغيرهم، وقال أحمد في

رواية أبي داود: أجمع الناس على أن هذه الآية في الصلاة.
541 - (وأما الحديث) فلما روى أبو هريرة [- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -] «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة فقال: «هل قرأ أحد منكم معي آنفا؟» فقال رجل: نعم يا رسول الله.
فقال: «ما لي أنازع القرآن؟» قال: فانتهى الناس عن القراءة معه، فيما جهر فيه من الصلوات، حين سمعوا ذلك منه» . رواه مالك في الموطأ، والخمسة إلا ابن ماجه، ولأبي داود: وقال أبو هريرة: فانتهى الناس.
وظاهر المنع في كلام الخرقي - رَحِمَهُ اللَّهُ - التحريم، وبه جزم القاضي في التعليق، وهو ظاهر كلام أحمد، وجعل أبو الخطاب في الهداية - والشيخان - المنع للكراهة.

ومقتضى كلام الخرقي أنه لا يقرأ وإن لم يمكنه القراءة في حال، وعليه الأصحاب، واختار أبو البركات قراءة الفاتحة لمن تعذرت عليه القراءة في السكتات.
542 - لما روى عبادة بن الصامت قال: «صلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الصبح، فثقلت عليه القراءة، فلما انصرف قال: «إني أراكم تقرءون وراء إمامكم» ، قلنا: إي والله.
قال: «فلا تفعلوا إلا بأم القرآن، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها» ، رواه أبو داود، والترمذي وحسنه، ولأبي داود والنسائي: «فلا يقرأ بشيء من القرآن إذا جهرت به إلا بأم القرآن» ، ورواه الدارقطني وقال: كلهم ثقات.
ومفهوم كلام الخرقي أن المأموم يقرأ إذا لم يسمع قراءة الإمام، ولا يخلو من أن يكون ذلك لبعده أو لطرشه، فإن كان لبعده قرأ على المنصوص، والمختار للأصحاب، لظاهر الآية الكريمة (وعن أحمد) : لا يقرأ.
لما تقدم من قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا تقرؤوا بشيء في القرآن إذا جهرت به» ، فعلى الأولى هل يقرأ من سمع الهمهمة من غير فهم؟ على روايتين.
وإن كان عدم سماعه لطرشه فقد توقف، فيخرج على وجهين،

ولعل مبناهما على أن علة المنع الاستماع أو التشويش [على الإمام] والذي ينبغي أن يكونا كلاهما، لورود المنع منهما، وإذا يقرأ إن لم يشوش على الإمام، بل والمأمومين، والله أعلم.

قال: والاستحباب أن يقرأ في سكتات الإمام، وفيما لا يجهر فيه.
ش: لظاهر ما تقدم من حديث أبي هريرة، وعبادة [بن الصامت] (- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -) . 543 - وعن علي [- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -] : «اقرءوا في الركعتين الأوليين من الظهر والعصر خلف الإمام بفاتحة الكتاب وسورة» ، رواه الدارقطني وصححه.
ومقتضى كلام الخرقي أن للإمام سكتات، قال أبو البركات: وهما سكتتان على سبيل الاستحباب، إحداهما تختص بأول ركعة للاستفتاح، والثانية سكتة يسيرة بعد القراءة كلها، ليرد إليه نفسه، لا لقراءة الفاتحة خلفه، على ظاهر كلام أحمد.
544 - وقد روى الحسن عن سمرة، أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كانت له سكتتان، سكتة حين يفتتح الصلاة، وسكتة إذا فرغ من

السورة الثانية، قبل أن يركع، فكتب ذلك لعمران بن حصين فأنكره، فكتب ذلك إلى أبي بن كعب فقال: صدق سمرة، رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، وفي رواية لهم: سكتة إذا كبر، وسكتة إذا فرغ من قراءة ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: 7] قال أبو البركات: والصحيح في الرواية الأولى، وعلى تقدير ثبوت الثانية فيحمل على سكتة يسيرة لقدر البسملة، وتصوير ما يقرأ من السورة، ونحو ذلك [والله أعلم] .

