كتاب الحدود
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الزركشي، شمس الدين
- الكتاب
- شرح الزركشي
- المؤلف
- شمس الدين محمد بن عبد الله الزركشي المصري الحنبلي (المتوفى: 772هـ)
- الناشر
- دار العبيكان
- الطبعة
- الأولى، 1413 هـ - 1993 م
- عدد الأجزاء
- 7 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
يعرف بالزنا، فإن الحد يجب بقذفه، وقال الشيرازي: لا يجب الحد بقذف مبتدع ولا مبتدعة.
(الشرط الثاني) : في المقذوف مطالبته بالقذف، لأنه حق له، فلا يستوفى بدون طلبه كبقية حقوقه.
وهذا سواء قلنا: إنه للقاذف محض حق له، كما هو المنصوص، والمختار للأصحاب، أو قلنا: هو حق الله تعالى، وليست بالبينة، لأنه أذى للآدمي فيه حق، قطعا للأذى الحاصل له، مع أن مقتضى كلام أبي البركات نفي الخلاف رأسا، والقطع بأنه حق للآدمي، وهو الصواب، وبيان ذلك له محل آخر، وتعتبر استدامة الطلب إلى إقامة الحد، فلو طالب ثم عفى عن الحد سقط، على المذهب وعلى الرواية المحكية بأنه حق لله تعالى لا يسقط بالعفو.
(تنبيهان) : أحدهما: إذا وجب الحد بقذف من لم يبلغ لم يقم حتى يبلغ ويطالب، لعدم اعتبار كلامه قبل البلوغ، وليس لوليه المطالبة، حذارا من فوات التشفي، ولو قذف غائبا اعتبر قدومه وطلبه، إلا أن يثبت أنه طالب في غيبته، فيقام على المذهب، وقيل: لا، لاحتمال عفوه، ولو قذف عاقلا فجن أو أغمي عليه قبل الطلب، لم يقم حتى يفيق ويطالب، فإن
كان قد طالب ثم جن أو أغمي عليه جازت إقامته.
(الثاني) : يستثنى مما تقدم الوالد لا يحد بقذف ولده، والله أعلم.
قال: وإن كان القاذف عبدا أو أمة جلد أربعين، بدون السوط الذي يجلد به الحر.
ش: الإجماع على وجوب الحد على العبد بقذف المحصن، لشمول الآية الكريمة له، ثم مقدار الحد إن كان القاذف حرا ثمانون للآية الكريمة، وإن كان القاذف عبدا فأربعون، جعلا له على النصف من الحر، لأن ذلك مما يتبعض.
3151 - وقد قال أبو الزناد: جلد عمر بن عبد العزيز عبدا في فرية ثمانين، قال أبو الزناد: فسألت عبد الله بن عامر بن ربيعة عن ذلك، فقال: أدركت عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، والخلفاء هلم جرا، فما رأيت أحدا جلد عبدا في فرية أكثر من أربعين.
. رواه مالك في الموطأ.
3152 - وقال سعيد: حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه، قال: حضرت عمر بن عبد العزيز جلد عبدا في فرية ثمانين، فأنكر ذلك من حضره من الناس والفقهاء، وهذا كنقل الإجماع
من الصحابة، والإنكار على من خالفهم، وهو يخص عموم الآية، وإن كان القاذف نصفه حرا فبحساب ذلك، على ظاهر كلام أحمد، لأن ذلك مما يتبعض، وقيل: هو كالعبد، لأن الإجماع إنما انعقد على الثمانين في الحر، فيبقى فيما عداه على أصل براءة الذمة، ولو قيل بالعكس لاتجه، لشمول الآية الكريمة للجميع، خرج منه العبد لأقوال الصحابة، فما عداه على العموم.
واشترط الخرقي أن يكون جلد العبد بسوط دون الذي يجلد به الحر، تخفيفا للصفة كما خفف في القدر، ولأبي محمد احتمال بتساويهما، وهو ظاهر كلام جماعة من الأصحاب، لأنه على النصف، ولا يتحقق التنصيف إلا مع المساواة.
قال: وإذا قال له: يا لوطي، سئل عما أراد، فإذا قال: أردت أنك من قوم لوط، فلا شيء عليه، وإن قال: أردت أنك تعمل عمل قوم لوط، فهو كمن قذف بالزنا.
ش: إذا قال له: يا لوطي، فعند الخرقي - وهو إحدى الروايتين عن أحمد - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أن هذا ليس بصريح في القذف،
لاحتماله له ولغيره، إذ يحتمل أنه منهم أي ينسب إليهم.