قال: فإن لم يفعل فصلاته تامة، لأن من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة.
ش: هذا تصريح منه بأن القراءة لا تجب على المأموم مطلقا، وهو المنصوص، المعروف عند الأصحاب، لما تقدم من الآية وحديث أبي هريرة.
545 - (وعنه) أيضا أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا» ، رواه الخمسة إلا الترمذي، وصححه أحمد ومسلم، فأمر بالقراءة والاستماع، وهو شامل، وإن لم يسكت الإمام.
546 - وروى عبد الله بن شداد أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة» ، رواه سعيد، وأحمد في مسائل ابنه عبد الله، والدارقطني، وروي مسندا من طرق [ضعاف] والصحيح أنه مرسل، وذلك لا يضر عندنا.

وحكى ابن الزاغوني رواية بوجوب القراءة على المأموم، لما تقدم من حديث عبادة في الصحيحين عنه: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» وحملا على الاستحباب، مع أن الأول قال أحمد: لا يصح عندنا.
وقال: لم يرفعه إلا ابن إسحاق، وظاهر كلام أحمد في رواية أبي الحارث وجوب القراءة حال السر فقط، قال: إذا جهر الإمام فأنصت، وإذا لم يجهر فاقرأ الحمد وسورة؛ وهو نص حديث عبادة، وبه تجتمع الأدلة، والله أعلم.

الجهر والإسرار في مواضعه في الصلاة

قال: ويسر القراءة في الظهر والعصر، ويجهر بها في الأوليين من المغرب والعشاء، وفي الصبح كلها.
ش: هذا مجمع عليه، وقد ثبت ذلك عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بنقل الخلف عن السلف، وهل الجهر والإخفات في محليهما سنة أو واجب؟ فيه وجهان، المذهب الأول، ومراد الخرقي

  • والله أعلم - الإمام، فلا يسن الجهر للمنفرد، وهو المذهب، إذ المقصود إسماع نفسه، نعم يباح له ذلك، وعنه: يسن له.
    وقوة كلامه يقتضي أن هذا في الصلاة المؤداة، أما المقضية فإن قضى صلاة سر أسر وإن قضاها ليلا، وإن قضى صلاة جهر؛ جهر إن قضى ليلا، وأسر إن قضى نهارا، على ما قطع به أبو البركات، وفي المغني احتمال بالجهر [إذا] ، وقال: إن ظاهر كلام أحمد التخيير، والله أعلم.

القراءة في صلاة الصبح

قال: ويقرأ في الصبح بطوال المفصل.
ش: المفصل أوله قيل: القتال.
وقيل: الفتح، وقيل: الحجرات.
وقيل: (ق) وهو الصحيح.
547 - لما روى أبو داود عن أوس بن حذيفة، قال: سألت أصحاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كيف تحزبون القرآن؟ قالوا: ثلاث، وخمس، وسبع، وتسع، وإحدى عشرة، وثلاث عشرة، وحزب المفصل، ورواه أحمد، والطبراني، وفي آخره: وحزب المفصل من (ق) . والأصل في استحباب قراءة طواله في الصبح.

548 - لما «روى جابر بن سمرة أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يقرأ في الفجر بـ (قاف والقرآن المجيد) ونحوها، وكانت صلاته بعد إلى التخفيف» ، رواه مسلم وغيره.
549 - وصح عنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه كان يقرأ في الصبح بالستين إلى المائة، وفي الظهر بنحو الثلاثين آية، وفي العصر على النصف من ذلك.
[والله أعلم] .

القراءة في صلاة الظهر

قال: وفي الظهر [في الركعة الأولى] بنحو من الثلاثين آية، وفي الثانية بأيسر من ذلك، وفي العصر على النصف من ذلك.
550 - ش: اتباعا لفعله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وإنما استحب أن يقرأ في الثانية بأيسر من الأولى.

551 - لما ثبت عنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه كان يطول الأولى، ويقصر الثانية، ولا اختصاص للظهر بهذا، بل المستحب في جميع الصلوات تطويل الأولى، وتقصير الثانية.

القراءة في صلاة المغرب

قال: وفي المغرب بسور آخر المفصل.
552 - ش: روي عن (ابن) عمر قال: «كان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقرأ في المغرب بـ (قل يا أيها الكافرون) و (قل هو الله أحد) » ، رواه ابن ماجه.