وإذا احتمل واحتمل، والحد يدرأ بالشبهة، مع أن الأصل براءة الذمة، لم يحكم بأنه صريح، وعند ذلك يسأل عما أراد، فإن فسره بما لا يوجب الحد، كما إذا قال: أردت أنك من قوم لوط، أي تنسب إليهم، فلا حد عليه، لأنه فسر كلامه بما يحتمله مما لا يوجب حدا، وإن فسره بما يوجب الحد، كما إذا قال: أردت أنك تأتي الذكران؛ وجب الحد عندنا بلا ريب، لوجوب حد الزنا على فاعل ذلك كما تقدم، وهذا هو الضابط، وهو أن كل ما وجب حد الزنا بفعله، وجب الحد بالقذف به، وما لا، فلا، ومن ثم خرج الخلاف إذا قذفه بإتيان بهيمة، انتهى.
وكذلك إن فسره بما يشمل الوطء
وغيره، كقوله: أردت أنك تعمل عمل قوم لوط؛ لأن من أشهر أعمالهم إتيان الذكران.
(وعن أحمد) لا يقبل تفسيره في حال الغضب، لأن القرينة تكذبه، والمنصوص عن أحمد في رواية الجماعة - وعليه عامة الأصحاب - أن ذلك صريح في القذف، فلا يقبل قوله بما يحيله، لأن هذا اللفظ إذا أطلق لا يكاد يفهم منه إلا إتيان الذكران، وإرادة الانتساب إلى قوم لوط بعيدة جدا؛ إذ الظاهر أو القطع بأنهم لم يبق منهم أحد، والاحتمال البعيد وجوده كعدمه، ومن ثم بعد الشيخان قول الخرقي، فعلى هذا إذا قال: أردت أنك تعمل عمل قوم لوط غير إتيان الذكران، فهل يقبل منه، نظرا إلى أنه من باب إطلاق العام، وإرادة الخاص، وهو سائغ كثيرا، أو لا يقبل، لمخالفته الظاهر؟ فيه وجهان.
أما على قول الخرقي فيقبل منه بطريق الأولى، لأنه إذا قبل منه صرف اللفظ عن مقتضاه عرفا، فلأن يقبل منه إطلاق العام وإرادة الخاص أولى، هذا هو التحقيق، تبعا لأبي البركات.
وأبو محمد في مغنيه يبني الوجهين على روايتي الصراحة وعدمها، فإن قلنا صريح لم يقبل، وإلا قبل، والله أعلم.
قال: وكذلك من قال يا معفوج.
ش: هذا التشبيه (يحتمل) أن يرجع إلى أصل المسألة السابقة، فعلى هذا إن فسره بما لا يوجب الحد، كما إذا قال: أردت أنك معفوج دون الفرج ونحوه، قبل منه عند الخرقي، ولم يقبل منه عند غيره، وعلى هذا جرى الشيخان.
(ويحتمل) أن يرجع إلى قوله: فهو كمن قذف بالزنا، فيجب الحد، ولا يقبل التفسير.
ولعله أظهر، إذ المعفوج مفعول من عفج بمعنى نكح، فهو بمعنى منكوح أي موطوء.
(تنبيه) : قد أخذ من كلام الخرقي في هذه المسألة، وفي التي قبلها أن الحد لا يجب إلا بلفظ صريح، كقوله: يا زاني، أو يأتي باللفظ الحقيقي في الجماع، أما الألفاظ المحتملة كقوله لامرأة: يا قحبة، أو لرجل: يا مخنث، أو يقول لعربي: يا نبطي، يا فارسي، أو يعرض بالزنا، كأن يقول لمن يخاصمه: ما أنت بزان، ما يعرفك الناس بالزنا، يا حلال ابن الحلال، ونحو ذلك، فلا يجب به الحد، وهذا إحدى الروايتين، واختيار أبي بكر، وأبي محمد.
(والثانية) : يجب الحد بجميع ذلك في الجملة، وهي اختيار القاضي، وكثير من أصحابه في التعريض، وتحقيق الروايتين وتوجيههما له محل آخر، والله أعلم.
قال: ولو قذف رجل فلم يقم عليه الحد حتى زنا المقذوف، لم يزل الحد عن القاذف.
ش: نظرا إلى أن شرط وجوب الحد وهو الإحصان قد وجد، فلا عبرة بما يطرأ بعده، وصار هذا كما لو سرق عينا ثم ملكها، ونحو ذلك، وفي قوله: فلم يقم عليه الحد حتى زنى إشعار بأنه لو ثبت أنه كان زنى قبل القذف أن الحد يزول عن القاذف، وهو كذلك، لتبين زوال شرط الوجوب، والله أعلم.
قال: ومن قذف عبدا أو مشركا، أو مسلما له دون العشر سنين أو مسلمة لها دون تسع سنين؛ أدب ولم يحد.
ش: قد تقدم أن من شرط وجوب الحد إسلام المقذوف، وحريته، وكونه يجامع مثله، أو بالغ على ما تقدم، مع العقل، والعفة عن الزنا، والسلامة من وطء الشبهة على وجهيه، فمتى عدم واحد من هذه انتفى الوجوب، وإذا يؤدب زجرا عن عرض المعصوم، وكفا له عن أذاه.
(وعن أحمد) : لا يؤدب لقذف كافر، والأول المذهب بلا ريب، ولا عبرة بإيراد ابن حمدان في الكبرى المذهب الثاني، جعل الأول قويلا، (وعن أحمد) في أم الولد إذا كان لها ولد يحد قاذفها، وبه قطع الشيرازي، وقيل: يحد العبد بقذف العبد، ولا عمل على ذلك.
(تنبيه) : لا يحد والد لقذف ولده، نص عليه في رواية ابن منصور وأبي طالب، وهل يؤدب؟ لفظه في رواية ابن منصور: لا يحد، فيحتمل أنه يؤدب، ولفظه في رواية أبي طالب: ليس عليه شيء، لا يؤخذ لابن من أبيه حد، فيحتمل أنه لا يؤدب، وهو أظهر، وهل حكم الأم حكم الأب؟ فيه وجهان، أصحهما - وهو الذي قطع به أبو محمد في الكافي، وابن البنا - أن حكمها حكمه، وحكم الجد والجدة، وإن علوا حكم الأب، قاله ابن البنا والله أعلم.
قال: ومن قذف من كان مشركا، وقال: أردت أنه زنى وهو مشرك؛ لم يلتفت إلى قوله، وحد إذا طالب المقذوف.
ش: نظرا إلى الحالة الراهنة، وهو إذا مسلم، فيدخل في الآية الكريمة، ولو كان قال: زنيت وأنت مشرك، فهل يحد أو لا يحد؟ على روايتين، أصحهما وأنصهما الثاني، وعليها إذا قال: أردت قذفي في الحال، فأنكره، فهل يحد، وهو اختيار القاضي، أو لا يحد، وهو اختيار أبي الخطاب؟ فيه وجهان، وأبو محمد يحكي الروايتين فيما إذا قال: زنيت في شركك، ولعل مدرك ذلك أنه وصل قوله بما يبطله، ومدرك الأول أن الواو هل هي للحال أو عاطفة؟ وقوله: إذا طالب المقذوف، زيادة إيضاح، وإلا لا بد من شروط الوجوب في كل موضع، والله أعلم.
قال: وكذلك من كان عبدا.
ش: أي إذا قذفه بعد أن أعتق وقال: أردت أنه زنى وهو عبد.
لم يلتفت إلى قوله، كالمسألة السابقة، لأنهما متساويان معنى، فتساويا حكما، والله أعلم.
الحد في قذف الملاعنة
قال: ويحد من قذف الملاعنة.
ش: لأن لعانها لم يثبت زناها، فإحصانها باق.
3153 - وعن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قضى في الملاعنة أن لا ترمى، ولا يرمى ولدها، ومن رماها أو رمى ولدها فعليه الحد» ، رواه أبو داود، والله أعلم.
قال: وإذا قذفت المرأة لم يكن لولدها المطالبة إن كانت الأم في حال الحياة.
ش: لأن الحق لها، فلا يطالب به غيرها، ولا فرق بين أن يتعذر الطلب منها لجنونها ونحو ذلك، أو لا يتعذر، لما فيه من فوات التشفي المقصود قطعا.