القراءة في صلاة العشاء

قال: وفي العشاء الآخرة نحو «الشمس وضحاها» ، وما أشبهها.
553 - ش: عن بريدة «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يقرأ في العشاء بـ (الشمس وضحاها) ، وأشباهها من السور» ، رواه أحمد، والترمذي.
554 - و «في الصحيح أنه قال لمعاذ - لما طول في العشاء - «فلولا صليت بـ سبح اسم ربك الأعلى» و «الشمس وضحاها» .

قال: ومهما قرأ به بعد أم الكتاب في ذلك كله أجرأه.
ش: يعني أن التفصيل المتقدم على سبيل الاستحباب، ولو زاد على ذلك أو نقص فلا بأس.
555 - فقد صح عنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قرأ في المغرب بالطور، وبالمرسلات، وبالأعراف، وقرأ في الصبح بالمعوذتين، وفي العشاء وهو مسافر بـ (التين والزيتون) ومقتضى كلامه أن قراءة

الفاتحة واجبة، وقد تقدم ذلك، وكلامه موهم - ويدفع (هذا) الوهم ما يذكره بعد في الأركان - لا بد له من قراءة شيء بعد الفاتحة.

قال: ولا يزيد على قراءة أم الكتاب في الأخريين من الظهر، والعصر، وعشاء الآخر، والركعة الأخيرة من المغرب.
556 - ش: في الصحيحين عن أبي قتادة [- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -] «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يقرأ في الظهر والعصر، في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورتين، وفي الركعتين [الأخريين] بفاتحة الكتاب» ، وعن علي أنه كان يأمر بذلك، وقال ابن

سيرين: لا أعلمهم يختلفون في ذلك.
ثم هل النفي لعدم الاستحباب، أو للكراهة؟ فيه روايتان، أصحهما عند أبي البركات الأول، لأنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قد جاء عنه أنه زاد أحيانا على قراءة الفاتحة في الأخريين، والله أعلم.

ستر العورة في الصلاة

عورة الرجل

قال: ومن كان من الرجال، وعليه ما يستره ما بين سرته وركبته، أجزأه ذلك.
ش: هذا يتضمن أن عورة الرجل ما بين سرته وركبته، وهذا المشهورة، من الروايات، وعليه العامة.
557 - لما روي عن علي [- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -] قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لا تبرز فخذك، ولا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت» ، رواه أبو داود وابن ماجه.

558 - «وعن جرهد الأسلمي قال: مر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وعلي بردة، وقد انكشف فخذي فقال: «غط فخذك، فإن الفخذ عورة» ، رواه أحمد، ومالك في الموطأ، وأبو داود، والترمذي وحسنه.
559 - وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «ما بين السرة إلى الركبة عورة» ، رواه الدارقطني.
(والرواية الثانية) : أن السرة والركبة عورة أيضا.
(والثالثة) : - وإليها ميل أبي البركات - أن العورة الفرجان فقط.

560 - لما روت عائشة [- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -] «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان جالسا كاشفا عن فخذه، فاستأذن أبو بكر، فأذن له وهو وعلى حاله، ثم استأذن عمر، فأذن له وهو على حاله، ثم استأذن عثمان، فأرخى عليه ثيابه، فلما قاموا قلت: يا رسول الله استأذن أبو بكر وعمر، فأذنت لهما وأنت على حالك، فلما استأذن عثمان أرخيت عليك ثيابك.
فقال: «يا عائشة ألا أستحيي من رجل والله إن الملائكة تستحيي منه؟» ، رواه أحمد، ومسلم، لكن قال: كاشفا [عن] فخذيه أو ساقيه.
561 - «وعن أنس أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يوم خيبر انحسر الإزار عن فخذه، وقال: حتى إني لأنظر إلى بياض فخذ النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» . رواه أحمد والبخاري، وقال: حديث أنس أسند، وحديث جرهد أحوط.
وقد تضمن كلام الخرقي أن ستر العورة شرط لصحة الصلاة.

562 - لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا يطوفن بالبيت عريان» ، متفق عليه، مع تشبيه الطواف بالصلاة.
563 - وقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار» . 564 - «وقوله (عليه [الصلاة] والسلام لما سأل: أتصلي المرأة في درع وخمار؟ فقال: «إذا كان واسعا يغطي ظهور قدميها» . ومقتضى كلام الخرقي أنه لا يعفى عن يسير شيء من العورة، وكلامه بعد في عورة المرأة، أصرح من هذا، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، والمشهور والمختار للأصحاب أنه يعفى عن اليسير في جميع الصلاة، كما يعفى عن جميعها في الزمن اليسير.
565 - «لما صح عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال للنساء: «لا ترفعن رؤوسكن حتى يستوي الرجال [جلوسا]- لا ترين عورات الرجال - من ضيق الأزر» ، والمرجع في اليسير إلى العرف، لأنه لم يرد فيه تقدير، والعرف أن المغلظة يفحش منها ما لا يفحش من غير المغلظة، والله أعلم.

قال: إذا كان على عاتقه شيء من اللباس.
ش: يعني [أنه] لا بد للرجل مع ستر عورته من أن يضع على عاتقه شيئا من اللباس فإجزاء الصلاة متوقف على كليهما.
566 - لما روى أبو هريرة [- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -] أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء» ، رواه البخاري، ومسلم [وقال: عاتقيه] وهذا نهي، والنهي يقتضي فساد المنهي عنه.
ومقتضى كلام الخرقي أنه لو ستر أحد المنكبين وأعرى الآخر أجزأه، ونص عليه أحمد في رواية مثنى بن جامع،

وزعم القاضي وجماعة أنه لا يكفي ستر أحدهما، وخرج القاضي ومن وافقه من رواية مثنى صحة الصلاة مع كشف المنكبين، وأبى ذلك الشيخان، إجراء لنص أحمد على ظاهره، موافقة للدليل.
ومقتضى كلام الخرقي أن المشترط أن يضع شيئا من اللبس، ولا يشترط ستر جميعه، ولا يكفي وضع حبل ونحوه، وهذا اختيار الشيخين لظاهر قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ليس على عاقته منه شيء» ، وهذا على عاتقه منه شيء، واختار القاضي وجوب ستر جميعه، وعاكسه بعضهم فقال: يجزئ ولو حبل أو خيط.
وظاهر كلام الخرقي أنه لا فرق بين الفرض والنفل، وهو إحدى الروايتين، لعموم ما تقدم، والرواية الثانية يختص ذلك بالفرض، وهو المشهور، واختاره القاضي وغيره.
567 - «لأن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قالت: رأيت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صلى في ثوب واحد بعضه على عاتقه.
رواه أبو داود»

والغالب أن الثوب الواحد لا يسع لذلك مع ستر المنكب، ولأن النفل سومح [فيه] ما لم يسامح في الفرض، والله أعلم.

قال: ومن كان عليه ثوب واحد بعضه على عاتقه أجزأه ذلك.
ش: لا إشكال في صحة الصلاة في الثوب الواحد إذا ستر العورة، وكان على العاتق منه شيء.
568 - وقد «سأل رجل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن الصلاة في الثوب الواحد فقال: «أولكم ثوبان؟» متفق عليه.
569 - وفي الصحيح أيضا عن جابر بن عبد الله [- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -] «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إذا كان الثوب واسعا فالتحف به، وإذا كان ضيقا فاتزر به» . 570 - وفي الصحيح عنه أيضا «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صلى في ثوب واحد متشحا به» . وأشعر كلام الخرقي بأن الثوبين أفضل، وهو واضح، لأن سؤال الرجل له - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن الصلاة في الثوب الواحد يدل على أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان من عادته الصلاة في ثوبين.

571 - وفي بقية الحديث من [رواية] البخاري: ثم سأل رجل عمر فقال: إذا وسع الله فأوسعوا.
والأفضل من الثوبين ما كان أسبغ، والله أعلم.

قال: ومن لم يقدر على ستر العورة صلى جالسا [يومئ إيماء] . 572 - ش: لما روى سعيد بن منصور بإسناده عن نافع عن ابن عمر - في قوم انكسرت بهم مراكبهم في البحر، فخرجوا عراة - قال يصلون جلوسا، يومئون إيمان.
ولم ينقل عن صحابي خلافه.
وظاهر كلام الخرقي أن الجلوس على طريق الوجوب، وهو ظاهر كلام أحمد في رواية أبي طالب، قال: لا يصلون قياما، إذا ركعوا أو سجدوا بدت عوراتهم.
لكن عامة الأصحاب على أن الجلوس على سبيل الاستحباب، وهو ظاهر كلام أحمد في رواية الأثرم، إذ الستر آكد من القيام والركوع والسجود،