وقول الخرقي: إذا كانت الأم في حال الحياة، مفهومه أن للولد المطالبة إذا ماتت الأم، وهذا بشرط أن تطالب الأم على المذهب المنصوص، وعلى تخريج لا يشترط الطلب، واعلم أن هذا الذي ذكره الخرقي على سبيل المثال، وإلا جامع المسألة بأن الحي ليس لوارثه المطالبة بموجب قذفه في
حياته، وله ذلك بعد مماته بشرطه، ثم من يرثه هل هم جميع الورثة، وهو ظاهر كلام أبي محمد، وبه قطع القاضي في خلافه فيما أظن، ونص عليه أحمد في رواية ابن منصور، أو يختص به من سوى الزوجين، وهو قول القاضي في موضع آخر، أو تختص به العصبة؟ على ثلاثة أقوال، والله أعلم.
قال: وإذا قذفت أمه وهي ميتة، مسلمة كانت أو كافرة، حرة أو أمة، حد القاذف إذا طالب الابن وكان حرا مسلما.
ش: دفعا للحقوق العار بالابن، فإنه والحال هذه يلحقه العار، بخلاف ما إذا كانت الأم في الحياة، فإن معظم العار لاحق بها، وقول الخرقي: وهي ميتة، مسلمة كانت أو كافرة، حرة أو أمة، إذا طالب الابن، وكان حرا مسلما؛ تنبيه على أن شرط الوجوب من الإحصان والمطالبة إنما يشترطان في الولد نظرا إلى أن القذف في الحقيقة كأنه له، لا في الأم.
(تنبيه) : جعل أبو البركات ذكر الخرقي الأم هنا على سبيل المثال، فقال: إن حد قذف الميت يثبت لجميع الورثة حتى الزوجين؛ نص عليه، وقال في موضع: يختص به من سواهما، وقيل تختص به العصبة، وأبو محمد عدى ذلك
إلى الأمهات بطريق القياس، معللا بالقدح في النسب كالمسألة قبل، وحكى فيمن يرث قذف الميت الأقوال الثلاثة في القذف الموروث، والقاضي في الجامع الصغير قطع بأن الوارث هنا جميع الورثة، وأبو محمد والشيرازي وابن البنا اقتصروا على الأم، معللين بالقدح في النسب، واقتصر على ذلك.
ولا خلاف عنده أنه لو كان المقذوف جده أو أخاه ونحوهما من الأقارب عدا الأمهات أن الحد لا يجب، لانتفاء القدح في النسب والأقوال التي ذكرها أبو البركات جارية عنده في القذف الموروث، والمنصوص والله أعلم إنما هو فيه، فإن القاضي في تعليقه جزم فيه بأنه لجميع الورثة، معتمدا على قول أحمد في رواية ابن منصور في رجل قذف يهودية أو نصرانية، ولها ولد مسلم، أو زوج مسلم، يقام عليه الحد.
قال: فقد جعل للزوج حقا فيه.
اهـ.
وأبو محمد يوافق في هذه الصورة أنه لجميع الورثة على ظاهر كلامه، والله أعلم.
قذف أم النبي
قال: ومن قذف أم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قتل، مسلما كان أو كافرا.
ش: لأن ذلك قدح في نسب النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وتعريض لسبه وتنقيصه، وذلك موجب للقتل لما تقدم، وقوله: قتل؛ ظاهره، ولا يستتاب، وهو إحدى الروايتين، وهو المذهب، وقد تقدم ذلك، وكذلك الروايتان فيما إذا أسلم الكافر هل يسقط عنه
القتل أم لا، والخلاف في سقوط القتل، أما توبته فيما بينه وبين الله تعالى فمقبولة بلا ريب، والله أعلم.
قذف الجماعة بكلمة واحدة
قال: ومن قذف الجماعة بكلمة واحدة فحد واحد إذا طالبوه، أو واحد منهم.
ش: هذا هو المشهور من الروايات، نظرا إلى أن الحد إنما وجب بإدخال المعرة على المقذوف بقذفه، وبحد واحد يظهر كذب هذا القاذف في قوله، ولأن الذين شهدوا على المغيرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - تضمن قولهم قذف امرأة، ولم يحدهم عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إلا حدا واحدا.
(وعن أحمد) : لكل واحد حد، نظرا إلى أن كل واحد مقذوف، والبراءة من المقذوف بحد كامل.
(والرواية الثالثة) : إن طلبوا جملة فحد واحد وإلا فحدود، لأنهم إذا اجتمعوا على طلبه وقع الحد للجميع، بخلاف ما إذا تفرقوا، فإن طلب أحدهم لا يكون طلبا من الآخر، ولا مسقطا لحقه، وعلى المذهب: الحق واجب لهم على سبيل البدل، فأيهم طلب به استوفى، ولم يكن لغيره الطلب، وإن أسقط أحدهم فلغيره طلبه واستيفائه، لأن المعرة عنه لم تزل.
ومفهوم كلام الخرقي أنه إذا قذف الجماعة بكلمات أن لكل واحد حدا، وهو المذهب المشهور من الروايتين، لأن ظهور كذبه في أحد اللفظين لا يدل على كذبه في اللفظ
الآخر، وبهذا فارق ما إذا كان بكلمة واحدة، ولأنها حقوق لآدميين، فلم تتداخل كالديون.
(والرواية الثانية) : إن طلبوا جملة فحد واحد، لوقوع الحد إذا لهم كالأيمان، وإلا فحدود، والله أعلم.
إقامة الحد في الحرم
قال: ومن أتى حدا خارج الحرم، ثم لجأ إلى الحرم لم يبايع ولم يشار حتى يخرج من الحرم، فيقام عليه الحد.
ش: من حل دمه بقصاص أو ردة، أو غير ذلك، أو وجب عليه حد لسرقة، أو شرب خمرة ونحوه، ثم لجأ إلى الحرم، فإنه لا يقام عليه ذلك فيه، ولكن لا يبايع، ولا يشارى، ولا يطعم ولا يسقى، حتى يخرج من الحرم فيقام عليه؛ هذا هو المشهور من الروايتين عن الإمام أحمد، والمختار لأصحابه، لقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: 97] أي: الحرم، وهو خبر بمعنى الأمر، أي آمنوا من دخل الحرم، أو خبر عما استقر في حكم الشرع.
3154 - ولقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إن الله حرم مكة ولم يحرمها الناس، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما، ولا يعضد بها شجرة، فإن أحد ترخص بقتال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقولوا: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم، وإنما أذن لي ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، فليبلغ الشاهد الغائب» متفق عليه.
وفي لفظ: «وإنما أحلت لي ساعة من نهار، ثم عادت إلى حرمتها، فلا يسفك فيها دم» . والحجة فيه من وجهين: (أحدهما) : أنه حرم سفك الدم بها وأطلق، وتخصيص مكة بذلك يدل على أن الدم الحلال مراد، وهو المراد، إذ سفك الدم الحرام لا يختص بمكة، مع أن اللفظ الآخر نكرة في سياق النفي، فيعم كل دم.
(الثاني) قوله: وإنما حلت لي ساعة من نهار، والذي أحل له سفك دم حلال، منع منه الحرم وأحل له، ثم عادت الحرمة، وبهذا تتقيد إطلاقات قطع السارق، وجلد الزاني، ونحو ذلك، وما وقع في الحديث من قوله: «إن الحرم لا يعيذ عاصيا، ولا فارا بدم ولا فارا بخربة» ، هو من قول عمرو بن سعيد الأشدق، يدفع به الحديث المتقدم، وقوله هو المدفوع.
(والرواية الثانية) : يجوز استيفاء كل شيء ما عدا القتل، لأن الحديث إنما صرح فيه بسفك الدم، وغير النفس لا يقاس عليها، لعظم النفس، والمذهب الأول، وعليه لا يبايع ولا يشارى، ولا يطعم ولا يؤوى، ويقال له: اتق الله
واخرج، ليؤخذ منك الحق الذي عليك، ليكون ذلك وسيلة إلى استيفاء ما عليه، إذ لا يجوز تركه بالكلية.
3155 - وتبعا لابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - فإنه قال ذلك، رواه عنه الأثرم، إذا تقرر هذا فالخرقي - رَحِمَهُ اللَّهُ - إنما نص على الحد؛ لأنه إذا منع في الحد، فالقتل، وقطع الطريق بطريق الأولى، أو يقال: كلها حدود، لأن الله تعالى حدها وشرعها.
(تنبيه) : إذا استوفي منه في الحرم وقع الموقع مع الإساءة.
قال: وإن قتل أو أتى حدا في الحرم، أقيم عليه الحد في الحرم.
ش: لأنه لما انتهك حرمة الحرم انتهكت حرمته، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ [البقرة: 191] إلى قوله: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 194] .
3156 - وعن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: من أحدث حدثا في الحرم أقيم عليه ما أحدث فيه من شيء، رواه الأثرم.
(تنبيه) : التعريف في الحرم لمعهود ذهني، وهو حرم مكة، أما حرم مدينة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فلا يمنع من إقامة حد ولا قصاص فيه، والله سبحانه وتعالى أعلم.