بدليل وجوبه على الراحلة، وفي النافلة، وخارج الصلاة، واشتراط دوامه في جميعها، وهذه الأركان آكد، للإجماع عليها، ولأن الركن من ذات العبادة، والشرط خارج عنها ولأن المحافظة على ثلاثة أركان أولى من المحافظة على بعض شرط، وإذا تقرر أن كل واحد منهما آكد من وجه، خيرناه بينهما، واستحببنا الستر، لأنه أحسن وأليق [بالأدب] وحمل الشيرازي وجها في المنفرد أنه يصلي قائما، قال: بناء على أن الستر كان لمعنى في غير العورة، وهو عن أعين الناس، وأما ما حكاه في المقنع من وجوب القيام، على رواية، فمنكر لا نعرفه، والله أعلم.

كيفية صلاة العراة

قال: فإن صلى جماعة عراة كان الإمام معهم في الصف.
[وسطا] . ش: الجماعة مشروعة للعراة كغيرهم، للعمومات، والسنة

أن يقفوا صفا واحدا، والإمام وسطهم، لأنه أستر لهم، ولذلك كانت إمامة النساء في وسطهن.

قال: يومئون إيماء، ويكون سجودهم أخفض من ركوعهم، و [قد روي] عن أبي عبد الله [- رَحِمَهُ اللَّهُ - رواية أخرى] أنهم يسجدون بالأرض.
ش: المختار لمن عدم السترة أن يومئ بالركوع والسجود لما تقدم، ويكون السجود أخفض من الركوع، محاكاة للبدل بالمبدل، ولو ركعوا وسجدوا جاز، كما تقدم في القيام، وعن أحمد، [- رَحِمَهُ اللَّهُ -] أنه يلزمهم الركوع والسجود بالأرض، اختارها ابن عقيل، لئلا يسقط فرضين بتحصيل واحد، والله أعلم.

قال: ومن كان في ماء وطين أومأ إيماء.
ش: هذا [المشهور] المعروف من الروايتين، لأنه إن سجد على الماء فالماء لا قرار له، وإن سجد على الطين لحقته مشقة وضرر، وذلك منفي شرعا، وقد صلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على راحلته بالإيماء كذلك كما سيأتي إن شاء الله (والرواية الثانية) أن يسجد على متن الماء، محافظة على ما أمكن من

السجود، قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» . وقد شمل كلام الخرقي الراكب، فإنه يصلي على مركوبه - إذا خشي الأذى بالمطر أو الوحل - بالإيماء، إن تعذر عليه الركوع والسجود على ظهر المركوب.
573 - «لما روى يعلى بن مرة عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه انتهى إلى مضيق، ومعه أصحابه، والسماء من فوقهم، والبلة من أسفل منهم، فصل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على راحلته، وأصحابه على [ظهور] دوابهم، يومئون إيماء، يجعلون السجود أخفض من الركوع» . رواه الترمذي وغيره (وعنه) المنع.

فصول الكتاب · 56 فصل · 704 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح الزركشي على مختصر الخرقي · 704 صفحة
كتاب الطهارة
كتاب الصلاة
كتاب صلاة الخوفكتاب صلاة الكسوفكتاب صلاة الاستسقاء
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب البيوع
كتاب السلم
كتاب الرهن
كتاب الحجركتاب الصلحكتاب الحوالة والضمانكتاب الشركة
كتاب الوكالة
كتاب الشفعةكتاب المساقاةكتاب الإجارةكتاب إحياء الموات
كتاب الوقوف والعطايا
كتاب اللقيط
كتاب الوصايا
كتاب الفرائض
كتاب الولاء
كتاب الوديعة
كتاب النكاح
كتاب الطلاق
كتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب اللعان
كتاب العدد
كتاب الرضاع
كتاب النفقات
كتاب الجراح
كتاب القسامة
كتاب المرتد
كتاب الحدود
كتاب القطع في السرقةكتاب قطاع الطرق
كتاب الأشربة وغيرها
كتاب الجهاد
كتاب الجزية
كتاب الصيد والذبائح
كتاب الأضاحي
كتاب السبق والرمي
كتاب الأيمان والنذور
كتاب الكفارات
كتاب أدب القاضي
كتاب القاضي إلى القاضي
كتاب الشهادات
كتاب الأقضية
كتاب العتق
كتاب عتق أمهات الأولاد
جارٍ التحميل